LOGINلم يشأ سليم أن يعترف لنفسه بأن ما حدث في الحفل أزعجه. لكنه في صباح اليوم التالي استيقظ قبل الظهر، وأمضى ساعة يتجوّل في الفيلا عاجزًا عن النوم مجددًا، كأن في صدره حصاة صغيرة تقلق راحته. وحين وصلته رسالة من والده تدعوه إلى مكتب الشركة في الحادية عشرة، ذهب فعلًا، وهو يقنع نفسه بأن الفضول وحده دفعه.
وجد قاعة الاجتماعات مضاءة، ومجسّمًا بلاستيكيًا ضخمًا وُضع على الطاولة: مجمّع سياحي على شاطئ الساحل الشمالي، مئة وعشرون شاليهًا بأسقف مقوّسة، وبحيرة صناعية، وممشى يمتدّ مع البحر. على الجدار لافتة تحمل اسم «دانة بيتش». جلس الأعضاء حول المجسّم، والدكتور كمال في مقدمتهم يقلّب أوراقًا بعين ناقدة. وقفت إلى جانب المجسّم امرأة في أواخر الثلاثين بشعر مرفوع ونظّارة رفيعة، تحمل مسطرة معدنية وكأنها عصا قائد أوركسترا. — المهندسة هالة النجّار، قال فؤاد، رئيسة القطاع الهندسي. هي التي أعدّت دراسة المشروع. حدّق سليم في المجسّم باهتمام لم يتوقعه أحد. — الميزانية؟ — ستون مليونًا على ثلاث مراحل، أجابت هالة. والمرحلة الأولى أربعون شاليهًا، تُعاد أرباحها إلى تمويل ما بعدها. — ومن سيديره؟ سادت لحظة صمت. تبادل جلال النظر مع فؤاد. — فريق تنفيذي مشترك، يقوده أحد المديرين المخضرمين، قال الدكتور كمال، ثم ابتسم ابتسامة ماكرة، إلا إن كان لدى الوريث رأي آخر. التقط سليم السخرية في النبرة، فاحمرّت أذناه. — وما المانع في أن يكون لدى الوريث رأي؟ — لا مانع. لكن للآراء ثمنًا يُدفع من الجيب لا من اللسان. وقف سليم، وأسند راحتيه على حافة الطاولة. — حسنًا يا دكتور. أريد إدارة المشروع بنفسي. ارتفعت الحواجب حول الطاولة. تنهّد جلال، وعقد فؤاد أصابعه أمام فمه كمن يصلّي. — سليم، ليس هذا تحدّيًا يُخاض لإثبات الذات. — بل هو ما بدأتَه أنت قبل يومين. تريدني أن أتحمل مسؤولية؟ ها أنا أطلبها. أم أن العرض كان للاستهلاك فقط؟ — مشروع بهذا الحجم لا يُجرَّب فيه الهواة، تدخّلت هالة بنبرة حازمة. المرحلة الأولى تتطلب دراسة تربة وتعاقدات دقيقة. — إذن هيّئي لي ما أحتاجه. أنتِ الخبيرة، وأنا صاحب القرار. نظرت إليه هالة نظرة طويلة، لا تخلو من الريبة. أما فؤاد فقد أحسّ بشيء يلين في صدره: ها هو ابنه، لأول مرة منذ سنوات، يطلب عملًا لا مالًا. صحيح أن الدافع كبرياء جريح، لكن بعض الأبواب تُفتح بالكبرياء أولًا. — موافق، قال أخيرًا، فالتفت إليه الجميع مصعوقين. ولكن بشروط. المهندسة هالة تشرف على كل ما هو فني، فلا يُتّخذ قرار هندسي دون موافقتها. والأستاذ جلال يراجع كل دفعة تتجاوز مليون جنيه قبل صرفها. — مليون؟ هذا مبلغ ضئيل في مشروع كهذا. — هذا هو الشرط. وإلا فالدكتور كمال سيتولى الإدارة. رمق سليم الدكتور كمال، فرأى حاجبيه المرفوعين وفمه الذي ينتظر الخطأ. ابتلع كبرياءه وقال: — موافق. — رأينا كثيرًا من الحماس في هذه القاعة، علّق الدكتور كمال، ولم نرَ بعده إلا الغياب. — سترى الغياب يتحدث عن نفسه يا دكتور، ردّ سليم بنبرة جافة، دون أن يلتفت إليه. صفّق الأعضاء بفتور مجاملة، ودوّنت منى الرفاعي شيئًا في دفترها، ثم رفعت رأسها وسألته بهدوء: — متى تزور الموقع؟ — غدًا. — في أي ساعة؟ تردد، ثم أدرك أنها تختبره. — في الثامنة صباحًا. بقي فؤاد جالسًا بعد أن غادر الأعضاء، وعاد جلال يجمع الأوراق ببطء متعمَّد. — وافقتَ بسهولة. — رأيتُ في عينيه شيئًا لم أره منذ سنوات: رغبة. قد تكون رغبة في الانتقام من كمال، لكنها رغبة. — الرغبة التي تقوم على الغضب تحترق بسرعة. — فلنوقد لها ما يطول اشتعاله. راقب الدفعات يا جلال، وراقب سير العمل. إن اضطرب شيء فأخبرني قبل أن يلتهمنا. — وإن تحدّاني؟ — ستجد طريقًا إلى الصبر. قضيتُ ثلاثين سنة أتعلّمه. وعندما انفضّ الاجتماع تقدّمت هالة من سليم وهمست: — سأنتظرك في الثامنة والنصف. لا أحتمل التأخّر في العمل، يا سليم بك، فالمواقع لا تنتظر النائمين. — وأنا لا أحتمل التعليمات المبكّرة، يا مهندسة، ولكن لنُجرّب. ابتسمت ابتسامة مقتضبة، وخرجت. في الممرّ لحق به عمر بنظرة منبهرة: — ستون مليونًا! هل تدرك ما معنى هذا؟ إنك ستحكم مشروعًا لو أحسنتَ فيه سيصمت الجميع. — أعلم. — وإن شئتَ، فأنا أعرف مقاولًا ممتازًا يفهم في الشواطئ. توقف سليم، وللحظة عابرة تلاقت في ذهنه صورة عم مصطفى جاثيًا وصورة أبيه الراضي. ثم ابتسم، وقال: — دعنا نتحدث عنه بعد الزيارة. في تلك الليلة جلس سليم إلى مكتبه، وفتح ملف المشروع ليقرأه لأول مرة في حياته. توقف عند الصفحة الثالثة: «منسوب التأسيس»، «جسّات التربة»، «معامل التحميل». قرأ الجملة الواحدة مرتين، ثم ثلاثًا، وأحسّ بشيء يشبه الدوار. دوّن الكلمات الغريبة على ورقة جانبية، ثم حدّق في الورقة طويلًا، وفي الساعة التي بلغت الحادية عشرة. ومضت على هاتفه رسالة تدعوه إلى سهرة في الجونة، فأغلق الملف بحدّة، وقال لنفسه إن المشاريع الكبيرة لا تُدار بالقراءة، بل بالحدس. ثم خرج دون أن يطفئ المصباح. لم يدرك أنه حين وافق على «التحدث بعد الزيارة»، كان قد بدأ يكتب أول سطر في وثيقة خسارته.بعد أسابيع من الاعتراف بدأ المناخ في الشركة يتغير. لم يعد ياسر يتبادل معه نظرات التسلية، بل صار يسأله عن رأيه في عروض الأسعار. وأخذت الحاجة سعاد تضع له كل صباح قطعة حلوى على المكتب دون أن تقول شيئًا. وكان سليم يتعلم كل يوم شيئًا جديدًا: كيف يعدّ الأسعار بالقلم، وكيف يعتذر لعميل غاضب، وكيف يقف أمام آلة الطباعة ليعيد ورقة علقت فيها. وفي المساء، حين يعود إلى سطحه، كان يجد حمزة ينتظره بأسئلة عن البيع والشراء، فيجيبه بما تعلّم، وكأن كل جملة يقولها تثبّت قدمه على الأرض. وكان قد بدأ يحمل إلى أبيه كل جمعة برتقالًا جديدًا، وإلى أم حمدي كيس حلوى، وإلى ذاكرته قائمة صغيرة بأسماء من أخطأ في حقهم، يتصدرها اسم واحد: مصطفى. ولم يكن يعلم أن القائمة ستُفتح قبل أوانها.كان قد بلغ ثلاثة أشهر في عمله. وفي صباح خريفي بارد، وهو يحمل صندوقًا إلى المخزن، سمع ياسر يتحدث في الهاتف بصوت مرتفع ومندهش:— أرسل لي الرابط. نعم، الآن. الله! هل هذا هو؟لم يفكر سليم في الأمر، ومضى. لكن حين عاد بعد نصف ساعة وجد غرفة الموظفين صامتة على غير عادتها. كان ياسر يقف بجوار الحاجة سعاد، وكلاهما يحدّق في شاشة هاتف صغير. وحين لمحاه
