ANMELDENأنطوانإنها الليلة الأخيرة. الأخيرة تماماً. ليلة الوداع، ليلة المعايدة، ليلة حيث يجب أن ينتهي كل شيء لكي يبدأ شيء جديد. رافائيل يغداً، للأبد هذه المرة، دون عودة ممكنة، دون إلغاء في اللحظة الأخيرة. حجز رحلته، تذكرة ذهاب بلا عودة إلى سنغافورة، إقلاع في الثامنة صباحاً. حزم حقائبه، حقيبتان ضخمتان من الجلد تنتظران في المدخل. ودّع الفريق، واحداً تلو الآخر، وداعات متحفظة وأنيقة، مصافحات، ابتسامات، بعض الدموع المكبوتة. غداً، سيكون في أقصى العالم، على بعد آلاف الكيلومترات، وسينتهي كل شيء. سيتفكك المثلث، ستنتهي الحرب، ربما يعود السلام.لهذه الليلة الأخيرة، نظم غابرييل كل شيء. حجز الجناح الإمبراطوري في فندق ريتز، الأكبر، الأفخم، ذلك الذي يطل على ساحة فاندوم المضاءة، ذلك الذي يحتوي على سرير كبير لستة أشخاص، ذلك الذي يحتوي على طاولة من رخام كرارا في وسط الصالون. جنون، إسراف، هدية وداع. وعلى هذه الطاولة أنا ممدد الآن، عارياً، عارياً تماماً، ذراعاي وساقاي مفرودتان، مربوطتان بأقدام الطاولة برباطات من الحرير الأسود لا تضغط لكنها لا تستسلم. عشاء مقلوب، وليمة مقلوبة، حيث أن
أنطوانإنه اليوم الكبير. اليوم الذي كان غابرييل يخشاه ويأمله في آن. يوم البرنامج. «فن الطهي مباشرة»، المنصة الأكثر مشاهدة في التلفزيون الفرنسي للطهي، ملايين المشاهدين أمام شاشاتهم، كاميرات في كل مكان، أضواء كاشفة مبهرة، مقدمة مبتسمة ولا ترحم، فلورانس ديلاكور، بابوية المواقد الإلكترونية. غابرييل ضيف الشرف لهذا المساء، جاء ليقدم قائمته الجديدة، فلسفته الجديدة في الطهي، حياته الجديدة بعد الفضيحة التي كادت تدمره. وأنا إلى جانبه، ليس كمساعد بسيط، بل كمساعده الرسمي، كشريكه، كحبيبه المعترف به. أصرّ فريق الإنتاج على مجيئي، يريدون الإثارة، يريدون العاطفة، يريدون الفضيحة. وغابرييل وافق، لأنه لم يعد لديه ما يخفيه، لأنه يريد أن يظهر للعالم كله من هو حقاً، من نحن حقاً.الاستوديو ضخم، نسخة طبق الأصل من مطبخ احترافي بأسطح عمل من الفولاذ اللامع، ومواقد مشتعلة، وقدور نحاسية تغلي، ومجموعة سكاكين مصطفة بدقة عسكرية. الأضواء تسخن، الضوء مبهر، حرارة صوبة تثير العرق على جبهتي. فلورانس ديلاكور، أنيقة في بدلتها الزرقاء الليلية، شعرها الرمادي مصفف في كعكة لا تشوبها شائبة، تطرح أسئ
أنطوانإنها أمسية الحكم. أمسية حيث يجب أن يتقرر كل شيء، حيث يجب أن يحل كل شيء، حيث يجب أن يميل كل شيء إلى جانب أو آخر من الميزان. في الخارج، العاصفة تزمجر، بروق تمزق سماء باريس، المطر يجلد الزجاج، والشقة غارقة في شبه ظلام كهربائي، مضاءة فقط بالشموع المتمايلة التي تلقي بظلال متحركة على جدران الطوب. غابرييل استدعاني إلى غرفة المعيشة، صوته في الهاتف مقتضب وآمر، لا يترك مجالاً للنقاش. «كن هنا عند منتصف الليل. لا تتأخر.»عندما أدخل غرفة المعيشة، أتوقف فجأة، أنفاسي محبوسة. إنهما هناك، كلاهما، واقفان جنباً إلى جنب في مركز الغرفة، كتمثالين، كعمودين، كإلهين توأمين نزلا من الأولمب. عاريان من الخصر، صدورهما تلمع على ضوء الشموع، عضلاتهما بارزة، ندوبهما مرئية. سراويل المطبخ منخفضة على وركيهما، أحزمتهما محلولة، القماش يتدلى بثنيات ثقيلة على فخذيهما. عضواهما الذكريان مكشوفان، بالكامل، معروضان لنظري. منتصبان، منتفخان، لامعان برطوبتهما، نابضان بالرغبة. عضو غابرييل الذكري، الذي أعرفه جيداً، غليظ، قوي، الجلد الداكن، الأوردة البارزة، الحشفة العريضة والمكشوفة. عضو رافائيل الذ
