LOGINوقبل أن تفتح لمار فمها لتجيب، رفعت المديرة يدها بقلة صبر وأشارت لها بالخروج من الغرفة فوراً! راح الموظفون ينظرون بطرف أعينهم نحو لمار، ويكتمون ضحكات سخرية مريضة فيما بينهم. همست إحدى الموظفات لصديقها المكتبي: "لا أعرف حقاً كيف يقبل شخص بمثل وضعها بدون شهادة جامعية للعمل في شركة كبرى ومهمة كهذه؟!" أومأ صديقها مجارياً إياها: "معكِ كل الحق... ولكنني لا أظن أن المديرة أشفقت على حالها وعجزها، أعتقد إنها أستخدمت وسيلةً ما للدخول إلى الشركة !" وقال موظف آخر بتهكم خفيض: "كنتُ سعيداً جداً بالعمل في هذا الفريق، ولكن بعد أن جاءت هذه الفتاة أصبحتُ أشعر بالحرج أمام العملاء!" طقت المديرة بكفها بقوة على الطاولة ليصمت الجميع فوراً ويعود الهدوء للقاعة، ثم أعادت نظرتها الباردة إلى لمار التي كانت لا تزال تقف بهدوء: "هل هناك شيء آخر تنوين إضافته؟" ردت لمار بصلابة متزنة: "نعم سيدتي... لقد اتصل السيد عزمي قبل قليل، وكان واضحاً جداً من نبرته أنه ليس راضياً عن الاقتراح والتعديلات التي قُدمت له سابقاً، ولهذا يطلب مناقشة الأمر معكِ شخصياً." ضربت المديرة الملفات على الطاولة بغضب ساطع: "اللعنة! ألم أخبركم
في القصر المنيف... كان "تيم" يجلس في صالونه الفخم حين تصاعد صوت طرقات عنيفة وقاسية على الباب الخارجي تتسارع كضربات المطرقة! نهض تيم وهو يعدل بدلتهم الرسمية، وتوجه بخطى جادة نحو الباب بملامح منقبضة وصارمة. فتح الباب دون أن ينظر في عين الطارق أو يسأل عن هويته... وما إن انفتح الباب حتى استقبلته لكمة حديدية خاطفة وقوية وسددت مباشرة نحو وجنته! تراجع تيم خطوتين للورا، والتف رأسه للطرف الآخر بقوة الضربة، وعيناه متسعتان بذهول وغير مستوعبتين لما يحدث! عدل جسده واستقام في وقفته، يمسح على فكه بوجع بحاجبين معقودين ونبرة غاضبة: "كيف تجرؤ على...!" لكن كلماته انقطعت في حلقه حين رأى أن الشخص الذي وجه له هذه اللكمة القاسية لم يكن سوى "قيس"... والد لانا! أخفض تيم بصره فوراً، وشعر بالخجل والحرج يعتصرانه أمام هذا الرجل الكبير. تمتم تيم بصوت خفيض: "هذا أنت... عمي؟" رفع قيس إبهامه بوجهه ونفسه يعلو ويهبط بغضب: "عمك؟! هل نسيت أنك تنوي الانفصال عن ابنتي وتدمير قلبها؟! كيف تجرؤ على مناداتي بعمك بعد اليوم?!" أشار تيم بيده بأدب نحو الداخل: "بإمكاننا الدخول والحديث بصلح في الداخل..." صرخ قيس بنبرة قاطعة
في بيت المزرعة... كانت رائحة العجين والطهي الدافئ تملأ الصالة الدافئة، بينما كانت "هية" تقلب القدر على النار بخفة، و"قيس" ينظم الأطباق والملاعق على الطاولة الخشبية... حين انفتح باب المدخل فجأة بقوة. دخلت "لانا" بملامح شاحبة وعينين متورمتين، وقذفت حذاءها في الهواء بأنزعاج شديد ليصطدم بالحائط قبل أن تسير بخطى ثقيلة وتلقي بجسدها المنهك على الأريكة. تبادل كل من هية وقيس نظرة خاطفة ملأها القلق، وتركا كل ما في أيديهما فوراً متجهين نحو الصالة. بخطوات بطيئة ومحسوبة، جلست هية بجوار لانا على الأريكة، بينما وقف قيس متكئاً بجانب الإطار الخشبي للغرفة، يراقب الموقف بحذر. كانت لانا تحتضن الوسادة بين ذراعيها بقوة، وتضغط وجهها فيها بتعابير تفيض بالاستسقاء والحزن. أشارت هية بعينيها لـ "قيس" كي يبتعد قليلاً ويفسح لها المجال للتحدث مع ابنتها بحرية. فهم قيس الإشارة وابتسم بحنان مكتوم قائلاً: "سأذهب لأحضر طبقاً آخر..." مررت هية أصابعها الدافئة بين خصلات شعر لانا الطويل والمجعد، وبنبرة هادئة ورقيقة تثبت عينيها على حركة أصابعها وهي تهدئها: "تبدين مستاءة جداً يا حبيبتي... ماذا حدث؟" بقيت لانا صامتة وال
