Compartilhar

الفصل 5

Autor: Elira Moon
last update Última atualização: 2026-01-26 04:55:18

لم تكن مغادرة لينا للقصر مجرد خروج امرأة غاضبة، بل كانت إيذاناً بانهيار جبل الجليد الذي ظن صهيب أنه يعتليه بأمان. ساد القصر صمتٌ جنائزي بعد رحيلها، صمتٌ تقطعه فقط أنفاس صهيب المتسارعة وهو يقف وسط البهو، وعيناه مسمرتان على الباب الموصد، كأنه يرى مستقبله المهني يتبخر خلفه.

التفت صهيب نحو سيليا التي كانت لا تزال تقف على طرف الدرج، تنظر إليه ببرودٍ صقيعي لم يعهده فيها. صرخ بصوتٍ زلزل أركان المكان:

— "أهذا ما كنتِ تخططين له يا سيليا؟ أن تهدمي المعبد على رؤوس الجميع؟ سنتان من الصمت، فلماذا الآن؟ لماذا في اللحظة التي كنتُ أوشك فيها على ملامسة القمة؟"

نزلت سيليا الدرجات المتبقية بهدوءٍ يثير الجنون، وقفت أمامه وقالت بنبرةٍ رصينة:

— "القمة التي تُبنى على جثث كرامة الآخرين يا صهيب، هي هاوية وليست قمة. أنا لم أهدم شيئاً، أنا فقط كشفتُ عن الأنقاض التي نعيش فوقها. أنت من هدمت كل شيء يوم أن اعتبرتني مجرد 'متاع' مخبأ في دهاليز حياتك."

رفع صهيب يده في الهواء كأنه يريد تحطيم شيء ما، لكنه قبضها بقوة حتى ابيضت مفاصله، وقال من بين أسنان مطبقة:

— "لينا لن تصمت. ستدمر أسهم الشركة، ستجعل اسم الجارحي مادة دسمة للصحافة الصفراء. هل تدركين حجم الفضيحة؟ سيعلم الجميع أنني كنت متزوجاً في السر من ابنة عمي التي تعمل سكرتيرة عندي. سيقولون إن صهيب الجارحي تلاعب بالجميع!"

ردت سيليا وهي تقترب منه حتى لفحته أنفاسها المشتعلة بالوجع:

— "وما العيب في ذلك؟ العيب ليس في الزواج، العيب في استعارك منه. العيب في أنك خجلت من ابنة عمك الشريفة، لتتودد لامرأة لا تراك إلا صفقة رابحة. دع العالم يعرف، ودع الصحافة تكتب. ربما حينها فقط، ستدرك أن القيمة ليست في أغلفة المجلات، بل في صدق المشاعر التي دهستها بحذائك الإيطالي الفاخر."

تركته سيليا واتجهت نحو المطبخ لتعد لنفسها كوباً من الماء، كانت يدها ترتجف رغم ثبات صوتها. بينما اندفع صهيب نحو مكتبه المنزلي، وأغلق الباب بعنف خلفه. بدأ يجري اتصالاته المحمومة؛ مدير أعماله، المستشار القانوني، ورئيس قسم العلاقات العامة. كان يحاول رتق الثوب الذي مزقته سيليا بكلمات قليلة، لكن الأوان كان قد فات.

في المساء، كانت المواقع الإخبارية الاقتصادية تتناقل خبراً عاجلاً: "انسحاب مجموعة القاضي من الاندماج مع الجارحي، وأنباء عن خلافات شخصية حادة تضرب استقرار شركة الجارحي للمقاولات".

خرج صهيب من مكتبه بعد ساعات، كان وجهه يبدو عليه الإعياء، وعيناه غائرتان. وجد سيليا تجلس في الصالة، تقرأ كتاباً وكأن شيئاً لم يكن. سخر منها قائلاً:

— "هل تنامين بسلام وهل قرأتِ الأخبار؟ الأسهم بدأت بالهبوط قبل إغلاق السوق. والدي وعمك سيتصلان في أي لحظة.. ماذا ستقولين لهما؟ هل ستخبرينهما ببطولاتك في تدمير إرث العائلة؟"

أغلقت سيليا الكتاب ببطء، ونظرت إليه قائلة:

— "سأقول لهما إنني استعدتُ ابنتهم التي ضاعت في دهاليز طموحك. أما المال، فالجارحي لا يسقط بسبب امرأة يا صهيب، يسقط إذا كان ربُّ عمله يفتقر للوفاء. اذهب ونم، فلدينا غداً يومٌ طويل في الشركة.. هذا إذا سمحتَ لي بالذهاب طبعاً."

