Share

الفصل 4

Author: دوار الشمس
ما إن تأكّد سراج من أنّ يمنى قد استعادت وعيها، حتى لانَت معاملته أخيرًا مع طاقم المستشفى.

دوّن بالتفصيل في مفكّرته كلّ التعليمات التي شدّد عليها الطبيب، ثم أعاد التأكّد منه مرارًا أن يمنى لم يَعُد بها بأس، قبل أن يطمئن أخيرًا ويباشر إجراءات خروجها من المستشفى.

قاد سراج السيارة، ويبدو أن مزاجه في الطريق كان على أحسن ما يكون.

"يمنى، مساعدتي قالت قبل الأيام إن فستان زفافك صار جاهزًا، ما رأيك نمرّ لنراه معًا؟"

لكن يمنى لم تُبدِ أيّ ردّة فعل تُذكر، رفعت جفنَيها بتثاقل، وبعد صمتٍ طويل لم تخرج من فمها إلا عبارة خافتة:

"حسنًا."

ما إن نال منها هذه الموافقة حتى اتّسعت ابتسامته، وضغط بقدمه أكثر على دوّاسة البنزين.

"كنتُ دائمًا أتمنّى أن أراكِ بفستان الزفاف. ثم إن اليوم آخر يوم للمصمِّمة في مدينة الساحل، لو كان هناك شيء غير مناسب، يمكننا أن نطلب تعديلَه مباشرة."

"يمنى، لم يَبقَ أقلّ من شهر وسأتزوّجك. أخيرًا وصلنا إلى نهاية سعيدة."

ظلّ يتحدّث وحده، يلقي بين جملة وأخرى بعض العبارات المتأملة المفعمة بالحنين.

أمّا يمنى فكانت تنظر بصمت إلى المشهد خلف زجاج النافذة، عاجزة حتى عن تكلّف ابتسامة صغيرة.

كانت تريد أن تعرف:

سراج، هل أنت سعيد حقًّا؟ الشخص الذي تريد أن تقضي معه ما تبقّى من عمرك، أهو أنا، أم مها؟

رنّ جرس الهاتف على نحوٍ مفاجئ فقطع عليها سلسلة أفكارها.

فتح سراج الخطّ على مكبّر الصوت بلا كثير اكتراث:

"نعم؟ ماذا هناك؟"

جاءه صوت السكرتيرة، وفي نبرتها شيء من القلق: "السيد سراج، يجب أن تعود إلى الشركة بسرعة، الآنسة مها وقعت في مشكلة."

اسودّ وجه سراج في الحال، وأدار المقوَد بعنف مغيرًا المسار، ثم ضغط على البنزين فانطلقت السيارة كالسهم باتجاه الشركة.

تقدّم جسد يمنى إلى الأمام بقوّة تحت تأثير الاندفاع المفاجئ، قبل أن يشدّها حزام الأمان إلى الخلف، لترتطم المنطقة بين كتفيها بمسند المقعد ارتطامًا موجعًا.

شعرت أن جسدها الذي لم يتعافَ بعد تمامًا يغلي بالدوار والغثيان.

كانت المسافة تستغرق عادةً نصف ساعة، لكن سراج وصل إلى الشركة في أقل من عشر دقائق.

أوقف السيارة على عَجَلة، ونزل منها بخطواتٍ مسرعة من دون أن يلتفت إلى الخلف، متّجهًا مباشرة نحو مبنى المكاتب.

لمّا دخل المصعد، فقط عندها انتبه إلى الشحوب الذي غطّى وجه يمنى.

"يمنى، الأمر… هناك مشكلة طارئة في الشركة لا بدّ أن أتعامل معها. ما رأيك أن تذهبي إلى مكتبي وتستريحي قليلًا ريثما أنتهي؟"

هزّت يمنى رأسها نفيًا، ووجهها في غاية الشحوب، لكن قبل أن تتمكّن من قول شيء، كانت أبواب المصعد قد انفتحت بالفعل.

ولم يعُد سراج قادرًا حتى على التظاهر بالاهتمام، خرج بخطواتٍ سريعة واتجه مباشرة إلى قاعة الاجتماعات.

ما إن فتح الباب حتى بان له المشهد بوضوح: كانت مها تقف وحيدة في مواجهة مجموعة من المديرين التنفيذيين، تعتصر قبضتيها من شدة الغضب.

