로그인رد بأسى يطبق بجفنيه : "نعم... فكرت. لا أنكر أنني ظننتكِ استسلمتِ لقدركِ معه ووقعتِ في حبه ! وهذا التفكير القاتل كان يوقفني في كل مرة تخبرينني فيها أنكِ ذاهبة إليه..." ثم تابع بنبرة متقطعة مكسورة: "لم أتوقع قط أنكِ تحاولين جعله يستعر بحبكِ لتفعلي به ما فعله بكِ... أنتِ لستِ تلك الفتاة اللعوب ... ولن..." قاطع الكلمة القاسية قبل أن ينطق بها لسانه، ليستأنف برغبة مستميتة: "...ولن تسيري في هذا الطريق المظلم!" رمشت بمرارة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة متعبة: "زياد..." رفع بصره إليها بعينين دامعتين، ينتظر كلماتها بوجل، ورغم شعوره بالخطر الداهم الذي يهدده، لم يستطع منع نفسه من الاستماع. مررت لمار أطراف أصابعها الباردة على وجنته الشاحبة، تتأمله بملامح فارغة وعينين تترقرق فيهما الدموع الحابسة. كانت أنفاسها متقطعة، وأصابعها ترتجف كالورقة. أراح زياد وجهه في كفها، وأغمض عينيه مستسلماً للدفء الناعم المنبعث من لمساتها... قالت بصوت مكسور لكنه قاطع وحازم كالسيوف: "أعتقد أن علاقة 'السيدة والحارس' يجب أن تنتهي هنا وإلى الأبد ... لا أريد رؤيتك تظهر أمامي مرة أخرى." فتح عينيه كمن هوت عليه الصاعقة! كان ي
زياد دفعها عنه بقوة ومرارة، ونظر إليها كمن خاب أمله في أطهر ما يملك: "أنتِ الآن خارج عقلك بالكامل تحت تأثير المشروب والوجع... وأنا لن أستغلكِ في ضعفكِ هذا أبداً!" أجابت بنبرة مرتجفة منخفضة: "تسمح لي بأن أستغلك... ولكنك تأنف من استغلالي؟ كم أنت غبي يا زياد!" وضحكت بسخرية مريرة. هز زياد رأسه بأسى ، رفع سبابته في وجهها محذرا ً: "ابقي هنا ولا تخرجي حتى تعودي إلى رشدكِ وتستعيدي وعيكِ!" خرج من الغرفة بسرعة، وأغلق الباب وراءه بالمفتاح بإحكام! هرعت لمار خلفه، وحاولت فتح القوة بضرب المقبض: "زياد! لا يمكنك فعل هذا بي! افتح الباب فوراً!" صرخت به، لكنه لم يستجب. "افتح الباب... أقول لك افتح الباب!" وحين أدركت أنه القفل سد المنافذ، صدمت جبهتها بالباب بقوة، وصارت تضحك بهستيرية باكية ممزوجة بخيبة ألم قاتلة: "من أنت لتحبسني هنا؟! من تظن نفسك لتفعل بي هذا؟!" وخفت صوتها تدريجياً إلى نحيب كسير. كان زياد يقف خلف الباب تماماً في الردهة... بحاجبين معقودين وملامح شاحبة كالموت، ويده مثبتة على موضع قلبه؛ فصوت ضحكاتها الهستيرية الممزوجة بالبكاء كان يمزق نياط قلبه إلى أشلاء. أما هي... فكانت تجلس خلف الباب
ابتعدت لمار خطوة مترنحة ، بالكاد كانت واعية ، وسار الشاب نحو الباب يعدل سترته الجلدية. وما إن فتح القفل وسحب الباب... حتى قابلته لكمة مدوية وقاضية على فكه! صرخ متألماً وسقط أرضاً، بينما جفلت لمار وتراجعت خطوتين إلى الخلف، تضع يدها على فمها لتكتم صرخة فزع. اتسعت عينا لمار بذهول حين رأت أن الضارب لم يكن سوى زياد! كان يشد قبضته المدماة ويرخيها، بعينين حادتين كالصقر وأسنان محزومة بغضب عارم! رفع بصره ونظر إليها، وتنهد بعمق كأن النار تأكل أحشاءه. صرخ عمر وهو يزحف على الأرض متوسلاً: "من أنت؟! ولماذا تضربني بغير حق؟!" أمسك زياد بياقة عمر بيده القوية، ورفع قبضته الأخرى ليجهز عليه بلكمة ثانية... صرخت لمار قبل أن تصل القبضة إلى وجهه: "توقف يا زياد!" تعلقت قبضة زياد في الهواء... رفع بصره ونظر إليها بعدم تصديق وصاح بذهول: "لماذا يجب أن أتوقف؟! هذا السافل كان يستغلكِ!" وكرر محاولة خنقه. صرخت لمار مجدداً بنبرة زلزلت الغرفة: "لا تفعل يا زياد... هو لم يستغلني!" رفع زياد رأسه إليها ببطء قاتل، وتطلع في عينيها. وقالت هي بهدوء ثلجي وكأنها تفجر قنبلة موقوتة: "أنا من طلبتُ منه ذلك!" رمشت
