LOGINظل عمر واقفًا في ممر الفندق، ينظر إلى أمل دون أن يعرف كيف يشرح لها الأمر.
كانت تنتظر إجابته، بينما هو يحاول أن يبدو أكثر هدوءًا مما يشعر به. قالت: "عمر، في إيه؟" تنهد. "في حد بيدور علينا." "الشرطة؟" "ممكن." "وممكن؟" صمت لحظة. "مش عارف." هزت رأسها بضيق. "إنت مش عارف أي حاجة." ابتسم رغم توتره. "أهو بنكتشف." لكن أمل لم تبتسم. قالت: "أنا تعبت." نظر إليها. "من إيه؟" "من الهروب." جلست على الكرسي الموجود بجوار الحائط. "من ساعة ما قابلتك وإحنا بنجري من مكان لمكان. متحف، شوارع، القاهرة، ودلوقتي الإسكندرية." جلس بجوارها. "أنا عارف." "طيب ليه لازم نهرب تاني؟" نظر أمامه. "عشان لو فضلنا هنا ممكن حد يوصل لنا." "ولو مشينا؟" "على الأقل هنختار إحنا المكان اللي نروح له." سكتت. كانت تعرف أن كلامه منطقي، لكنها كانت تشعر بالإرهاق. قالت: "طيب نمشي." وقف عمر. "دلوقتي؟" "آه." دخل كل واحد منهما غرفته بسرعة، أخذ حاجاته الأساسية، ثم نزلا إلى الشارع. كان المساء قد بدأ، والمدينة أصبحت أكثر ازدحامًا. سارا وسط الناس، محاولين ألا يلفتا الانتباه. بعد عدة دقائق، قالت أمل: "عمر." "هممم؟" "متبصش وراك." لم يتحرك. "ليه؟" "في راجل ماشي ورانا من الفندق." ظل عمر ينظر أمامه. "وإنتِ متأكدة؟" "آه." "وصفه؟" "جاكت غامق، طويل شوية." فكر عمر. ثم قال: "كملي مشي." لم يلتفت. اتجها إلى شارع أكثر ازدحامًا. دخل عمر محلًا صغيرًا وكأنه يريد شراء شيء، ثم نظر إلى الزجاج الأمامي. ظهر الرجل بالفعل خلفهما. خرج عمر من المحل. قال لأمل: "كملي قدامي." "إنت هتعمل إيه؟" "هشوف هو مين." "لوحدك؟" "دقيقة واحدة." لم تنتظر أمل. أمسكت ذراعه. "لا." نظر إليها. "أمل." "مش هسيبك تروح." ابتسم. "بقيتي بتقلديني." "يمكن." استمرا في السير. دخل الاثنان سوقًا مزدحمًا، وأصبح من الصعب تحديد أي شخص وسط الزحام. بعد دقائق، التفت عمر. الرجل لم يعد موجودًا. نظر في كل اتجاه. لا شيء. قالت أمل: "اختفى؟" "آه." "يبقى كان بيراقبنا." "مش شرط." "إنت بنفسك قلت كده." "أنا قلت إنه ممكن." ابتسمت. "إنت بتحب كلمة ممكن كمان." ضحك. لكن عينيه بقيتا تتحركان بين الناس. ثم حدث ما لم يتوقعه. وسط الزحام، انفصلت أمل عنه دون أن يشعر. استدار عمر. لم يجدها. توقف مكانه. نظر يمينًا. ثم يسارًا. بدأ يبحث بين الوجوه. "أمل!" لم يسمع ردًا. تحرك بسرعة. دخل شارعًا جانبيًا. ثم عاد. لم يجدها. بدأ القلق يظهر على وجهه. أخرج هاتفه واتصل بها. رن الهاتف. لا إجابة. اتصل مرة أخرى. لا إجابة. بدأ يمشي أسرع. وفي تلك اللحظة، رأى امرأة تقف عند أحد المحلات وتشبهها من الخلف. ركض نحوها. لكنها لم تكن أمل. توقف عمر، وأخذ نفسًا عميقًا. لأول مرة منذ بداية كل ما حدث، شعر بخوف حقيقي. لم يكن خوفًا من الشرطة. كان خوفًا من أن تكون أمل قد اختفت بالفعل. استدار بسرعة وعاد إلى السوق. ظل يبحث عنها بين الناس. ثم سمع صوتًا يعرفه. "عمر!" استدار. كانت أمل تقف على بعد أمتار منه. اقترب منها بسرعة. "إنتِ كنتِ فين؟" "كنت بدور عليك!" "أنا كمان." "افتكرت إنك مشيت." نظر إليها. "مشيت؟" "آه." اقترب منها أكثر. "إنتِ بتهزري؟" "لا." "أمل، أنا كنت بدور عليكي في كل حتة." نظرت إلى وجهه. كان واضحًا عليه القلق. قالت بهدوء: "أنا آسفة." سكت. ثم قال: "متختفيش كده تاني." ابتسمت. "كنت خايفة تكون مشيت." "وأنا كنت خايف تكوني