أحد هؤلاء المدراء ضرب بدفتر مشروعها على الطاولة بعنف وهو يقول بازدراء:

"تبا! أيّ دكتورة عائدة من الخارج هذه؟ كل هذه السنوات ولم نرَ لها إنجازًا واحدًا يُذكَر. ليست إلا حسناء مدلّلة تستظلّ بظلّ السيد سراج. ما الذي يمنحك الحقّ لتفرضي علينا تنفيذ مشروعك هذا؟"

تعالى ضحكٌ خافت من بقية الحاضرين.

"يكفي!" زمجر صوتٌ غاضب فقطع ذلك الضحك الفظّ.

ما إن رأت مها سراج واقفًا عند الباب حتى احمرّت عيناها على الفور.

اشتعل الغضب في وجهه، فتقدّم بسرعة وجذب مها خلفه يحميها، ثم حدّق في وجوه المدراء التنفيذيين بنظرة حادّة.

"مها أنا من وظّفتها هنا. من لديه اعتراض فليأتِ إليّ أنا. أيُّ رجولة هذه في التنمّر على موظفة جديدة؟"

ثم استدار في كلامه فجأة وأكمل: "وفوق هذا، من قال إن مها لم تُحقّق أيّ إنجاز؟ براءة الاختراع التي تقدّمت بها الشركة مؤخرًا هي مشروع كانت مها مسؤولة عنه بالكامل!"

ما إن سمع الحاضرون هذه الجملة حتى عمّت القاعةَ همهمةٌ مدهوشة.

راح المدراء يتبادلون النظرات والهمسات بصوتٍ خفيض، كان واضحًا أنهم لم يتوقّعوا أن تكون لمها مساهمة بهذا الحجم.

أمّا مها نفسها، فلم تقل دهشتها عن دهشتهم، نظرت إلى سراج وعيناها تلمعان برطوبة الانفعال.

"سراج، أنت…"

ناولهًا نظرة مطمئنة وقال: "لا تقلقي. ما دمتُ هنا، فلن يجرؤ أحد على التقليل منك."

كانت يمنى تقف عند الباب، أصابعها تعضّ على حافة الإطار الخشبي بقوّة كي لا تنهار على الأرض.

لم يخطر في بالها قط أنّ ذلك المشروع السرّي الذي أنهكت نفسها لأجله ليالي طويلة بلا نوم.

سيُنسَب بهذه البساطة إلى مها.

تحرّكت شفتاها، ولم يكد يخرج من حلقها مقطعٌ واحد، حتى كان سراج، الذي تنبّه لها بسرعة، قد أمسك بها وجذبها إلى الخارج.

"يمنى، أنا آسف. رأيتِ بنفسك ما كان يجري قبل قليل. لم يكن أمامي إلا أن أفعل هذا، حتى تتمكّن هي من أن تثبّت قدميها في الشركة."

خرج صوت يمنى مبحوحًا: "أأنت متأكّد أنك تريد فعل ذلك فعلًا؟"

"إنها مجرّد خطوة مؤقّتة، حلٌّ مرحلي. سأعوّضك عمّا فعلته، أعدك بذلك."

ارتسمت على وجهها ابتسامة مكسورة وهي تقول ببرود: "لا داعي."

لا داعي، فهما في النهاية لم يَعُد بينهما أيّ غدٍ أصلًا.
Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حب الأمس لا يُستعاد   الفصل 28‬‬

    لم تستطع يمنى كبح فضولها في النهاية، فأمسكت بدفتر اليوميات.قلبت صفحتين بشكل عشوائي، وسرعان ما أدركت أن هناك شيئًا غير طبيعي.بدأت تقلب صفحات اليوميات إلى الوراء بلا توقف.واصلت العودة حتى وصلت إلى الصفحة الأولى، وكان قلب يمنى يخفق بشدة كالرعد.لم تكن تتخيل أنه في أعماق قلب نجم، كان راغبًا تمامًا في الزواج منها.منذ أن كان في الخامسة عشرة، حين أدرك لأول مرة معنى الحب، كانت يومياته مليئة باسمها.كان ينتظرها كل صباح أمام باب منزله ليذهبا إلى المدرسة معًا، وفي كل عطلة نهاية أسبوع كان يختلق أعذارًا مختلفة ليراها.كانت هناك مرات لا تحصى كاد فيها أن يعجز عن إخفاء المشاعر المتأججة في قلبه.لكنه كان يخشى الرفض، ويخاف أن يخسر صداقتها في النهاية.لذا لم يكن أمامه سوى التراجع خطوة للوراء، والاكتفاء بالحفاظ على علاقة الصداقة الحميمة التي تجمعهما.حتى وقعت هي في الحب لاحقًا، وسافر هو إلى الخارج.وبعد ذلك، عندما جُرحت مشاعرها، بادر بسؤال والديها، باحثًا عن ذريعة مشروعة للذهاب إلى المطار ورؤيتها.في ذلك اليوم على الجبل الثلجي، وقف نجم أمام الشموع التي أعدتها له، وتمنى أمنية بصدق وخشوع.وكانت الأمنية

