Masukتيو---في المساء الخامس عشر، عندما أدخل مكتبه، أجده مختلفاً.إنه جالس في كرسيه، لكنه لم يشعل مصباحه. الغرفة غارقة في شبه ظلام شبه تام، لا يضيئها إلا أضواء المدينة التي تتسلل عبر المصاريع، ترسم ظلالاً متحركة على الجدران، على الكتب، على وجهه. لا يتحرك، لا يتكلم، لا يبدو أنه سمعني أدخل. إنه هناك، ساكناً، غارقاً في أفكاره، في ذكرياته، في ألمه.أقترب، قلقاً، قلبي منقبض. أضع يدي على كتفه، برفق، لألا أخيفه، لألا أحطم هذه اللحظة من التأمل.— إدوارد؟ هل أنت بخير؟يرفع عينيه ببطء نحوي. هما محمرتان، منتفختان، موسومتان بالدموع، بالأرق، بثقل هذا اليوم بالذات.— إنه اليوم، يقول بصوت خافت، شبه غير مسموع. ذكرى وفاته. ثلاث وعشرون سنة اليوم منذ أن رحل جوليان. ثلاث وعشرون سنة أعيش بدونه. ثلاث وعشرون سنة أحمل غيابه كصليب.ينقبض قلبي. ألم حاد، عميق، ليس لي لكني أشعر به وكأنه لي. لا أعرف ماذا أقول، ماذا أفعل، كيف أتفاعل. تبدو الكلمات غير كافية جداً، باطلة جداً، سخيفة جداً أمام هذا الألم.فأفعل الشيء الوحيد الذي يخطر ببالي، الشيء الوحيد الذي يبدو لي صحيحاً، الشيء الوحيد الذي يمليه عليّ قلبي: أركع أمامه، آخ
تيو---في المساء الرابع عشر، بعد تحرير والدي، بعد إلغاء الجلسة، بعد دموع الفرح لأمي وصرخات السعادة لأختي، بعد المعانقات، الضحكات، المشاريع، أعود إلى المكتب.لم يعد شيء يجبرني على المجيء. لم يعد شيء يجبرني على الركوع. لم يعد شيء يبقيني هنا، سواه، سوانا، سوى هذا الحب الذي أخيراً سمّيناه دون أن نقوله. ومع ذلك أنا هناك، أمام بابه، في الثامنة تماماً، كالعادة، وكأن حياتي لا يمكنها الوجود بدون هذا الطقس، بدون هذا الحضور، بدون هذا الانتظار.أدخل. إنه هناك، في كرسيه. لا ويسكي هذا المساء. لا ملفات. لا شيء سواه، وعيناه المثبتتان عليّ، عيناه اللتان تقولان لي كل ما لا تقوله الكلمات بعد.لا أركع. أذهب لأجلس على الكرسي بجانبه، كرسي المساواة، كرسي عقدنا الجديد. لكنه يهز رأسه، بلطف، بحنان.— لا. ليس هذا المساء. هذا المساء، بحاجة إليك عند قدميّ.أنظر إليه، متسائلاً، مندهشاً قليلاً.— تريدني أن...— أرجوك. بحاجة أن أشعر بك قريباً مني، ملتصقاً بي. بحاجة للتحدث إليك، حقاً، للمرة الأولى بدون قناع، بدون خوف، بدون تحفظ. ولهذا، بحاجة أن أشعر بك هناك، عند قدميّ، كملجأ، كمرسى، كميناء بعد العاصفة.أفهم. أذهب إل
تيو---في المساء الثالث عشر، عندما أدخل مكتبه، كل شيء مختلف.أشعر بذلك في الهواء، في الضوء، في الصمت. شيء تغير، جوهرياً، لا رجعة فيه. شيء يجعل كل شيء ممكناً، كل شيء جديداً، كل شيء حقيقياً.لا أركع فوراً. أبقى واقفاً، وجهاً لوجه، ويبقى واقفاً، وجهاً لوجه. ننظر إلى بعضنا في صمت، طويلاً، طويلاً جداً، كالملاكمين الذين يتقيّمان قبل القتال، كعاشقين يعيدان اكتشاف بعضهما بعد فراق، كروحين تعترفان ببعضهما بعد سنوات من التيه.— اجلس، تيو. ليس راكعاً. على الكرسي. بجانبي.أطيع، مندهشاً رغم كل شيء. أجلس على الكرسي بجانب كرسيه، ذلك الذي كان هناك في اليوم الأول، عندما أراني الملفات، عندما عرض عليّ تلك الصفقة التي غيرت حياتي. كرسي المساواة، ليس كرسي الخضوع. كرسي من يستطيع التحدث، المناقشة، الاختيار.يجلس في كرسيه، يستدير نحوي، وأرى في عينيه أنه اتخذ قراراً. قراراً مهماً، نهائياً، لا رجعة فيه.— القواعد تتغير، تيو. من الآن فصاعداً، علاقتنا تتغير. تماماً. جذرياً. نهائياً.— كيف ذلك؟— لا مزيد من الابتزاز. لا مزيد من التهديدات. لا مزيد من العقود. لا مزيد من الديون. والدك، سأحرره في كل الأحوال. جلسة الغد
