Home / الرومانسية / حين أحببتُ الجنون / الفصل الخامس :أول اعتراف

Share

الفصل الخامس :أول اعتراف

Author: Watar
last update publish date: 2026-10-20 04:30:44

بعد لقائنا الأول، أصبحت مكالمات مراد جزءًا من يومي.

لم يكن يتصل في أوقات ثابتة، لكنه كان يجد دائمًا دقيقة يسألني فيها عن يومي، أو يخبرني فيها بشيء بسيط حدث معه.

وأنا، التي كنت أزعم أنني لا أنتظر اتصالات أحد، بدأت أترك هاتفي بجانبي طوال الوقت.

كنتُ أضحك عندما تظهر رسالته، وأحاول إخفاء ابتسامتي عن أمي، وأجد لنفسي أعذارًا غير مقنعة كلما سألتني سمية عن سبب شرودي.

لكن سمية لم تكن من النوع الذي يقتنع بالأعذار.

في إحدى الأمسيات، جاءت إلى منزلي وجلست على سريري بينما كنت أختار ملابسي.

راقبتني وأنا أبدل بين قميصين، ثم قالت:

«إنتِ رايحة تقابلي رئيس الجمهورية؟»

نظرت إليها من خلال المرآة.

«لا، رايحة أقابل مراد».

«أهو ده اللي أنا بقوله. هو إنتِ بتختاري لبسك لمقابلة ضابط، ولا رايحة تقدمي على وظيفة؟»

ألقيت عليها وسادة.

«اسكتي بقى!»

ضحكت وهي تلتقطها.

«طب قولي لي، هو قال لك إنه بيحبك؟»

توقفت يدي فوق علاقة الملابس.

«لأ».

«وإنتِ قلتي له؟»

«طبعًا لأ!»

رفعت حاجبيها.

«طب إيه اللي إنتِ بتعمليه ده كله؟»

لم أجب.

لم أكن أعرف كيف أشرح لها أنني بدأت أشعر بشيء يتجاوز الإعجاب، لكنني كنت أخاف من تسميته.

كانت كلمة الحب كبيرة، حتى بالنسبة إليَّ، أنا التي تمنيت أن أجدها منذ طفولتي.

الحب يعني أن أسمح لشخص آخر بأن يقترب من الأماكن التي أخفيها عن الجميع.

يعني أن أمنحه فرصة ليؤذيني.

ورغم ذلك، كنت أريد أن أجرّب.

أريد أن أعرف كيف يكون الشعور حين ينظر إليَّ شخص فأشعر أنني الوحيدة في الغرفة، وكيف يكون أن أشتاق إلى صوت قبل أن أسمعه، وأن أفرح برسالة قصيرة أكثر مما أفرح بهدية ثمينة.

ربما كنت ساذجة.

لكنني كنت في الثانية والعشرين، وكان من حقي أن أكون ساذجة قليلًا.

⸻

التقينا في المقهى نفسه بعد عدة أيام.

كان مراد أكثر هدوءًا من المعتاد، ولمستُ ذلك منذ اللحظة الأولى.

سألته إن كان هناك ما يزعجه، فنفى، لكنني لم أقتنع.

جلسنا نتحدث عن أشياء عادية، إلى أن قال فجأة:

«رنيم، ممكن أسألك سؤالًا؟»

ابتسمتُ.

«هو أنا كل مرة هتسألني السؤال ده قبل ما تقول حاجة؟»

ضحك.

«يمكن علشان بحب أكون متأكد إنك مستعدة تسمعي».

توقفتُ عن الابتسام.

«أسمع إيه؟»

نظر إليَّ طويلًا.

«إنتِ بتفكري فيا زي ما أنا بفكر فيكِ؟»

شعرتُ بحرارة تصعد إلى وجهي.

لم أتوقع أن يكون مباشرًا إلى هذه الدرجة.

«يعني إيه؟»

ابتسم ابتسامة صغيرة.

«يعني لما تصحي الصبح، بتفكري فيا؟ ولما يحصل لك حاجة حلوة، بييجي في بالك إنك تحكيهالي؟ ولما تكوني مضايقة، بتبقي عايزة تسمعي صوتي؟»

لم أستطع الرد.

لأنه كان يعرف الإجابة.

ولأنني، للمرة الأولى، لم أستطع الاختباء خلف الكلمات.

