LOGINقالت بحدة وصدمة: "لقد اختفت لخمس سنوات كاملة ودنست اسمنا!" "لا يهم... طالما أن عقد الزواج لا يزال سارياً وقائماً بيننا." ابتسمت فاتن بسخرية وكأنها أمسكت زلته: "انت من قلت ذلك بنفسك! إنه مجرد عقد يمكنك إنهاؤه بجملة متى شئت، ولن يمنعك أحد من رميها خارجاً!" رفع يمان يده بصرامة حاسمة ليشير إليها بالصمت: "هذا الأمر خاص بيني وبين لمار فقط... ولا أريد مناقشته مع أي شخص مجدداً!" قلّبت فاتن عينيها باعتراض واعتصار على كلماته غير المبالية بأحد، والتفتت متوجهة نحو الخروج... لكن يمان استوقفها بنبرة آمِرة: "أتمنى أن تخبري المطبخ فوراً بإعداد العشاء... معدتها فارغة منذ الصباح." حولّت فاتن بصرها باستغراب وذهول نحو يمان، الذي كان ينظر في بعض الأوراق الملقاة أمامه وهو يستأنف حديثه ببرود: "لتكن حصتين مضاعفتين... سأتناول وجبة العشاء معها في الغرفة." ضربت فاتن قدمها على الأرض باحتجاج وغيظ عارم، ثم التفتت لتغادر الغرفة متأفأفة... بينما رفع يمان عينيه ينظر إلى ظهر أمه المبتعدة بابتسامة عابثة ومظلمة. (في الغرفة المعتمة) كانت لمار لا تزال تجلس مكانها على الأرض حين سمعت صوت دوران المفتاح في قفل الباب ل
دوى صوت طرق عنيف ومتواصل على الباب الخشبي الفاخر... لف يمان نظره المغلي بالشرار نحو الباب دون أن يبتعد إنشاً واحداً عن لمار الملتصقة بالجدار، وتنهد بعصبية مكتومة تلفح وجهها. ابتلعت لمار ريقها الجاف بصعوبة، وقالت بنبرة حادة تحدت بها خوفها: "لا يمكنك إجباري على العيش معك تحت سقف واحد !" رد ببرود قارس وهو يطبق على الفضاء حولها: "بل ستعيشين غصباً عنكِ ليس معي فقط .. بل مع جميع هؤلاء الذين تكرهينهم... ستقتلكِ ذكرياتكِ القديمة هنا حين أدار الجميع لكِ ظهرهم وأنتِ في أمسّ الحاجة إليهم! ستستمعين إلى همساتهم السامة وهم يسخرون منكِ، وستواجهين نظراتهم المقززة الموجهة نحو عفتكِ... ستتعرفين عن قرب على المعنى الحقيقي للانتقام يا لمار!" أعاد بصره المظلم ليبحلق في عينيها الكستنائيتين، وأردف بجفاء: "ولأنكِ مصرة على عدم إخباري عن الدافع الحقيقي وراء خيانتكِ لي، ستدفعين الثمن غالياً في كل يوم تتنفسين فيه هنا!" بقيت لمار صامتة، وصدرها يعلو ويهبط بضراب متسارعة كأن القفص الصدري يحافظ على نبضات قلبها المذعورة بداخله بصعوبة بالغين... مرر يمان عينيه الحادتين بين عينيها، وصرّ على أسنانه بحنق: "ما زلتُ لا أ
دخل الغرفة... كانت الغرفة لا تزال قائمة على حالها، وكأن صاحبته لم تغادرها قبل سنوات قط! السرير الخشبي العريض، الغطاء، الأريكة ، المنضدة الجانبية، وحتى السجاد العجمي المفروش... كان كل شيء كما تركته تماماً في ذلك اليوم الأسود قبل أكثر من خمس سنوات، وكأن الزمن توقف داخل الغرفة فور رحيلها! فقط طاولة الزينة هي التي خلت من أدوات عنايتها وعطورها القديمة. خطا يمان داخل سكون الغرفة، وكانت لمار لا تزال مطوقة بين ذراعيه، وعيناها تتجولان في الأركان بذهول وصدمة لا تخفى. توقف يمان أمام الفراش العريض، وأنزلها ببطء شديد لتقعد على حافته: "ما زالت كما كانت؟" همست لمار بصوت مبحوح ومسموع ليمان : "هل... هل لم يتغير شيء حقاً ؟" رد السؤال بسؤال وهو يتجه بخطوات متزنة نحو الباب: "وهل أثار ذلك استغرابكِ يا لمار؟" قلبت بصرها بضيق ومرارة: "هل أنتم مرضى وهواةٌ في إيقاف الزمن عن الأماكن التي يرحل عنها أصحابها?!" توقف يمان للحظة مفكراً في عمق كلماتها قبل أن يستأنف مشيه:" لقد أعترفت بالغرفة على إنك صاحبتها ؟" زفرت بضيق ، سألته بصوت مرتجف: "لماذا أحضرتني إلى هنا ؟" في تلك اللحظة... كانت فاتن تهرول نحو الغرفة
