LOGINانقضت ليلة المفاجأة الصاخبة في حديقة قيس، لتبدأ خيوط الفجر الجديد بحركة غير عادية في قصر خالد الشافعي. كان القصر يتزين لاستقبال زيارة رسمية شديدة الأهمية؛ آل السويفي قادمون لخطبة آسيا رسمياً. داخل بهو القصر الواسع، كانت آسيا تدور حول نفسها بملامح يملؤها الحماس والارتباك، بينما كانت شقيقتها ليلى تراقبها بابتسامة حانية وهي ترتشف قهوتها. التفتت آسيا نحو والدتها ليليان ووالدها خالد اللذين كانا يجلسان بوقار، وقالت بنبرة سريعة متحمّسة: — "أبي.. أمي.. أنا ما زلت لا أصدق! بالأمس عندما جثا قيس على ركبتيه في الحديقة، شعرتُ أن عقلي قد توقف تماماً عن التفكير. لقد خطط لكل شيء خلف ظهري مع سيرين وآدم ورحيل وسيف!" ضحك خالد الشافعي برزانة وأشار إليها بيده لتجلس: — "اهدئي يا ابنتي، قيس رجل يدع أفعاله تسبق أقواله، وهذا ما يعجبني في آل السويفي. لقد اتصل بي والده بدر بالأمس من الطائرة ليؤكد موعد اليوم." ليليان بابتسامة دافئة وهي تعدل ياقة فستان آسيا: — "نعم يا حبيبتي، وكلير اتصلت بي أيضاً بلكنتها الفرنسية الرقيقة، وقالت إنها لا تطيق صبراً حتى ترى عروس ابنها. آسيا.. أنتِ ولفتِ قلب قيس، وهذا يكفينا.
في الجناح الرئاسي لمكتب صهيب الجارحي في القاهرة، كان الصمت أثقل من جبال الأرض. سكرتير ريان الشخصي كان يقف مرتعداً، يمسك بملف التقرير الختامي الذي أُرسل عاجلاً من مدريد. أشار له صهيب بيده دون أن يلتفت إليه، وظل ينظر من زجاج مكتبه الشاهق إلى أضواء المدينة. نطق صهيب بصوت أشبه بزمجرة الأسد: — "أعد ما قلته للتو يا أمجد.. وبدقة." ابتلع أمجد ريقه وهتف برعب: — "يا سيد صهيب .. السيد ريان قد غيّر البنود المتفق عليها في اللحظة الأخيرة أمام الوفد الإسباني. طلب الإدارة المنفردة لشركتنا.. مما دفع الآنسة ليلى للشعور بالابتزاز، فأعلنت انسحاب عائلة الشافعي بالكامل.. الصفقة فُضّت، والخسائر المبدئية تُقدر بالملايين، ناهيك عن السمعة الدولية." استدار صهيب ببطء، وكانت عيناه تقدحان شراراً مرعباً: — "وماذا عن ريان؟" السكرتير بصوت خفيض: — "عاد الليلة.. وهو في طريقه إلى القصر الآن.. لكنه.. لم يكن في كامل وعيه عند المغادرة ." ضغط صهيب على مكتبه بقوة جعلت الخشب الصلب يئن، وقال بفحيح حاد: — "اخرج.. اخرج فوراً." في نفس الوقت، داخل قصر خالد الشافعي، كان المشهد مغايراً تماماً. كان خالد يجلس في ركن مكتبه ا
في الصباح التالي، كان الصمت يلف ردهات الفندق الفخم في مدريد كأنه هدوء ما قبل العاصفة. في جناح ليلى، كانت اللمسات الأخيرة تُوضع على وثائق الصفقة الكبرى. جلس سُفيان أمام حاسوبه المحمول وعيناه تلاحقان الأرقام بدقة، بينما كانت ليلى تقف عند النافذة، تتأمل المدينة بنظرات شاردة، تحمل في طياتها تعباً لم تَمْحُه ساعات النوم القليلة. التفت سُفيان نحوها، وخفض شاشة حاسوبه قائلاً برفق: — ليلى، ما بكِ؟ لم تلمسي قهوتكِ بعد، والاجتماع النهائي بعد أقل من ساعة. التفتت ليلى وتنهدت تنهيدة ثقيلة، ثم جلست في المقعد المقابل له وقالت: — لستُ مطمئنة يا سُفيان. أشعر أن نبرة ريان بالأمس لم تكن مجرد تهديد عابر. هو لن يمرر توقيع اليوم بسلام. ابتسم سُفيان بثقة وهز رأسه نفياً: — ريان رجل أعمال في النهاية يا ليلى، ويعلم تماماً أن عائلة الجارحي ستخسر الملايين إن هو عرقل هذه الصفقة نكاية فيكِ أو فيّ. كوني مطمئنة، القانون يدعمنا، والبنود صيغت بأيدينا. ليلى بنبرة قلقة: — أنت لا تعرف ريان عندما يعميه الغضب يا سُفيان. إنه يرى الخسارة الشخصية أشد إيلاماً من الخسارة المالية. قاطع حوارهما طرقات حازمة على الباب. نهض
