LOGINظل عمر وأمل يمشيان في الشارع دون أن يتحدث أي منهما.
كان الصباح قد بدأ بالفعل، والمدينة تستعيد زحمتها تدريجيًا. سيارات تمر، محلات تفتح أبوابها، وأشخاص يمشون إلى أعمالهم دون أن يعرفوا أن شابًا وفتاة يسيران بينهم وهما يحاولان الهروب من ليلة كاملة من المشاكل. كان عمر ينظر أمامه، لكن عقله لم يكن مع الطريق. كان يفكر في الرجل الذي ظهر فجأة ونادى أمل باسمها. وأمل كانت تعرف أنه يريد أن يسأل. قالت دون أن تنظر إليه: "هتفضل ساكت كتير؟" ابتسم عمر. "أقول إيه؟" "أي حاجة." "طب إنتِ مين الراجل ده؟" ضحكت بخفة. "كنت عارفة." "عارفة إيه؟" "إنك هتسأل." "ما هو سؤال عادي." "عادي جدًا." نظر إليها. "طيب؟" "اسمه يوسف." "وبعدين؟" "صديق قديم." سكت عمر لحظة. "قديم أوي؟" التفتت إليه. "إنت بتسأل ليه؟" "بسأل." "ليه؟" "فضول." ابتسمت. "فضول؟" "آه." "ولا غيرة؟" توقف عمر عن المشي للحظة. "غيرة؟ أنا؟" "أيوه." ضحك. "إنتِ متخيلة نفسك مهمة أوي." رفعت حاجبها. "أنا ما قلتش حاجة." "بس واضح إنك مستمتعة." "شوية." استأنفا السير. بعد لحظات قالت أمل: "يوسف كان بيسأل عليا عشان اختفيت فجأة. مفيش بينا حاجة." نظر عمر إليها. "أنا ما سألتش إذا كان في بينكم حاجة." "بس كنت عايز تعرف." "لا." "كذاب." ضحك. "طيب، يمكن." ابتسمت أمل. "أهو." كانت لحظة بسيطة، لكنها جعلت المسافة بينهما أقرب من قبل. ثم تغير وجه عمر فجأة. أخرج هاتفه ونظر إلى الشاشة. كانت هناك رسالة جديدة. قرأها مرة. ثم مرة ثانية. لاحظت أمل تغير ملامحه. "في إيه؟" لم يجب فورًا. "عمر؟" رفع عينيه إليها. "لازم نختفي." اختفت ابتسامتها. "ليه؟" أراها الهاتف. كانت الرسالة قصيرة: "صور الكاميرات ظهرت. الشرطة بتدور عليكم." سكتت أمل. نظرت حولها تلقائيًا. "يعني عرفوا شكلنا؟" "آه." "يبقى لازم نفترق." نظر إليها باستغراب. "إيه؟" "كل واحد يروح في طريقه." "ليه؟" "عشان لو مسكوني، مش هعرف مكانك. ولو مسكوك، مش هتعرف مكاني." "وده هيحل إيه؟" "على الأقل مش هنكون مع بعض." هز عمر رأسه. "لا." "لا إيه؟" "مش هنفترق." "عمر، الموضوع بقى جد." "أنا عارف." "إذن افهمني." توقفت أمامه. "إنت مش لازم تكمل معايا." نظر إليها طويلًا. "وأنتِ شايفة إني هسيبك تمشي لوحدك بعد كل اللي حصل؟" "أيوه." "ليه؟" "لأن دي مش مشكلتك." اقترب منها خطوة. "من إمتى؟" سكتت. قال: "من ساعة ما قابلتك وأنا كل شوية ألاقي نفسي داخل في مشكلة بسببك." رفعت حاجبها. "يعني أنا السبب؟" ابتسم. "مش قصدي." "أمال؟" تنهد. "قصدي إني... مش عايز أمشي." نظرت إليه دون كلام. كان يستطيع أن يقول أي شيء آخر، لكنه لم يجد الكلمات المناسبة. فقال ببساطة: "من ساعة ما قابلتك وكل حاجة في حياتي اتقلبت." ظلت تنظر إليه. ثم سألت بصوت هادئ: "ليه؟" فتح فمه، لكنه لم يجد إجابة. لأول مرة منذ عرفته، بدا عمر عاجزًا عن الرد. خفض عينيه قليلًا. "مش عارف." ابتسمت أمل. "إنت بتحب كلمة مش عارف." "يمكن." "طيب، نعمل إيه؟" رفع عينيه إليها. "نخرج من القاهرة." ترددت. "إزاي؟" "نسافر." "فين؟" فكر لحظة. "الإسكندرية." نظرت إليه. "دلوقتي؟" "كل ما نستنى، الخطر يزيد." "وهنروح فين هناك؟" "هتصرف." ضحكت. "رجعنا لنفس الجملة." "بتشتغل." "مش دايمًا." "هنجرب." تحركا نحو موقف سيارات قريب. كان عمر يراقب الشارع باستمرار، بينما كانت أمل تمشي بجواره وهي تفكر في القرار الذي اتخذته. لم تكن تعرف لماذا وافقت بهذه السرعة. ربما لأنها أصبحت تثق به. أو ربما لأنها لم تعد تريد أن تكون وحدها. استقلا