LOGINمرّت ثلاثة أسابيع منذ رحيل إيلينا.
ثلاثة أسابيع كاملة تغيّر فيها القصر أكثر مما تغيّر خلال السنوات الأربع الماضية. كانت فيكتوريا تعيش الآن مع ألكسندر في القصر نفسه. كل شيء كان يبدو مثاليًا من الخارج. الأثاث الفخم. الخدم. السيارات. الحراسة. والرجل الذي يملك كل شيء. لكن شيئًا واحدًا لم يعد موجودًا. إيلينا. في صباح أحد الأيام، كان ألكسندر جالسًا إلى مائدة الإفطار، بينما جلست فيكتوريا أمامه تقلب صفحات هاتفها بلا اهتمام. وضعت إحدى الخادمات فنجان القهوة أمامها. نظرت فيكتوريا إلى الفنجان، ثم رفعت عينيها إليها بحدة. «هذه ليست القهوة التي طلبتها.» ارتبكت الخادمة. «آسفة سيدتي، سأحضر غيرها فورًا.» «من الواضح أنكِ لا تسمعين جيدًا.» قالتها فيكتوريا ببرود، ثم دفعت الفنجان بعيدًا وسكبته علي الخادمة المسكينة. راقب ألكسندر المشهد دون تعليق. لكن ذاكرته أعادته للحظة إلى صباح قديم. إيلينا كانت تجلس في المكان نفسه. كانت تحفظ كيف يحب قهوته. وكانت أحيانًا تضع أمامه فنجانه قبل أن يطلبه. لم تكن تحتاج إلى سؤال. كانت تعرفه ولم تؤذي اي من الخدم وبلتحديد العمة حليمة كبيرة الخدمة امؤاة عحوز وديعة. عاد إلى الحاضر. قالت فيكتوريا: «ألكسندر، هل تسمعني؟» رفع عينيه إليها. «ماذا؟» «كنت أتحدث عن الحفل الذي سيقام الأسبوع القادم.» «افعلي ما ترينه مناسبًا.» عقدت حاجبيها. «أنت دائمًا تقول ذلك.» لم يجب. في تلك اللحظة مرت خادمة أخرى بالقرب منهما. كانت تحمل مزهرية صغيرة. توقفت فيكتوريا فجأة. «لا تضعي هذه هنا.» نظرت الخادمة إلى المكان. «لكن السيدة إيلينا كانت تضع الزهور هنا دائمًا.» ما إن نطقت باسم إيلينا حتى ساد الصمت. رفع ألكسندر عينيه إليها. أما فيكتوريا، فقالت ببرود: «السيدة إيلينا لم تعد هنا،انا من اقول كيف واين توضع الاشياء في هذا القصر،ايتها الغبية اغربي عن وجهي» خفضت الخادمة رأسها. «أعتذر.» غادرت بسرعة. ظل ألكسندر ينظر إلى المكان الذي كانت تقف فيه. ثم قال بهدوء: «اتركيها.» نظرت إليه فيكتوريا باستغراب. «ماذا؟» «الزهور.» «لكنها ليست جميلة.» «قلت اتركيها.» لم تجب. أما هو، فبقي صامتًا. لم يكن يعرف لماذا أزعجه الأمر. ربما لأن إيلينا كانت تحب وضع الزهور هناك. وربما لأن القصر بدأ يفقد الأشياء الصغيرة التي كانت تجعله يبدو منزلًا. --- مع مرور الأيام، بدأ ألكسندر يلاحظ أشياء لم يكن يلاحظها من قبل. فيكتوريا كانت تغضب بسرعة. تتحدث مع الخدم بتعالٍ. تكره أن يعارضها أحد. وتتعامل مع القصر وكأنه ملك لها. وفي كل مرة يحدث شيء من هذا النوع، كان يتذكر إيلينا. يتذكر كيف كانت تشكر الخدم على أبسط الأشياء. كيف كانت تساعد إحدى العاملات في حمل صندوق ثقيل بدلًا من أن تأمرها. وكيف كانت تحفظ أسماء الجميع. حتى الرجل العجوز الذي كان يعمل في الحديقة كانت تسأله كل صباح عن حاله. أشياء لم يكن يقدرها حين كانت أمامه. الآن فقط بدأ يراها. ذات مساء، كان ألكسندر يمر في الممر عندما سمع صوت فيكتوريا. «أخبرتك أن الغرفة يجب أن تكون جاهزة قبل أن أصل! هل هذا صعب إلى هذه الدرجة؟» توقف. لم يدخل. ظل واقفًا للحظات. ثم عاد إلى مكتبه. جلس خلف الطاولة، وأسند ظهره إلى المقعد. أغمض عينيه. ولأول مرة، ظهرت صورة إيلينا بوضوح في ذهنه. ابتسامتها. صوتها. طريقة حديثها بكل لطف وحب، لقد ادرك انه اضاع ملاكه بسبب نزوة غبية. فتح عينيه. كان وجهه كما هو. حادًا. هادئًا. لا يحمل أي انفعال واضح. لكن عينيه العميقتين كانتا تحملان شيئًا آخر. شيئًا لن يلاحظه إلا شخص يعرفه جيدًا. حزنًا صامتًا. وانكسارًا