رد ببرود مستبد: "ومن قال لكِ إنني أهتم بوريقات الطلاق هذه؟!" قالت بنبرة مهددة وواثقة: "لا يمكنك إجباري على شيء... لستُ عبدة عندك يا يمان!" "أتوقع أنكِ توقعتِ هذا المصير بالضبط عندما قررتِ العودة لمواجهتي." حاولت لمار فتح مقبض الباب بعصبية، وقالت بنبرة آمرة ممزوجة بخوف خفي: "يمان... أنزلني هنا فوراً!" رد بقسوة: "لا تحاولي... لن أسمح لكِ بالرحيل ثانية طالما حييت!" أخيراً... أوقفت السيارة محركها عند مقصدهم النهائي؛ أي مقصد يمان ، القصر الكبير! تلك النظرات الحادة التي كان يرمقها بها يمان ، جعلت عمودها الفقري يرتعد برعب وسكون، وهي تفكر بذهن مشتت في كيفية الهرب من قبضته الفولاذية. فكّ يمان حزام أمانه بعنف، وترجل من السيارة ليطوف حولها بخطوات سريعة وحازمة نحو باب الراكب... فتح الباب وقال بنبرة خالية من أي دفء عاطفي: "انزلي." أخفت لمار توترها الداخلي، وضغطت بكفيها على حقيبتها الجلدية الاستقرار في حجرها، وعيناها مثبتتان إلى الأمام برفض صامت. تنهد بضيق عارم ضاغطاً على أسنانه، وانحنى بجسده الضخم نحوها داخل السيارة... اقترابه المفاجئ الشديد جعل لمار تلتصق بظهر المقعد، وعيناها معلقتان على
رمشت عيناه في الفراغ الممزوج بالخيبة المريرة... طال بصره المثبت في تعابيرها الشاحبة، فجلس باستقامة وعدل أضلاعه على مقعد السائق، بينما اشتدت قبضته الفولاذية حول مقود السيارة وكأنه يعتصره بين كفيه بعنف كاد يهشم جلده! تباعدت شفتاه ليطلق زفيراً حاراً لاهباً كالجمر، وتحولت نظراته لتكون أكثر خطراً وتملُّكاً... صرّ على أسنانه ليشتد عزم فكه، وتحولت نبرته إلى تحذيرٍ يقطر حنقاً: "لا تفكري في الهرب مني مرة أخرى يا لمار!" أمسكت لمار بالقبضة المثبتة على سقف السيارة بكلتا يديها، وعيناها الفزعتان مثبتتان على وجهه المظلم: "ماذا تفعل يا يمان?!" ابتسم بطرف شفته بسخرية مغلفة بالخطر الشديد... ثم زأر المحرك بعنف مروع بعدما كبس بقدمه على دواسة البنزين ليزيد السرعة بطريقة جنونية شقت بها السيارة الطريق الإسفلتي الشاسع! شهقت لمار برعب حقيقي، وضغطت على جفنيها بقوة تحاول السيطرة على الفزع القاتل الذي اجتاح جسدها المنهك، وحشرجت من بين أسنانها بنبرة آمرة ومذعورة: "يمان... اخفض السرعة فوراً!" بقيت عينا يمان مثبتتين على الشارع الممتد، بالكاد ترمش حدقتاه اللتان أصبحتَا أكثر سطوعاً وشراسة من أثر الهواء البارد ال
همهمت بالموافقة دون أن تنطق بالحرف؛ فهي لا تستطيع استفزازه في منطقته المغلقة، إذ لا يزال عقلها يخبئ أعتى الذكريات السوداء حين تحول في السيارة قديماً إلى وحش غاضب وانتهك أنوثتها بلا رحمة وكأنها شيء بلا قيمة يأخذه وقتما يشاء.سألها بنبرة متقطعة وحذرة: "عينكِ... هل هي بخير الآن؟"تجمدت نظرات لمار، واشتدت قبضتها المخفية على طرف كنزتها القطنية ، لكنها قطعت سؤاله مجدداً بإجابة لم تكن التي يرغب في سماعها: "لماذا أخبرتَ جدك بعودتي؟"ضحك بخفة مبرراً: "لقد كان يسأل عنكِ باستمرار... لذا لم أستطع إخفاء الأمر عنه أكثر." ثم نظر إليها بتوجس: "ستذهبين لرؤيته، أليس كذلك؟"قالت باختصار قاطع: "لا أريد ذلك.""ولكنه ينتظركِ بالفعل في البيت الكبير."لكنها لم تجبه، وبقيت تحدق عبر النافذة وكأنها لم تعد تسمع صوته.وقبل أن ينطق بكلمة أخرى، قالت لمار: "بإمكانك تشغيل الموسيقى إن كان هذا الصمت ثقيلاً عليك داخل السيارة."مرت الدقائق ثقيلة، وعاد الصمت ليكون سيد الموقف مجدداً... كان يمان يستطيع سماع صوت أنفاسها المتقطعة؛ بطيئة، ثقيلة، وطويلة.ودون سابق إنذار، ينقر بسبابته على مقود السيارة وعيناه مسمرتان على الطريق ا