LOGINحين بلغ سليم الموقع كانت الساعة قد قاربت الحادية عشرة إلا ربعًا، لا الثامنة والنصف كما اتفقا. هبط من سيارته الرياضية، وغبار الطريق الصحراوي يلتصق بحذائه الإيطالي، فيما أخذ عمر يتلفّت حوله متأفّفًا من الشمس.
— لماذا نحن هنا يا صديقي؟ ليس في هذا المكان سوى رمال وذباب. — أنت الذي أقنعتني بتولّي الأمر. — أقنعتك بأن تكسب، لا بأن تتعذّب. وقفت هالة النجّار عند حافة الحفر الواسعة بخوذتها البيضاء، وقد أتمّت ساعتين من الانتظار دون أن تجلس. كان عمال البناء حولها يتبادلون النظرات الساخرة، فهم يعرفون هذا النوع من الزوّار الذين يأتون متأخرين ويطلبون المستحيل. — صباح الخير يا سليم بك. تأخرتَ ساعتين وربع. — الطريق طويل يا مهندسة، وعيني لا تفتح قبل الشمس. — الشمس طلعت منذ خمس ساعات. مدّت إليه خوذة، فتناولها بطرف أصابعه كأنها إناء قذر، وأبقاها في يده. قادته إلى جدول مثبّت على لوح خشبي، وأشارت إلى طبقات ملوّنة في رسم بياني. — نتائج جسّات التربة وصلت أمس. على عمق أربعة أمتار طبقة طين ضعيفة لا تحتمل وزن الشاليهات. نحتاج إلى خوازيق خرسانية عميقة، وهذا يرفع التكلفة ستة ملايين. — ستة ملايين من أجل التراب؟ هل أنتِ جادّة؟ — من أجل أن يبقى البناء واقفًا بعد أول شتاء. شركة «الأمانة» المتعاقد معها تعرف ذلك، وهي جاهزة للتنفيذ بالمواصفات. التقطت من حقيبة الأدوات قارورة زجاجية تحوي عينة من التربة المستخرجة، وناولته إياها. — اضغطها بين أصابعك. ضغط الكتلة الرطبة، فتشوّهت كالعجين وانزلقت من بين إصبعيه. نفض يده بقرف. — طين. وماذا في ذلك؟ — في ذلك أن ما ستبني عليه ليس صخرة، بل كتلة تتنفس وتتحرك. كلما ثقل عليها الحمل تراجعت. — وهل جرّب أحد البناء على الطين؟ — ينجح من يقدّره، وينهار من يتجاهله. انحنى عمر نحو أذن سليم هامسًا: — هذه شركة عجوز تأكل الأخضر واليابس. ابن عمّي رأفت يعمل بأسعار أقل بكثير. وقد جاء اليوم بالفعل، إن أردتَ أن تقابله. — جاء؟ — طلبتُ منه الحضور احتياطًا. التفتت هالة إلى الطريق، فرأت رجلًا ضخم البنية بسترة جلدية يترجّل من سيارة دفع رباعي، ويتقدم نحوهم بابتسامة عريضة وهو يمدّ ذراعه من بعيد. صافح سليم بحرارة مبالغ فيها. — سليم بك! شرف كبير. أخبرني عمر أنك ستغيّر وجه الساحل. أنا مستعد لتنفيذ مشروعك بنصف التعقيدات وأقل بثمانية عشر في المئة من أي عرض. — وكيف تفعل ذلك؟ أشار رأفت بإبهامه إلى سيارته الدفع الرباعي: «هذه تعرف الطريق إلى كل مورّد في البلد». ثم عاد إلى سليم بعينين متلألئتين: — بالخبرة يا بيه. أنا بنيتُ في هذه الرمال ثلاثين مشروعًا. أساس سطحي بحزام خرساني، يكفي ويزيد. والخوازيق هذه موضة يتاجر بها المهندسون. اشتعل وجه هالة. — هذا كلام خطير. الأساس السطحي هنا سيهبط، لا في الشتاء الأول فقط، وإنما في كل شتاء. — المهندسة تخاف من الرمل، ضحك رأفت. أما نحن فنعاشره. ضحك عمر أيضًا، وضحك الرجل. نظر سليم إلى الأوراق في يد هالة، ثم إلى الحفرة العميقة التي تنتظر ما لا يريد دفعه. كان يعرف في