اختفيتي." ساد الصمت بينهما. ثم قالت: "إنت خفت عليا للدرجة دي؟" نظر إليها. "أكتر مما المفروض." تغيرت ملامحها. لم تعرف ماذا تقول. قالت: "عمر..." "نعم؟" "إنت عارف إنك بقيت غريب؟" ابتسم. "ليه؟" "في البداية كنت بتقول إننا مجرد اتنين اتقابلوا بالغلط." "صح." "دلوقتي بتقول إنك خفت عليا." "برضه صح." "طيب إيه اللي اتغير؟" نظر إليها طويلًا. "إنتِ." لم تستطع الرد. كانا يقفان وسط الزحام، لكن للحظة بدا وكأن كل شيء حولهما اختفى. أمسكت أمل يده. "يلا." مشى معها. لم يسألها إلى أين. ولم تسأله. بعد فترة، خرجا من السوق إلى شارع أهدأ. كان الليل قد حل بالكامل. جلسا في مكان قريب من البحر. أمل ظلت تنظر إلى المياه. قالت: "أنا تعبت من الخوف." جلس عمر بجوارها. "هنخلص من كل ده." "وبعدين؟" نظر إليها. لم يجب فورًا. ثم قال: "وبعدين أشوفك من غير ما أخاف إنك تختفي." نظرت إليه. ابتسمت. "يمكن أنا كمان مش عايزة أختفي." ابتسم. ظل الاثنان صامتين للحظات. لكن أثناء عودتهما، توقفت أمل فجأة. "استنى." نظر إليها. "إيه؟" أشارت بعينيها إلى الطريق خلفهما. كانت هناك سيارة تسير ببطء. لم تتوقف. تجاوزتهما. ثم انعطفت عند نهاية الشارع. قال عمر: "عادي." أمل هزت رأسها. "لا." "ليه؟" "العربية دي كانت ورانا من شوية." نظر عمر أمامه. لم يلتفت مباشرة. ثم قال: "متأكدة؟" "آه." غير اتجاهه ودخل شارعًا جانبيًا. مشت أمل بجواره. بعد دقيقة، ظهرت السيارة مرة أخرى في نهاية الشارع. توقف عمر. توقفت السيارة أيضًا. نظر إليها. ثم تحرك. تحركت السيارة خلفهما. هذه المرة لم يقل أي منهما شيئًا. لم يكن هناك مجال للشك. أمسك عمر يد أمل. قال بصوت منخفض: "ماتخافيش." نظرت إليه. "إنت متأكد؟" ضغط على يدها. "أنا معاكي." واصل الاثنان السير بسرعة، بينما ظلت السيارة تتحرك خلفهما على مسافة ثابتة. وعند أول تقاطع، انعطف عمر فجأة. انتظرا خلف أحد المباني. مرت السيارة من أمامهما. لم تتوقف. ظل عمر يراقبها حتى اختفت. نظر إلى أمل. لكنها لم تكن تنظر إلى السيارة. كانت تنظر إليه. قالت: "دلوقتي صدقتني؟" هز رأسه ببطء. "آه." ثم نظر إلى الطريق الذي اختفت فيه السيارة. وأدرك عمر أن هذه المرة لم يكن مجرد وهم... هناك شخص يتبعهما فعلًا.استيقظت أمل قبل عمر بقليل.فتحت عينيها على صوت البحر، وظلت للحظات ساكنة دون أن تتحرك. كان ضوء الصباح يدخل من النافذة بهدوء، ويرسم خطوطًا ذهبية على أرض الغرفة.التفتت إلى عمر.كان نائمًا بهدوء.ابتسمت.لم تعد تنظر إليه كما كانت في بداية قصتهما.في البداية كان وجوده يعني خطرًا جديدًا، وشخصًا لا تعرف هل تثق به أم لا.أما الآن، فقد أصبح أكثر شخص تشعر بالأمان عندما يكون بجوارها.مدت يدها وأمسكت يده.استيقظ عمر.فتح عينيه وقال:"صباح الخير."ابتسمت."صباح الخير.""إنتِ بتبصيلي كده ليه؟""عادي.""لا، مش عادي."ضحكت."كنت بفكر.""في إيه؟""في كل حاجة."جلس عمر."وطلعتي بإيه؟"نظرت إليه طويلًا."إننا وصلنا."سكت.كان يعرف تمامًا ما تقصده.ثم قال:"لسه.""لسه إيه؟""لسه عندنا حاجات نعيشها."ابتسمت."وده اللي مفرحني."---تناولا الإفطار على الشرفة.لم تكن هناك خطة لليوم.وكان ذلك مقصودًا.قال عمر:"نعمل إيه النهارده؟"قالت أمل:"ولا حاجة.""ولا حاجة؟""آه.""إحنا جايين جزيرة عشان نعمل ولا حاجة؟""أيوه."ضحك."تمام.""أنا عايزة آخر يوم يعدي ببطء.""يبقى نبطّله.""إزاي؟""نعيش كل ساعة كأنها يوم."
