Masukنظرت الممرضات بذهول إلى سارة الواقفة جانباً بتعابير مصدومة، وعيناها مثبتتان على لمار التي ترتعد خوفاً وتشهق بفزع، كأن أحداً ينتزع روحها من جوفها، بينما تحاول دفع ثيابها لتغطي جسدها بإحكام كمن يحمي نفسه من هجوم مباغت! :" ماذا فعلت لها؟" رفعت سارة اكتافها للأعلى في حركة على عدم معرفتها وعينها شاخصة غلى لمار بذهول . حاولت الممرضات السيطرة على نوبة الهلع وتهدئتها، لكنهن لم يحسبن حساباً لشدة صدمتها؛ فما إن لمست أيدهن جسدها حتى راحت تصرخ وتلوح بيديها في الهواء بانهيار شنيع: "ابتعدوا عني! لا تلمسوني! لا تقتربوا مني أرجوكم!" تقدم شمس وسحب إحدى الممرضات للخلف، وهو يهز رأسه بقلق محاولاً طمأنتها: "هذا أنا يا لمار! أنا شمس... اهداي !" وضع يده على شعرها المبعثر، لكنها دفعته بعنف هيستيري وكأنها صماء لا تسمع الأصوات ولا تميز الأسماء! كانت الكلمات التهدوية بالنسبة لها طنيناً مرعباً يذكرها بالكابوس... كانت تهلوس وهي مستيقظة، كمن يشاهد محاكمته وقتله دون أن ينام! همس شمس بنبرة متوسلة ودموعه تتفتق: "لمار... ارجوكِ، هذا أنا شمس!" لكنها كانت غارقة في عماها وذعرها التام، وكأنها تعيد العيش في
سكت شمس برهة، ثم التف نحو زياد بحاجبين متقاربين ونظرة عتاب ناطقة: "ولكن... لماذا لم تدعني أخبرها بحقيقتك؟ لماذا منعتني من إخبارها عن وجودك؟" اخفض زياد بصره نحو البلاط البارد، وقال بنبرة خافثة وهو يسترجع طيف حديثهما القديم في الفندق حين أخبرته بجفاف أنه يجب عليهما إنهاء علاقة السيدة والحارس: "افعل... افعل ما ترغب هي به." ثم رفع حدقتيه المظلمتين وأردف بصرامة: "عليها أن ترحل من هنا فوراً... لن تكون بخير أبداً طالما أنها لا تزال تتنفس في نفس هذه البيئة المسمومة." وفي قصر السيد الكبير (جنيد)... كان الجد يجلس في متكئه المعتاد أمام طاولة الشطرنج الخشبية المطعمة بالعاج. وكان يمان يحتل المقعد المقابل، يجلس بقامة منحنية كـالغائب الحاضر. رفع الجد حجراً أسود وعيناه الثاقبتان مثبتتان على وجه يمان الشارد: "هل رأيتها يا يمان؟" هز يمان رأسه نافياً بجمود دون أن يفتح فمه. سأله الجد بنبرة هادئة: "ألن تزورها في المستشفى؟" رفع يمان حدقتيه وتطلع في جده بتساؤل واستنكار: "ولماذا أفعل ذلك؟! أليست هي من رغبت في إنهاء كل شيء وقطع حبالنا؟" رد الجد مبرراً: "أراك غائب الذهن طوال الوقت... وظننتُ أ
"إنه أنا... شمس." لكنها ظلت منكمشة على نفسها، تنظر إليه بطرف عينها وتدفن نصف وجهها بين ركبتيها، دون أي نية للاقتراب أو الشعور بالأمان. قال بنبرة هادئة يحاول التخفيف عنها: "دعيني أعيدكِ إلى المستشفى..." مدّ يده ومسح على شعرها برفق؛ هذه المرة لم تبتعد، بل أعادت وجهها ونظرها الفارغ نحو قبر أختها. التفت شمس نحو زياد وقال: "لقد جاء..." لكنه صمت فوراً حين رآه يهز رأسه بنفي قاطع يمنعه من إخبارها بمجيئه. تقطب حاجبا شمس باستغراب، فأشار له زياد بيده أن يأخذها إلى المستشفى أولاً وسيتحدثان لاحقاً. أومأ شمس بقلة حيلة، وعدّل جملته سريعاً وهو يهمس لها بحنان: "لقد جئت... لقد جئت لأخذكِ." أحاطت يداه جسدها الهش ورفعها عن الأرض بحذر شديد، متأثراً بمظهرها المبعثر وجسدها الخفيف. حدّق في القبر لبعض اللحظات يودّع ليلى، ثم أغلق جفنيه بألم وتأنيب خافق، وراح يمشي بخطى هادئة وثابتة؛ فقد لاحظ أنه كلما أسرع في خطوته صدر منها صوت أنين متألم، فخفف من سرعته وسار بها برفق لئلا يؤذيها حتى خرج بها من المقبرة. وضعها في المقاعد الخلفية للسيارة بحذر، ثم تحوّل ليجلس بقربها. وضع رأسها المجهد على فخذه ولق