استفزه برودها، فاقترب منها وجذبها من ذراعها لتنهض وتواجهه:

— "لن تذهبي للشركة. من الآن وصاعداً، أنتِ محبوسة في هذا القصر. لن أسمح لكِ بمزيد من التخريب. سأعلن للجميع أننا في فترة انفصال، وسأحاول إصلاح ما أفسدتِه مع لينا."

لم تصرخ سيليا، بل نظرت إلى يده التي تقبض على ذراعها وقالت بهدوء مرعب:

— "لقد فات أوان الحبس يا صهيب. الطائر الذي أطلقتَه لا يمكن إعادته للقفص. وإذا حاولت منعي من الذهاب لعملي، فسيكون ردي في ساحات القضاء، وليس في غرف النوم."

نفض صهيب يدها وكأنه لمس ناراً. كان يرى في عينيها تحولاً لم يدرسه في كتب الإدارة؛ تحول المرأة المظلومة إلى امرأة منتقمة لكرامتها. تركها وخرج إلى حديقة القصر، يشعل سيجارة تلو الأخرى، والدخان يتصاعد ليختلط بضباب ليله المظلم.

كان يتساءل في أعماقه: لماذا يشعر بكل هذا الغيظ؟ هل هو بسبب خسارة لينا والصفقة؟ أم لأن سيليا، تلك الفتاة التي ظنها مضمونة في جيبه، تجرأت وشقت عصا الطاعة؟ ولماذا، رغم كل ما فعلته، وجد نفسه يتأمل ملامحها بقوة وهي ترفض الانصهار تحت إرادته؟

في تلك الليلة، نام صهيب في مكتبه، بينما نامت سيليا في غرفتها، والباب موصدٌ بينهما.. ليس باباً من خشب، بل بابٌ من الكبرياء والجفاء، يحتاج لأكثر من مجرد اعتذار لفتحه.

ومع بزوغ الفجر، رن هاتف صهيب.. كان المتصل هو "منصور القاضي"، والد لينا. كان صوته يحمل تهديداً صريحاً:

— "صهيب الجارحي، ابنتي لا تُهان ولا يُتلاعب بها. لقد بدأت الحرب، وأعدك أنك ستتوسل إلينا لتقبل لينا اعتذارك."

أغلق صهيب الهاتف، ونظر إلى الأعلى حيث غرفة سيليا، وهمس لنفسه:

— "لقد فتحتِ أبواب الجحيم علينا جميعاً يا ابنة العم.. فاستعدي للحريق.

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 16

    ساد صمتٌ واجمٌ أطبق على أنفاس القصر، وكأن جدرانه العتيقة قد صُدمت بجرأة الكلمة التي ألقتها سيليا. ظل صهيب شاخصاً ببصره نحوها، وعيناه تضيقان كغابةٍ تشتعل في صمت، بينما كانت دقات قلبه تتسارع خلف قناع الجمود الذي يرتديه.خطا صهيب نحوها خطوةً واحدة، كانت ثقيلةً كوقع القدر، وانخفض صوته لدرجةٍ جعلت شعيرات جسدها تقشعر:— "الطلاق؟ أبلغَ بكِ الوهمُ هذا الحد يا سيليا؟ أتظنين أن الخروج من مملكني بيسيرٍ كخروجكِ من قاعة المناقصات؟"رفعت سيليا ذقنها بشموخٍ، ولم تتردد نبرتها وهي تجيبه:— "لم يعد وهماً يا صهيب، بل صار ضرورةً للبقاء. لقد استنفدتَ كل رصيدكِ من الصبر في قلبي، ولم يعد هناك ما يستحق القتال لأجله. غداً، ستبدأ الأوراق في الحديث عوضاً عن المشاعر التي وأدتَها ببرودك."ضحك صهيب ضحكةً مكتومة، تحمل مرارة الخيبة وقسوة الكبرياء، ثم اقترب منها حتى لم يعد يفصلهما سوى أنفاسهما المضطربة، وهمس بفحيحٍ يقطر وعيداً:— "أوراقكِ تلك ستمزقها الرياح قبل أن تصل إلى عتبة المحكمة. هل غاب عن ذهنكِ من هو صهيب الجارحي؟ أنا لا أُترك، ولا أُهجر، ولا يُملى عليّ قرارٌ لم أخطّه بيميني. إن كنتِ تظنين أن الشافعي سيحمي ظهر