مرّت أسابيع قليلة منذ عودتهما من الجزيرة.كانت الحياة قد أصبحت أكثر هدوءًا، لكن شيئًا صغيرًا بدأ يتغير بينهما.لم يعد عمر وأمل يتحدثان عن الماضي.صار حديثهما كله عن المستقبل.عن البيت الذي يريدان أن يعيشا فيه.عن الأماكن التي يريدان زيارتها.عن الأيام التي لم تأتِ بعد.وفي إحدى الليالي، كانت أمل جالسة أمام جهازها تبحث عن أماكن جديدة.دخل عمر الغرفة وقال:"لسه بتدوري؟"قالت دون أن ترفع عينيها:"من بدري.""ولقيتي؟""أماكن كتير.""طب إيه المشكلة؟""مش عارفة أختار."جلس بجوارها."وريني."بدأت تعرض عليه الصور.شاطئ.جزيرة.مدينة ساحلية.ثم توقفت عند صورة.لم تكن الجزيرة مشهورة.كانت صغيرة جدًا، وكأنها قطعة من الأرض وسط البحر.قالت:"دي."نظر عمر إلى الصورة."شكلها حلو.""مش بس حلو.""أمال؟""حاسّة إنها مختلفة."ابتسم."إنتِ عندك مشكلة مع الإحساس ده."ضحكت."ليه؟""كل مرة تحسي إن مكان مختلف، بنروح.""وكل مرة بنرجع أحسن."نظر إليها."صح."ضغطت على الصفحة.ظهرت معلومات بسيطة عن الجزيرة.لا فنادق ضخمة.لا حياة ليلية.لا زحام.شاطئ طويل، وبيوت قليلة، وطريق واحد يصل إلى الطرف الآخر من الجزيرة.ق
كان آخر صباح لهما في الجزيرة هادئًا بشكل جعل أمل تؤجل لحظة الرحيل قدر الإمكان.جلست أمام البحر، بينما كان عمر يرتب الحقائب داخل الغرفة.خرج إليها وقال:"خلصنا."نظرت إليه."بسرعة كده؟""إحنا من امبارح بنقول هنمشي.""عارفة.""إذن؟"تنهدت."مش عايزة."جلس بجوارها."وأنا كمان."ظلا صامتين للحظات.ثم قالت:"بس أنا مبسوطة.""ليه؟""عشان لأول مرة مش خايفة من الرجوع."نظر إليها."إحنا مش بنرجع لنفس المكان.""عارفة.""بنرجع لحياة جديدة."ابتسمت."معاك.""معاكي."---دخل الاثنان إلى الغرفة.كانت الحقائب جاهزة.أخذت أمل دفترها ووضعته في حقيبتها بعناية.لاحظ عمر ذلك.قال:"الدفتر أهم من كل حاجة.""طبعًا.""أكتر مني؟"رفعت حاجبها."إنت اللي كتبتلي الكلام ده.""يبقى أنا أجيب دفتر تاني."ضحكت."لا، ده بتاعنا."اقترب منها."بتاعنا؟""آه.""يبقى خلاص."---قبل المغادرة، قررا أن يتناولا الإفطار في المكان نفسه الذي جلسا فيه أول يوم.طلبا الطعام نفسه.وجلست أمل في الكرسي نفسه.قال عمر:"حاسس إننا بقالنا سنة هنا.""وأنا.""مع إن كام يوم.""الأيام الحلوة بتكبر جوهنا."نظر إليها."واضح إنك بقيتي شاعرة رسمي
كان الصباح مختلفًا في الجزيرة.لم يكن هناك شيء محدد جعل أمل تشعر بذلك، لكن الهواء كان أكثر صفاءً، والبحر أكثر هدوءًا، وكأن المكان كله منح لهما يومًا أخيرًا بلا أي شيء يفسده.خرجت أمل من الغرفة وهي تحمل كوبين من القهوة.وجدت عمر جالسًا أمام البحر.ناولته كوبه وجلست بجواره.قال:"شكلك مخططة لحاجة."ابتسمت."لأ.""غريبة.""ليه؟""عشان كل مرة تقولي لسه ما خططتش، بتكوني مخططة."ضحكت."المرة دي فعلًا مش مخططة."ارتشف قهوته."أخيرًا."نظرت إلى البحر."أنا عايزة اليوم يعدي ببطء.""نقدر.""من غير ما نفكر في الرجوع.""اتفقنا.""ولا في الشغل.""اتفقنا.""ولا في أي حاجة حصلت.""اتفقنا."ثم نظرت إليه."بس نفكر فينا."ابتسم."دي أسهل واحدة."---قررا أن يقضيا اليوم كله معًا.لا جولات طويلة.ولا بحث عن أماكن جديدة.فقط البحر.في البداية جلسا على الشاطئ.ثم دخلا الماء.كانت أمل تحاول أن ترش الماء عليه، لكنه سبقها.صرخت وهي تضحك:"عمر!""إيه؟""إنت بدأت.""أنا؟""آه.""أنتِ اللي بدأتي.""كذاب."ضحك.ثم ركضت خلفه على الشاطئ.لم يكن هناك أي شيء آخر يشغلهما.لا خوف.لا توتر.فقط ضحك صادق افتقداه طويلًا.
