Se connecterبقيت صامتة طوال الطريق.كنت أجلس في المقعد الخلفي، أضم ليلى إلى صدري وأراقب قطرات المطر وهي تنزلق على زجاج السيارة. كان كل شيء حولي هادئًا بصورة غريبة، حتى صوت محرك السيارة بدا بعيدًا عني.أما الرجل الذي أنقذني من ذلك الشارع، فكان يجلس في الجهة الأخرى، يتحدث أحيانًا مع السائق بكلمات قليلة، ثم يعود إلى صمته.كنت بين الحين والآخر أنظر إلى البطاقة التي أعطاني إياها.آدم الخطيب.الرئيس التنفيذي لشركة الأفق.لم أكن أعرفه من قبل، لكن اسم عائلته كان مألوفًا لي. سمعت به أكثر من مرة في الأخبار، وكنت أعرف أن شركة الأفق من أكبر الشركات في المدينة.رفعت عيني إليه للحظة.كان ينظر من النافذة، وملامحه هادئة بشكل يصعب فهمه.ترددت، ثم قلت:"هل... بيتك بعيد؟"التفت نحوي."ليس كثيرًا."ثم نظر إلى ليلى."هل تحتاج إلى شيء؟"هززت رأسي."لا، هي فقط متعبة."سكت قليلًا ثم قال:"عندما نصل، سيهتم أحدهم بتجهيز شيء دافئ لكما."أردت أن أشكره، لكن الكلمات لم تخرج.بعد دقائق بدأت السيارة تبتعد عن الشوارع المزدحمة، حتى توقفت أمام بوابة ضخمة من الحديد الأسود.انفتحت البوابة ببطء.حدقت أمامي بدهشة.خلفها كان هناك طريق
لم أعرف إلى أين كنت ذاهبة.كل ما كنت أعرفه أنني لا أستطيع العودة.كنت أسير تحت المطر وأنا أضم ليلى إلى صدري بكل ما أملك من قوة، بينما كانت حقيبتها الصغيرة معلقة على كتفي، تتأرجح مع خطواتي المتعثرة. كان شعرها قد ابتل من أطرافه، فضممت الغطاء حول جسدها أكثر، وحاولت أن أحمي وجهها بيدي.أما أنا... فلم أعد أشعر بالبرد.ربما لأن الخوف كان أقوى منه.كنت ألتفت خلفي بين لحظة وأخرى، وكأن باسل قد يخرج من العتمة خلفي ويعيدني بالقوة.لكن الشارع كان خاليًا تقريبًا.أضواء السيارات تنعكس على الإسفلت المبلل، والمطر ينهمر بلا توقف، والمدينة التي اعتدت رؤيتها مزدحمة بدت في تلك اللحظة غريبة وباردة.جلست أخيرًا على مقعد حجري بجانب الطريق، وضعت حقيبتي إلى جواري، وأبقيت ليلى بين ذراعي.بدأت تبكي.خفضت رأسي إليها وقلت بصوت مرتجف:"أعرف أنك جائعة يا صغيرتي... أعرف أنك خائفة، لكن أمكِ معكِ."لم أكن أعرف إن كنت أواسيها أم أواسي نفسي.فتحت الحقيبة وأخرجت زجاجة الحليب، لكن يدي كانت ترتجف بشدة حتى كدت أسقطها.نظرت إلى الطريق أمامي، ثم إلى ليلى.أين سأذهب؟لم أكن أريد أن أعود إلى أي شخص يعرف باسل.ولم يكن لدي صديقة
لم أكن أعرف أن تلك الليلة ستكون آخر ليلة أقضيها في المنزل الذي عشت فيه مع باسل.لو كنت أعرف، لكنت حفظت كل زاوية فيه.المطبخ الصغير الذي كنت أعد فيه قهوته كل صباح، الأريكة القديمة التي كنا نجلس عليها في المساء، والغرفة التي شهدت أول ضحكة لليلى.لكنني في ذلك الوقت لم أكن أفكر في الرحيل.كنت لا أزال أتمسك بفكرة أن باسل يمكن أن يتغير.أن الرجل الذي أحببته لسنوات سيعود يومًا.كان ذلك اليوم هادئًا في بدايته.ذهبت إلى العمل وتركت ليلى عند إحدى قريباتي لبضع ساعات، ثم عدت قبل المساء.اشتريت بعض الحليب والحفاضات، واشتريت لها أيضًا لعبة صغيرة على شكل أرنب أبيض.عندما وصلت إلى المنزل، كانت ليلى تبتسم بمجرد أن رأتني.حملتها بين ذراعي."اشتقتِ إلى أمك؟"ضحكت وهي تحرك يديها الصغيرتين.ضحكت معها.للحظات نسيت كل شيء.نسيت باسل.نسيت الخوف.نسيت الأيام التي أصبحت فيها أعود إلى المنزل وأنا أتساءل عن حال زوجي بدلًا من أن أشعر بالأمان عند عودتي إليه.وضعت ليلى في سريرها، ثم بدأت أرتب أغراضها.كنت قد اشتريت لها بعض الملابس الجديدة.وضعتها داخل الخزانة.ثم أخرجت الظرف الذي أخفي فيه المال.عددت النقود.لم يك