استدار شمس وركض نحو الباب بخطوات متداركة. حثّت هيا خطواتها نحو يمان الذي كان يقف مذهولاً يحاول التقاط أنفاسه، ومسحت على كتفه قائلة بمكر: "لا تصدقه يا يمان.. إنه يكذب ليحمّلك الذنب، متفقون معاً على لعبة رخيصة ليوقعوك في شباكها مجدداً!" دخل زياد إلى المقبرة باندفاع شديد، يذرع الممرات الضيقة بحدقتين ينهكهما القلق وتناقض الذعر؛ يتمنى في عمق سريرته أن يجدها هناك، وفي اللحظة ذاتها يرعبه ويثقل صدره احتمال إيجادها. راح يجري بين القبور الرخامية الباردة، يلتفت يميناً وشمالاً ويتنهد بثقل. وفجأة، تسمّرت خطواته فوق التراب الرطب. ركّز كامل حواسه لأن أذنه التقطت صوتاً خافتاً لم يحدد مصدره بدقة، فتوقف في مكانه يرهف السمع بوجل. كان صوت أنين متألم ومكتوم ينبعث من بين شواهد القبور. بدأ يمشي بهدوء باتجاه مصدر الصوت، وعيناه تلمعان كوهج نار مستعرة بين ظلال الليل. كلما تقدم خطوة، كلما أضحى الأنين أكثر جلاءً ووضوحاً. كان يقترب بخطى بطيئة مترددة، وعيناه مثبتتان على الزاوية التي ينبعث منها هذا الانكسار. شدّ قبضة يده حتى ابيضت مفاصله؛ هو يعرف هذا الصوت جيداً حتى دون أن تتكلم، يعرفه حتى لو كان خافتاً أو
استدار ليرحل بخطوات سريعة، فلاحقته نبرتها العالية المترعة بالسخرية: "وماذا ستفعل يا زياد؟ ماذا فعلت حين تعرضت للخيانة؟ أو حين أُجهض جنينها؟ أو حتى حين ماتت ليلى؟!" اتسعت ابتسامتها ورأسه يبتعد: "لن تفعل شيئاً.. لأنك ببساطة عاجز!" لم يلتفت إليها، بل واصل اندفاعه ونزل الدرج كالمسلوب، يسابق الزمن خوفاً من أن تكون قد وقعت في مكروه لا يحمد عقباه. داخل سيارته، ضرب زياد مقود السيارة بقبضته بغضب جارف، ورائحة الجلد والمطاط المكتومة تملأ المكان: "اللعنة! إنها تعرف كل شيء!" كان عقله يغلي بالفوضى؛ ليلى التي رحلت، تالا الشيطانية، ولمار التي تبخرت في أزقة المدينة. برقت عيناه بفكرة كالصاعقة؛ ضغط على المكابح بصوت احتكاك صارخ مع الأسفلت، ودار بالمقود بحدة نحو اليسار. وفي تلك الأثناء، كان شمس قد وصل إلى قصر عائلة "جنيد". اقتحم البوابة متجاهلاً صيحات الحراس واعتراضاتهم، يدفع هذا بكتفه ويلكم ذاك بكل ما أوتي من غضب عارم، حتى بلغ البهو الرئيسي العالي. وقف وسط الرخام البارد وصاح بصوت مزق سكون القصر تحت أنظار كل من في للقصر : "يمان! أخرج إلى هنا يا يمان!" تقدمت فاتن وزوجها أمجد، ينظران إليه بأعين مشد
وفي المقبرة... كان الظلام قد ساد كلياً، يبتلع الشواهد والأشجار في صمت رهيب. وفي المكان الذي ينبغي أن يلفه السكون والأمان، وقعت المأساة. توقف تيم فجأة كمن أفاق من سكرة ثقيلة. كانت انفاسه المتسارعة تنبعث برائحة العرق البارد والندم. حدق بطرف عينيه المصدومتين نحو لمار، التي كانت تجلس على التراب البارد تجمع أطراف ثيابها الممزقة وتغطي جسدها المرتعش، وهي تنتحب بأنين خافت يمزق الأفئدة. استوعب تيم جُرمه الهائل وعظمة الفاجعة التي ارتكبها. مدّ يده المرتجفة ببطء نحو كتفها، لكنها جفلت بذعر عارم وابتعدت عنه، ضاغطة رأسها بين ركبتيها وجسدها ينفضه الرعب. انقبضت حواجب تيم بألم وعصرته الخيبة والذنب. خفض بصره إلى الأرض العارية، وغادر المكان بخطوات ثقيلة ومكسورة، تجر خلفها اعترافاً أبدياً بالذنب والخراب. كان شمس يدور حول مبنى المستشفى بخطوات متداركة، وملامحه الشاحبة يكسوها الفزع. تنقلت حدقتاه المحتقنتان بين الزوايا والممرات الخارجية، يفتش عن أي أثر لها وهو يهمس لنفسه بنبرة خافقة: "لا يمكن أن تبتعد... ليس وهي بهذه الحالة!" أخرج هاتفه بقلة حيلة، وضغطه على أذنه ينتظر الإجابة بقلب يدق كالدقاق. وفي