لم تكن أمل تمزح عندما قالت لعمر إن الرحلة القادمة ستكون مختلفة.في صباح اليوم التالي، استيقظت وهي تحمل دفترها، وجلست أمامه على طاولة الإفطار.قال عمر:"واضح إن فيه اجتماع مهم."وضعت الدفتر أمامها."عندنا مهمة."رفع حاجبه."مهمة؟""أيوه.""أنا بدأت أخاف من الكلمة دي."ضحكت."المرة دي مفيش سرقة ولا هروب.""الحمد لله.""عايزين نختار الجزيرة الأخيرة."توقف عمر عن تناول الإفطار."الأخيرة؟""أيوه.""ليه بتقولي عليها الأخيرة؟""عشان عايزة نختم الرحلات كلها برحلة نفتكرها طول عمرنا."ابتسم."أنا موافق."فتحت الدفتر.كانت قد كتبت عدة أسماء لأماكن مختلفة.قال عمر:"إنتِ عملتي كل ده إمتى؟""بالليل.""يعني ما نمتيش؟""نمت.""إمتى؟""بعد ما خلصت."ضحك."تمام."بدأا يبحثان في الخيارات.كان كل مكان أجمل من الآخر.لكن أمل كانت تبحث عن شيء محدد.قالت:"مش عايزة جزيرة فيها فنادق ضخمة.""موافق.""ولا مكان زحمة.""موافق.""ولا مكان فيه حفلات.""موافق.""عايزة مكان بسيط.""بحر؟""أكيد.""غروب؟""أهم حاجة.""يبقى إحنا بندور على مكان معمول مخصوص ليكي."ابتسمت."ولينا."---استغرق الاختيار وقتًا طويلًا.وفي ا
لم يكن البحر في ذلك الصباح مختلفًا عن أي يوم آخر.الأمواج تتحرك بهدوء، والهواء يحمل رائحة الملح، والشمس تنعكس على سطح الماء.لكن عمر وأمل كانا ينظران إليه بطريقة مختلفة.بعد كل ما مر بهما، أصبح الهدوء نفسه شيئًا يستحق الاحتفال.جلسا على الرمال.كانت أمل تمسك كوب القهوة بيد، ويد عمر باليد الأخرى.قالت:"أنا حاسة إن حياتنا بدأت بجد."نظر إليها."إحنا بقالنا فترة عايشين.""عارفة.""أمال؟""قصدي إننا بقينا بنختار."فكر قليلًا."عندك حق.""زمان الظروف كانت بتختار لنا.""ودلوقتي؟""إحنا اللي بنختار."ابتسم."وأول اختيار؟"نظرت إليه."إنت."ضحك."إجابة محفوظة.""لأ، دي حقيقة."ثم أسندت رأسها على كتفه.---بعد عودتهما إلى الفندق، قررا أن يطولا الرحلة عدة أيام.لم يكن هناك سبب يدفعهما للعودة بسرعة.أرادا أن يستمتعا بالوقت.وفي المساء، خرجا للبحث عن مكان هادئ لتناول العشاء.وجدا مطعمًا صغيرًا على البحر.اختارا طاولة في الخارج.كانت الإضاءة خافتة، والهواء لطيفًا، وصوت الأمواج يصل إليهما من بعيد.قال عمر:"فاكرة أول مرة خرجنا فيها سوا؟"ابتسمت."طبعًا.""كنتِ متوترة.""وإنت كنت عامل نفسك مش متوتر







