ログイン
كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل، عندما توقفت سيارة رياضية سوداء أمام بوابة فيلا فاخرة تطل على البحر. أضاءت المصابيح الخارجية تلقائيًا، وانفتح الباب الحديدي ببطء، لتدخل السيارة إلى الممر الطويل المحاط بأشجار النخيل والورود النادرة.
ترجل ريان السيوفي بهدوء، مرتديًا بدلة سوداء أنيقة، وقد بدا وكأنه خرج للتو من إحدى الحفلات الراقية. في الثانية والثلاثين من عمره، كان يمتلك حضورًا يلفت الأنظار أينما ذهب؛ ملامح حادة، عينان بلون العسل، وابتسامة واثقة اعتاد أن يترك بها انطباعًا لا يُنسى. لم يكن ينقصه شيء. ثروة هائلة ورث جزءًا منها عن والده، بينما ضاعف الجزء الآخر بذكائه في عالم الاستثمار. سيارات نادرة، ويخت خاص، وشركة تنافس أكبر الشركات في البلاد. كان اسمه يتردد في صفحات الاقتصاد، بينما تتناقل مواقع الأخبار صوره في المناسبات الاجتماعية. لكن كل هذا لم يكن يعني له الكثير. فتح باب الفيلا، فرحبت به المساحة الواسعة ذات التصميم العصري. كانت الموسيقى الهادئة لا تزال تنساب من مكبرات الصوت، بينما بقايا السهرة تشير إلى أن المكان كان يعج بالضيوف قبل ساعات قليلة. نظر حوله في صمت، ثم خلع سترته وألقاها على الأريكة. رن هاتفه. ظهر اسم صديقه المقرب، كريم. ابتسم وأجاب: "ألا تنام أبدًا؟" ضحك كريم من الطرف الآخر. "وأنت؟ سمعت أنك غادرت الحفل مبكرًا." أجاب ريان وهو يتجه نحو الشرفة المطلة على البحر: "مللت." "مللت؟ كانت الحفلة تضم نصف مشاهير المدينة!" "وهذا هو السبب." هز كريم رأسه ضاحكًا. "أنت أكثر رجل يصعب إرضاؤه." أغلق ريان المكالمة بعد دقائق، ثم وقف يتأمل الأمواج المتكسرة على الصخور. كان يعيش الحياة التي يحلم بها كثيرون، ومع ذلك، كل ليلة تنتهي بالطريقة نفسها... هدوء ثقيل. وفراغ لا يعرف له سببًا. --- في صباح اليوم التالي، استيقظ متأخرًا على صوت مساعدته المنزلية تخبره بوصول مدير أعماله. دخل سامي يحمل مجموعة من الملفات. "لديك اجتماع مع مجلس الإدارة بعد ساعة." تنهد ريان. "أجله." "هذا ثالث تأجيل هذا الأسبوع." ابتسم ريان ابتسامة جانبية. "إذن ليكن الرابع." نظر إليه سامي باستسلام. كان يعرف أن أحدًا لا يستطيع إجبار ريان على شيء. --- بعد الظهر، قرر ريان أن يزور مقر شركته. ما إن دخل المبنى حتى وقف الموظفون احترامًا، بينما تبادل البعض النظرات إعجابًا بهيبة الرجل الذي يدير إمبراطورية اقتصادية قبل أن يبلغ منتصف الثلاثينيات. أنهى اجتماعاته بسرعة، ثم غادر دون مقدمات. لم يكن يحب الجلوس طويلًا خلف المكاتب. كان يشعر بأن الحياة الحقيقية تبدأ خارجها. --- مع غروب الشمس، اتجه بسيارته إلى الطريق الساحلي. فتح السقف الزجاجي، وترك الهواء يملأ المكان. في تلك اللحظة، شعر بحرية اعتاد البحث عنها في كل شيء... لكنها كانت