Masukأخذ أسد دفتر الرسم من بين يديها برفق، ثم نظر إلى الصفحة التي كانت مفتوحة.وجدها قد رسمت امرأةً تقف على منصة إعدام، يتدلى جسدها كظلٍّ معتم، وقد لوّنت الرسم كله تقريبًا بلون داكن، بينما تركت موضع القلب فارغًا تمامًا، بلا لون ولا ملامح، وكأنه غير موجود أصلًا.عقد حاجبيه وهو يتأمل الرسم.لم يفهم مغزاه، لكنه أدرك شيئًا واحدًا؛ أن صاحبة هذا الرسم تحمل في داخلها ما هو أكثر تعقيدًا مما تُظهره للناس.زاد استغرابه عندما لاحظ مدى إتقان الرسم ودقة تفاصيله.أغلق الدفتر بهدوء ووضعه جانبًا، ثم سحب القلم من يدها المرتخية.نزل إلى الأسفل وأحضر بطانية، ثم عاد إليها وغطاها بعناية.جلس للحظات يتأمل ملامحها النائمة، ثم مرر يده بين خصلات شعرها بهدوء.وقال بصوت خافت:أسد: كل شيء فيكِ يدفعني إلى كرهك... ومع ذلك أعجز عن ذلك. وفي الوقت نفسه لا أستطيع أن أحبك كما ينبغي. يا لامار، لقد جعلتِني عاجزًا عن كرهك، وعاجزًا عن حبك، وكأنكِ تريدينني أن أبقى عالقًا في المنتصف بلا مشاعر واضحة.تنهد وأكمل وهو ينظر إليها:أسد: لكن ضحكتكِ... وعيناكِ... ووجودكِ نفسه... لا يسمح لي بأن أبقى بلا إحساس. أريد فقط أن أفهم لماذا لم تس
صعدت لامار أمامه وهي لا تزال تتألم، بينما لم يكن أسد يعلم حتى ماذا سيفعل معها هذه المرة. جلست على السرير تفرك ساقها التي كانت تؤلمها وتحرقها، تنتظر منه أن يأتي كعادته ليساعدها أو يطمئن عليها، لكنه لم يلتفت إليها أصلًا، بل تابع صعوده إلى الطابق العلوي.بقيت تراقبه باستغراب، فقد اعتادت أن يتدخل كلما تورطت في مصيبة، أما هذه المرة فقد تركها تدبر أمرها بنفسها.وبعد قليل، صعدت إليه فوجدته جالسًا أمام الأرجيلة، يضع الحاسوب على ساقيه ويعمل بتركيز.اقتربت وجلست بجانبه.لامار: البارحة كنت على وشك الموت من المرض، حتى ظننت أنك لن تستيقظ صباحًا... واليوم أراك جالسًا تدخن الأرجيلة!أسد: إن وجدت السم الآن فسأشربه، لعلني أنسى المصائب التي تلاحقني بسببك.لامار: كنت أريد فقط مشاهدة التلفاز، والله لا أعلم من أين ظهرت تلك الأشياء.أسد: حسنًا، اصمتي الآن، أنا مشغول.التزمت الصمت، بينما واصل العمل دون أن يرفع عينيه عن الشاشة.بدأ الملل يتسلل إليها. مرة تنظر إلى البحر، ومرة تراقبه وهو يعمل، ثم نهضت واتجهت إلى المطبخ، تناولت بعض الطعام حتى شبعت، ثم نزلت إلى الأسفل.لم تمضِ دقائق حتى غلبها النعاس.وحين استيقظ
بدأت لامار تعبث بجهاز التحكم من جديد، تضغط على الأزرار واحدًا تلو الآخر و هي تحاول اغلاق الشاشة. كانت تنتقل من خيار إلى آخر دون أن تفهم شيئًا مما تفعله، إلى أن ضغطت على زرٍّ مختلف عن البقية.و في اللحظة التالية، تحرك الكرسي الآلي فجأة.انقلب بها إلى الخلف دفعة واحدة، فوجدت نفسها معلقة في وضعية مقلوبة، رأسها متدلٍّ نحو الأسفل و ساقاها مطويتان بشكل محرج داخل أجزاء الكرسي المتحركة، بينما ارتفعت ذراعاها للأعلى و انحصرت بين هيكله المعدني.