  • حب الأمس لا يُستعاد   الفصل 27‬‬

    نظرا لأن هذه الحادثة أحدثت ضجة كبيرة على الإنترنت، فإن تصرف مها بتلفيق الحقائق سيخضع للتحقيق قريبا.لم تجد مفرا، فقررت اللجوء إلى سراج مرة أخرى.لقد فكرت في الأمر مليا، فمن المستحيل ألا يكون لدى سراج ذرة من المشاعر تجاهها.طالما أنها تهدد بالموت، فمن المؤكد أن سراج لن يقف مكتوف الأيدي ويتركها تموت.ولكن هذه المرة، لم يمنحها سراج حتى فرصة لرؤيته ولو لمرة واحدة.انهارت مها تماما.من الواضح أنها كانت تحتل المرتبة الأولى في قلب سراج سابقا، فلماذا تحولت الأمور إلى هذا الحال الآن؟في النهاية، ألقت باللوم كله على يمنى.فكرت أنه طالما اختفت يمنى من هذا العالم، فإن الشخص الذي يحبه سراج أكثر سيعود ليكون هي.وهكذا، في إحدى الليالي، قادت مها سيارتها وتوجهت إلى أسفل مبنى مجموعة الشهابي.يبدو أن مها قد فقدت عقلها حقا.انتظرت طويلا حول مبنى مجموعة الشهابي، مستعدة تماما لدهس يمنى بسيارتها بمجرد ظهورها.عند حلول المساء، ظهرت يمنى أخيرا.بمجرد أن رأت يمنى، احمرت عيناها بالدماء، وضغطت بجنون على دواسة الوقود حتى النهاية.ولكن بينما كانت السيارة على وشك سحق هذه المرأة التي تمقتها، اندفع ظل شخص فجأة ودفع يم

  • حب الأمس لا يُستعاد   الفصل 26‬‬

    وضعت يمنى الهاتف جانبًا، وكان قلبها مثقلا بالهموم.هذا هو الشريك الثامن الذي يطلب إلغاء التعاون بمبادرة منه.إذا استمر الوضع على هذا النحو، فستواجه مجموعة الشهابي خسائر لا يمكن تقديرها حقًا.لم يكن بوسعها البقاء هنا والقلق ينهشها، لذا التقطت مفاتيح سيارتها بسرعة وتوجهت إلى شركة الشريك التجاري.في الطابق السفلي لمبنى المكاتب، بذلت جهدًا كبيرًا في إقناع موظف الاستقبال بالسماح لها بالصعود.بمجرد وصولها إلى الباب، تناهى إلى سمعها صوت مألوف.نظرت إلى الداخل، فرأت نجم يتنازل عن كبريائه، ممسكًا بكومة سميكة من الوثائق ويشرح شيئًا للشريك التجاري."يا رئيس مجلس الإدارة، السيد خالد، وفقًا للإحصاءات المهنية، تتمتع مجموعة الشهابي بإمكانات هائلة للنمو في مدينة الساحل، وآمل أن تمنحهم فرصة أخرى.""كما أرجو أن تطمئن، فمجموعة الشهابي لن تنهار بسهولة. لقد تصاهرت عائلة الزهراني مع عائلة الشهابي، وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتهم على تجاوز هذه الأزمة."ظل السيد خالد صامتًا، لكن الابتسامة لم تفارق وجهه.عند رؤية هذا المشهد، شعرت يمنى وكأنها تلقت لكمة مباشرة في وجهها، وشعرت بوخز في أنفها ورغبة في البكاء.من تكون ه