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 15

    أطبقت سيليا جفونها لثانية واحدة، استجمعت فيها شتات قوتها ورممت ثباتها الانفعالي، ثم فتحت عينيها ببرود صقيعي، مقررةً تجاهل وجود صهيب تماماً وكأنه لم يكن حياً يُرزق في ذلك المدى. استمرت في مشاركة موظفيها أحاديثهم وضحكاتهم بنبرة واثقة، في حين كانت ترصد بطرف خفيّ ما تقترفه "لينا" من حماقات.تعمدت لينا الالتصاق بصهيب حتى انعدمت المسافة بينهما، ثم أخرجت هاتفها ودسّت رأسها على كتفه بدلالٍ مستفز لتلتقط صورة معه. لم يبدِ صهيب أي ممانعة، بل ظل ساكناً كتمثال رخامي، يشاركها اللحظة بجمودٍ تام وتملكٍ أثار لوعتها المكبوتة. ابتلعت سيليا غصتها، ولم تسمح لخلجة واحدة أن تظهر على وجهها، بل التفتت نحو بدر الذي مال نحو أذنها ليهمس لها بكلمة أثارت ضحكاتها، فابتسمت بخجلٍ مباغت زاد من اشتعال الأجواء خلف الطاولة المقابلة.بعد فترة، استأذنت سيليا للذهاب إلى "ردهة الزينة" لتعديل مظهرها. وما إن دلفت وأغلقت الباب حتى شعرت بحركة مباغتة خلفها؛ كان صهيب قد انسلّ وراءها، وبحركة خاطفة أدار القفل، وحشرها بين جسده الصلب ورخام الردهة البارد.سألها بجمودٍ يحمل نذير الخطر:— "ماذا كان يهمس في أذنكِ ذلك الشافعي؟ وما سر هذه ا

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 14

    أشرقت شمس اليوم التالي محملة بتوتر يسري في عروق المدينة. وقفت سيليا أمام مرآتها، مرتدية بدلة رسمية باللون الأبيض الناصع؛ ذلك اللون الذي يعكس النقاء والصلابة في آن واحد. لم تعد "زوجة الجارحي" المنزوية خلف المكاتب، بل "سيليا العمري" التي استردت هويتها المسلوبة.وصلت إلى مقر شركة بدر الشافعي، حيث كان الاستقبال مهيباً يليق بمقامها. كان بدر بانتظارها عند المدخل، والبشر يرتسم على محياه:— "اليوم هو يومكِ يا سيليا.. قاعة المناقصات بانتظار العقل المدبر الذي سيقلب موازين السوق."— "لن ننتظر طويلاً يا بدر، الملفات جاهزة، وخطتي القانونية لا تشوبها شائبة، ولن أترك ثغرة واحدة لخصمي ليتسلل منها."في قاعة المناقصات: صِراعُ الجبابرةدلفت سيليا وبدر إلى القاعة، ليفاجآ بمشهد صُمم بعناية فائقة لاستفزازها. من الباب المقابل، دخل صهيب بكامل هيبته الطاغية، ولم يكن وحده؛ كانت لينا تتأبط ذراعه بمنتهى الكبرياء والخيلاء، توزع نظرات الخبث يميناً ويساراً، وكأنها ترسل رسالة صامتة لسيليا: "لقد أخذتُ مكانكِ بجانبه، وأنتِ الآن مجرد خصم منبوذ".صهيب ببدلته السوداء المعتادة بدا ككتلة من الجليد الصخري، لكن عينيه كانتا ت