ترنحت خطوات ريان في ردهة الفندق الخافتة الإضاءة؛ كان جسده الضخم يميل يمنة ويسرة، وثيابه مبعثرة بفعل سُكْرٍ شديد غيّب عقله تماماً، بعد ليلة قضاها يجرع مرارة الخذلان في حانات مدريد. كان يهمس بكلمات غير مفهومة، تارة يضحك بهستيريا وتارة يضرب جدار الممر بقبضته حتى سال الدم من يده عبيطاً. لم تكن آسما قد نامت بعد؛ كانت تترقب الباب من غرفتها المجاورة، وما إن سمعت وقع خطواته المتخبطة حتى فتحت الباب واندفعت نحوه بلهفة وخوف. هتفت بخفوت وهي تسنده بكل ما أوتيت من قوة: — ريان! ما الذي فعلته بنفسك؟ أرجوك استند إليّ.. ريان! التفت إليها بعينين غائمتين تماماً، لا تكادان تتبينان تفاصيل وجهها، ونطق بنبرة ثقيلة ومبحوحة: — أفلتيني.. أنا لست بحاجة لأحد.. هي تركتني.. ذهبت معه.. قبلته يا آسما.. رأيتها بأم عيني! أجابت آسما وهي تحاول إدخاله إلى غرفته ودموعها تنهمر حرّى: — أعلم يا حبيبي، أعلم حجم وجعك.. أرجوك ادخل فقط، لا تدع أحداً يراك بهذا الوضع المزري. أدخلته الغرفة وأوصدت الباب بقدمها، فتحرك ريان بغريزة غائبة ورمى بجسده العريض فوق الفراش الوثير، وسحبها معه بغير وعي لتسقط فوق صدره العريض. حاولت آسما ال
مرت الدقائق ثقيلة على ريان وهو يقف خلف زجاج غرفته، يراقب الممر الخالي في الحديقة بعد أن غادرته ليلى بصحبة سُفيان. لم يتحمل البقاء محاصراً بين جدران الغرفة، فخرج يخطو بعشوائية في ردهات الفندق الفسيحة، وعقله يدور في حلقة مفرغة من الذهول والغضب. وفجأة، قطعت طريقه آسما التي كانت تبحث عنه، وعيناها تحملان نظرة لم يألفها فيها من قبل؛ نظرة خلت من برود سيدة الأعمال، وامتلأت بأسى حقيقي.وقفت أمامه وقالت بصوت خفيض: ريان، نحتاج إلى الحديث، أرجوك لا تدبر وجهك عني هذه المرة.نظر إليها بسخرية لاذعة وهتف: حديث؟ وعن ماذا نتحدث يا آسما؟ ألم تنتهِ كل الأحاديث بيننا؟آسما بنبرة متوسلة: لم تنتهِ، ولن تنتهي طالما أن الألم ما زال حياً في صدرك. أنا رأيت ما حدث في الحديقة منذ قليل. رأيت ليلى وسُفيان.تصلب جسد ريان، واشتعلت عيناه بغضب أعمى وهو يقترب منها خطوة: إياكِ وأن تنطقي باسمها على لسانكِ! ليلى لا شأن لكِ بها، وما رأيتِيه ليس إلا وهمًا.آسما بمرارة: ليس وهماً يا ريان، وأنت تعلم ذلك في قرارة نفسك. ليلى تداوي جرحها برجل آخر، وأنت تقف هنا لتصب غضبك عليّ لأنك عاجز عن مواجهتها.صرخ ريان بصوت مكتوم: أنا لست عاج
انفضت جلسة المفاوضات المعقدة بين الوفدين، وحملت ليلى ثقل الكلمات والأسرار التي انكشفت وسط العاصفة لتخرج بها إلى رحابة الطبيعة، بحثاً عن نسمة هواء باردة تطفئ اللهيب المشتعل في صدرها. توجهت بخطوات بطيئة ومتعبة نحو حديقة الفندق الخلفية، حيث كانت خيوط شمس مدريد الدافئة قد بدأت تخترق بقايا الغيوم، وتنشر بريقاً ساحراً فوق أوراق الشجر والممرات الطينية التي ما زالت تحتفظ بأثر المطر. لم تمر دقائق حتى لحق بها سُفيان القاضي كعادته، هادئاً كظلٍ حارس لا يمل الخطى، يحمل معطفها على ذراعه ويراقب خطوتها بنظرات مفعمة بالرعاية والاهتمام الشديد. وقف بجانبها تحت ظل شجرة معمرة ضخمة، وحرص على ألا يقطع حبل صمتها حتى التفتت هي إليه، ونظرت في عمق عينيه اللتين تنطقان بالصبر والاحتواء المطلق.نطقت ليلى بصوت خفيض ومرتعش، لكنه يحمل نبرة جديدة من الصدق والوضوح: سُفيان، أنا أعلم حجم النبل والشهامة التي تحيطني بها، وأعلم أنني البارحة فقط أخبرت ريان بأنني سأمنحنا فرصة حقيقية، لكنني أريد أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع هذه البداية. أنا لا أريد أن ننقاد وراء العواطف المتخبطة أو نندفع نحو ارتباط رسمي سريع يعميه العناد أو ال







