ログインطوال الطريق إلى المنزل لم تستطع ليان إخراج كلمات آدم من رأسها.
“يمكن لأني ما بحب أشوف حدا يحاول ياخد مكان مو إله.” كانت تعرف أن الجملة تحمل معنى أكبر من مجرد مزحة عابرة. لكنها لم تجرؤ على تفسيرها. كلما حاولت التفكير بالأمر، كانت تتذكر نظراته في تلك اللحظة. وكيف بدا جادًا بشكل لم تعهده منه من قبل. ⸻ أما آدم فكان يقود سيارته نحو مقر شركة والده. ملامحه متجهمة. كلما تلقى اتصالًا من فارس الكيلاني شعر أن شيئًا سيئًا بانتظاره. منذ طفولته لم تكن لقاءاته مع والده سهلة. دائمًا أوامر. دائمًا توقعات. ودائمًا شعور بأنه لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب. دخل المبنى الضخم. وصعد إلى الطابق الأخير. ليجد والده جالسًا خلف مكتبه كعادته. دون أي ابتسامة. دون أي ترحيب. رفع فارس عينيه عن الأوراق أمامه. “تأخرت.” جلس آدم أمامه. “كنت بالجامعة.” ألقى فارس ملفًا على الطاولة. “شوف.” فتح آدم الملف. وبدأت ملامحه تتغير تدريجيًا. أرقام. تقارير. خسائر. ديون. مشاريع متعثرة. أغلق الملف ببطء. “الوضع لهدرجة سيئ؟” أجابه فارس ببرود: “أسوأ.” شعر آدم بانقباض في صدره. لأول مرة يرى القلق الحقيقي في عيني والده. ⸻ في اليوم التالي. وصلت ليان إلى الجامعة مبكرًا. كانت تنهي بعض الأعمال داخل المكتبة عندما دخل آدم. لكن شيئًا كان مختلفًا. ابتسامته المعتادة اختفت. ونظراته بدت شاردة. اقتربت منه. “صباح الخير.” رفع رأسه. وحاول الابتسام. “صباح النور.” راقبته للحظات. ثم قالت: “في شي صاير.” نفى بسرعة. “لا.” “عم تكذب.” تفاجأ من ثقتها. فابتسم لأول مرة. “لهدرجة واضح؟” جلست مقابله. “آدم، من يوم ما عرفتك وإنت ما بتسكت.” ضحك بخفوت. “هاي إهانة؟” “هاي حقيقة.” لأول مرة منذ مساء الأمس شعر ببعض الراحة. ⸻ بعد انتهاء المحاضرات. جلسا في الحديقة الخلفية للجامعة لإكمال المشروع. كان المكان هادئًا. والهواء منعشًا. بينما كانت ليان تراجع الملفات. بقي آدم ينظر إليها بصمت. قال فجأة: “ليان.” رفعت رأسها. “نعم؟” تردد للحظة. ثم سأل: “بتآمني بالقدر؟” تفاجأت بالسؤال. “ليش؟” هز كتفيه. “مجرد سؤال.” فكرت قليلًا قبل أن تجيب. “يمكن.” “يمكن؟” ابتسمت. “في أشياء بنختارها بإيدنا.” ثم أضافت: “وفي أشياء بتختارنا.” ظل ينظر إليها للحظات طويلة. وكأن كلماتها لامست شيئًا داخله. ⸻ في تلك اللحظة. مرّت مجموعة من الطالبات بالقرب منهما. وما إن رأين آدم حتى بدأت الهمسات. إحداهن قالت بصوت منخفض: “هاد هو.” ردت الأخرى: “عنجد وسيم.” حاولت ليان تجاهل الأمر. لكنها لاحظت أن آدم يبدو معتادًا على هذا النوع من الاهتمام. ولسبب لم تفهمه… لم يعجبها ذلك. ⸻ بعد دقائق. أغلقت حاسوبها. “خلصنا لليوم.” وقف آدم معها. ثم قال فجأة: “في مكان بدي أورجيكي ياه.” نظرت إليه باستغراب. “وين؟” ابتسم ابتسامته المعروفة. “ثقة شوي.” ضيقت عينيها. “هاي الجملة ما بتطمن.” ضحك. “تعالي بس.” ⸻ بعد عشر دقائق. كانا يقفان فوق سطح أحد المباني القديمة داخل الجامعة. المكان شبه مهجور. لكن المنظر كان مذهلًا. المدينة كلها بدت أمامهما. وأشعة الغروب تلون السماء