تيو---لا أذهب إلى المكتب ذلك المساء.للمرة الأولى منذ بداية هذا الجنون، منذ ذلك الاستدعاء الأول، منذ ذلك الركوع الأول، لا أتوجه إلى القصر في الثامنة مساءً. أبقى في المنزل، محبوساً في غرفتي، أنظر إلى السقف، أستمع إلى المطر يضرب الزجاج، أعيد باستمرار وجه ألكسندر، عينيه الفارغتين، كلماته المرعبة، يده الباردة على يدي.تقرع أمي الباب، عدة مرات. إنها قلقة، تسأل إن كنت أريد العشاء، إن كنت أريد التحدث، إن كنت أريدها أن تبقى. أجيب بمقاطع أحادية، بزئير، بصمت. تنتهي بالاستسلام، كما تستسلم لكل شيء منذ اعتقال والدي، كما استسلمت للحياة، للأمل، للسعادة.يرن هاتفي. أنظر إلى الشاشة. رسالة."تيو؟ كل شيء على ما يرام؟ أنتظرك."لا أجيب. أنظر إلى الرسالة طويلاً، طويلاً جداً، وكأنها تحتوي على جواب، حل، مخرج. ثم أطفئ الهاتف. تماماً. لألا أسمعه، لألا أراه، لألا أُغرى.يمضي الليل، طويلاً بلا نهاية، مأهولاً بكوابيس حيث أرى نفسي مكان ألكسندر، قذراً، مجنوناً، ضائعاً، يتجول في ممرات القصر في انتظار الموت، في انتظار أن يراني أحد، في انتظار أن يتذكرني أحد. أستيقظ مذعوراً، غارقاً في العرق، قلبي يخفق بعنف، صدري منقب
تيو---في اليوم الثاني عشر، ينقلب كل شيء مرة ثانية.إنه بعد الظهر، واحد من تلك العصرات الرمادية حيث تبدو السماء تثقل على المدينة كغطاء من رصاص، حيث الضوء نفسه يبدو متعباً، حيث كل خطوة في ممرات القصر تتردد كناقوس موت. لقد وضعت للتو ملفاً جديداً لمحامي والدي، نموذج آخر، إجراء آخر، أمل آخر يضاف إلى كثيرين غيره خابوا بالفعل، دُوسوا بالفعل، ماتوا قبل أن يعيشوا حقاً.أمشي في هذه الممرات التي بدأت أعرفها عن ظهر قلب، هذه الممرات التي لا نهاية لها بمصابيحها النيون الشاحبة التي تطن بلا نهاية، بأبوابها الخشبية الداكنة التي تُلعب خلفها الأقدار، بلوحاتها النحاسية البالية بالزمن والأصابع، بأجيال المتقاضين والمحامين والقضاة الذين ساروا على هذه الحجارة نفسها قبلي. تتردد خطواتي على الرخام، صوت منتظم، رتيب، شبه منوّم، كموسيقى حداد، كناقوس يدق لشخص لا أعرفه بعد.وفجأة، أراه.إنه جالس على الأرض، مستنداً إلى مشعاع، في زاوية من الممر لا ينظر إليها أحد أبداً، يتجنبها الجميع، ذلك النوع من الأماكن حيث لا ترى إلا من لا تريد رؤيتهم. شاب، في عمري تقريباً، ربما أكبر قليلاً، ربما أصغر قليلاً. صعب التحديد. سنوات ا
تيو---في المساء الحادي عشر، لا أستطيع نسيان كلمات المحامية فايس. رغم اعترافاته، ورغم دموعه، ورغم حقيقته، تبقى الشكوك، تنخر، تلتهم. إنها هناك، كامنة في ظل عقلي، مستعدة للظهور عند أدنى صمت، وأدنى نظرة، وأدنى إيماءة غامضة.أدخل مكتبه. لا أركع. أبقى واقفاً، ذراعاي متقاطعتان، نظراتي قاسية، فكي مشدود.— أريد أن أعرف.يرفع عينيه عن ملفاته، يتنهد. تنهيدة منهكة، متعبة، مستسلمة.— ماذا أيضاً، تيو؟— كم؟ بالضبط. كم فتى قبلي؟ أريد أرقاماً. أريد أسماء. أريد وجوهاً.يقوم، منزعجاً، محتاجاً.— تيو، لقد تحدثنا عن هذا البارحة. قلت لك الحقيقة. ماذا تريد أكثر؟— الحقيقة الكاملة. ليس تعميمات. تفاصيل. أريد أن أعرف على أي أساس أقف. أريد أن أعرف إن كنت واحداً من بين كثيرين، أم أنني حقاً مختلف. أريد أن أعرف إن كانت دموعك، مداعباتك، لياليك التي تراقبني فيها وأنا نائم، كل هذا لي أم للقادم من بعدي.يقترب، وأشعر بغضبه يرتفع، أراه في عينيه التي تغمق، في فكه الذي يشتد، في قبضتيه اللتين تتشنجان.— قلت لك إنك مختلف. قلت لك إنك الأول الذي دخل. قلت لك كل ما استطعت قوله. ماذا تريد أكثر؟ أدلة؟ أفعالاً؟ لا أستطيع أن أعط