تناثرت رقائق البطاطس على الأرض، و ذلك الاصلع لا يزال يكمل في رياضيته العجيبة، بينما كانت هي تتخبط داخل الكرسي كمن وقع في فخٍّ لا يعرف كيف يخرج منه.حاولت أن ترفع رأسها بصعوبة من بين الأجزاء المعدنية، ثم نظرت إلى الأعلى...لتجد أسد واقفًا أمامها.كان يحدق بها بذهولٍ كامل، و كأنه عاجز عن استيعاب المشهد الذي يراه أمامه.لامار: أنقذني! أنقذني! هذا الشيء اللعين طواني كالعجين!أسد: ماذا فعلتِ هذه المرة؟ثم التفت نحو الشاشة ليرى ما الذي كانت تعبث به.لامار: ليس أنا! هو الذي فعلها! أقسم أنه هو!وقعت عينا أسد على الشاشة، فتجمد لثوانٍ قبل أن ينظر إليها من جديد.أسد
دخل أسد و رآها منشغلة بالهاتف، و رأى وجهها كيف تغيّر و كيف امتلأت عيناها بالدموع و هي تحاول أن تقاومهما و تمنعهما من النزول... و رآها ترمي الهاتف و تظاهر بأنه لم ينتبه، و ظل مدة طويلة يركّز عليها... دائماً لديه جرعة أمل أن تتكلم.أسد: ما بك؟ ماذا دخل في عينيك؟لامار: (جاءها كالنجدة، و كأنها وجدت كذبة تخرجها من هذا الموقف، و أطلقت العنان لدموعها...) لا أعرف ماذا دخل فيهما، أرجوك انفخ فيهما، أشعر و كأن فيهما ذرة رمل... آي.أسد استشاط غضباً من جديد و انزعج، لأنه شعر أنها لن تصارحه أبداً، و أنها فقط تزيد في الكذب... و هو ينظر إليها، تلك الفتاة التي أصبح يعشق أصغر تفاصيلها، تكذب بلا حياء و بدون أن تضع له اعتباراً، ولا لأي شيء فعله من أجلها... يرى تلك الفتاة التي أخرجته من قوقعته و أرته الحياة، و أرته أن الشخص الأصم شخص عادي... اقترب منها و هي ما زالت تدّعي أن شيئاً دخل في عينيها، و أمسك رأسها بقوة و ملامحه معصوبة و مختلطة بالغضب و الحب... و قرّبها إليه و هو ينظر في عينيها اللتين احمرّتا بشدة و هي تحاول حبس دموعها كي لا تفضح، فقط تنظر إليه و تبدأ بتحريكهما... حررها إليه بقوة و قبّلها بعنف ح
أسد: ولماذا؟لامار: لأنني أنا سبب كل شيء.أسد: هذا كل شيء...؟لامار: وماذا تريد أن يكون غير ذلك؟أسد: (تنهد) لا شيء...لامار: يا أسد افهمني... ما الذي حدث لنا البارحة؟ أشعر وكأنني أحلم، كيف وصلنا إلى هنا وما هذا المكان؟أسد: أنا نفسي تائه... أقسم لا أعرف. عندما نصل سأرسل بعض الأشخاص ليبحثوا في أمرها، فإن كانت غير تابعة لأحد سآتي وأعيد تهيئتها... يبدو أن أرضها خصبة جداً، صالحة للزراعة... تخيلتها جزيرة الورود، واو...لامار: أين أنا وأين أنت... دعنا من الورد الآن... وقل لي أين نحن بالضبط؟أسد: هل تعرفين المحيط الأطلسي؟لامار: نعم، كنت أراه.أسد: أين كنتِ ترينه؟لامار: في كتاب الجغرافيا عندما كنت أدرس.أسد: هه؟ إذاً هذا هو الذي نحن فيه الآن... وما فهمته من البوصلة أننا في شماله، يعني غالباً سنكون متجهين نحو آيسلندا إذا تركنا اليخت يسير بشكل مستقيم، فلن نتوقف حتى نصل إليها...لامار: وما الذي جاء بنا إلى هنا؟أمسك يديها.أسد: هاتان اليدان اللتان يجب أن تُقطعا من الجذور هما اللتان جلبتانا إلى هنا، من غيرك يصنع المصائب؟لامار: هاا، وأنا ما دخلي؟أسد: أنتِ كل شيء... أنتِ من غيّرتِ برمجة اليخت