سيارة أجرة متجهة إلى موقف السفر. جلس عمر بجوار النافذة، وأمل بجانبه. بعد دقائق، قالت: "إنت متأكد إن السفر فكرة كويسة؟" "لا." ضحكت. "طب ليه بتعملها؟" "عشان مفيش فكرة كويسة أصلًا." نظرت من النافذة. كانت القاهرة تتحرك أمامهما بسرعة. أبراج، شوارع، سيارات، وأشخاص لا يعرفون شيئًا عن قصتهما. قالت: "أنا أول مرة أهرب من مدينة." "وأنا أول مرة أهرب ومعايا حد." نظرت إليه. "متضايق؟" "لا." "ليه؟" "مش عارف." ابتسمت. "قلتلك." بعد وقت قصير، وصلا إلى موقف السفر. اشتريا تذكرتين وجلَسا في انتظار موعد الرحلة. كانت أمل متعبة جدًا. أسندت رأسها إلى المقعد وأغمضت عينيها. قال عمر: "نامي." "مش عايزة." "ليه؟" "مش واثقة فيك." ابتسم. "بعد كل اللي حصل؟" "آه." "طيب نامي وأنا هفضل صاحي." فتحت عينيها. "هتفضل صاحي؟" "آه." "ليه؟" "عشان لو حصل حاجة." نظرت إليه للحظات. ثم أغمضت عينيها مرة أخرى. بعد دقائق، غلبها التعب. تحرك رأسها ببطء، حتى استقر على كتف عمر. تجمد عمر في مكانه. نظر إليها. كانت نائمة بعمق، وملامحها هادئة للمرة الأولى منذ التقيا. لم يحاول إيقاظها. بقي ثابتًا حتى لا يزعجها. وبعد دقائق، بدأت السيارة تتحرك. خرجت القاهرة من خلفهم شيئًا فشيئًا. أما عمر فظل ينظر من النافذة، ثم عاد بعينيه إليها. ابتسم دون أن يشعر. لم يكن يعرف ماذا يحدث له. لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: وجودها بجواره لم يعد مجرد صدفة. بعد فترة، اهتز هاتفه. أخرج الهاتف بحذر حتى لا يوقظها. نظر إلى الشاشة. اتصال. اسم شخص يعرفه. تردد، ثم أجاب بصوت منخفض: "ألو؟" جاءه الصوت من الطرف الآخر متوترًا: "عمر، الشرطة وصلت عند البيت." تجمدت ملامحه. نظر إلى أمل النائمة على كتفه. ثم قال: "إنت متأكد؟" "أيوه. كانوا بيسألوا عليك بالاسم." أغلق عمر المكالمة ببطء. ظل صامتًا للحظات. لم يكن يخاف على نفسه فقط. هذه المرة كان يخاف عليها هي أيضًا. نظر إلى أمل، ثم إلى الطريق الممتد أمامهما. الإسكندرية تنتظرهما. لكن خلفهما كانت الشرطة تبحث عنهما. وأمامه كان طريق لا يعرف إلى أين سيقوده. رفع عينيه إلى أمل مرة أخرى. وهمس: "واضح إننا دخلنا في الموضوع للآخر." ولم يعرف أن الرحلة التي بدأت هروبًا من الشرطة... ستكون أول مكان يكتشف فيه الاثنان أن الهروب معًا أسهل بكثير من محاولة الابتعاد عن بعضهما.استيقظت أمل قبل عمر بقليل.فتحت عينيها على صوت البحر، وظلت للحظات ساكنة دون أن تتحرك. كان ضوء الصباح يدخل من النافذة بهدوء، ويرسم خطوطًا ذهبية على أرض الغرفة.التفتت إلى عمر.كان نائمًا بهدوء.ابتسمت.لم تعد تنظر إليه كما كانت في بداية قصتهما.في البداية كان وجوده يعني خطرًا جديدًا، وشخصًا لا تعرف هل تثق به أم لا.أما الآن، فقد أصبح أكثر شخص تشعر بالأمان عندما يكون بجوارها.مدت يدها وأمسكت يده.استيقظ عمر.فتح عينيه وقال:"صباح الخير."ابتسمت."صباح الخير.""إنتِ بتبصيلي كده ليه؟""عادي.""لا، مش عادي."ضحكت."كنت بفكر.""في إيه؟""في كل حاجة."جلس عمر."وطلعتي بإيه؟"نظرت إليه طويلًا."إننا وصلنا."سكت.كان يعرف تمامًا ما تقصده.ثم قال:"لسه.""لسه إيه؟""لسه عندنا حاجات نعيشها."ابتسمت."وده اللي مفرحني."---تناولا الإفطار على الشرفة.لم تكن هناك خطة لليوم.وكان ذلك مقصودًا.قال عمر:"نعمل إيه النهارده؟"قالت أمل:"ولا حاجة.""ولا حاجة؟""آه.""إحنا جايين جزيرة عشان نعمل ولا حاجة؟""أيوه."ضحك."تمام.""أنا عايزة آخر يوم يعدي ببطء.""يبقى نبطّله.""إزاي؟""نعيش كل ساعة كأنها يوم."