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 13

    دخلت سيليا إلى بهو القصر بخطوات متزنة، وصوت كعب حذائها يرتطم بالرخام في إيقاع هادئ ومنتظم، بينما ترجل صهيب من سيارته وأغلق الباب خلفه بقوة لم تخلُ من العصبية المكتومة. سار خلفها حتى دلفا إلى الداخل، حيث كانت أضواء القصر الخافتة تضفي صمتاً مهيباً على المكان.توقفت سيليا عند أول درجات السلم، والتفتت إليه بهدوء غريب، وكأن تلك العاصفة التي كانت تدور في السيارة قد تلاشت بمجرد عبورها عتبة الدار.— "ليلة سعيدة يا صهيب. شكراً على توصيلك."ضاقت عينا صهيب وهو يراقب برودها المستفز، فخطا نحوها عدة خطوات حتى صار يقف أمامها مباشرة، ونظر إليها مطولاً قبل أن يتحدث بصوت منخفض سكنت فيه كل انفعالاته الحادة.— "بهذه البساطة يا سيليا؟ تنهين الحديث بكلمة "ليلة سعيدة" وكأننا لم نكن منذ دقائق نتحدث عن حرب ستغير موازين عائلة الجارحي؟"سندت سيليا يدها على حافة الدرج الخشبي، ونظرت إليه بعينين يملؤهما الثبات.— "وماذا تريد مني أن أقول؟ لقد وضعتَ أنت القواعد يا صهيب.. قلت إننا خصوم في العمل، وأنا قبلت التحدي. أما هنا، في هذا البيت، فنحن مجرد شخصين يجمعهما سقف واحد واحترام لذكرى عائلة.. أليس هذا ما كنت تريده دائما

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 12

    مرت الأيام الأولى من الأسبوع الفاصل كأنها دهر. في قصر صهيب، صار الصمت هو اللغة الرسمية؛ سيليا تخرج في الصباح الباكر لتباشر مهامها في إمبراطورية "بدر الشافعي"، وتعود لتقبع في جناحها خلف أبواب مغلقة، وصهيب يراقبها من بعيد، تنهشه الغيرة المهنية والشخصية معاً. أما في الشركة، فكان صهيب يحاول رتق الشقوق التي خلفها رحيل سيليا. طلب مقابلة لينا في مكتبه، ليحل الخلاف الذي نشب بينهما منذ معرفتها بزواجه. دخلت لينا بخطوات واثقة، مرتديةً قناع الهدوء والرزانة، ولم تظهر أي عدائية، بل كانت "متصنعة" بامتياز. قال صهيب بصوت هادئ: — "لينا.. دعوتُكِ لنتحدث بعيداً عن ضغط العمل. أعلم أن زيارتكِ الأخيرة للقصر كانت صادمة، ولم أكن أريد أن تعرفي بأمر زواجي من سيليا بتلك الطريقة. أنتِ ركن أساسي في خططي القادمة، ولا أريد لخلافاتنا الشخصية أن تعطلنا." ابتسمت لينا ابتسامة رقيقة مصطنعة، وقالت بنبرة هادئة: — "صهيب، أنا لستُ طفلة. جُرحتُ لأنني اهتممتُ بك، لكنني أفصل جيداً بين مشاعري وبين العمل. سيليا اختارت أن تكون في المعسكر الآخر، وأنا اخترتُ أن أكون معك.. وهذا يكفيني الآن." لم يكد ينهي حديثه مع لينا حت

  • حين قابَلَها الصُهيب   الفصل 11

    انقضت ليلة "العشاء العاصف" وبقيت آثارها محفورة في زوايا قصر الجارحي. كان الصمت الذي ساد السيارة في طريق العودة أثقل من أي عتاب، وصهيب، الذي لم ينطق بحرف منذ تلك الصرخة المكتومة في السيارة، قضى ليله في مكتبه يراقب خيوط الفجر وهي تولد، وشعور غريب بالهزيمة ينهش كبرياءه. لم تكن هزيمة أمام "بدر"، بل كانت هزيمة أمام تلك النظرة التي رآها في عيني سيليا؛ نظرة لم تعد تخشاه.مع دقات الثامنة صباحاً، نزلت سيليا الدرج. لم تكن ترتدي ثياب المنزل، بل كانت في كامل أناقتها الرسمية، بدلة بلون "الكحلي الملكي" وحقيبة جلدية توحي بجدية من يقبض على زمام أمره. وجدت صهيب في ردهة القصر، كان يرتشف قهوته بآلية، وعيناه غائرتان.توقف صهيب عن الشرب، ونظر إليها بحدة:— "إلى أين يا سيليا؟ ظننتُ أننا أنهينا موضوع 'بدر' والعمل معه بالأمس. لن تخرجي من هذا الباب إلا للشركة معي، أو تبقين هنا حتى تستعيدي رصانتك."وضعت سيليا ملفاً جلدياً على الطاولة بجانبه، وقالت بصوت هادئ رخيم يقطر ثباتاً:— "صهيب.. بالأمس سألتني إن كنتُ أحبه، واليوم سأجيبك بفعلي لا بقولي. هذا الملف يحتوي على استقالتي الرسمية من مجموعة الجارحي. لم أعد موظفة

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status