توقفت "هية" عن دعك العجين، وثبتت بصرها القلق على قيس : "لقد مر وقت طويل جداً منذ خطبة لانا لتيم... وحتى هذه اللحظة لا يظهر أنهما يفكران بالزواج أو تحديد موعد له! أكلُني القلق يا قيس ." رد قيس مبرراً بهدوء: "لا يزالان في بداية طريقهما ويؤسسان لحياتهما القادمة..." اتسعت عيناها بدهشة: "هه! يؤسسان لحياتهما؟! تيم من البداية من عائلة ثرية وميسورة... عن أي تأسيس تتحدث يا رجل؟!" صمت قيس للحظات وهو يقلب الحشوة، ثم قال: "ولماذا لا تسألين لانا بوضوح عن رأيها؟" ضحكت هية ضحكة باهتة ومكسورة: "هه... لانا؟! سألتها مراراً، لكنها تتهرب من الإجابة كعادتها، وفي الفترة الأخيرة أصبحت تغضب وتستشيط بسهولة كلما فتحت معها الموضوع!" ثم أخفضت رأسها وقالت بنبرة خافثة يملؤها الأسى: "ربما تيم غير رأيه بها... ولهذا يؤجل الزواج باستمرار." ضحك قيس ليبهجها: "وما أدراكِ؟ ربما تكون لانا هي من تؤجل الزواج وتريد التمهل!" هزت رأسها بقلة حيلة: "لا أشعر بالارتياح لتيم أبداً... وكأنه يخفي شيئاً مظلماً في صدره." ربت قيس على كتفها بحنان ودفء: " طالما أنهما متفقان ولا مشاكل بينهما فلا تشغلي بالكِ... هما يعيشان معاً بالفعل
"لن تكوني مثلها أبداً... مهما حاولتِ ومهما فعلتِ! ستبقى هي تلك الشعلة الوحيدة التي اخترقت عتمتي المطبقة... تلك التي دخلت حصوني دون أخذ إذن، فدمرت كل المعتقدات القاسية التي كنت أؤمن بها، واستقرت في أعماق قلبي دون أن أعرف متى أو كيف حدث ذلك! ذلك الأمان الدافئ الذي طالما استفقدته في حياتي الفوضوية... لملمت شتاتي المبعثر ورممته برفق، على الرغم من حوافي الحادة التي كانت تجرح كفيها وتجعلهما تنزفان... أدخلتُكِ حياتي عنوة، وأعطيتُكِ كل ما طلبته من سلطة وجاه، لكن حبي... حبي لا أستطيع منحكِ إياه أبداً! سأحتفظ به كاملاً في جوفي لأجلها... إنها تستحق الجزء الأجمل مني، الجزء الذي أحْيَته هي بوجودها... ولن أهبه لكِ ما حييت." كانت هذه الكلمات تتردد كالأصداء داخل ذاكرة زياد المجهدة، وهو يتذكر كيف كان يلمس شعر لمار الطويل بين أنامله برفق قبل أن يقصه لها يمان... حين ربطه لها بشاله الذي كان يلتف حول عنقه في تلك الليلة العاصفة التي واجهت فيها لمار عائلتها بشجاعة لأنهم ألحقوا به الأذى. كانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها لمار غاضبة، حادة، وحزينة... متألمة بشدة للدمار الذي تسببت فيه عائلتها، تماماً كما يقا
وعندما لم تتلقَ منه أي استجابة أو كلمة تسد رمق غضبها، اقتربت منه أكثر بظهر مائل إلى الأمام، وعيناها تنطقان بالقهر والحاجة، وبحاجبين متقاربن وشفتين ترتجفان تمتمت بكسرة: "كيف أصبحت هكذا يا زياد؟! كيف تحولت إلى جثة حية?!" ابتسم زياد ابتسامة باردة كالمقابر، ثم رفع بصره المظلم وحدق في عينيها لثوانٍ طوال وهو يقضم شفته السفلى بتهكم: "ألم تتوقعي هذه النتيجة المأساوية منذ البداية؟" ضحكت تالا ضحكة ساخرة ومكسورة، وقربت وجهها من وجهه حتى كادت أنفاسها تلامس بشرته، وقالت بعينين تلمعان بالغل: "هه! هل تحاول الانتقام مني الآن بأكلك لنفسك؟!" دفعها زياد ببرود ونهض من مقعده الوفير، ليخطو بضع خطوات هادئة في أرجاء المكتب المتسع، قبل أن يلتفت إليها بجمود: "لقد فعلتُ الكثير جداً لأجلكِ ولأجل هذه العائلة... لا أعتقد أنني أستطيع تقديم أكثر مما قدمت." صرخت تالا بنبرة غاضبة ومرتفعة، وضربت كفها على الطاولة مجدداً: "وهل تظن أنك فعلت كل ذلك من أجلي أنا?!" رد ببرود قاطع ونبرة خالية من المشاعر: "لا... ليس من أجلكِ قط." اقتربت منه بخطوات متسارعة وعيناها مثبتتان كالسهم في عينيه: "خمس سنوات!... مرّت خمس سنوات كامل