مرّت أسابيع قليلة منذ عودتهما من الجزيرة.كانت الحياة قد أصبحت أكثر هدوءًا، لكن شيئًا صغيرًا بدأ يتغير بينهما.لم يعد عمر وأمل يتحدثان عن الماضي.صار حديثهما كله عن المستقبل.عن البيت الذي يريدان أن يعيشا فيه.عن الأماكن التي يريدان زيارتها.عن الأيام التي لم تأتِ بعد.وفي إحدى الليالي، كانت أمل جالسة أمام جهازها تبحث عن أماكن جديدة.دخل عمر الغرفة وقال:"لسه بتدوري؟"قالت دون أن ترفع عينيها:"من بدري.""ولقيتي؟""أماكن كتير.""طب إيه المشكلة؟""مش عارفة أختار."جلس بجوارها."وريني."بدأت تعرض عليه الصور.شاطئ.جزيرة.مدينة ساحلية.ثم توقفت عند صورة.لم تكن الجزيرة مشهورة.كانت صغيرة جدًا، وكأنها قطعة من الأرض وسط البحر.قالت:"دي."نظر عمر إلى الصورة."شكلها حلو.""مش بس حلو.""أمال؟""حاسّة إنها مختلفة."ابتسم."إنتِ عندك مشكلة مع الإحساس ده."ضحكت."ليه؟""كل مرة تحسي إن مكان مختلف، بنروح.""وكل مرة بنرجع أحسن."نظر إليها."صح."ضغطت على الصفحة.ظهرت معلومات بسيطة عن الجزيرة.لا فنادق ضخمة.لا حياة ليلية.لا زحام.شاطئ طويل، وبيوت قليلة، وطريق واحد يصل إلى الطرف الآخر من الجزيرة.ق
كان آخر صباح لهما في الجزيرة هادئًا بشكل جعل أمل تؤجل لحظة الرحيل قدر الإمكان.جلست أمام البحر، بينما كان عمر يرتب الحقائب داخل الغرفة.خرج إليها وقال:"خلصنا."نظرت إليه."بسرعة كده؟""إحنا من امبارح بنقول هنمشي.""عارفة.""إذن؟"تنهدت."مش عايزة."جلس بجوارها."وأنا كمان."ظلا صامتين للحظات.ثم قالت:"بس أنا مبسوطة.""ليه؟""عشان لأول مرة مش خايفة من الرجوع."نظر إليها."إحنا مش بنرجع لنفس المكان.""عارفة.""بنرجع لحياة جديدة."ابتسمت."معاك.""معاكي."---دخل الاثنان إلى الغرفة.كانت الحقائب جاهزة.أخذت أمل دفترها ووضعته في حقيبتها بعناية.لاحظ عمر ذلك.قال:"الدفتر أهم من كل حاجة.""طبعًا.""أكتر مني؟"رفعت حاجبها."إنت اللي كتبتلي الكلام ده.""يبقى أنا أجيب دفتر تاني."ضحكت."لا، ده بتاعنا."اقترب منها."بتاعنا؟""آه.""يبقى خلاص."---قبل المغادرة، قررا أن يتناولا الإفطار في المكان نفسه الذي جلسا فيه أول يوم.طلبا الطعام نفسه.وجلست أمل في الكرسي نفسه.قال عمر:"حاسس إننا بقالنا سنة هنا.""وأنا.""مع إن كام يوم.""الأيام الحلوة بتكبر جوهنا."نظر إليها."واضح إنك بقيتي شاعرة رسمي
كان الصباح مختلفًا في الجزيرة.لم يكن هناك شيء محدد جعل أمل تشعر بذلك، لكن الهواء كان أكثر صفاءً، والبحر أكثر هدوءًا، وكأن المكان كله منح لهما يومًا أخيرًا بلا أي شيء يفسده.خرجت أمل من الغرفة وهي تحمل كوبين من القهوة.وجدت عمر جالسًا أمام البحر.ناولته كوبه وجلست بجواره.قال:"شكلك مخططة لحاجة."ابتسمت."لأ.""غريبة.""ليه؟""عشان كل مرة تقولي لسه ما خططتش، بتكوني مخططة."ضحكت."المرة دي فعلًا مش مخططة."ارتشف قهوته."أخيرًا."نظرت إلى البحر."أنا عايزة اليوم يعدي ببطء.""نقدر.""من غير ما نفكر في الرجوع.""اتفقنا.""ولا في الشغل.""اتفقنا.""ولا في أي حاجة حصلت.""اتفقنا."ثم نظرت إليه."بس نفكر فينا."ابتسم."دي أسهل واحدة."---قررا أن يقضيا اليوم كله معًا.لا جولات طويلة.ولا بحث عن أماكن جديدة.فقط البحر.في البداية جلسا على الشاطئ.ثم دخلا الماء.كانت أمل تحاول أن ترش الماء عليه، لكنه سبقها.صرخت وهي تضحك:"عمر!""إيه؟""إنت بدأت.""أنا؟""آه.""أنتِ اللي بدأتي.""كذاب."ضحك.ثم ركضت خلفه على الشاطئ.لم يكن هناك أي شيء آخر يشغلهما.لا خوف.لا توتر.فقط ضحك صادق افتقداه طويلًا.