لم يسمح له بالخروج إلى وجهه. --- بعد أسبوع آخر، اتخذ ألكسندر قرارًا. اتصل بأحد رجاله. «أريدك في مكتبي.» بعد أقل من ساعة، دخل رجل يدع عمر. كان أحد أكثر رجاله ثقة. وقف أمام المكتب. «أمرتني بالحضور، سيدي.» رفع ألكسندر عينيه إليه. «أريدك أن تجد إيلينا.» تغيرت ملامح عمر قليلًا. «لدينا أي معلومات عنها؟» «القليل.» دفع ألكسندر ملفًا نحوه. «اسمها الكامل، صورها، وكل المعلومات التي يمكن أن تساعدكم.» فتح عمر الملف. «هل نبحث عنها في نيويورك فقط؟» «ابدأوا من هنا.» ثم صمت ألكسندر لحظة. «وإذا لم تجدوا شيئًا... ابحثوا في كل مكان.» أغلق عمر الملف قال بحزم. «مفهوم.» رفع ألكسندر عينيه إليه. «أريد نتيجة.» «ستحصل عليها.» خرج عمر. وبعد دقائق، بدأ رجال ألكسندر بالتحرك. اتصالات. استفسارات. عناوين. كاميرات. سجلات سفر. كل خيط يمكن أن يقود إلى إيلينا أصبح موضع بحث. لكن إيلينا كانت قد اختفت دون أن تترك وراءها شيئًا واضحًا. --- مرّ شهر. ثم شهر آخر. ولم يظهر أي أثر. دخل ألكسندر مكتبه في إحدى الليالي، فوجد عمر ينتظره. كان الملف بين يديه. وضعه أمامه. «لم نجد شيئًا.» رفع ألكسندر عينيه إليه. «أعد البحث.» «بحثنا في كل الأماكن المحتملة.» «إذن ابحثوا في الأماكن غير المحتملة.» صمت عمر. كان يعرف أن هذه ليست أوامر عادية. كان الرجل الذي أمامه يرفض تصديق أن إيلينا اختفت بالفعل. «سيدي... مرّ شهران.» لم يجب ألكسندر. نظر إلى الملف أمامه. كان يحتوي على صورتها. الصورة نفسها التي كان يراها كلما فتح الملف. مد يده وأغلقه. «استمروا.» خرج عمر. بقي ألكسندر وحده. فتح درج مكتبه. كانت هناك رسالة إيلينا. لم يرمها. أخرجها ووضعها أمامه. قرأ السطر الأخير. وداعًا يا ألكسندر. ظل ينظر إليه طويلًا. ثم أغلق عينيه. لم يعد غاضبًا. ولم يعد مصدومًا كما كان في البداية. كان هناك شيء آخر. فراغ. فراغ لا يعرف كيف يملؤه. بعد شهرين من البحث، لم يبقَ أمامه سوى الحقيقة التي كان يرفض الاعتراف بها. ربما لن يجدها. رفع رأسه نحو النافذة. كانت أضواء نيويورك تملأ الشوارع بالأسفل. المدينة نفسها التي عاش فيها معها. لكنها بدت له الآن غريبة تمامًا. ولأول مرة منذ رحيلها، سمح لنفسه أن يفكر في احتمال لم يرد التفكير فيه من قبل. ربما انتهت قصتهما فعلًا. خفض عينيه إلى الرسالة. ثم قال بصوت خافت، بالكاد سمعه: «أين أنتِ يا إيلينا؟»أضاءت الثريات الضخمة قاعة الحفل، وانعكست أنوارها على الأرضية اللامعة والجدران المزينة بالزهور البيضاء.توافد الضيوف تباعًا، رجال ببدلات رسمية ونساء بفساتين أنيقة، بينما كانت الموسيقى الهادئة تملأ المكان وتختلط بأصوات الأحاديث والضحكات.وقفت إيلينا إلى جوار صوفيا، وهي تعدل طرف فستانها بحركة صغيرة.التفتت إليها صوفيا، ثم ابتسمت بإعجاب.«ألم أقل لك إن الفستان كان ينتظر مناسبة كهذه؟»ضحكت إيلينا بخفة، ثم مررت يدها على شعرها.«أعتقد أنك كنت محقة.»«بالطبع كنت محقة.»هزت صوفيا رأسها بثقة، ثم أمسكت بذراعها.«هيا، قبل أن يبدأ الجميع في الوقوف هنا ونحن نبدو كأننا لا نعرف أحدًا.»سارتا بين الضيوف، فتوقفتا أكثر من مرة لإلقاء التحية على بعض الأشخاص الذين تعرفهم صوفيا.بعد دقائق، ظهرت ابنة دانيال الكبرى إلى جانب خطيبها، وسط تصفيق الحاضرين.ابتسمت إيلينا وهي تنظر إليها.«إنها جميلة.»أومأت صوفيا.«والحفلة فخمة جدًا.»«واضح أن السيد دانيال لم يترك انش الي ونظمه جيدا.»اقترب دانيال من المنصة، ثم أمسك الميكروفون.ساد الهدوء تدريجيًا.رفع دانيال رأسه، وابتسم للحاضرين.«أشكركم جميعًا على حضوركم الليلة.»