في أحد الفنادق الفاخرة الباهظة... كان زياد يجلس على رأس طاولة اجتماعات بيضاوية فسيحة في منتصف قاعة كبيرة، وحوله ثلة من كبار رجال الأعمال الأنيقين من مختلف الأعمار. كانوا يتناقشون في صفقات استثمارية ضخمة. جلس زياد بمهابة، يبسط إحدى يديه على السطح الخشبي المصقول بينما ترتاح الأخرى على مسند كرسيه، يستمع بتركيز حاد. وكان يقف خلفه شبان برداء رسمي، يضعون أجهزة الاتصال اللاسلكي في آذانهم وأيديهم مشبكة بوقار أمام بطنهم . نهض زياد مستأذناً بوقار، وترك القاعة ليقطع الردهة الطويلة يمسح على وجهه إرهاق الساعات الطويلة. "لقد كان اجتماعكم هذه المرة أطول من المعتاد يا سيدي!" قال أحد مرافقيه المترجلين خلفه. سحب زياد سيجارة بين شفتيه، وقرّب ولاعته الذهبيه ليشعل طرفها، ثم أخذ نفساً عميقاً وزفره بتأمل، يرسل سحابة التبغ الأبيض المتصاعد في هواء الردهة البارد. تنهد بجهد: "نعم... مضى وقت طويل منذ أن عقدنا جلسة مطولة كهذه." "يبدو أن المؤشرات مثمرة هذه المرة." أومأ زياد برأسه تأييداً... وفجأة! تجمّد في مكانه تماماً! اتسعت حدقتا عينيه، ويده التي كانت تدفع السيجارة نحو شفتيه استقرت في الهواء كأنها شُلت! ا
مر الوقت ثقيلاً، وتحول نهار الشقة إلى ليلة كحيلة تتزين ببريق النجوم؛ بينما تتسلل خيوط القمر الفضية الباردة عبر الستائر المفتوحة لترسم أطيافاً ناعمة على الأرضية. فتحت لمار عينيها مجدداً؛ كان الالم قد خف قليلاً. فركت جفنيها ونظرت حولها... لم يكن هناك أي شعاع ضوء ينبئ بوجود أحياء في الشقة؛ الظلام يلتهم كل زاوية. مدت يدها وأشعلت المصابيح الخافته للغرفة ، وعرفت يقينًا أن يمان لم يعد من رحلته المزيفة! ابتسمت بطرف فمها بسخرية جافة، وتوجهت نحو الحمام. اغتسلت بماء دافئ، وارتدت فستاناً كحلياً مائلاً للسواد، قصيراً يكشف عن ساقين صقيلتين كالعاج، بأكتاف مكشوفة وأكمام محتشمة، ووانتعلت حذاءً ذا كعب عالٍ يُحدث صليلاً متزناً. ردت شعرها المموج إلى الخلف، وارتدت أقراطاً طويلة تصل إلى عنقها تلمع كأن النجوم هبطت لتزين أذنيها. وضعت معطفها الثقيل على كتفيها، وخرجت من الشقة بكامل أناقتها وزينتها الساحرة! اتجهت نحو إحدى الحانات الشهيرة في صخب المدينة... كانت القاعة مكتظة بأناس من جنسيات وأعمار مختلفة، والجميع يسعى للفت الانتباه، بينما الثنائيات يشربون ويرقصون في الزوايا الظليلة على إيقاع صاخب. جلست ل
بقيت لمار تجلس في مكانها على الكرسي دون أن تتحرك شبرًا، تتكئ بذقنها على ذراعها المطبقة، بملامح ثقيلة، منهكة، وشديدة الاصفرار... وكأن خلوتها كانت الإشارة الوحيدة لإطلاق العنان لضعفها المخبوء؛ كي يخرج من حبسه بعد أن كتمته بحرفية أمام العيون. تسللت أصابعها المرتجفة نحو أسفل بطنها، تكاد تلمسه برفق فاجع... فلَمْسُ تلك البقعة الباردة كان يثبت الحقيقة المريرة التي تتمنى تكذيبها: فرصة حملها مجدداً أصبحت ضرباً من الخيال، بل مدرجة رسمياً ضمن المعجزات المستحيلة! وبمجرد أن لامست أطراف أصابعها جلد بطنها، تنهدت ببكاء خافت، وجفناها محكما الإغلاق. طبقت بكفها الأخرى على فمها لكي تخنق الأصوات والنحيب حتى لا تسمع هي نفسها صدى انكسارها. كانت تئن بشفاه مقلوبة، والدموع تجري كالأنهار الساخنة على وجنتيها الم بلور أضوية المطبخ. همست في عتمتها بأسى: "ألا تكفيني كل هذه القسوة التي تنهال عليّ من حولك يا إلهي؟ حتى أنت يا صغيري لم ترغب في البقاء بداخلي... لم تكتفِ برحيلك، بل أخذت معك كل احتمال يربطني بالحياة ورحلت!" كانت تلك الليلة طويلة، جهمة، وكأن عقارب الساعة أبت أن تتزحزح. لم يعد يمان إلى الشقة؛ بل ب







