LOGINكانت الدكتورة فريدة النويهى زوجة البروفيسوركاظم ووالدة آدم ويوسف تجلس في الصالة إلى جوار البروفيسور كاظم.
بدت المرأة في كامل أناقتها المعتادة، وقد وضعت حقيبتها إلى جوار المقعد، بينما كانت تتحدث مع كاظم قبل أن ترفع رأسها نحو الداخلين.كان حضورها غير متوقع، ليس لأن عودتها إلى الفيلا أمر مستحيل، بل لأنها كانت تقضي فترات طويلة خارج البلاد أو في مرافق الأبحاث التابعة لوكالة الفضاء،حيث تشارك في مشروعات علمية متقدمة وبرامج بحثية لا تسمح لها بالعودة إلى المنزل إلا على فترات متباعدة.كانت الدكتورة فريدة النويهى زوجة البروفيسوركاظم ووالدة آدم ويوسف تجلس في الصالة إلى جوار البروفيسور كاظم.بدت المرأة في كامل أناقتها المعتادة، وقد وضعت حقيبتها إلى جوار المقعد، بينما كانت تتحدث مع كاظم قبل أن ترفع رأسها نحو الداخلين. كان حضورها غير متوقع، ليس لأن عودتها إلى الفيلا أمر مستحيل، بل لأنها كانت تقضي فترات طويلة خارج البلاد أو في مرافق الأبحاث التابعة لوكالة الفضاء، حيث تشارك في مشروعات علمية متقدمة وبرامج بحثية لا تسمح لها بالعودة إلى المنزل إلا على فترات متباعدة. وقد اعتاد آدم ويوسف غيابها لأشهر طويلة، حتى أصبحا يتعاملان مع عودتها باعتبارها حدثًا نادرًا يحتاج إلى ترتيب مسبق، لا مفاجأة تنتظرهما بعد يوم عمل عادي.فتح آدم فمه بدهشة، ثم تبادل نظرة سريعة مع يوسف قبل أن يقول الاثنان تقريبًا في الوقت نفسه: "أمي؟ متى عدتِ؟"ابتسمت فريدة، لكن عينيها لم تتوقفا عند ابنيها طويلًا. فقد انتقلت نظرتها إلى إيلين، وما إن رأتها حتى نهضت من مقعدها، وارتسم على وجهها مزيج من الفرح والتأثر، وعينيها كادت تمتلئ بالدموع ثم قالت بصوت دافئ: " إيلين ابنتي... لم أصدق ذلك
نظر يوسف إلى آدم وإيلين، ثم خفض صوته وقال: "لن يكون الحديث عبر الهاتف مفيدًا. سنعود إلى الفيلا الآن، وسأخبرك بكل شيء حين نصل."لم يضغط كاظم عليه، لكنه قال بنبرة جادة: "حسنًا، أنا في انتظاركم. قودوا بحذر، ولا تتصرفوا باندفاع قبل أن نرى ما لديكم."أنهى يوسف الاتصال، ثم عاد إليهما. كان آدم لا يزال واقفًا إلى جوار إيلين، محافظًا على ذراعه حولها، بينما كانت هي تنظر إلى نقطة ثابتة أمامها، كأنها تحاول استعادة قدرتها على التفكير. اقترب يوسف، وتناول حقيبته من فوق المكتب، ثم قال: "أبي ينتظرنا في الفيلا. لم أقل له أى التفاصيل، لكنه أدرك أن الأمر ليس بسيطًا."أومأ آدم، ثم أخذ حقيبة إيلين ووضعها على كتفه، قبل أن يوجهها برفق نحو الباب. لم يعترض أي منهما على مغادرة الشركة، ولم يلتفت يوسف إلى الدعوات التي بقيت فوق المكتب، ولا إلى الجهاز اللوحي الذي ظل يعرض أخبار أكسيوم تكنولوجي. كل ما كان يشغلهم الآن هو الرسالة التي وصلت إلى إيلين، والكلمات التي بدت وكأنها فتحت بابًا لم يكن أي منهم مستعدًا لعبوره.أعطي يوسف تعليماته لمالك قبل رحيلهم ثم غادر الثلاثة المكتب بسرعة، واتجه