  • حب الأمس لا يُستعاد   الفصل 25‬‬

    بعد أن رآها تنهي آخر لقمة في علبة الطعام، قال:"اتصلت بي الجدة أمس، وقالت إنها تشتهي الفطائر المقرمشة من حي الغرب، ما رأيك أن نشتريها لها معا بعد انتهاء دوامك؟""حسنا."أومأت يمنى برأسها، ومازحته قائلة:"أنا أزور الجدة كل يوم، ومع ذلك عندما اشتهت شيئا ما، كنت أنت أول من خطر ببالها، هذا يحزنني حقا.""بالطبع، فأنا الآن زوج الحفيدة الأغلى على قلب الجدة، ولا جدوى من حسدك لي."أجاب نجم دون أي تواضع.ولكن بعد أن قال هذه الجملة، كان هو من احمر وجهه خجلا قبل أن يدرك ذلك.عند وصولهما إلى المستشفى، بدت معنويات جدة يمنى أفضل بكثير مما كانت عليه في الفترة السابقة.ربما لأن زواج يمنى واستقرارها أخيرا قد منحها راحة كبيرة.كانت تنظر إلى الزوجين الجديدين أمامها، ولم تستطع إخفاء الابتسامة التي ارتسمت على وجهها.بدأ نجم يتبادل أطراف الحديث الودي مع الجدة.وكان يلقي نكتة أو اثنتين بين الحين والآخر، مما جعل العجوز تضحك من كل قلبها.كانت يمنى تقشر الفاكهة جانبا، وارتسمت ابتسامة عفوية على شفتيها.كان عليها أن تعترف بأن المشهد الدافئ الذي حلمت به مرات لا تحصى، قد حققه نجم دون أي عناء.وجود نجم كان يشعرها دائ

  • حب الأمس لا يُستعاد   الفصل 24‬‬

    ذهل نجم عندما رأى سراج.بعد أن سلم علبة الطعام إلى يمنى، سأله ببرود:"ماذا تفعل هنا؟"كان رد سراج بنفس النبرة السيئة:"جئت لأبحث عن خطيبتي، وهذا لا يخصك."ضحك نجم بسخرية وقال:"إذا كنت تصر على قول ذلك، فالأمر يخصني حقًا."وبينما كان يتحدث، أخرج وثيقة الزواج من حقيبته ببطء وهدوء، وقدمها أمام سراج."ألقِ نظرة.""هذه الخطيبة التي تتحدث عنها، أصبحت الآن زوجتي شرعًا وقانونًا."قلب سراج عينيه، ظنًا منه أنه يستخدم أداة مزيفة أخرى لخداعه.انتزع وثيقة الزواج بانزعاج، وبينما كان يهم بالسخرية من نجم، وقع نظره على الصورة المشتركة لهما والختم الواضح على الوثيقة."هذا... كيف يعقل هذا؟"اتسعت عيناه في لحظة، وتسارعت أنفاسه.بعد أن نظر إليها عدة مرات بغير تصديق، تأكد أن وثيقة الزواج هذه حقيقية.بدأت يدا سراج ترتجفان قليلا."كيف حدث هذا؟"منذ أن ارتبط بيمنى، كان يعمل بجد كل يوم، بهدف تطوير نفسه إلى مستوى يؤهله لطلب يد يمنى للزواج.لقد بذل جهدًا شاقًا للوصول إلى مكانته الحالية، وبذل جهدًا شاقًا لينجح في طلب الزواج، ولكن...ما معنى وثيقة الزواج هذه؟لم يخطر بباله أبدًا أن الرجل الذي سيظهر مع يمنى في وثيقة

  • حب الأمس لا يُستعاد   الفصل 23‬‬

    اليوم هو الموعد الذي اتفقت فيه يمنى ونجم على الذهاب لتوثيق عقد زواجهما.ورغم علمها بأن هذا مجرد حل مؤقت، إلا أن التوتر سيطر عليها لدرجة أنها لم تنم جيدا طوال الليل.استيقظت مبكرا لتغتسل، ثم اختارت ملابس لائقة وقادت سيارتها لاصطحاب نجم.نظر نجم إلى الهالات السوداء الكبيرة تحت عينيها، وضحك بصوت منخفض لفترة طويلة.ولكن عندما رفع رأسه، لاحظت يمنى أيضا وجود هالات سوداء تحت عينيه.وبفضل هذه المصادفة في الهالات السوداء، أصبح الجو بينهما أكثر استرخاءً وهما في طريقهما لتوثيق الزواج.سارت الأمور بسلاسة تامة.وبينما كانت تشاهد الموظف يختم الوثيقة بالختم، شعرت يمنى بإحساس غريب في أعماق قلبها.لقد ارتبطت هي ونجم ببعضهما البعض بهذه البساطة.حتى وإن كان ذلك لفترة قصيرة.بعد خروجهما من دائرة الأحوال المدنية، بادرت يمنى بدعوته قائلة:"سمعت أن والديك قد ذهبا في رحلة سياحية، والمنزل خالٍ الآن، ما رأيك أن تنتقل للعيش معي؟"وكأنها تخشى رفضه، أضافت بسرعة:"لا تقلق، لدي في المنزل العديد من الغرف الشاغرة يمكنك اختيار ما تشاء منها، تماما كما كنا نفعل عندما كنا في الخارج."تعيش يمنى حاليا في فيلا اشتراها لها وا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status