خفضتُ رأسي، وقلت بصوت خافت:

«أيوه».

ساد الصمت بيننا.

ثم سمعت صوته يقول:

«وأنا كمان».

رفعت عينيَّ إليه.

لم يكن يبتسم هذه المرة. كان ينظر إليَّ بجدية جعلت قلبي يرتجف.

«أنا مش عايز أستعجل أي حاجة، ومش عايزك تحسي إنك مضطرة توافقي على حاجة علشان ترضيني. لكن أنا ارتحت لك من أول مرة اتكلمنا فيها، وكل يوم بعرفك فيه بحس إنك بقيتِ مهمة بالنسبة لي أكتر».

ابتلعتُ ريقي بصعوبة.

«مراد…»

«عارف إننا لسه بنتعرف على بعض، وعارف إنك عندك دراستك ومستقبلك، وأنا مش هطلب منك تهملي أي حاجة علشاني. كل اللي عايز أقوله إنني عايز أدي الفرصة دي حقها، لو إنتِ كمان عايزة».

لم أكن أحتاج إلى وقت طويل لأفهم ما يقصده.

ولم أكن أريد أن أضيّع اللحظة بالتفكير الزائد.

ابتسمتُ وقلت:

«أنا كمان عايزة».

تنفس بعمق، وكأنه كان يحبس أنفاسه طوال الحديث.

ثم مد يده فوق الطاولة، لكنه توقف قبل أن يلمس يدي.

«ينفع؟»

نظرتُ إلى يده، ثم وضعت يدي في يده.

كانت تلك أول مرة يمسك فيها يدي.

لم يحدث شيء خارق.

لم تتوقف حركة الناس حولنا، ولم يتغير لون السماء، ولم أسمع موسيقى كما يحدث في الأفلام.

لكنني شعرت بدفء غريب، وطمأنينة لم أعتدها.

وكأنني، بعد سنوات من البحث عن شيء لا أعرف اسمه، وجدت أخيرًا مكانًا أستطيع أن أرتاح فيه.

⸻

في المساء، اتصلت بسمية.

لم أكن قد أخبرتها بتفاصيل اللقاء، لكنها عرفت من نبرة صوتي أن شيئًا حدث.

«قولي».

ضحكت.

«إنتِ ليه دايمًا بتعرفي؟»

«علشان أنا صاحبتك، مش واحدة قابلتيها في المواصلات. يلا، احكي».

حكيت لها كل شيء.

عن سؤاله، وكلماته، والطريقة التي طلب بها أن يمسك يدي.

استمعت إليَّ في صمت، ثم قالت:

«أنا فرحانة علشانك يا رنيم. بجد».

ابتسمتُ.

«بس؟ مفيش تعليقات؟»

«فيه طبعًا، بس هأجلها لبعدين».

ضحكتُ.

ثم تغير صوتها قليلًا.

«رنيم، أنا عايزاكي تبقي مبسوطة، بس افتكري إن الحب مش كلام حلو وبس. شوفي أفعاله، وشوفي هو بيحترمك إزاي، وبيتعامل معاكي إزاي لما يختلف معاكي. ما تستعجليش إنك تسلمي قلبك كله مرة واحدة».

تنهدتُ.

«حاضر يا ماما سمية».

«اتريقي براحتك. أنا بقول لك الكلام ده علشان بحبك».

«عارفة».

أنهيت المكالمة وأنا أبتسم.

كنت أعرف أن سمية تخاف عليَّ، وأنها لا تريدني أن أتأذى.

لكنني لم أكن أريد أن أبدأ قصة حب وأنا أبحث عن نهايتها.

أردتُ أن أعيشها.

أن أضحك، وأشتاق، وأغضب، وأتصالح، وأخطئ، وأتعلم.

أردتُ أن أمتلك حكاية تخصني وحدي.

وللمرة الأولى، شعرت بأنني على وشك الحصول عليها.

⸻

بعد أسبوع، طلب مراد أن يقابلني في مكان هادئ.

كان يومًا باردًا، والسماء ملبدة بالغيوم. جلستُ أمامه في مقهى صغير، أراقب أصابعه وهي تدور حول فنجان القهوة.

بدا مترددًا.

سألته:

«في حاجة حصلت؟»

رفع رأسه.

«في موضوع عايز أتكلم معاكي فيه».

انتظرتُ.