بعد مرور أسبوع، جلس الرجل المهيب والهادئ على رأس الطاولة، محاطًا بعدد من رجال الأعمال الذين امتلأت أمامهم الملفات والعقود.استقرت يده على حافة الطاولة، بينما كان يقلب إحدى الصفحات ببطء، ثم رفع عينيه نحو الرجل الجالس مقابله.قال دانيال وهو يدفع الملف نحوه:«أعتقد أن هذه هي الصيغة النهائية للاتفاق.»مدّ ألكسندر يده، وأخذ الملف دون عجلة.قلب عدة صفحات، ثم توقف عند بند محدد، وأشار إليه بإصبعه.«وهذا؟»اقترب دانيال قليلًا، وانحنى فوق الطاولة لينظر إلى المكان الذي أشار إليه.«ذلك البند يخص المرحلة الثانية من المشروع.»رفع ألكسندر حاجبه قليلًا.«النسبة هنا مرتفعة.»ابتسم دانيال، ثم أسند ظهره إلى مقعده.«كنت أعلم أنك ستعترض.»أغلق ألكسندر الملف بهدوء، ودفعه أمامه.«لأنها تحتاج إلى تعديل.»ضحك دانيال بخفة، ثم مد يده إلى القلم.«حسنًا، اقترح التعديل.»تبادلا الحديث لعدة دقائق، وتتابعت الأرقام والملاحظات بينهما، حتى استقر الاتفاق أخيرًا على صيغة أرضت الطرفين.وقّع دانيال أولًا، ثم وضع القلم أمام ألكسندر.أمسك الأخير القلم، ووقّع اسمه بخط ثابت، ثم أعاد القلم إلى مكانه.صافحه دانيال وهو يبتسم.«إذ
كانت إيلينا تجلس بجوار صوفيا في السيارة، بينما كانت الأخيرة تقود عبر شوارع المدينة.منذ أن غادرت منزل دانيال، لم تتوقف صوفيا عن الحديث.«أخبريني أنكِ لن تقولي لي إنكِ تريدين العودة إلى المنزل.»نظرت إليها إيلينا باستغراب.«ولماذا سأقول ذلك؟»«لأنكِ تفعلين هذا دائمًا.»ابتسمت إيلينا.«أنا لا أفعل.»«بل تفعلين.»نظرت صوفيا إليها للحظة، ثم أعادت عينيها إلى الطريق.«منذ أن عرفتك، وأنتِ تتعاملين مع الحزن وكأنه عمل بدوام كامل.»ضحكت إيلينا بخفة.«وهل هذا يعني أنكِ ستطردينني من صداقتك؟»«مستحيل. من سيتحمل مزاجك إذن؟»ضحكت إيلينا بخفة على كلمات صديقتها.نظرت صوفيا إليها من طرف عينها وابتسمت.كانت تعرف أن هذه الضحكة الصغيرة تعني الكثير.لم تسألها عما تفكر فيه.لم تضغط عليها.كانت تعرف متى تتحدث، ومتى تترك لإيلينا مساحة للصمت.وهذا تحديدًا ما جعل إيلينا تتمسك بها.بعد دقائق، توقفت السيارة أمام مركز تجاري كبير.نظرت إيلينا إلى المبنى.«صوفيا...»«لا.»«أنا لم أقل شيئًا.»«لكنني أعرف هذه النظرة.»ترجلت صوفيا من السيارة.«اليوم ممنوع كلمة "لا أحتاج".»تنهدت إيلينا ونزلت خلفها.«أنتِ مستحيلة.»«وأن
لم ينطق ألكسندر بكلمة.ظل واقفًا في مكانه بينما كان دانيال يتحدث عن الصفقة وكأن شيئًا لم يحدث.لكن ألكسندر لم يعد يسمع شيئًا.كانت عيناه لا تزالان تتجهان بين الحين والآخر نحو الحديقة.إيلينا كانت هناك.على بعد أمتار فقط.ومع ذلك، لم يتحرك نحوها.كان يستطيع أن ينادي اسمها.كان يستطيع أن يطلب من دانيال أن يتركهما وحدهما.كان يستطيع أن يقترب منها ويسألها أين كانت طوال الشهرين الماضيين.لكنه لم يفعل.لأول مرة، اختار أن يفكر قبل أن يتصرف.أخرج هاتفه بهدوء، وكتب رسالة قصيرة.ثم أعاده إلى جيبه.