بعد خمس ساعات... بدأ أسد يستيقظ أخيراً ورأسه ثقيل جداً، يفتح عينيه ثم يغلقهما مجدداً حتى أفاق تماماً... وبدأ ينظر إلى جانبه فوجدها نائمة، واضعة رأسها على السرير ورجليها على الأرض، وعلى طاولة السرير يوجد ميزان الحرارة والبطاطا التي أصبحت سوداء، والوعاء وماء الورد والحليب... كل شيء عجيب أحضرته إلى جواره... سحب يده من تحتها ببطء ونهض جالساً يحك عينه وينظر إلى يده كيف أصبحت... قام وضمّدها وغيّر الضمادة... واتجه نحوها، حملها برفق كأنها ريشة وهي غارقة في النوم، ووضعها فوق السرير وغطاها وبدأ يمشط شعرها بأصابعه... وهو يرسم ابتسامة متعبة على فمه... لأول مرة يشعر أن هناك من يهتم لأمره ويسهر الليل بجانبه وهو مريض... رغم أنه في الماضي عندما كان يمرض، كان الخدم كلهم يتسابقون ويجلبون له الدواء وأمهر الأطباء... ولكن تلك تبقى وظيفتهم... وهم ملزمون بها ويتقاضون عليها أجراً... أما لامار... فقد اهتمت به لأنها أرادت ذلك، ليس لأنها ملزمة... تركها نائمة وصعد إلى الأعلى فوجد روبن يتعلق بتلك العجلة، وما إن رآه حتى قفز عليه وحمله.أسد: قل لي أيها المشاغب، هل هذه تربيتي... انظر ماذا فعلت بيدي... الحمد لله أنها
انتهت الأغنية أخيرًا، وتعالت التصفيقات حول النار الصغيرة المشتعلة على الشاطئ. كان الجميع يصفق بحماس ويثني على العازف والمغني، وحتى أسد شاركهم التصفيق بابتسامة هادئة.أما لامار فبقيت صامتة.كانت تنظر إلى الأرض، تحاول إخفاء أثر الدموع التي باغتتها أثناء الأغنية.التفت أحد الشبان إلى أسد وقال بحماس:—
ما إن أنهت لامار المكالمة حتى أعادت الاتصال بعزيز بسرعة، وقد اشتعل الغضب والخوف داخلها في آن واحد.ما إن أجاب حتى قالت بانفعال:— لماذا صورت إخوتي؟ ولماذا ذهبت إليهم أصلًا؟ ألم تعدني أنك ستبتعد عنهم؟جاءها صوته باردًا على الطرف الآخر:— ذهبت فقط لأصل الرحم. ما بكِ غاضبة هكذا؟ ظننت أنك اشتقتِ إليهم
كانت لامار لا تزال تضحك خلف الباب، غير قادرة على التوقف بعد المشادة الطريفة التي حدثت بينها وبين أسد قبل لحظات. وما إن فتحت الباب قليلًا حتى فوجئت به أمامها مباشرة. اختل توازنها وسقطت نحوه، لكنه أمسكها بسرعة قبل أن ترتطم بالأرض أو تؤذي قدمها المصابة أكثر.قال أسد وهو يرفع حاجبه وينظر إليها بنظرة من
حدقت لامار في أسد باستغراب بعد حديثه عن مثلث برمودا، ثم قالت وهي ترمش عدة مرات:— لم أفهم.ابتسم أسد وأجاب بهدوء:— هو مثلث مشهور في البحر، يقولون إن أي شيء يدخله يختفي.عقدت حاجبيها أكثر.— يعني أنا سأختفي؟ضحك بخفة وهز رأسه.— لا... ليس بهذا المعنى.ثم توقفت قليلًا قبل أن تسأله السؤال الذي كان ير