قال بعد لحظة:

«أنا عايز أتعرف على والدك».

تجمدتُ في مكاني.

«بابا؟»

ابتسم.

«أيوه. لو إحنا هنكمل مع بعض، فأنا مش عايز علاقتنا تفضل مجرد مكالمات ومقابلات. أنا عايز أخد خطوة جدية، وأدخل البيت من بابه».

لم أتمالك نفسي.

ابتسمتُ ابتسامة واسعة، وشعرت بأن عينيَّ تلمعان.

«إنتَ بتتكلم بجد؟»

«طبعًا».

ضحكتُ، ثم خفضتُ رأسي محاولة إخفاء سعادتي.

«أنا… مش عارفة أقول إيه».

«ما تقوليش حاجة دلوقتي. فكري، واتكلمي مع والدتك ووالدك، ولو وافقوا، أجي أقابلهم».

أومأتُ.

في تلك اللحظة، تخيلت أمي وهي تجلس بجانبي، وأبي وهو يحاول أن يبدو صارمًا بينما يخفي ابتسامته، وسمية وهي تصرخ من الفرح قبل أن تبدأ في التخطيط لخطوبتي.

تخيلت فستانًا أبيض.

وخاتمًا.

وحياة كاملة تنتظرني.

لم أكن أعرف أنني سأدفع يومًا ثمن تلك الأحلام من عمري وراحتي.

⸻

في تلك الليلة، أخبرت أمي.

استمعت إليَّ بهدوء، ثم احتضنتني.

«ربنا يكتب لك الخير يا حبيبتي».

كان أبي أكثر تحفظًا. سألني عن عمل مراد، وعائلته، وطبيعة ظروفه، وأخبرني أنه يريد أن يعرف عنه المزيد قبل أن يتخذ أي قرار.

لم أغضب منه.

كنت أعرف أنه يخاف عليَّ، وأن موافقته لن تأتي لمجرد أنني أحببت الرجل.

لكنني كنت واثقة أن مراد سيحصل على فرصته.

بعد يومين، اتصلت بمراد وأخبرته أن أبي يرغب في مقابلته.

قال إنه سيحدد موعدًا قريبًا.

ثم صمت للحظة، وسألني:

«رنيم، ممكن أوعدك بحاجة؟»

ابتسمتُ.

«إيه؟»

«مهما حصل، ومهما اختلفنا، أو زعلنا من بعض، ما تسمحيش لأي حد يدخل بيننا من غير ما تسمعي مني الأول».

انعقد حاجباي.

«ليه بتقول كده؟»

أجاب بسرعة:

«مش قصدي حاجة. بس أنا عارف إن الناس بتحب تتدخل في حياة غيرها، وأنا مش عايز أي حد يبوظ اللي بيننا».

ترددتُ قليلًا، ثم قلت:

«حاضر».

لم أعرف لماذا شعرت بالضيق من طلبه.

ربما لأنني لم أحب فكرة أن أضع ثقتي في شخص واحد إلى هذا الحد.

لكنني طردتُ الفكرة سريعًا.

فهو لم يطلب مني شيئًا غير معقول.

على الأقل، هذا ما أقنعت نفسي به.

بعد أن أنهينا المكالمة، دخلت غرفتي وأخرجت صندوق الذكريات الذي أهدتني إياه سمية في عيد ميلادي.

جلستُ على الأرض، وبدأت أتصفح الصور والرسائل القديمة.

توقفت عند صورة لي وأنا طفلة، أبتسم للكاميرا دون خوف.

مررت أصابعي فوق وجهي في الصورة، وابتسمت.

ثم وضعت الصورة جانبًا، وأخرجت ورقة صغيرة كنت قد كتبت عليها أمنياتي في عيد ميلادي الثامن عشر.

كان أولها:

أن أحب شخصًا يحبني بصدق.

ضحكتُ بخجل، ثم طويت الورقة وأعدتها إلى مكانها.

لم أكن أعرف أنني سأعود إليها بعد سنوات، وأتمنى لو أنني لم أكتب تلك الأمنية أبدًا.

⸻

في صباح اليوم التالي، استيقظتُ على رنين هاتفي.

كان رقمًا غير مسجل.

أجبتُ وأنا لا أزال نصف نائمة.

«ألو؟»

جاءني صوت رجل لا أعرفه.