قال دانيال:«هل كل شيء بخير؟»رفع ألكسندر عينيه إليه.«بالطبع.»ابتسم دانيال.«يبدو أنك شارد اليوم.»«كنت أفكر في الصفقة.»كانت كذبة سهلة.لدرجة أن دانيال لم يشك فيها.استمر الغداء.تحدث الرجلان عن الأرقام، والاستثمارات، وخطة التوسع الجديدة.ألكسندر شارك في الحديث كالمعتاد.ناقش الأرقام.اعترض على بعض البنود.واقترح تعديلات.لم يلاحظ دانيال شيئًا.لكن داخل رأس ألكسندر، كان سؤال واحد يكرر نفسه.كيف عاشت؟أين كانت؟وهل هي بخير؟وعندما انتهى الغداء، غادر ألكسندر المنزل كما لو أن شيئًا لم يحدث.صافح دانيا
استيقظ ألكسندر قبل أن يرن المنبّه.فتح عينيه ببطء، وبقي لثوانٍ يحدّق في السقف دون أن يتحرك.كان الصباح هادئًا بصورة مزعجة.لا صوت لخطوات إيلينا في الممر.لا صوت خافت لستائر تُفتح.ولا تلك الجملة التي اعتاد سماعها كل صباح:«لقد استيقظت أخيرًا.»مدّ يده إلى الجانب الآخر من السرير دون تفكير.ثم توقفت أصابعه فوق الملاءة الباردة.سحب يده سريعًا.وكأنها ذكّرته بشيء حاول طوال الشهرين الماضيين ألّا يفكر فيه.نهض من السرير.كان يرتدي قميصه الأسود عندما انعكست صورته في المرآة.الرجل نفسه.البدلة نفسها.الساعة الفاخرة.الملامح الحادة.كل شيء في مكانه.إلا عيناه.بدتا كأنهما لم تناما منذ أشهر.دخل الحمام، وغسل وجهه، ثم وقف أمام المرآة طويلًا.لم يعد يعرف إن كان يفتقد إيلينا...أم يفتقد الرجل الذي كان عليه عندما كانت بجانبه.خرج من الغرفة واتجه إلى الطابق السفلي.كان القصر هادئًا.أكثر هدوءًا مما ينبغي لقصر بهذا الحجم.مرّ بجوار إحدى الطاولات، فتوقف.كانت هناك مزهرية صغيرة.الزهور التي طلب أن تبقى في مكانها منذ أسابيع.اقترب منها.لمس إحدى الأوراق بأطراف أصابعه، ثم سحب يده.«حتى هذه لم ألاحظها إلا
مرّت ثلاثة أسابيع منذ رحيل إيلينا. ثلاثة أسابيع كاملة تغيّر فيها القصر أكثر مما تغيّر خلال السنوات الأربع الماضية. كانت فيكتوريا تعيش الآن مع ألكسندر في القصر نفسه. كل شيء كان يبدو مثاليًا من الخارج. الأثاث الفخم. الخدم. السيارات. الحراسة. والرجل الذي يملك كل شيء. لكن شيئًا واحدًا لم يعد موجودًا. إيلينا. في صباح أحد الأيام، كان ألكسندر جالسًا إلى مائدة الإفطار، بينما جلست فيكتوريا أمامه تقلب صفحات هاتفها بلا اهتمام. وضعت إحدى الخادمات فنجان القهوة أمامها. نظرت فيكتوريا إلى الفنجان، ثم رفعت عينيها إليها بحدة. «هذه ليست القهوة التي طلبتها.» ارتبكت الخادمة. «آسفة سيدتي، سأحضر غيرها فورًا.» «من الواضح أنكِ لا تسمعين جيدًا.» قالتها فيكتوريا ببرود، ثم دفعت الفنجان بعيدًا وسكبته علي الخادمة المسكينة. راقب ألكسندر المشهد دون تعليق. لكن ذاكرته أعادته للحظة إلى صباح قديم. إيلينا كانت تجلس في المكان نفسه. كانت تحفظ كيف يحب قهوته. وكانت أحيانًا تضع أمامه فنجانه قبل أن يطلبه. لم تكن تحتاج إلى سؤال. كانت تعرفه ولم تؤذي اي من الخدم وبلتحديد العمة حلي