أغلق سليم أول صفقة بعد شهرين. لم تكن عملاقة، لكنها بدت له كأنها أعظم مشروع قاده: مدرسة خاصة اسمها «النور الحديثة» اشترت منه عشرين طاولة وعشرين كرسيًا. عمولته بلغت ستمئة جنيه، فأنفقها كلها على غداء جماعي لزملائه، وأحسّ بفخر لا يعرف له مثيلًا. ولاحظ أنه كلما أصغى إلى مدير المدرسة أكثر، قلّ ما احتاج إلى قوله. ورفع ياسر كأس الشاي وقال: «على أول صفقة، وعلى أن الكراسي التي يبيعها أريح من وجهه». ضحك الجميع، وضحك سليم أكثر منهم، وقد شعر لأول مرة بأن الضحك يمكن أن يُقاسَم دون أن يُشترى.ورفع ياسر كأس الشاي قائلًا: «هذا أول مندوب يدفع غداء الجميع من أول عمولة، سيدخل التاريخ!». ضحك الجميع، حتى عادل ابتسم تحت شاربه.شجّعه ذلك، فبدأ يطارد صفقة أكبر. جاء عميل اسمه الأستاذ حامد، مدير مدرسة أخرى، وطلب ستين مكتبًا للمعلمين وأربعين خزانة. قال إن المدرسة تفتتح فرعًا جديدًا بعد أسبوعين، وإن عليه أن يختار الشركة الأقدر على التسليم قبل ذلك.— نسلّم خلال عشرة أيام، قال سليم دون تردد.— هل أنت واثق؟ الشركات الأخرى تقول ثلاثة أسابيع.— أنا واثق.مسح الأستاذ حامد نظارته ببطء، وأضاف:— وإن تأخرتَ يومًا واحدًا،
في آخر الشهر وضع المحاسب أمامه ظرفًا أبيض مختومًا. فتحه سليم أمام مرآة الحمّام الصغير في الشركة، وأخرج أوراقًا ملوّنة: أربعة آلاف ومئة وخمسون جنيهًا. بعد الخصومات.وقف يحدّق فيها كمن يتأمل خريطة لبلد لا يعرفه. المبلغ نفسه، تقريبًا، كان إكرامية لنادل على اليخت. ثم تذكّر أنه حين أعطى ذلك النادل نقوده لم يسأله عن اسمه، وها هو الآن يعدّ كل ورقة كأنها لقاء بين صديقين.وقبل أن ينصرف اقترب ياسر وطلب أن يستلف مئتي جنيه حتى آخر الأسبوع. تردّد سليم، فالمئتان ثمن غداء أسبوع، لكنه تذكّر حاتم وكلمة «الظروف»، فمدّ يده بالمبلغ دون سؤال. وردّه ياسر يوم الخميس فعلًا.في المساء جلس على سريره الحديدي بالآلة الحاسبة وورقة وقلم. كتب: الإيجار، ألفان ومئتان. المواصلات، ستمئة. الطعام، ألف. بقي ثلاثمئة وخمسون. هتف بصوت مسموع: «ثلاثمئة وخمسون جنيهًا لكل شيء آخر في الحياة». ضحك حتى دمعت عيناه، ثم صمت.طرق حمزة الباب في تلك اللحظة، وهو يحمل رغيفًا ساخنًا.— أمي أرسلت لك هذا. تقول إنك نحيف.— قل لها شكرًا. وتعال، أريد أن أسألك سؤالًا. كم ثمن علبة العصير في المحل المجاور؟— ستة جنيهات.— وطبق الكشري؟— خمسة عشر.—
في صباح الاثنين جمع عادل الموظفين حول الطاولة الطويلة في غرفة الاجتماعات الضيقة، ووضع أمامه ملفًّا رمادي الغلاف. كان سليم قد أمضى ليلتين يُعدّ أول عرض سعر في حياته لمدرسة خاصة تريد تجهيز خمسة فصول، وقد طبعه بأناقة وأضاف إليه ألوانًا ورسومًا، ظنًّا أن الحماسة تعوّض الخبرة. وكانت مريم قد عرضت أن تراجعه قبل الإرسال، فرفض بابتسامة متعالية: «أنا أعرف كيف أكتب».— هذا عرض سليم، قال عادل ببرود، وبدأ يقرأ.