FAZER LOGINفي ليلة زفافها، تهرب كاميليا فيرارو من فستانها الأبيض ومن رجل لم تختزه قط، لتجد نفسها عالقة تحت المطر.. وتنتهي بها الرحلة في نزل ريفي يملكه رجل غامض يخفي وراء برودته الظاهرة قصة لم يشاركها مع أحد. لقاؤهما الأول كان محرجا بما يكفي ليصبح بداية شيء لم تتوقعه كاميلياإطلاقا
Ver maisكانت المرآة الطويلة في غرفتها تعكس صورةً لم تعد تشبهها. فستان الزفاف الأبيض، بتطريزه الفرنسي الفاخر وذيله الطويل الذي استغرقت خياطته ثلاثة أشهر، بدا لكاميليا فيرارو وكأنه كفنٌ أنيق أكثر من كونه ثوب عرس.
"ابتسمي يا كاميليا، الضيوف بدأوا يصلون." قالت والدتها إيزابيلا وهي تُثبّت آخر دبوس في تسريحة الشعر المرتفعة، بصوتٍ يحاول أن يبدو مبتهجًا رغم أن عينيها لم تفعلا الأمر نفسه. "أمي، هل سألتِني يومًا إن كنت أريد هذا؟" همست كاميليا دون أن تلتفت عن المرآة. توقفت إيزابيلا عن الحركة للحظة. "الأمور معقدة أكثر مما تتخيلين. والدك... الشركة تحتاج إلى..." "إلى أن أُباع لرينزو كونتي مقابل تسوية ديونه؟" قاطعتها كاميليا بمرارة هادئة لم تعتد أن تُظهرها. "قوليها بوضوح يا أمي، فهذا أرحم من كل هذه الكلمات المُدارة." لم تُجب إيزابيلا. كان صمتها إجابةً كافية. على بعد أمتار، كانت بياتريتشي نيري تقف عند الباب، تُلاحظ التوتر المشدود في الغرفة كخيطٍ على وشك الانقطاع. انتظرت حتى غادرت إيزابيلا لتتأكد من ترتيبات القاعة، ثم أغلقت الباب خلفها وأسندت ظهرها إليه. "حسنًا، الآن وقد اختفت أمك... أخبريني بصراحة. هل ستفعلينها فعلاً؟" استدارت كاميليا نحو صديقتها، وفي عينيها بريقٌ يخلط بين الخوف والتصميم. "بيا، إذا وقفتُ أمام ذلك المذبح بعد ساعتين، فلن أكون كاميليا التي تعرفينها بعد اليوم. سأكون... ممتلكات موقّعة رسميًا باسم رينزو كونتي." اقتربت بياتريتشي ومسكت بيدَي صديقتها. "إذن اهربي. الآن. لا بعد ساعة، ولا بعد أن يبدأ العزف. الآن." "إلى أين أذهب يا بيا؟ بهذا الفستان؟ بلا مال، بلا خطة؟" ابتسمت بياتريتشي ابتسامة من يملك خطةً مسبقة. "لديّ سيارة أختي مركونة عند الباب الخلفي للحديقة، ومحفظة فيها ما يكفي ليومين على الأقل. أما الخطة... سنرتجلها في الطريق. أنتِ لست الفتاة التي تنتظر أن يُقرَّر مصيرها يا كاميليا، ولطالما كنتِ تكرهين هذا الفستان أساسًا." لحظات صمتٍ ثقيلة مرّت، وكأن الزمن نفسه يمنح كاميليا فرصة أخيرة للتراجع. من خلف الباب، سمعت صوت الموسيقى الخفيفة تبدأ في القاعة السفلى، وصوت والدها يضحك بصوتٍ عالٍ مع أحد ضيوفه المهمين، مطمئنًا إلى أن كل شيء يسير كما رسمه. كان ذلك الضحك هو ما دفعها أخيرًا لاتخاذ القرار. "حسنًا." قالت كاميليا وهي تخلع حذاء الزفاف ذا الكعب العالي بحركة واحدة حاسمة. "لكن لن أستطيع الجري بهذا الفستان." سحبت بياتريتشي من حقيبتها مقصًا صغيرًا كانت قد أحضرته "احتياطًا"، وبنظرة تواطؤ بينهما، بدأت بقصّ الذيل الطويل من الفستان دون أي تردد، تاركةً إياه عند الركبة تقريبًا، بقصةٍ غير متساوية لكنها عملية بما يكفي للركض. "هذا سيكلفكِ الكثير من التبرير لاحقًا." قالت بيا وهي تضحك بعصبية. "سأتحمل التبرير. لا أستطيع أن أتحمل حياة كاملة مع رينزو كونتي." فتحت بياتريتشي النافذة المطلة على الحديقة الخلفية، بعيدًا عن أعين الضيوف المتجمعين