دائمًا مؤقتة. توقف عند مقهى صغير لم يسبق أن دخله. كان المكان بسيطًا، بعيدًا عن الفنادق الفاخرة التي يرتادها عادة. جلس في زاوية هادئة، وطلب قهوة سوداء. للمرة الأولى منذ زمن، لم يعرفه أحد. لم يطلب أحد صورة. ولم يقترب أحد لمجاملته. اكتفى بمراقبة الناس. رجل يضحك مع أطفاله. امرأة تساعد والدتها على عبور الطريق. شاب يعمل بجد خلف آلة إعداد القهوة. ابتسم دون أن يدري. كانت تلك التفاصيل البسيطة تبدو غريبة عليه... وكأنها تنتمي إلى حياة لم يعشها قط. وبينما كان يهم بالمغادرة، لمح فتاة تدخل المقهى وهي تحمل صندوقًا مليئًا بالكتب القديمة. كانت ترتدي ملابس بسيطة، وشعرها الأسود مربوط على هيئة ضفيرة طويلة، وعلى وجهها ملامح هادئة تخفي قوة داخلية. تعثرت إحدى الكتب وسقطت على الأرض. انحنى ريان تلقائيًا ليلتقطها قبل أن تصل إليها. رفعت رأسها نحوه. التقت عيناهما للحظة قصيرة. ابتسم وهو يناولها الكتاب. قالت بهدوء: "شكرًا." كانت كلمة عادية... لكنها لم تُقل بالطريقة التي اعتاد سماعها. لم يكن فيها إعجاب، ولا تصنع، ولا معرفة بمن يكون. أخذت الكتاب، وشكرته مرة أخرى، ثم انصرفت لتتابع عملها، دون أن تلتفت خلفها. ظل ريان واقفًا مكانه للحظات، يراقبها وهي ترتب الكتب على الرفوف. ولأول مرة منذ سنوات... وجد نفسه يتساءل عن اسم فتاة لا تعرف شيئًا عن ثروته، ولا عن شهرته. ابتسم بخفة، وهو يغادر المقهى. لم يكن يدرك أن هذا اللقاء العابر سيكون بداية الطريق الذي سيغيّر حياته كلها.حين أحببتها نسيت من أكونالفصل 202: مدينة الذاكرةظل ريان واقفًا أمام الباب المفتوح.كانت الخريطة بين يديه، والجملة التي كتبها والده على ظهرها لا تفارق عينيه:«إذا وصلت إلى مدينة الذاكرة، فلا تبحث عني أولًا... ابحث عن نفسك.»قرأها مرة أخرى.ثم طوى الورقة ببطء.قالت المرأة:— ماذا سنفعل؟رفع ريان عينيه إليها.لأول مرة منذ بدأت الحقيقة في الظهور، لم يكن في نظرته غضب.كان فيها قرار.— سنذهب إلى مدينة الذاكرة.اقترب سامر.— لا تعرف ما الذي ينتظرنا هناك.— ولا أعرف ماذا ينتظرني إذا بقيت هنا.قال الجد:— المدينة ليست مكانًا عاديًا.— أعلم.— لا.هز الجد رأسه.— لا تعلم.ثم اقترب من الخريطة.— مدينة الذاكرة لا تظهر إلا لمن فقد شيئًا لا يستطيع تعويضه.نظر ريان إلى المرأة.ثم إلى نفسه.قال:— إذن ستظهر لنا.لم يرد الجد.قال سامر:— المشكلة ليست في الوصول إليها.— ما المشكلة؟— العودة.رفع ريان حاجبه.— لماذا؟قال سامر:— لأن المدينة لا تسمح للزائر بأن يغادر كما دخل.تدخلت المرأة:— المدينة تأخذ ذكرى مقابل كل باب.قال ريان:— وإذا رفضنا؟— لن تصل إلى الباب التالي.— وكم بابًا هناك؟أجاب الجد:—