بدرجات البرتقالي والذهبي. توقفت ليان مبهورة. “عنجد حلو.” ابتسم وهو يراقب رد فعلها. “صح؟” وقفت قرب الحافة. والهواء يحرك خصلات شعرها. في تلك اللحظة شعر آدم أنها أجمل من أي شيء حوله. أجمل من الغروب. وأجمل من المدينة كلها. ابتلع ريقه بصعوبة. وقلبه ينبض أسرع من المعتاد. كان يريد أن يقول شيئًا. شيئًا ظل يفكر فيه منذ أسابيع. التفتت نحوه. “شو؟” أدركت أنه كان يحدق بها. ارتبك لأول مرة منذ عرفته. “ولا شي.” ابتسمت. “واضح في شي.” أخذ نفسًا عميقًا. ثم قال: “ليان… أنا…” لكن قبل أن يكمل. رن هاتفه مرة أخرى. نظر إلى الشاشة. واختفت ملامحه فورًا. فارس الكيلاني. أغلق عينيه للحظة. وكأنه يلعن توقيت الاتصال. أما ليان فشعرت بخيبة غريبة دون أن تعرف السبب. لأن شيئًا مهمًا كان على وشك أن يُقال… ولم يُقل. نهاية الفصل السادس47لم يكن اسم الحساب 47 مجرد رقم.ولم يكن مجرد حساب مصرفي مخفي كما ظن الجميع.في اللحظة التي نطق فيها الرجل تلك الكلمات، تغير وجه مازن الحداد بالكامل.اختفى هدوؤه.واختفت ثقته.لأول مرة منذ ظهوره.شعر بالخوف.⸻لاحظ نادر ذلك فورًا.وقال:“واضح إنهم مهمين.”⸻لم يرد مازن.لكن صمته كان كافيًا.⸻في الخارج كانت أصوات السيارات تزداد.وأضواء حمراء وزرقاء تنعكس على نوافذ المزرعة.⸻قال أحد رجال مازن:“إذا ما طلعنا هلاء رح ينمسك الكل.”⸻لكن مازن لم يتحرك.كان يفكر.بسرعة.وكأنه يبحث عن مخرج لم يعد موجودًا.⸻أما يوسف فابتسم للمرة الأولى منذ بداية الليلة.⸻وقال:“خلصت اللعبة.”⸻نظر إليه مازن بغضب.⸻“لسه ما خلصت.”⸻لكن يوسف هز رأسه.⸻“لا.”⸻“انتهت من اللحظة اللي سجل فيها رائد الاعتراف.”⸻ساد الصمت.⸻وفجأة…رن هاتف مازن.⸻نظر إلى الشاشة.وشحب وجهه أكثر.⸻سأله فارس:“مين؟”⸻لم يجب.⸻لكن آدم لمح الاسم قبل أن يختفي.⸻مكتوب فقط:الرئيس⸻شعر آدم بقشعريرة.⸻الرئيس؟⸻من هو الرئيس؟⸻فتح مازن المكالمة.⸻ووضع الهاتف على أذنه.⸻بقي يستمع فقط.لا يتكلم.⸻ثم قال أخيرًا:“فهمت.”⸻وأغلق
الحقيقة التي لا يمكن إيقافهادوى صوت إطلاق نار آخر خارج المزرعة.ثم تبعه صراخ رجال.وأصوات ركض سريعة.أما داخل القاعة، فكانت الفوضى قد وصلت إلى ذروتها.وقف مازن وهو يصوب سلاحه نحو جلال.بينما بقي جلال يبتسم.تلك الابتسامة الباردة التي جعلت ليان تشعر بقشعريرة تسري في جسدها.⸻قال مازن بغضب:“ابتعد عن الفلاشة.”⸻نظر جلال إلى السلاح.ثم عاد ينظر إلى مازن.⸻“بعد كل هالسنين…”ابتسم بسخرية.“لسه مفكر إنك مسيطر؟”⸻اشتدت قبضة مازن على السلاح.⸻أما يوسف فالتقط الحقيبة السوداء بسرعة.وضمها إلى صدره.⸻شعر آدم أن الأمور خرجت عن السيطرة تمامًا.⸻كان هناك رجال يطلقون النار خارج المبنى.وجلال يحاول الوصول إلى الفلاشة.ويوسف يخفي الاعتراف.ومازن يصوب سلاحه.⸻قال آدم بصوت مرتفع:“حدا يفهمنا شو عم بصير!”⸻ساد الصمت لثانية واحدة.⸻ثم نظر يوسف إليه.⸻وقال:“الناس اللي برا…”⸻توقف.⸻“هم السبب الحقيقي بكل اللي صار.”⸻شحب وجه فارس.⸻أما سامي فنظر إليه بصدمة.⸻قال:“شو قصدك؟”⸻تنهد يوسف.⸻ثم جلس على الكرسي.⸻وكأن كل شيء حوله لم يعد مهمًا.⸻“قبل عشرين سنة…”⸻“كنا مفكرين إننا عم نسرق شركة.”