صميمه أن المهندسة أدرى، لكنه كان يسمع في أذنه صوتًا آخر: صوت الدكتور كمال يقول إن للآراء ثمنًا يُدفع من الجيب. وإن كانت الخسارة اليوم تساوي ستة ملايين، فالربح غدًا سيرد له كرامته مضاعفة. — قرّرتُ، قال أخيرًا. نلغي التعاقد مع «الأمانة». المقاول الجديد رأفت. — لا يجوز! قالت هالة بصوت حادّ. يلزمك إذن مني على كل قرار فني، وأنا أرفض هذا القرار كتابيًا. — اكتبي ما شئتِ. أنتِ تنصحين، وأنا أقرّر. — وإن انهار الأساس؟ — إن انهار فسأكون أول من يهدمه بيده. وقف عم شحاتة، مشرف العمال، يحكّ رأسه تحت قبعته القماشية، ثم همس لزميله: «هذا البناء سيدفع ثمنه الفقراء». لم يسمعه أحد سوى الرمل. عادت هالة إلى سيارتها دون كلمة، وكتبت بخط عريض في دفتر الموقع: «أُسجّل اعتراضي الرسمي على تغيير نظام التأسيس. التوقيع: م. هالة النجار». في تلك الليلة اتصل جلال بهالة. — هل صحيح ما بلغني من تغيير المقاول؟ — صحيح، وأنا أعترض. — سأخبر الأستاذ فؤاد. — لا تفعل. إنه منهك، وقد رأيتَ حاله في الاجتماع. أمهلني أراقب الموقع أسبوعًا، فإن ظهر خلل رفعتُ التقرير بنفسي. صمت جلال، ثم قال بصوت ثقيل: «أرجو ألّا نندم على رحمتنا». أما سليم فجلس في مكتبه بالفيلا مع محاسب المشروع الشاب وائل، وأمامهما عقد رأفت. ثلاثون مليونًا للمرحلة الأولى، بدفعة مقدّمة خمسة وعشرين بالمئة، أي سبعة ملايين ونصف. — يا بيه، قال وائل متلعثمًا، أي دفعة فوق المليون تحتاج إلى توقيع الأستاذ جلال. — إذن فلتكن أقل من المليون. — كيف؟ — قسّمها. ثماني دفعات، كل واحدة تسعمئة وخمسون ألفًا، في أيام متتالية. الدفاتر لا تعرف إلا الأرقام. ارتجفت يد وائل على القلم، ثم كتب. خرج سليم إلى الشرفة، فرنّ هاتف عمر على الطاولة: إشعار تحويل مصرفي باسم رأفت: «مليون ومئتا ألف، عمولة وساطة». التقط سليم النظرة العابرة، لكن عقله كان مشغولًا بالمجد القادم، فلم يلتفت إلى شيء.بعد أسابيع من الاعتراف بدأ المناخ في الشركة يتغير. لم يعد ياسر يتبادل معه نظرات التسلية، بل صار يسأله عن رأيه في عروض الأسعار. وأخذت الحاجة سعاد تضع له كل صباح قطعة حلوى على المكتب دون أن تقول شيئًا. وكان سليم يتعلم كل يوم شيئًا جديدًا: كيف يعدّ الأسعار بالقلم، وكيف يعتذر لعميل غاضب، وكيف يقف أمام آلة الطباعة ليعيد ورقة علقت فيها. وفي المساء، حين يعود إلى سطحه، كان يجد حمزة ينتظره بأسئلة عن البيع والشراء، فيجيبه بما تعلّم، وكأن كل جملة يقولها تثبّت قدمه على الأرض. وكان قد بدأ يحمل إلى أبيه كل جمعة برتقالًا جديدًا، وإلى أم حمدي كيس حلوى، وإلى ذاكرته قائمة صغيرة بأسماء من أخطأ في حقهم، يتصدرها اسم واحد: مصطفى. ولم يكن يعلم أن القائمة ستُفتح قبل أوانها.كان قد بلغ ثلاثة أشهر في عمله. وفي صباح خريفي بارد، وهو يحمل صندوقًا إلى المخزن، سمع ياسر يتحدث في الهاتف بصوت مرتفع ومندهش:— أرسل لي الرابط. نعم، الآن. الله! هل هذا هو؟لم يفكر سليم في الأمر، ومضى. لكن حين عاد بعد نصف ساعة وجد غرفة الموظفين صامتة على غير عادتها. كان ياسر يقف بجوار الحاجة سعاد، وكلاهما يحدّق في شاشة هاتف صغير. وحين لمحاه