اتسعت عيناه فجأة، وتوقفت أصابعه عن الحركة، بينما انفرجت شفتاه قليلًا من دون أن يصدر عنه صوت. أعاد قراءة الكلمات مرة أخرى، وكأنه يأمل أن يكون قد أخطأ في فهمها من المرة الأولى، ثم رفع الهاتف إلى مستوى عينيه، وراح يتفحص تفاصيل الرسالة بعناية أكبر. لكن الكلمات بقيت كما هي، واضحة وقاسية، لا تترك مساحة مريحة للتأويل........... "هذا مستحيل."خرجت العبارة من فمه بصوت خافت، أقرب إلى الهمس منه إلى الكلام، لكنها كانت كافية لتجعل يوسف يتراجع نصف خطوة، ثم يقترب منه مجددًا بقلق متزايد."ماذا تعني بالمستحيل يا أخي؟ ما الذي تقرؤه؟ هل حدث شيء خطير؟"لم يجبه آدم فورًا. كان لا يزال يحدق في الشاشة، وقد بدا وكأن عقله يحاول التوفيق بين ما يعرفه وما قرأه للتو. تحرك فكه ببطء، ثم رفع عينيه نحو إيلين، فوجدها واقفة في مكانها، وقد ازداد شحوب وجهها، بينما أخذت أصابعها تتحرك بعصبية أمام جسدها، كأنها تبحث عن شيء تتمسك به كي لا تفقد توازنها.رأى يوسف تغير ملامح أخيه، فشعر بقبضة باردة تنغلق حول قلبه. لم يكن آدم ممن يفقدون تماسكهم بسهولة، ولا ممن يطلقون أحكامًا متسرعة أمام خبر مجهول، و
أما آدم، فاكتفى بإيماءة موافقة، ثم أخرج هاتفه ليتفقد بعض الرسائل التي وصلت خلال غيابهما عن الشركة. عادت المحادثة تدريجيًا إلى الأعمال التي ينبغي إنجازها قبل نهاية اليوم، وتناول الثلاثة بعض التفاصيل المتعلقة بالمهام المؤجلة، بينما ظل الجهاز اللوحي يعرض في الخلفية صور الحملة الإعلانية لأكسيوم تكنولوجي وعناوينها الصاخبة. كانت ميرال في مكان آخر تستعد لحفلها، بينما كان اسم شركتها يتردد على المنصات بوتيرة متزايدة، ولم تكن تعرف بعد أن اثنين من أبرز الأسماء اللذين حرصت على دعوتهما قررا بالفعل عدم الحضور.وبينما كان يوسف يستعد لإغلاق الجهاز اللوحي، انقطع الحديث فجأة بصوت رنين قصير صدر من هاتف إيلين الشخصي. لم يكن الرنين مألوفًا، ولم يظهر على الشاشة اسم جهة اتصال أو رقم معروف، بل أضاءت الواجهة بإشعار واحد يشير إلى وصول رسالة من مرسل مجهول.توقفت يد إيلين فوق الملف الذي كانت تتصفحه، ورفعت رأسها ببطء نحو الهاتف. اختفت الابتسامة الخفيفة من وجهها، وحل محلها تركيز حاد لم يلحظه آدم في اللحظة الأولى. ثم مدت يدها إلى الجهاز، والتقطته من فوق المكتب، بينما بقيت عيناها م
لم يكن يوسف يعلم أن هدوءها لم يكن نابعًا من تجاهل ما يحدث، بل من معرفتها بجزء من الصورة لا يملكه الآخران. فقبل مغادرتها مجموعة الداغر، كانت إيلين قد اتخذت تدابير احترازية دقيقة لحماية بعض المسارات والمعلومات التي قد تتأثر بأي اختراق أو تسريب. لم تكن تلك التدابير تعني أنها تتابع كل تفاصيل التحقيق لحظة بلحظة، لكنها أبقت أمامها مؤشرات محددة تسمح لها بمعرفة ما إذا كانت هناك أزمة تمس المشروعات التي ارتبطت بها سابقًا، أو ما إذا كانت التحركات داخل المجموعة تشير إلى خطر يتجاوز مجرد خلل تقني عابر.ولهذا لم يكن خبر التسريب مفاجأة لها بالقدر الذي قد يتوقعه الآخرون، كما أنها لم تكن تعتمد على التخمين وحده في تقدير انشغال مراد. كانت قد رصدت مؤشرات كافية لتدرك أن الأزمة أكبر من أن تُترك جانبًا من أجل حملة ترويجية، وأن تعدد الأطراف المشاركة في إدارة مجموعة الداغر سيجعل أي محاولة لتجاهلها أمرًا صعبًا. والأهم من ذلك أنها كانت قد أرسلت تحذيرًا إلى الملك الأسود قبل أن تصل الأمور إلى هذه المرحلة، مستندة إلى ما استطاعت جمعه من إشارات ومعلومات عبر التدابير التي وضعتها مسبقًا.