«صباح الخير. هل أتكلم مع الآنسة رنيم حسن؟»

اعتدلتُ في جلستي.

«أيوه، أنا رنيم. مين معايا؟»

صمت الرجل لحظة، ثم قال:

«أنا محتاج أقابلك في موضوع يخص الرائد مراد السيوفي».

شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي.

«خير؟ حضرتك مين؟»

لكنه لم يجب عن سؤالي.

قال فقط:

«اسمعيني كويس يا آنسة رنيم. أنا مش عارف إنتِ تعرفيه من إمتى، لكن في حاجات لازم تعرفيها قبل ما تاخدي أي خطوة معاه».

نهضتُ من سريري.

«إنتَ بتتكلم عن إيه؟»

سمعتُه يتنفس بعمق، ثم قال جملة واحدة جعلت قلبي يتوقف للحظة:

«مراد مش الشخص اللي إنتِ فاكرة إنك عرفتيه».

ثم أغلق الخط.

وقفتُ في منتصف الغرفة، والهاتف ملتصق بأذني، أستمع إلى الصمت.

حاولت الاتصال بالرقم مرة أخرى، لكن الهاتف كان مغلقًا.

نظرتُ إلى شاشة هاتفي طويلًا.

لم أكن أعرف من المتصل، ولا ماذا يقصد، ولا إن كان يحاول تحذيري أم إيذاء مراد.

كل ما كنت أعرفه أن هناك شيئًا ما لم يخبرني به.

شيئًا جعل رجلًا غريبًا يتصل بي في الصباح الباكر، ليحذرني من الرجل الذي بدأت أحبه.

جلستُ على حافة السرير، وأخذت نفسًا عميقًا.

ثم فتحت محادثة مراد.

كتبت:

صباح الخير. محتاجة أتكلم معاك في موضوع مهم.

توقفت أصابعي فوق الشاشة.

مسحت الجملة.

ثم كتبت من جديد:

إنتَ مخبي عني حاجة يا مراد؟

حدقت في الكلمات طويلًا، قبل أن أضغط على زر الإرسال.

لم تمر دقيقة حتى ظهر أنه قرأ الرسالة.

انتظرتُ.

ثلاث دقائق.

خمس دقائق.

عشر دقائق.

ثم وصلتني إجابته:

رنيم، إنتِ فين دلوقتي؟

لم يجب عن سؤالي.

بل سألني أين أنا.

وفي تلك اللحظة، شعرت لأول مرة بأن الخوف تسلل إلى قلبي.

كتبت:

في البيت. ليه؟

ظهرت علامة الكتابة، ثم اختفت.

عادت للظهور مرة أخرى.

وأخيرًا وصلتني رسالته:

ما تخرجيش من البيت. أنا جاي لك.

حدقت في الشاشة.

لم أفهم لماذا شعرت بأن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث.

لكنني، للمرة الأولى منذ أن عرفته، لم أكن متأكدة من أنني أريد رؤيته.

وضعت الهاتف بجانبي، ونظرت إلى صندوق الذكريات المفتوح على الأرض.

كانت صورة عيد ميلادي الأخير قبل التخرج ملقاة فوق بقية الصور.

فيها كنت أضحك، وأرفع يدي بعلامة النصر، بينما تقف سمية بجانبي.

لم يكن هناك أي شيء في الصورة يوحي بما سيحدث بعد ذلك.

لكنني كنت أعرف، دون أن أستطيع تفسير السبب، أن حياتي لن تعود كما كانت بعد هذا اليوم.

ولم أكن أعرف أن الرجل الذي ظننتُ أنه سيصبح زوجي، كان يخفي عني سرًّا قد يجعلني أتمنى لو أنني لم ألتقِ به أبدًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتُ الجنون    الفصل الخامس :أول اعتراف