أغلق سليم أول صفقة بعد شهرين. لم تكن عملاقة، لكنها بدت له كأنها أعظم مشروع قاده: مدرسة خاصة اسمها «النور الحديثة» اشترت منه عشرين طاولة وعشرين كرسيًا. عمولته بلغت ستمئة جنيه، فأنفقها كلها على غداء جماعي لزملائه، وأحسّ بفخر لا يعرف له مثيلًا. ولاحظ أنه كلما أصغى إلى مدير المدرسة أكثر، قلّ ما احتاج إلى قوله. ورفع ياسر كأس الشاي وقال: «على أول صفقة، وعلى أن الكراسي التي يبيعها أريح من وجهه». ضحك الجميع، وضحك سليم أكثر منهم، وقد شعر لأول مرة بأن الضحك يمكن أن يُقاسَم دون أن يُشترى.ورفع ياسر كأس الشاي قائلًا: «هذا أول مندوب يدفع غداء الجميع من أول عمولة، سيدخل التاريخ!». ضحك الجميع، حتى عادل ابتسم تحت شاربه.شجّعه ذلك، فبدأ يطارد صفقة أكبر. جاء عميل اسمه الأستاذ حامد، مدير مدرسة أخرى، وطلب ستين مكتبًا للمعلمين وأربعين خزانة. قال إن المدرسة تفتتح فرعًا جديدًا بعد أسبوعين، وإن عليه أن يختار الشركة الأقدر على التسليم قبل ذلك.— نسلّم خلال عشرة أيام، قال سليم دون تردد.— هل أنت واثق؟ الشركات الأخرى تقول ثلاثة أسابيع.— أنا واثق.مسح الأستاذ حامد نظارته ببطء، وأضاف:— وإن تأخرتَ يومًا واحدًا،
في آخر الشهر وضع المحاسب أمامه ظرفًا أبيض مختومًا. فتحه سليم أمام مرآة الحمّام الصغير في الشركة، وأخرج أوراقًا ملوّنة: أربعة آلاف ومئة وخمسون جنيهًا. بعد الخصومات.وقف يحدّق فيها كمن يتأمل خريطة لبلد لا يعرفه. المبلغ نفسه، تقريبًا، كان إكرامية لنادل على اليخت. ثم تذكّر أنه حين أعطى ذلك النادل نقوده لم يسأله عن اسمه، وها هو الآن يعدّ كل ورقة كأنها لقاء بين صديقين.وقبل أن ينصرف اقترب ياسر وطلب أن يستلف مئتي جنيه حتى آخر الأسبوع. تردّد سليم، فالمئتان ثمن غداء أسبوع، لكنه تذكّر حاتم وكلمة «الظروف»، فمدّ يده بالمبلغ دون سؤال. وردّه ياسر يوم الخميس فعلًا.في المساء جلس على سريره الحديدي بالآلة الحاسبة وورقة وقلم. كتب: الإيجار، ألفان ومئتان. المواصلات، ستمئة. الطعام، ألف. بقي ثلاثمئة وخمسون. هتف بصوت مسموع: «ثلاثمئة وخمسون جنيهًا لكل شيء آخر في الحياة». ضحك حتى دمعت عيناه، ثم صمت.طرق حمزة الباب في تلك اللحظة، وهو يحمل رغيفًا ساخنًا.— أمي أرسلت لك هذا. تقول إنك نحيف.— قل لها شكرًا. وتعال، أريد أن أسألك سؤالًا. كم ثمن علبة العصير في المحل المجاور؟— ستة جنيهات.— وطبق الكشري؟— خمسة عشر.—
في صباح الاثنين جمع عادل الموظفين حول الطاولة الطويلة في غرفة الاجتماعات الضيقة، ووضع أمامه ملفًّا رمادي الغلاف. كان سليم قد أمضى ليلتين يُعدّ أول عرض سعر في حياته لمدرسة خاصة تريد تجهيز خمسة فصول، وقد طبعه بأناقة وأضاف إليه ألوانًا ورسومًا، ظنًّا أن الحماسة تعوّض الخبرة. وكانت مريم قد عرضت أن تراجعه قبل الإرسال، فرفض بابتسامة متعالية: «أنا أعرف كيف أكتب».— هذا عرض سليم، قال عادل ببرود، وبدأ يقرأ.