حين أحببتها نسيت من أكونالفصل 201: الاسم الذي أخفته الذاكرةلم يجب ريان.ظل واقفًا في منتصف الشارع، والمدينة الصامتة تحيط به من كل جانب.أمامه كانت المرأة تركض نحوه.وبينهما وقف الرجل الذي يشبهه.نسخة منه صنعتها الذاكرة، أو ربما كانت جزءًا من نفسه لم يعرف كيف يعيش بدونه.قال الرجل:— اختر.لم يتحرك ريان.قالت المرأة من بعيد:— لا تصدقه!التفت إليها.كانت تقترب ببطء.لكن كلما خطت خطوة، تغير شيء في ملامحها.مرة تبدو كما عرفها في السنوات الأخيرة.ومرة تظهر كطفلة صغيرة.ومرة أخرى يرى أمامه وجهًا لم يعرفه من قبل.وجه الفتاة التي كانت تقف إلى جواره في ذكريات طفولته.قالت:— ريان، لا تسمح له أن يختار عنك.ابتسم الرجل.— لكنها لا تزال تفعلها.سأل ريان:— ماذا؟— لا تزال تخفي الحقيقة.نظرت إليه المرأة.— هذه المرة لن أخفي شيئًا.قال الرجل:— إذن قولي له اسمك.صمتت.نظر ريان إليها.— الاسم الذي رأيته على الزجاج؟أومأت.— نعم.— ما معناه؟— لا أعرف.— ومن اختاره لك؟— أبي.— وأين هو؟لم تجب.فهم ريان.— مات؟أغمضت عينيها.— نعم.ساد صمت طويل.ثم قالت:— مات وهو يحاول إخراجك من الباب الأول.رفع
الفصل 200: الرجل الذي يعرف نهايتيلم يستطع ريان أن يجيب.كانت الجملة التي قالها الرجل قد مزقت آخر خيط من اليقين بداخله.أنت جئت لتقتلها.نظر إلى المرأة التي كانت تمسك يده.لم تسحب يدها.ولم تحاول الدفاع عن نفسها.فقط كانت تنظر إلى الرجل الآخر، وكأنها تعرفه.قال ريان:— من أنت؟أجاب الرجل:— قلت لك.— قلت إنك نسخة مني.— وهذا يكفي.— لا.تقدم ريان خطوة.— لا يكفي.ابتسم الرجل.— أنت دائمًا تريد التفاصيل.ثم نظر إلى نفسه.— وهذا أحد أسباب فشلك.قال ريان:— فشلي في ماذا؟— في إنقاذها.ارتجفت يد المرأة.لاحظ ريان ذلك.قال لها:— هل تعرفينه؟صمتت.— أجيبي.قالت أخيرًا:— أعرف ما يمكن أن يصبح عليه.نظر ريان إلى الرجل.— ومتى؟— بعد أن تفقد كل شيء.قال ريان:— أنا لا أفهم.أجاب الرجل:— لأنك ما زلت تظن أن القصة عن الحب.ثم ابتسم.— لكنها لم تكن كذلك منذ البداية.اقترب سامر.— لا تستمع إليه.التفت الرجل إليه.— وأنت لا تزال تكذب عليه.قال سامر:— نحن نحاول حمايته.ضحك الرجل.— الحماية التي تقوم على الكذب ليست حماية.ثم نظر إلى ريان.— ألم تتعلم هذا بعد؟لم يجب ريان.قال الرجل:— اسأل جدك.الت
الفصل 199: الخيانة التي لم يتذكرهالم يتحرك ريان.كانت الكلمة التي قالتها لا تزال معلقة في الهواء.أنا.لم يفهمها.أو ربما فهمها، لكنه رفض أن يصدقها.نظر إليها طويلًا، وكأن عينيه تبحثان في وجهها عن شيء ينفي ما سمعه.لكنها لم تهرب هذه المرة.لم تحاول الدفاع عن نفسها.لم تقل إن الأمر كان سوء فهم.وقفت أمامه، والدموع على وجهها، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات.قال ريان:— قوليها مرة أخرى.أغمضت عينيها.— أنا من خانك.شعر بشيء ينكسر داخله.ليس قلبه.بل الصورة التي بناها عن كل شيء.اقترب منها.— كيف؟لم تجب.رفع صوته:— كيف خنتِني؟قال الأب:— ريان...استدار إليه.