المراقبتحولت جميع الأنظار نحو جلال السعدي.بقي جالسًا مكانه.لكن للمرة الأولى منذ بداية المواجهة لم يكن يبدو مسيطرًا.ولا واثقًا.ولا حتى قادرًا على إخفاء ارتباكه.⸻أما الصور المنتشرة فوق الطاولة فكانت كافية لإثارة الرعب.صور لفارس خلال سنوات مختلفة.صور لسامي وهو يغادر عمله.صور لنادر في دولة أخرى أثناء فترة اختفائه.بل وحتى صور حديثة لآدم وليان.⸻شعرت ليان ببرودة تسري في جسدها.رفعت إحدى الصور بيد مرتجفة.كانت صورة لها أمام الجامعة.التاريخ المكتوب عليها يعود إلى قبل شهرين فقط.قبل أن تبدأ كل هذه الأحداث.⸻همست:“كيف؟”⸻لم يجب أحد.⸻قال آدم بغضب:“مين كان يراقبنا؟”⸻نظر مازن مباشرة إلى جلال.⸻“جاوبهم.”⸻ساد الصمت.⸻ثم تنهد جلال ببطء.وكأنه استسلم أخيرًا.⸻“أنا.”⸻شحب وجه سامي.⸻أما فارس فحدق فيه بعدم تصديق.⸻“عشرين سنة؟”⸻أومأ جلال.⸻“تقريبًا.”⸻شعر آدم برغبة في الإمساك به وهزه بعنف.⸻قال:“إنت مريض؟”⸻لكن جلال لم يغضب.بل نظر إلى الصور المنتشرة حوله.⸻وقال بهدوء غريب:“بالبداية كان الموضوع خوف.”⸻ثم ابتسم بسخرية.⸻“وبعدين صار عادة.”⸻نظر الجميع إليه بذهول.⸻
الرجل الذي لم يكن يجب أن يعودتجمدت الأنفاس داخل المزرعة.وقف الرجال المسلحون عند المدخل وكأنهم يملكون المكان.أما الرجل ذو الندبة قرب عينه فكان يتقدم بخطوات هادئة وواثقة.لم يحمل سلاحًا ظاهرًا.لكنه بدا أخطر من جميع الرجال الواقفين خلفه.⸻لأول مرة منذ أن التقوا جلال السعدي…رأوه خائفًا.خائفًا فعلًا.اختفت ابتسامته الساخرة.واختفى هدوؤه المعتاد.بل تراجع خطوة إلى الخلف دون أن يشعر.⸻لاحظ نادر ذلك فورًا.وقال:“مين هاد؟”⸻لم يجب جلال مباشرة.ظل يحدق بالرجل القادم نحوه.كأن شبحًا خرج من الماضي.⸻ثم قال بصوت منخفض:“الشخص اللي كنت أتمنى يضل ميت.”⸻ساد الصمت.⸻أما الرجل الغريب فابتسم.⸻“للأسف يا جلال…”توقف للحظة.“أنا دائمًا برجع.”⸻شعرت ليان بقشعريرة تسري في جسدها.لم تكن تعرف الرجل.لكنها شعرت بالخطر فور دخوله.⸻وقف آدم أمامها بشكل تلقائي.وكأنه يحاول حمايتها دون أن يفكر.⸻لاحظت ذلك.لكنها لم تعلق.لأن الوضع كان أكبر من أي شيء آخر.⸻قال فارس بحدة:“مين إنت؟”⸻التفت الرجل نحوه.ثم نظر إلى سامي.ثم إلى نادر.⸻وأخيرًا ابتسم.⸻“الغريب إنكم نسيتوني.”⸻عقد الجميع حواجبهم.⸻أ
الاعتراف الذي تأخر عشرين عامًاساد الصمت داخل المزرعة.صمت ثقيل.مرعب.كأن الجدران نفسها توقفت عن التنفس بعد كلمات جلال.“رائد منصور مقتول.”لم يتحرك أحد.لم يتكلم أحد.حتى ليان شعرت أن قلبها توقف للحظة.⸻كان أول من كسر الصمت هو آدم.“شو يعني مقتول؟”خرج صوته حادًا ومتوترًا.“مين قتله؟”⸻ابتسم جلال ابتسامة غامضة.ثم عاد للجلوس على الكرسي.وكأنه يروي قصة عادية.⸻قال بهدوء:“هاد السؤال اللي جبتكم عشانه.”⸻شعر فارس بالغضب يشتعل داخله.اقترب خطوة.“بلا ألعاب.”⸻ضرب بيده على الطاولة.“وين رائد؟”⸻رفع جلال عينيه إليه.ولم يظهر عليه أي خوف.⸻“قلتلك.”⸻“مات.”⸻قبض سامي يديه بقوة.بينما نظر نادر إلى جلال وكأنه يحاول قراءة ما وراء كلماته.⸻قال نادر:“إذا مات…”⸻“كيف بتعرف؟”⸻تغيرت ملامح جلال قليلًا.ثم قال:“لأني كنت آخر شخص شافه.”⸻ساد الصمت مجددًا.⸻شعرت ليان أن الأمور أصبحت أخطر بكثير مما توقعت.⸻قبل يومين فقط كانوا يحاولون إثبات فساد مالي.⸻أما الآن…فهم يتحدثون عن جريمة قتل.⸻قال المحامي الذي رافقهم:“إذا عندك معلومات عن جريمة لازم تحكي للشرطة.”⸻ضحك جلال.ضحكة قصيرة بارد