لم تكن أمل تمزح عندما قالت لعمر إن الرحلة القادمة ستكون مختلفة.في صباح اليوم التالي، استيقظت وهي تحمل دفترها، وجلست أمامه على طاولة الإفطار.قال عمر:"واضح إن فيه اجتماع مهم."وضعت الدفتر أمامها."عندنا مهمة."رفع حاجبه."مهمة؟""أيوه.""أنا بدأت أخاف من الكلمة دي."ضحكت."المرة دي مفيش سرقة ولا هروب.""الحمد لله.""عايزين نختار الجزيرة الأخيرة."توقف عمر عن تناول الإفطار."الأخيرة؟""أيوه.""ليه بتقولي عليها الأخيرة؟""عشان عايزة نختم الرحلات كلها برحلة نفتكرها طول عمرنا."ابتسم."أنا موافق."فتحت الدفتر.كانت قد كتبت عدة أسماء لأماكن مختلفة.قال عمر:"إنتِ عملتي كل ده إمتى؟""بالليل.""يعني ما نمتيش؟""نمت.""إمتى؟""بعد ما خلصت."ضحك."تمام."بدأا يبحثان في الخيارات.كان كل مكان أجمل من الآخر.لكن أمل كانت تبحث عن شيء محدد.قالت:"مش عايزة جزيرة فيها فنادق ضخمة.""موافق.""ولا مكان زحمة.""موافق.""ولا مكان فيه حفلات.""موافق.""عايزة مكان بسيط.""بحر؟""أكيد.""غروب؟""أهم حاجة.""يبقى إحنا بندور على مكان معمول مخصوص ليكي."ابتسمت."ولينا."---استغرق الاختيار وقتًا طويلًا.وفي ا
لم يكن البحر في ذلك الصباح مختلفًا عن أي يوم آخر.الأمواج تتحرك بهدوء، والهواء يحمل رائحة الملح، والشمس تنعكس على سطح الماء.لكن عمر وأمل كانا ينظران إليه بطريقة مختلفة.بعد كل ما مر بهما، أصبح الهدوء نفسه شيئًا يستحق الاحتفال.جلسا على الرمال.كانت أمل تمسك كوب القهوة بيد، ويد عمر باليد الأخرى.قالت:"أنا حاسة إن حياتنا بدأت بجد."نظر إليها."إحنا بقالنا فترة عايشين.""عارفة.""أمال؟""قصدي إننا بقينا بنختار."فكر قليلًا."عندك حق.""زمان الظروف كانت بتختار لنا.""ودلوقتي؟""إحنا اللي بنختار."ابتسم."وأول اختيار؟"نظرت إليه."إنت."ضحك."إجابة محفوظة.""لأ، دي حقيقة."ثم أسندت رأسها على كتفه.---بعد عودتهما إلى الفندق، قررا أن يطولا الرحلة عدة أيام.لم يكن هناك سبب يدفعهما للعودة بسرعة.أرادا أن يستمتعا بالوقت.وفي المساء، خرجا للبحث عن مكان هادئ لتناول العشاء.وجدا مطعمًا صغيرًا على البحر.اختارا طاولة في الخارج.كانت الإضاءة خافتة، والهواء لطيفًا، وصوت الأمواج يصل إليهما من بعيد.قال عمر:"فاكرة أول مرة خرجنا فيها سوا؟"ابتسمت."طبعًا.""كنتِ متوترة.""وإنت كنت عامل نفسك مش متوتر