عند المدخل الأمامي. تسلّلت كاميليا فيرارو، بفستانها الأبيض المقصوص وشعرها المرفوع الذي بدأت خصلاته تتحرر واحدة تلو الأخرى، عبر الشرفة الجانبية، حافية القدمين على العشب البارد، بقلبٍ يخفق بقوة بين الخوف والحرية التي لم تتذوقها من قبل. لم تكن تعلم أن هذا القرار، المتخذ في لحظة يأسٍ وتمرد، سيقودها بعد أيام قليلة إلى طريقٍ ريفي موحل، وإلى مواجهة ستُحرجها أمام رجلٍ لن تنسى ملامحه بسهولة. لكن هذا حديثٌ لاحق. الآن، كل ما يهم كاميليا فيرارو هو الوصول إلى تلك السيارة قبل أن يُلاحظ أحدٌ غيابها انطلقت السيارة الصغيرة بسرعة توازي اضطراب قلب كاميليا، تاركةً خلفها أضواء القصر الريفي المزدانة بالورود البيضاء، وأصوات الموسيقى التي لم تعد سوى همسات بعيدة تتلاشى شيئًا فشيئًا خلف أشجار الطريق. جلست كاميليا في المقعد الأمامي، ترتجف رغم دفء الليل، تحدّق في انعكاس صورتها على زجاج النافذة الجانبية: فتاة بفستان زفاف مقصوص بطريقة عشوائية، وشعر منفلت من تسريحته الأنيقة، ووجه ما زال يحمل آثار مساحيق تجميل احترافية لا تليق بحال الهروب. "لا أصدق أننا فعلناها فعلاً." قالت بياتريتشي وهي تقود بيدين متوترتين على المقود، تنظر بين الحين والآخر إلى المرآة الخلفية وكأنها تتوقع مطاردة سينمائية. "أنا أيضًا لا أصدق." همست كاميليا بصوتٍ يخالطه ضحك عصبي مفاجئ. "أبي سيقتلني." "أبوكِ سيبحث أولًا عن طريقة لإصلاح الأمر أمام الضيوف قبل أن يفكر في قتلكِ." علّقت بياتريتشي بسخرية. "تخيلي وجه رينزو الآن... لا بد أنه ما زال واقفًا عند المذبح يظن أن العروس تتأخر لأسباب تجميلية." ضحكت كاميليا رغم دموعها التي بدأت تنهمر أخيرًا، مزيجًا من الخوف والارتياح والحزن على والدتها التي تركتها تواجه غضب الجميع وحدها.حين انتهت كاميليا من سرد كل شيء، ساد الغرفة صمت ثقيل. جلس أوغستو على حافة السرير، ينظر إلى ابنته بعينين تحملان مزيجًا من الحزن والحيرة، بينما بقيت إيزابيلا ممسكة بيدها، دموعها تنساب بصمت. "لم أكن أعلم أن رينزو يخفي كل هذا." قال أوغستو أخيرًا بصوت منخفض، يمرر يده على وجهه المتعب. "طوال سنوات عرفته، لم أرَه يشتكي مرة واحدة، ولا يظهر أي ضعف. والآن أفهم لماذا كان يبدو دائمًا بهذا الشحوب في آخر لقاءاتنا، وكنت أظنه مجرد إرهاق عمل." "كان يخبئه عن الجميع يا أبي." همست كاميليا. "حتى عن والدته." "والكونتيسا أدريانا؟" سألت إيزابيلا بقلق. "هل عرفت؟" "ماركو قال إنه سيخبرها بنفسه." أجابت كاميليا، تمسح دموعها بظهر يدها. "أتمنى فقط أن تتحمل الخبر أكثر مما تحملت أنا." مدت إيزابيلا يدها لتمسح على شعر ابنتها بحنان. "يا صغيرتي، لقد أحببتِه، أليس كذلك؟ ليس فقط قلقًا إنسانيًا كما كنتِ تقولين." ترددت كاميليا لحظة، ثم أومأت ببطء. "نعم يا أمي. أحببته. اكتشفت ذلك متأخرة جدًا، حين لم يعد بإمكاني إخباره." "لم يفت الأوان بعد." قال أوغستو بحزم لطيف، وكأنه يريد أن يمنحها شيئًا تتمسك به. "الأطباء قالوا إن بعض