المزرعة القديمةلم يكن أحد مرتاحًا للذهاب.منذ وصول رسالة جلال السعدي، ساد شعور ثقيل بين الجميع.شعور بأنهم يقتربون من شيء خطير.شيء أكبر من مجرد قضية فساد قديمة.⸻في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان مبكرًا.لكنها لم تنم أكثر من ساعتين.كلما أغلقت عينيها كانت تتذكر جملة واحدة:“وأحضروا الملف الأسود.”كيف عرف جلال بالملف؟وكيف عرف أنهم وجدوه أصلًا؟⸻جلست في المطبخ تشرب القهوة عندما دخل سامي.بدا عليه الإرهاق هو الآخر.جلس مقابلها.وظل صامتًا للحظات.⸻ثم قال:“خايفة؟”⸻ابتسمت بخفة.“شوي.”⸻هز رأسه.⸻“أنا كمان.”⸻تفاجأت من اعترافه.⸻طوال حياتها كانت تراه الرجل الذي لا يخاف.الرجل الذي يتحمل كل شيء بصمت.⸻لكن هذه القضية لم تكن عادية بالنسبة له.⸻كانت تتعلق بعشرين سنة من حياته.⸻عشرين سنة ضاعت بسبب كذبة.⸻في مكان آخر.كان آدم يجلس داخل مكتب والده.⸻نظر إلى فارس.⸻“لسه ناوي تروح؟”⸻أجاب فارس دون تردد:“أكيد.”⸻“حتى لو كان فخ؟”⸻ابتسم فارس لأول مرة.⸻“بعد عشرين سنة من الهروب؟”⸻ثم نظر إلى ابنه.⸻“إذا كان فخ… خلص.”⸻شعر آدم بثقل الكلمات.⸻لأن والده بدا مستعدًا لمواجهة أي
مرت الأيام التالية بسرعة.لكن بالنسبة لليان، كان هناك شيء مختلف.كلما رأت آدم تتذكر كلماته الأخيرة:“في شغلة لازم أحكيها قريب.”لم تقل له ذلك.لكن الفضول كان يقتلها.ما الشيء الذي لا يستطيع قوله؟ولماذا بدا متوترًا كلما اقترب من الموضوع؟⸻في صباح يوم الخميس، وصلت ليان إلى الجامعة كعادتها.لكنها تف
لم تكن ليان تتوقع أن ترى آدم في صباح اليوم التالي.ولا في اليوم الذي يليه.لكن الغريب أنه أصبح يظهر في المكتبة بشكل شبه يومي.مرة بحجة استعارة كتاب.ومرة بحجة إعادة كتاب.ومرات كثيرة دون أي حجة واضحة.وفي كل مرة كانت تلاحظ أنه يحاول فتح حديث معها مهما كان بسيطًا.الأمر الذي بدأ يثير استغرابها.⸻في
لم يكن من عادتها التفكير بأشخاص قابلتهم لساعات قليلة فقط.لكن وهي ترتب الكتب في نهاية دوامها، وجدت نفسها تتذكر ذلك الشاب الغريب.آدم الكيلاني.الاسم وحده كان كافيًا ليعرفه نصف الجامعة.ابن رجل الأعمال الشهير فارس الكيلاني.واحد من أولئك الذين يولدون وكل الأبواب مفتوحة أمامهم.هزت رأسها وهي تعيد كتا
رنّ المنبه للمرة الثالثة قبل أن تمد ليان يدها وتغلقه بانزعاج.فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت في جلستها وهي تنظر إلى الغرفة الصغيرة التي تتشاركها مع شقيقتها نور.للحظة، سمحت لنفسها بالاستلقاء مجددًا.لكنها كانت تعرف جيدًا أن رفاهية التأخر لا تناسب حياتها.نهضت سريعًا واتجهت نحو المرآة المعلقة على باب ا