    بعد لقائنا الأول، أصبحت مكالمات مراد جزءًا من يومي.لم يكن يتصل في أوقات ثابتة، لكنه كان يجد دائمًا دقيقة يسألني فيها عن يومي، أو يخبرني فيها بشيء بسيط حدث معه.وأنا، التي كنت أزعم أنني لا أنتظر اتصالات أحد، بدأت أترك هاتفي بجانبي طوال الوقت.كنتُ أضحك عندما تظهر رسالته، وأحاول إخفاء ابتسامتي عن أمي، وأجد لنفسي أعذارًا غير مقنعة كلما سألتني سمية عن سبب شرودي.لكن سمية لم تكن من النوع الذي يقتنع بالأعذار.في إحدى الأمسيات، جاءت إلى منزلي وجلست على سريري بينما كنت أختار ملابسي.راقبتني وأنا أبدل بين قميصين، ثم قالت:«إنتِ رايحة تقابلي رئيس الجمهورية؟»نظرت إليها من خلال المرآة.«لا، رايحة أقابل مراد».«أهو ده اللي أنا بقوله. هو إنتِ بتختاري لبسك لمقابلة ضابط، ولا رايحة تقدمي على وظيفة؟»ألقيت عليها وسادة.«اسكتي بقى!»ضحكت وهي تلتقطها.«طب قولي لي، هو قال لك إنه بيحبك؟»توقفت يدي فوق علاقة الملابس.«لأ».«وإنتِ قلتي له؟»«طبعًا لأ!»رفعت حاجبيها.«طب إيه اللي إنتِ بتعمليه ده كله؟»لم أجب.لم أكن أعرف كيف أشرح لها أنني بدأت أشعر بشيء يتجاوز الإعجاب، لكنني كنت أخاف من تسميته.كانت كلمة ال

  • حين أحببتُ الجنون    الفصل الرابع:الرجل الذي يبتسم بعينيه

    لم يحدث شيء استثنائي خلال الأسابيع التالية.على الأقل، لم يحدث شيء يمكنني وصفه بأنه بداية قصة حب.كانت لقاءاتنا قصيرة ومتباعدة، ومعظمها مصادفات في الأماكن التي اعتدت الذهاب إليها. أحيانًا كنت أراه بالقرب من الجامعة، وأحيانًا أخرى في أحد المقاهي أو المكتبات.ومع كل لقاء، كان يصبح أقل رسمية وأكثر قربًا.عرفت أنه في التاسعة والعشرين من عمره، وأنه يعمل في الشرطة منذ عدة سنوات. لم يكن كثير الكلام عن عمله، لكنه كان يتحدث عن المسؤولية التي يشعر بها تجاه أسرته، وعن أمه التي يقلق عليها باستمرار.كان يحب القهوة السادة، ويكره التأخر عن المواعيد، ويستمع إلى الموسيقى القديمة عندما يقود سيارته.أما أنا، فقد اكتشف أنني أكره البامية، وأخاف من الكلاب الكبيرة، وأحب الروايات الرومانسية رغم ادعائي الدائم بأنني أفضّل الكتب السياسية والاقتصادية.وفي كل مرة كنت أكتشف فيها شيئًا جديدًا عنه، كنت أشعر بأن المسافة بيننا تقل.لكن أكثر ما جذبني إليه لم يكن شكله، ولا طريقته المهذبة في الكلام.كان اهتمامه بالتفاصيل.يتذكر ما أقوله، حتى الأشياء التي أنساها أنا نفسي. يسأل عن امتحاناتي، ويتذكر موعد تسليم مشروع التخرج،

  • حين أحببتُ الجنون    الفصل الثالث:صدفة أخرى

    في صباح اليوم التالي، استيقظتُ على صوت هاتفي الذي لم يتوقف عن الرنين.مددت يدي إلى الطاولة المجاورة للسرير، والتقطته بعينين نصف مغمضتين.كانت سمية.«إيه يا بنتي؟ الساعة كام؟»«الساعة تسعة ونص».«طيب، خير؟ حصل إيه؟»«قومي البسي وتعالي لي».فتحتُ عينيَّ بالكامل.«ليه؟»«علشان هننزل نفطر، وبعدها عندي مفاجأة ليكِ».تنهدتُ.«سمية، أنا لسه صاحية. وبعدين إنتِ عارفة إن عندي مشروع تخرج لازم أخلصه».«مشروع التخرج مش هيطير. عشر دقايق وهكون تحت البيت».ثم أغلقت الخط قبل أن أمنحها فرصة لسماع اعتراضي.رميتُ الهاتف على السرير، وجلست وأنا أتمتم بكلمات غير مفهومة.كانت سمية تمتلك موهبة غريبة في تحويل أي يوم عادي إلى سلسلة من الأحداث التي لا تنتهي.وبعد نصف ساعة، كنتُ أجلس معها في أحد المقاهي القريبة من البحر.طلبت سمية إفطارًا يكفي أربعة أشخاص، بينما اكتفيتُ بكوب قهوة وقطعة خبز محمص.نظرت إليَّ باستنكار.«ده فطار؟»«آه».«يا رنيم، إنتِ بتاكلي زي العصافير. وبعدين بتشتكي إنك بتدوخي».ابتسمتُ.«خلينا في المفاجأة بتاعتك».وضعت الشوكة على الطبق، ثم اقتربت مني.«أنا اكتشفت إن الرائد مراد السيوفي عنده حساب ع

