Masukبينما كانت سيارة الأجرة العادية تتوقف عند البوابات الحديدية الضخمة لقصر موريتّي، شعرت سكارليت بأن الثقل الذي كان محصورًا في أرقام الديون قد تحول الآن إلى جدار إسمنتي يطبق على صدرها. حقيبة واحدة صغيرة كانت تحمل كل ما تستحقه من أمتعة شخصية، كإعلان رمزي عن أنها لم تأتِ لتمتلك هذا المكان أو تتجمل بثرائه، بل لتنفذ التزامًا قاسيًا فرضته عليها الحياة.
فتحت إليانور، مدبرة المنزل العجوز التي قضت عقودًا في خدمة عائلة موريتّي، الباب بملامح تخلو من الترحيب الحار، وتحمل في طياتها توجسًا اعتاد القصر على إفرازه مع كل قرار فرضه ريتشارد موريتّي. وفي زاوية الردهة الواسعة، كان ناثان كول، صديق أليساندرو ومسؤول الفندق التابع للمجموعة، يراجع بعض الأوراق على جهازه اللوحي، ملقيًا نظرة سريعة وصامتة على الوافدة الجديدة؛ نظرة تحمل فضولاً حذراً وترقباً لعاصفة وشيكة. "أهلاً بكِ في قصر موريتّي، آنسة سكارليت... أو يصح القول، السيدة موريتّي الآن،" قالت إليانور بصوت منخفض ومحايد وهي تتسلم الحقيبة الوحيدة. ثم أضافت بحذر: "السيد أليساندرو بانتظاركِ في غرفة المكتب بالدور الأرضي. أعتقد أنه من الأفضل ألا تنتظري طويلاً." أخذت سكارليت نفسًا عميقًا، وهزت رأسها بابتسامة باهتة لكنها ثابتة. كانت تعلم أن الانتقال إلى هنا لا يقتصر على مجرد تغيير مسكن، بل هو دخول رسمي لعرين زوج لم يره أحدٌ قط منصفًا بعد حادثه، زوج يعتقد أن وجودها هنا هو إهانة شخصية لاستقلاله. سارت بخطى مدروسة على الأرضية الرخامية اللامعة، وحين توقفت أمام باب المكتب الخشبي الثقيل، سمعت حركة خفيفة للداخل؛ عصا أبنوسية تطرق الأرض بخفة دقيقة، تعكس حضورًا طاغياً يملأ المكان قبل أن تنطق بحرف. فتحت الباب ودخلت. كان أليساندرو موريتّي واقفًا عند الطرف الآخر من الغرفة، مستندًا بكتفه إلى إطار النافذة المفتوحة التي تسلل منها هواء المساء البارد. لم تكن الصور في الصحف لنقل هيبة هذا الرجل الحقيقية؛ بكتفين عريضين، وقامة فارعة، وملامح منحوتة بحدّة بالغة تشع بقسوة لا ترحم. لكن عينيْه كانتا الأكثر إرباكًا؛ لونهما البني العميق بدا خاويًا من النور، عيونٌ لا ترزح تحت وطأة العمى فحسب، بل تحترق بغضب مكتوم يرفض الشفقة. استدار ببطء نحو مصدر الصوت، رغم أنه لا يراها، لكن حواسه الأخرى استقبلت كل تفصيلة في دخولها، بدءًا من حفيف ملابسها وحتى إيقاع خطواتها المترددة لثوانٍ قبل أن تثبت. "أهلاً بالزوجة الجديدة التي حسمت أمرها بسرعة مذهلة،" قال أليساندرو بصوت عميق وبارد كالفولاذ، يحمل نبرة سخرية لا ترحم. "يبدو أن إغراء الشيكات وتأمين مستقبل العائلة كان أسرع بكثير مما توقعت." تسمّرت سكارليت مكانها، واشتعلت الحرارة في عروقها، لكنها حافظت على توازن نبرتها وهي ترد بحدة: "لم أأتِ إلى هنا لأبحث عن سخريتك يا سيد أليساندرو، وأعتقد أنك تعرف تمامًا أنني لستُ مسرورة بهذا الزواج أكثر منك." تخلى أليساندرو عن استناده، وتحرك خطوتين للأمام بثقة بصرية غريبة يعتمد فيها على ذاكرته المكانية الصارمة، لتتداخل رائحة عطره الخشبي مع هواء الغرفة الثقيل. "أنتِ لم تأتي هنا طوعاً؟!" هتف أليساندرو بصوت ارتجت له جدران الغرفة من شدة الغضب المكبوت. "إذن أنتِ تنكرين أنكِ وقعتِ على عقد زواج مقابل أن يسدد والدي ديون شركتك المفلسة؟ أفيقي من أوهامك يا آنسة هايز! والدي فرض عليَّ هذا الزواج السخيف ليثبت للمجلس أنني بحاجة لمن يرعى شؤوني، وليشتري لي زوجة في قالب 'شريكة قوية' تجمل واجهتي أمام المجتمع!" تقدم خطوة أخرى، وكانت قسوته تشع في كل كلمة نطق بها: "أنا مجبور على هذا العثور على زوجة لا أريدها، لكن الأفظع هو أنكِ قبلتِ أن تلعبي هذا الدور، أن تبيعي كرامتك وحريتك مقابل المال لتبقي في هذا القصر وتؤدي دور الزوجة المطيعة! لكنني أعلمكِ من الآن... لن تكون هذه النزهة الهادئة التي تحلمين بها، ولن أسمح لامرأة جاءت بثمن أن تفرض نفسها على حياتي!" في تلك اللحظة، شعرت سكارليت أن كبرياءها تعرض لطعنة مباشرة. تجمعت الدموع الحارقة في عينيها لثانية واحدة، لكنها ابتلعتها بسرعة، ورفعت رأسها بشموخ أربك وقفته الغاضبة. خطت خطوات قريبة منه، ولم تتراجع ذرة واحدة، وقالت بصوت ناصع الحقيقة، يقطر ثباتًا وندية: "إن كنتَ تعتقد أنني جئتُ إلى هنا لأكون دمية في قصرك، أو لكي أتحمل إهاناتك كي تشعر بانتصار وهمي على والدك، فأنت تخطئ العنوان تمامًا!" أخذت نفسًا عميقًا، وأكملت بصوت حاد كالنصل: "نعم، أنا زوجتك بحسب العقد الذي فرضه الكبار، ولن أتهرب من أداء دوري بكرامة واحترام، لكن هذا لا يعطيني الحق لأن أصمت أمام جهلك بحقيقة دوافعي! أنا لم أبع نفسي، بل دفعتُ ثمن أخطاء لم أرتكبها لأنقذ عائلتي وعمالي. وحين يتعلق الأمر بكوني زوجتك تحت هذا السقف، فلن أسمح لك بأن تقلل من احترامي أو تحدد قيمتي... فاحترم حدود اتفاقنا، كما سأفعل!" ساد صمت مطبق وغريب في أرجاء الغرفة. تصلب أليساندرو في مكانه، وفتحت عيناه الخاويتان على إثر صدمة لم يتوقعها. كانت هذه المرة الأولى منذ سنوات طويلة التي تقف فيها امرأة أمامه بكل هذه القوة، دون خوف من بصره المفقود، ودون رغبة في استعطافه. تركته سكارليت واقفًا في منتصف الغرفة، والتفتت بخطى واثقة نحو باب المكتب لتغادره إلى جناحها الجديد، تاركة إياه وحيدًا مع صدى امرأة لن تقبل بأن تكون ضحية في عالمه المظلم.بقيت عيناه المعتمتان مسلطتان نحو الفراغ أمامه، بينما كان صدى كلماته المتهكمة يتردد بينهما في صخب القاعة.رفعت سكارليت بصرها نحوه ببرود تام، ولم تهتز لها رمشة واحدة أمام سخريته اللاذعة. ردت بصوت همس خفيض ومستقر يخلو من أي تأثر:"لا أطمح لأي دور بجانبك يا سيد أليساندرو، ولا يهمني من نظراتهم سوى أن تنتهي هذه الأمسية المعتمة بأقل قدر من الخسائر. كفّ عن تخيل بطولات وهمية لا أهتم بها، ووفر طاقتك لتقف على قدميك دون أن تترنح."أشعل ردها المقتضب نيران الغيظ في صدره، لكن ازدحام الحضور واقتراب شخصيات أخرى للسلام عليها حالا دون أن ينفجر. اضطر أليساندرو لابتلاع غضبه المكتوم، وارتدى قناعه الجليدي المتجهم، متابعاً مسيره الطويل والمكبل تحت أنظار الضيوف الذين لم يلحظوا شيئاً من تلك الحرب الصامتة الدائرة بينهما.مرت الساعات الثقيلة ببطء قاتل، وكأن الوقت نفسه قد تجمد في قاعة الاحتفال. وعندما أُتيحت أخيرًا فرصة الانسحاب دون إثارة الشبهات، التفت أليساندرو نحوها وقال بلهجة حادة ومقتضبة:"انتهت المسرحية... لنرحل."---ما إن عادا إلى الجناح الخاص وأغلق الباب خلفهما حتى انكسر جدار الصقيع المفروض، وانفجر أليسا