لم أكن أعرف كيف استطعت الاستمرار طوال تلك الأيام.كنت أذهب إلى العمل، أعود إلى المنزل، أعتني بليلى، وأحاول أن أتجنب أي شيء يمكن أن يثير غضب باسل.لكنني في داخلي كنت أعيش حالة أخرى تمامًا.كنت أراقبه.ليس لأنني أردت ذلك، بل لأنني أصبحت أخاف من مفاجآته.في السابق، كنت أعرف موعد عودته تقريبًا، وأعرف الأشياء التي يحبها، وحتى الطعام الذي يفضله.أما الآن، فقد أصبح دخوله إلى المنزل يشبه انتظار شيء مجهول.أحيانًا يعود هادئًا.وأحيانًا يعود غاضبًا.وأحيانًا تكون رائحة الكحول عالقة في ملابسه قبل أن ينطق بكلمة واحدة.ومع ذلك، كنت لا أزال أبحث عن باسل القديم.ذلك الرجل الذي أحبني في الجامعة.الرجل الذي كان يمسك يدي أمام الجميع دون خوف.الرجل الذي كان يضع يده على بطني عندما كانت ليلى تتحرك داخلي.كنت أبحث عنه في عينيه، في صوته، في ابتسامته..... لكنني لم أجده.في أحد الأيام، كنت في متجر الملابس أرتب بعض القطع الجديدة عندما دخلت امرأة أعرفها.كانت إحدى زبائن المتجر، لكنها كانت أيضًا قريبة من عائلة باسل.تحدثنا قليلًا، ثم قالت فجأة:"كيف حالك أنتِ وباسل؟"ابتسمت ابتسامة صغيرة."بخير."نظرت إليّ للحظ
منذ تلك الليلة، لم أعد أنظر إلى باسل بالطريقة نفسها.كنت أستيقظ كل صباح وأحاول إقناع نفسي بأن ما حدث كان مجرد لحظة غضب، وأنه سيندم، وسيعتذر، وسنعود كما كنا.كنت بحاجة إلى تصديق ذلك.لأن الاعتراف بأن الرجل الذي أحببته أصبح يؤذيني كان أصعب من احتمال الألم نفسه.في صباح اليوم التالي، استيقظت قبل باسل.جلست أمام المرآة وأخذت أتفحص ذراعي.كانت أصابعه قد تركت أثرًا واضحًا على بشرتي.غطيتها بكم قميصي.لم أكن أريد لأحد أن يراها.خصوصًا صديقتي.كنت أعرف أنها ستسألني.وربما ستخبرني أن أتركه.لكن إلى أين أذهب؟وماذا سأفعل؟أنا متزوجة، لدي طفلة صغيرة، وكل حياتي أصبحت مرتبطة بهذا المنزل.ثم إنني ما زلت أحبه.وهذه كانت مشكلتي الأكبر.عندما استيقظ باسل، كان هادئًا.خرج من الغرفة وكأنه لم يحدث شيء.كنت في المطبخ أعد له الإفطار.دخل وجلس إلى الطاولة.لم ينظر إليّ.وضعت أمامه كوب الشاي.قلت بصوت خافت:"صباح الخير.""صباح الخير."توقفت للحظة.كنت أنتظر أن يعتذر.لكنه لم يفعل.جلست أمامه."باسل..."رفع عينيه إليّ."ماذا؟"ترددت."عن الأمس..."لم يتركني أكمل."انسِ الأمر."حدقت فيه."كيف أنساه؟"أخذ رشفة
لم يكن طلب باسل للمال في البداية أمرًا غريبًا.كان راتبه قليلًا، ومصاريف المنزل تزداد، وليلى تحتاج إلى أشياء جديدة باستمرار. لذلك عندما عاد ذات مساء وجلس أمامي وقال:"أيان، هل معكِ بعض المال؟"لم أتردد.فتحت حقيبتي وأخرجت ما تبقى معي."هذا كل ما لدي."أخذه مني دون أن يسأل كم أحتاج منه.ابتسمت له."إذا كنت تحتاجه لشيء مهم، خذه."لم يجب.اكتفى بوضع النقود في جيبه.لم أفكر كثيرًا في الأمر وقتها.كنت زوجته.وكنت أعتقد أن ماله ومالي شيء واحد.لكن طلباته بدأت تتكرر.مرة بحجة أن عليه دفع بعض المصاريف.ومرة لأن راتبه تأخر.ومرة لأنه يحتاج إلى المال في العمل.وفي كل مرة كنت أعطيه ما أستطيع.حتى بدأت أضطر إلى الاحتفاظ بجزء من راتبي جانبًا.ليس لنفسي.بل لليلى.كانت صغيرة، وكلما كبرت احتاجت إلى أشياء أكثر.حليب، حفاضات، ملابس، أدوية، وأشياء أخرى لم أكن أتوقع أن تكلف كل هذا.كنت أضع بعض النقود في ظرف صغير وأخفيه في خزانتي.كنت أشعر بالأمان عندما أنظر إليه.فمهما حدث، سيكون لدى ابنتي ما تحتاجه.لكن باسل بدأ يلاحظ.في إحدى الأمسيات، كنت أجلس على الأرض بجانب ليلى وأطعمها، عندما دخل باسل.نظر إليّ.ث