— «نقدم لكم أفضل أثاث في السوق بأسعار لا تُقارن». هذه ليست جملة عرض، بل لافتة سيرك. ثم... مجموع البنود: مئة وثمانون ألفًا. والمجموع الصحيح مئتان وعشرة. هل عاد الحساب إلى الصفر في المدرسة التي تعلمتَ فيها؟— وفي الصفحة الثالثة وصفتَ الكرسي بأنه «جلد طبيعي»، بينما الورقة التقنية تقول «جلد صناعي». أتريدنا أن ندخل السجن بتهمة الغش؟ضحك ياسر، الموظف الثرثار، ثم كتم ضحكته بكفّه. أحسّ سليم بسخونة تصعد من عنقه إلى أذنيه.— وهنا، تابع عادل، منحتَ العميل خصمًا بنسبة عشرة في المئة دون موافقة أحد. هل تظن أن لديك صلاحية؟— أردتُ أن أضمن الصفقة.— أردتَ أن تضمن عمولتك. وإن أرسلنا هذا العرض كما هو، فسنخسر
في اليوم الثالث وصل سليم إلى الشركة في التاسعة إلا خمس دقائق، لاهثًا، وقميصه ملتصق بظهره. كانت الحافلة قد تعطّلت في منتصف الطريق، فنزل يركض نصف ساعة تحت الشمس، وهو يتذكر أن سيارته الحمراء كانت تقطع المسافة نفسها في سبع دقائق.وقف عادل عند الباب وساعة يده مرفوعة.— الثامنة والنصف، قلتُ.— الحافلة عطلت...— ولو عطّلت طائرة، فالمطلوب أن تخرج قبلها بساعة. ستخصم عني ساعة اليوم، وأي تأخير آخر سأجمعها في ورقة.— لكنني...— لكنك؟مرّت لحظة بدا فيها أن سليم سيفعل ما تعوّد عليه: أن يرفع صوته ويتهم الحافلات والطرق والحكومة. غير أن عينيه وقعتا على مريم من وراء المكتب، تتابع المشهد بحياد، ولا تُظهر شفقة. ابتلع الكلمة وقال: «حاضر».كانت الجملة الأولى التي قالها لرئيس في حياته.في الظهيرة جاءه الحاج جمال، أمين المخزن، بكوب شاي، وجلس إلى جواره على صندوق مقلوب.— لا تحمّل الأستاذ عادل أكثر مما يحتمل. أكلنا معه الخبز والمرارة منذ عشرين سنة. يصرخ ثم ينسى.— لم أطلب منه شيئًا.— لكنك تظن أن الدنيا تدين لك بالاعتذار، وهي لا تدين لأحد بشيء. هيا، ساعدني في رفع هذا الصندوق.وفي الأسبوع التالي ارتكب الخطأ الذ
مرّت عشرة أيام. أُغلقت في وجهه أبواب أخرى بوسائل متنوعة: صمت، وبريد إلكتروني آلي، ومدير شاب سأله بسخرية: «هل جرّبتَ العمل في شركة والدك؟». أحصى سليم ما بقي في جيبه: ثلاثة وستون ألفًا، تتناقص كلما ركب حافلة أو اشترى رغيفًا، وصار الشهر القادم يقترب منه كجدار.في اليوم الحادي عشر، استيقظ مع الفجر، وغسل وجهه بماء بارد، وارتدى القميص الوحيد الذي لا تعلوه تجاعيد. قطع الطريق إلى وسط البلد بالحافلة، واقفًا بين أجساد متلاصقة، يتشبث بقضيب معدني دافئ بعرق الآخرين. لمس أحدهم محفظته بيده بالخطأ، فانتفض كمن يحمل كنزًا. وكانت المرة الأولى التي يشمّ فيها رائحة الخبز الساخن من فرن الحيّ في السادسة صباحًا، ويرى بائع الجرائد يرتّب عناوين لا تعنيه أكثر من حجارة الرصيف.وصل إلى «المدى» في السابعة والنصف، قبل أن يفتح أحد الباب. جلس على درج العمارة ينتظر. كان الهواء باردًا، وكان يسمع ارتطام أبواب المحال وهي تُرفع، فتذكّر أنه لم يسمع هذا الصوت قط وهو مستيقظ. ثم وصلت مريم بعد الثامنة بدقائق، وتوقفت أمامه وهي تضع المفتاح في القفل.— جئتَ باكرًا.— أريد مقابلة الأستاذ عادل.— أخبرتك أنه ليس عنده شاغر.— لا أطلب