أنطوانإنها ليلة بلا قمر، ليلة من حبر وصمت، واحدة من تلك الليالي حيث تعود أشباح الماضي لتطارد الأحياء. الشقة مغمورة في الظلام، فقط طنين الثلاجة البعيد يخرق الصمت، كقلب ميكانيكي ينبض في الظلمة. غابرييل خرج، استدعي إلى المطعم لطوارئ في اللحظة الأخيرة، غرفة تبريد معطلة، توصيلة سمك لاستلامها في ساعة مستحيلة. غادر وهو يزمجر، يرتدي سترته على عجل، يلقي عليّ نظرة سوداء فوق كتفه. يكره تركي وحدي مع رافائيل. يكره فكرة أن نكون معاً بدونه. لكنه غادر رغم ذلك، لأن المطعم يأتي قبل كل شيء، قبلي، قبلنا، قبل غيرته هو.بقيت وحدي في الشقة، غير قادر على النوم، غير قادر على القراءة، غير قادر على التفكير في أي شيء سوى هذا المثلث الذي يلتهمنا، هذين الرجلين اللذين يحبانني ويتخاصمان، هذا الحب المستحيل الذي يوحدنا ويدمرنا. أنا جالس على الأريكة، كتاب مفتوح على ركبتيّ لا أقرؤه، عيناي مثبتتان في الفراغ، عندما يُطرق الباب. طرقات خافتة، خرقاء، غير منتظمة، لا تشبه شيئاً من أناقة رافائيل المعتادة، ولا ثقته، ولا رشاقته. طرقات يأس.أنهض، قلبي يتقلص بشعور سيء، أعبر غرفة المعيشة، أفتح
أنطوان إنها أمسية غريبة، واحدة من تلك الأمسيات حيث يبدو الهواء نفسه مشحوناً بكهرباء شريرة، حيث كل إيماءة هي استفزاز، وكل نظرة تحدٍ صامت. في الخارج، تتلألأ باريس تحت مطر خفيف يلتصق بالزجاج كالدموع، وفي الداخل، الشقة هي ساحة معركة مبطنة، ومخزن بارود حيث أدنى شرارة يمكن أن تفجر كل شيء. رافائيل لم يغادر. كانت رحلته إلى سنغافورة بالأمس، ولم يغادر. ألغى حجزه، وأجل مغادرته، وتذرع بأعمال لإنهائها، وشراكات لإتمامها، ومستشارين لمقابلتهم. لكن الحقيقة، هي أنه لا يستطيع المغادرة. الحقيقة، هي أنه لا يريد المغادرة. الحقيقة، هي أنه ما زال هنا، في شقة غابرييل، جالساً على الأريكة وكأنه في منزله، ساقاه الطويلتان متقاطعتان، كأس نبيذ أحمر في يده، ابتسامته المفترسة تطفو على شفتيه كعلم حرب. غابرييل واقف بجانب النافذة، ذراعاه متقاطعتان على صدره، وجهه مغلق كباب سجن. ينظر إلى المدينة دون أن يراها، عيناه الرماديتان مثبتتان على نقطة غير مرئية، فكاه مشدودان، كتفاه متوتران. لم يحتج عندما أعلن رافائيل أنه سيبقى. لم يصرخ، لم يضرب، لم يلقِ. اكتفى بهز رأسه، مرة واحدة، بإ
تستقر أصابعه على رقبتي، على تفاحة آدم، تنزل على طول قصبتي الهوائية، تتباعد على عظام الترقوة. تلامس كتفيّ، ذراعيّ، ساعديّ، حتى أطراف أصابعي، وكأنه يريد لمس كل سنتيمتر مربع، وكأنه يريد إقناع نفسه بأنني هنا، بأنني حقيقي، بأنني له. كفاه تصعدان على طول ذراعيّ، تستقران بشكل مسطح على صدري، تشعران بقلبي يخفق تحت أصابعه. يقترب وجهه، تستقر شفتاه على عظمة قصي، حيث وضع الملح منذ قرون، في اليوم الأول من بدايتي. يقبل هذه البقعة من الجلد بخشوع شبه ديني، ثم يلعقها. لعقة طويلة، بطيئة، قوية، تجعلني أرتعش من رأسي إلى قدميّ.فمه يصعد على طول رقبتي، يجد العضّة المزدوجة، هذه الندبة التي ما زالت طازجة حيث تتداخل علامته وعلامة رافائيل، لا يمكن فصلهما. يقبلها، يلعقها، يمتصها برفق. لسانه يهدئ الجرح، يطهره، يشافيه. كل قبلة هي غفران، كل لعقة هي خلاص. لا يحاول محو علامة رافائيل. إنه يقبلها. يدمجها. يجعلها جزءاً منه، جزءاً منا، جزءاً من تاريخنا.— سامحني، يهمس على بشرتي. سامحني على كل ما فعلته بك. على الألم، الخوف، ليالي الشك. سامحني لأنني لم أعرف كيف أحبك بطريقة أخرى.— لا شيء ليغفر. أحببتني كما تعرف، كما تستطيع.