رفع يوسف عينيه إليها، وبدا أنه يستعد للاعتراض، لكنها تابعت قبل أن يمنح نفسه الفرصة لذلك: "حتى لو أرسلت إليّ دعوة، فلن أذهب. لدينا أمور أهم بكثير من حضور حفل إطلاق مشروع منافس، وأوريون نوفا لن تتعثر بسبب مشروع واحد، مهما كانت الحملة الإعلانية المحيطة به صاخبة. إن كان المشروع جيدًا فعلًا، فسيثبت قيمته بالاختبارات والنتائج، وإن لم يكن كذلك، فلن تنقذه عناوين الصحف مهما تكررت."ارتخت أصابع يوسف قليلًا حول بطاقتي الدعوة، وخف التوتر في كتفيه، لكنه لم يتخلَّ تمامًا عن انزعاجه. أنزل البطاقتين إلى سطح المكتب، ودفعهما بعيدًا عنه بحركة مقتضبة، ثم قال: "أعرف أنك محقة، يا أختي، لكن انظري إلى هذه الحملة. لقد صُوِّر الأمر وكأن أكسيوم اكتشفت سرًا ظل مجهولًا لعقود، لا كأنها طورت نظامًا جيدًا للتنبؤ بأعطال المركبات. أنا لا أقلل من قيمة الفكرة، فمراقبة بيانات الحساسات واكتشاف الأنماط غير الطبيعية قبل وقوع الأعطال أمر مفيد بالفعل، لكن أين الثورة التي يتحدثون عنها؟ وأين الإنجاز الذي يبرر كل هذا الضجيج؟"تقدم آدم نحو المكتب، وسحب المقعد المقابل ليوسف قبل أن يجلس عليه، ثم مد يده إلى الجهاز الل
لم يكن في العودة من المقابر ما يشبه الرجوع العادي.الطريق نفسه بدا أطول، أو ربما كانت المسافة هذه المرة تُقاس بما تُرك خلفهم لا بما ينتظرهم. جلست إيلين في المقعد الخلفي، ساكنة على نحو لا يُفسَّر بالهدوء، بل بشيء أقرب إلى الحسم. لم تكن تنظر إلى الخارج بقدر ما كانت تنظر إلى الداخل، إلى نقط
لم يكد صندوق المخمل يُغلق حتى تغيّر إيقاع الجلسة بالكامل، كأن اللحظة نفسها قررت أن تعلن عن معناها الحقيقي دون مواربة. لم يعد الأمر مجرد هدية فاخرة أو لفتة عابرة، بل بدا وكأنه إعلان صامت عن شيء أكبر، شيء فهمه الحاضرون جميعًا دون أن يُقال صراحة.كانت الأنظار تتنقل بين العقد المستقر حول عنق
“إيلين؟” توقّف يوسف في مكانه، وعيناه متسعتان بوضوح كأنه غير مصدق لما يراه. “أأنتِ حقًا؟” أومأت بهدوء: “نعم.” تحرّك نحوها بسرعة، لكنه توقّف فجأة قبل أن يقترب أكثر. ملامحه تغيّرت؛ الدهشة لم تختفِ… لكنها تحوّلت إلى شيء أثقل: “متى عدتِ؟” “اليوم.” سكت لحظة… ثم ضحك ضحكة قصيرة لم تكن مريحة: “
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله… لكنه كان مختلفًا في معناه. جلست إيلين الشهاب أمام مكتب خشبي أنيق داخل غرفة هادئة، تتوسطها طاولة زجاجية واسعة. أمامها وُضعت عدة أوراق مرتبة بعناية، كل صفحة تحمل بنودًا واضحة، محددة… ونهائية. لم تمد يدها فورًا. فقط نظرت اسمها لم يكن في الأعلى هذه المرة… بل في الأسف