— لا تتدخل.سكت الأب.عاد ريان إليها.— كنتِ تعرفينني منذ كنت طفلًا.أومأت.— وكنتِ تعرفين أنني أحببتك.— نعم.— وكنتِ تعرفين أنني سأفقد ذاكرتي.— نعم.— ثم عدتِ إلى حياتي بعد سنوات.بدأ صوت ريان يرتجف.— وجعلتِني أحبك من جديد.خفضت رأسها.— لم أجعلك.— لكنك كنت تعرفين أنني أحببتك من قبل.— نعم.— إذن كنت تعرفين شيئًا عني لم أعرفه أنا.— نعم.ضحك ريان بمرارة.— وأنت تسمي ذلك حبًا؟رفعت عينيها.— لا.— إذن ماذا تسميه؟قالت:
الفصل 198: الرجل الذي فتح البابلم يتحرك ريان.كان الصوت خلفه واضحًا.هادئًا.قريبًا.ولم يكن صوت شخص غريب.استدار ببطء.ظهر الرجل من الظلام، وخطى إلى دائرة الضوء الخافتة التي بقيت في منتصف القاعة.في اللحظة التي رأى فيها ريان وجهه، شعر كأن السنوات كلها انكمشت في ثانية واحدة.كان سامر.لكن سامر لم يكن وحده.كان إلى جواره رجل آخر.رجل يعرفه ريان جيدًا.رجل كان يراه في طفولته داخل دار الحكمة.رجل كان يعتقد أنه مات قبل سنوات طويلة.والده.تجمد ريان.لم يعرف أيهما ينظر إليه أولًا.أبوه كان يقف أمامه.حيًا.كما تخيله في أحلامه آلاف المرات.لكن وجهه تغير.كان أكثر شحوبًا، وشعره غزاه الشيب، وعيناه تحملان إرهاق رجل عاش سنوات طويلة وهو يهرب من شيء لا يستطيع التخلص منه.قال الأب:— ريان.لم يجب.خطا الأب خطوة نحوه.فتراجع ريان.— لا تقترب.توقف الأب.كانت تلك الكلمة أقسى عليه من أي اتهام.قال:— أعرف أنك غاضب.ضحك ريان ضحكة قصيرة بلا فرح.— غاضب؟ثم أشار إلى نفسه.— أخذتم ذاكرتي.وأشار إلى المرأة.— أخفيتم عني الحقيقة.ثم إلى سامر.— وأنت جعلتني أعتقد أنك مجرد رجل يحاول مساعدتي.وأخيرًا نظر إلى
الفصل 197: الباب الذي فتح من الداخللم يتكلم أحد.كانت الجملة الأخيرة التي قالها الجد معلقة في القاعة كأنها إنذار لا يحتاج إلى تفسير.الباب الذي أغلقناه منذ عشرين عامًا بدأ يُفتح من الداخل.ظل ريان ينظر إلى الرجل العجوز.كان يريد أن يصدقه.وفي الوقت نفسه كان هناك جزء داخله يرفض كل شيء.جده حي.والده أخفى عنه الحقيقة.ذاكرته لم تكن ذاكرته بالكامل.والمرأة التي أحبها كانت تعرفه منذ طفولته.والآن هناك باب آخر، أخطر من كل الأبواب التي فتحها في حياته، بدأ يتحرك من الجهة الأخرى.قال ريان أخيرًا:— لماذا اختفيت؟أجاب الجد:— لأن اختفائي كان الطريقة الوحيدة لحمايتكم.— حمايتنا ممن؟— ممن يبحثون عن الباب.تدخلت المرأة:— لم يعد الأمر متعلقًا بالباب وحده.نظر إليها الجد.— أعرف.قالت:— إنهم عرفوا مكاننا.— أعرف.— ووصلوا إلى دار الحكمة.تغير وجه الجد.— ماذا قلتِ؟قال ريان:— رجال المنظمة هناك الآن.اقترب الجد منه.— كم عددهم؟— لا أعرف.— وهل يعرفون أنك هنا؟— نعم.صمت الجد.ثم قال:— إذن لم يعد لدينا وقت.قال ريان:— أنا تعبت من هذه الجملة.نظر إليه الجد.— ماذا تريد أن تعرف؟— كل شيء.— لن