وصلت كاميليا إلى قصر عائلتها بعد رحلة طويلة مرهقة، جسدها منهك تمامًا وقلبها مثقل بكل ما شهدته في ميلانو. توقفت السيارة عند البوابة، ونزلت بخطوات بطيئة، لتجد والديها ينتظرانها عند المدخل، وجهاهما يحملان ترحيبًا دافئًا معتادًا، غير مدركين تمامًا للعاصفة الداخلية التي تعصف بابنتهما. "كاميليا! أهلاً بعودتك يا صغيرتي!" قال أوغستو بابتسامة مشرقة، يقترب منها بذراعين مفتوحتين. اندفعت كاميليا نحوه، تحتضنه بقوة مفاجئة، وجهها مدفون في كتفه، محاولة أن تجد بعض العزاء في هذا الاحتضان الأبوي المألوف قبل أن تواجه ما تحتاج قوله. شعر أوغستو بارتجاف خفيف في جسد ابنته، وابتعد قليلاً لينظر إلى وجهها بقلق مفاجئ. "كاميليا؟ ما الأمر؟ هل كل شيء بخير؟ هل الصفقة..." "الصفقة بخير يا أبي، لا تقلق بشأنها." قالت كاميليا بصوت متعب، تحاول تجميع بقية قوتها. اقتربت إيزابيلا بدورها، تلاحظ بحدس أمومي ثاقب أن شيئًا ما ليس على ما يرام تمامًا في حالة ابنتها. "كاميليا، وجهك شاحب جدًا، وعيناك منتفختان. هل بكيتِ؟" بمجرد أن التقت عينا كاميليا بعيني والدتها، انهارت تمامًا، اندفعت نحوها، ملتفة ذراعيها حولها بقوة، ووجهها مدف
عند باب الغرفة، توقفت كاميليا للحظة أخيرة، تستدير برأسها ببطء لتلقي نظرة أخيرة على المشهد بأكمله: رينزو مستلقيًا بلا حراك وسط تلك الأجهزة الباردة، الشاشات تومض بأضوائها الخافتة، صوت جهاز التنفس المنتظم يملأ صمت الغرفة، وذلك الضوء الأبيض القاسي الذي يجعل كل شيء يبدو أكثر برودًا وغربة مما هو عليه بالفعل. حفظت هذا المشهد في ذاكرتها، كل تفصيل، كل ظل على وجهه، محاولة أن تحمل معها صورته هذه، مهما كانت مؤلمة، لأنها الصورة الوحيدة التي تملكها الآن منه. أغلقت الباب خلفها بهدوء تام، وكأن أي صوت إضافي قد يزعج ذلك السكون الثقيل الذي يخيم على المكان. سارت بجانب ماركو عبر الممرات الطويلة، صامتة تمامًا، لا كلمات تخرج منها، فقط دموع صامتة تستمر في الانسياب دون أي محاولة لإيقافها بعد الآن. وصلا إلى السيارة، وركبت كاميليا في المقعد الخلفي، تستند برأسها على الزجاج البارد للنافذة، تراقب شوارع ميلانو تمر أمامها ببطء، كل شيء يبدو بلا لون، بلا معنى حقيقي. "إلى المطار مباشرة؟" سأل ماركو بلطف، يلاحظ حالتها المنهارة من خلال المرآة الأمامية. أومأت كاميليا برأسها بصمت، غير قادرة على نطق كلمة واحدة. استمرت
انقلبت كاميليا على جانبها الآخر في منتصف الليل، الرسالة لا تزال مطوية بين أصابعها، ودموعها استمرت في الانسياب بصمت حتى استسلمت أخيرًا لنوم مضطرب متقطع، جسدها منهك تمامًا من ثقل هذا اليوم الطويل. استيقظت عند الظهيرة، الشمس تتسلل بقوة عبر فتحة صغيرة في الستائر التي نسيت إغلاقها بالكامل الليلة الماضية. جلست في السرير ببطء، رأسها ثقيل، عيناها منتفختان من البكاء الطويل، وشعور عام بالإرهاق يخيم على كل عضلة في جسدها. نظرت إلى هاتفها: رسالة من ماركو تخبرها أنه سيأتي لاصطحابها بعد ساعتين، حين تسمح ساعات الزيارة المحدودة في وحدة العناية المركزة. نهضت بصعوبة، توجهت نحو الحمام، وقفت أمام المرآة تتأمل انعكاس صورتها: وجه شاحب، عينان محمرتان متعبتان، لا أثر لتلك المرأة الواثقة القوية التي وقفت في قاعة الاجتماعات قبل أيام قليلة فقط. غسلت وجهها بماء بارد، حاولت أن تجمع بقايا قوتها المتبقية. ارتدت ملابس بسيطة، لا داعي للأناقة الرسمية اليوم، فقط سترة داكنة بسيطة وبنطال مريح، شعرها مربوط ببساطة، ووجهها بلا أي مكياج تقريبًا، لا شيء يهم الآن سوى الوصول إليه. طرق ماركو باب غرفتها في الوقت المحدد تمامًا
avaliações