— «نقدم لكم أفضل أثاث في السوق بأسعار لا تُقارن». هذه ليست جملة عرض، بل لافتة سيرك. ثم... مجموع البنود: مئة وثمانون ألفًا. والمجموع الصحيح مئتان وعشرة. هل عاد الحساب إلى الصفر في المدرسة التي تعلمتَ فيها؟— وفي الصفحة الثالثة وصفتَ الكرسي بأنه «جلد طبيعي»، بينما الورقة التقنية تقول «جلد صناعي». أتريدنا أن ندخل السجن بتهمة الغش؟ضحك ياسر، الموظف الثرثار، ثم كتم ضحكته بكفّه. أحسّ سليم بسخونة تصعد من عنقه إلى أذنيه.— وهنا، تابع عادل، منحتَ العميل خصمًا بنسبة عشرة في المئة دون موافقة أحد. هل تظن أن لديك صلاحية؟— أردتُ أن أضمن الصفقة.— أردتَ أن تضمن عمولتك. وإن أرسلنا هذا العرض كما هو، فسنخسر
في اليوم الثالث وصل سليم إلى الشركة في التاسعة إلا خمس دقائق، لاهثًا، وقميصه ملتصق بظهره. كانت الحافلة قد تعطّلت في منتصف الطريق، فنزل يركض نصف ساعة تحت الشمس، وهو يتذكر أن سيارته الحمراء كانت تقطع المسافة نفسها في سبع دقائق.وقف عادل عند الباب وساعة يده مرفوعة.— الثامنة والنصف، قلتُ.— الحافلة عطلت...— ولو عطّلت طائرة، فالمطلوب أن تخرج قبلها بساعة. ستخصم عني ساعة اليوم، وأي تأخير آخر سأجمعها في ورقة.— لكنني...— لكنك؟مرّت لحظة بدا فيها أن سليم سيفعل ما تعوّد عليه: أن يرفع صوته ويتهم الحافلات والطرق والحكومة. غير أن عينيه وقعتا على مريم من وراء المكتب، تتابع المشهد بحياد، ولا تُظهر شفقة. ابتلع الكلمة وقال: «حاضر».كانت الجملة الأولى التي قالها لرئيس في حياته.في الظهيرة جاءه الحاج جمال، أمين المخزن، بكوب شاي، وجلس إلى جواره على صندوق مقلوب.— لا تحمّل الأستاذ عادل أكثر مما يحتمل. أكلنا معه الخبز والمرارة منذ عشرين سنة. يصرخ ثم ينسى.— لم أطلب منه شيئًا.— لكنك تظن أن الدنيا تدين لك بالاعتذار، وهي لا تدين لأحد بشيء. هيا، ساعدني في رفع هذا الصندوق.وفي الأسبوع التالي ارتكب الخطأ الذ
مرّت عشرة أيام. أُغلقت في وجهه أبواب أخرى بوسائل متنوعة: صمت، وبريد إلكتروني آلي، ومدير شاب سأله بسخرية: «هل جرّبتَ العمل في شركة والدك؟». أحصى سليم ما بقي في جيبه: ثلاثة وستون ألفًا، تتناقص كلما ركب حافلة أو اشترى رغيفًا، وصار الشهر القادم يقترب منه كجدار.في اليوم الحادي عشر، استيقظ مع الفجر، وغسل وجهه بماء بارد، وارتدى القميص الوحيد الذي لا تعلوه تجاعيد. قطع الطريق إلى وسط البلد بالحافلة، واقفًا بين أجساد متلاصقة، يتشبث بقضيب معدني دافئ بعرق الآخرين. لمس أحدهم محفظته بيده بالخطأ، فانتفض كمن يحمل كنزًا. وكانت المرة الأولى التي يشمّ فيها رائحة الخبز الساخن من فرن الحيّ في السادسة صباحًا، ويرى بائع الجرائد يرتّب عناوين لا تعنيه أكثر من حجارة الرصيف.وصل إلى «المدى» في السابعة والنصف، قبل أن يفتح أحد الباب. جلس على درج العمارة ينتظر. كان الهواء باردًا، وكان يسمع ارتطام أبواب المحال وهي تُرفع، فتذكّر أنه لم يسمع هذا الصوت قط وهو مستيقظ. ثم وصلت مريم بعد الثامنة بدقائق، وتوقفت أمامه وهي تضع المفتاح في القفل.— جئتَ باكرًا.— أريد مقابلة الأستاذ عادل.— أخبرتك أنه ليس عنده شاغر.— لا أطلب