  • حين أحببتُ الجنون    الفصل الثاني: الرائد مراد السيوفي

    انتهت حفلة عيد ميلادي بعد العاشرة مساءً بقليل.ودعنا أصدقاءنا، ثم خرجت برفقة سمية إلى سيارتها. كنتُ مرهقة من الضحك والكلام، لكنني كنتُ سعيدة. وضعت صندوق الذكريات على حجري، وبدأت أتأمل الصور من جديد بينما أدارت سمية المحرك.انطلقت السيارة في شوارع الإسكندرية، وكانت أغنية عمرو دياب «العالم الله» تملأ المكان.غنيتُ معها بصوت خافت، فضربت سمية عجلة القيادة بيدها وهي تصرخ:«ارحمي وداني يا رنيم! إنتِ بتغني ولا بتستنجدي؟»ضربتُ كتفها بخفة.«خلاص يا ستي، مش هسمعك صوتي تاني».«يا ريت. ده أنا لو كنت أعرف إن عيد ميلادك هيبقى فيه العذاب ده، كنت جبت لك هدية وسِبتك في البيت».ضحكتُ، ثم عدت إلى الصندوق.لم تمضِ سوى دقائق حتى سمعت صوت مكابح حادًا خلفنا.التفتُّ بفزع، ولم أتمكن حتى من الصراخ قبل أن تهتز السيارة بقوة نتيجة اصطدام سيارة أخرى بمؤخرتها.سقط الصندوق من حجري، وتناثرت بعض الصور على أرضية السيارة.وضعت يدي على صدري، أحاول استيعاب ما حدث.أما سمية، فكانت قد نزعت حزام الأمان وفتحت الباب في اللحظة التالية.«إنتَ يا أستاذ! إنتَ سايق بعينك ولا برجلك؟!»نظرتُ خلفها، فرأيت رجلًا ينزل من سيارة سوداء و

  • حين أحببتُ الجنون    الفصل الأول: الجنون هو الحب

    القاهرة — 2 أبريل 2021«وما تعريفك الخاص للجنون؟»توقفتُ للحظة قبل أن أجيب. كان السؤال بسيطًا في ظاهره، لكنه لمس شيئًا عميقًا داخلي، شيئًا ظللتُ سنوات طويلة أحاول تجاهله، وأهرب منه كلما شعرتُ بأنه يقترب مني.نظرتُ إلى الصحفي الجالس أمامي، ثم إلى عشرات الوجوه التي انتظرت إجابتي باهتمام.ابتسمتُ ابتسامة صغيرة وقلت:«أظن أنه من الخطأ أن نُعرّف الجنون على أنه مجرد اضطراب عقلي يصيب شخصًا مريضًا. بالنسبة إليّ، الجنون هو أن تكرر الخطأ نفسه، وأن تعود إلى كل ما تسبب في هلاكك، رغم أنك تعرف جيدًا إلى أين سيقودك الطريق».صمتُّ قليلًا، ثم أضفت:«الجنون هو أن تمنح قلبك لشخص تعرف أنه قد يحطمك، وأن تظل متمسكًا به حتى بعد أن يثبت لك أنك كنت مخطئًا. الجنون هو أن تعرف الحقيقة، ثم تختار ألا تراها لأنك تخشى الحياة من دون الشخص الذي تحبه».شعرتُ بأن الكلمات تخرج من داخلي بسهولة مخيفة، كأنني لم أكن أجيب عن سؤال صحفي، بل أعترف أمام العالم كله بجريمة ارتكبتها في حق نفسي.رفعتُ عينيَّ عن الطاولة، ونظرتُ إلى الحاضرين.«باختصار… الجنون بالنسبة إليّ هو الحب».ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تتعالى همهمات الإعجاب، وتبدأ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status