مع استمرار الحفل وامتلاء القاعة بالمزيد من الضيوف، ازدادت حركة الحشود واكتظت الممرات الضيقة المؤدية إلى صالة الاستقبال الجانبية. وجد أليساندرو وسكارليت نفسيهما محاصرين وسط موجة بشرية متلاحمة، حيث باتت الحركة تعتمد على التلاحم والتدافع الخفيف بين الحضور. في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كان أحد المرافقين يتجاوزهم بسرعة مسبباً حركة مفاجئة في الزحام، كاد أحد المارة أن يرتطم بأليساندرو بقوة من جهة عمائه، ما هدد بإفقاده توازنه. دون تردد، مدت سكارليت يدها بسرعة وأحاطت بخصر وقوام بدلته، وضغطت عليه بقوة لتجذبه نحوها تماماً، ملتصقة بجانبه الأيمن لتقيه الاصطدام وتشق له طريقاً آمناً وسط الزحام الضيق. في تلك الثواني المعدودات، اصطدم جسداهما بقرب قسري وحميم لم يختبراه من قبل؛ شعر أليساندرو برقة قوامها يلتصق بكتفه وصدره، وحرارة أنفاسها القريبة التي لامست عنقه، ووزن يدها الثابتة والمحيطة به لتثبيته. بالنسبة لرجل يقدس مساحته الخاصة ويرفض أي شكل من أشكال التبعية، كانت هذه اللمسة المباشرة وهذا الالتصاق القسري بمثابة صاعقة تحرق كبرياءه وتذكّره بعمائه وضعفه المطلق. تصلبت عضلات أليساندرو بشكل مرعب، وانحبس
في مساء اليوم التالي، تحول الجناح الخاص إلى مساحة مشحونة بتوتر خفي يشبه السكون الذي يسبق العاصفة.كان أليساندرو يقف أمام مرآة خلع الملابس الكبيرة—تلك المفارقة القاسية لرجل يعيش في عتمة دائمة—يحاول عبثاً ترتيب ربطة عنق بدلته الرسمية. كانت أصابعه الطويلة تتحسس قماش الحرير ببطء وتوتر، لكن العقدة انزلقت للمرة الثالثة بشكل مائل وغير متناسق. اشتدت ملامحه غضباً، وارتسمت على وجهه علامات الإحباط الصامت؛ فهو يرفض تماماً أن يطلب المساعدة، لكن عجزه البصري كان يضعه أمام حقيقة مرة يكره الاعتراف بها، فضلًا عن إظهارها.على الطرف الآخر من الغرفة، كانت سكارليت تقف بهدوء أمام مرآة جانبية، ترتدي فستان سهرة داكن اللون، فائق الأناقة والوقار. كان الفستان يلتف حول قوامها بتصميم كلاسيكي محتشم لكنه طاغٍ بحضوره، تاركاً انطباعاً بالأناقة الصامتة التي تخطف الأنظار دون صخب، بينما زاد شعرها المرتب بعناية من هيبتها وجمالها الهادئ.راقبته سكارليت في انعكاس المرآة وهو يصارع العقدة بإحباط متزايد. أدركت فوراً أن خروجه بهذا الشكل المعوج سيعرضه لسخرية خفية بين الحضور، وهو أمر يمس كبرياء العائلة الذي لا تستطيع تحمله.دون س
مرت الأيام التالية في الجناح كقطع من جليد صامت. لم يتبادل أليساندرو و سكارليت سوى كلمات معدودة، بينما انصرفت هي كلياً إلى عملها على حاسوبها، متجاهلة تماماً وجوده. أما هو، فكان يغرق في حنق داخلي يرفض الاعتراف به. لكن هذا الهدوء المشحون انكسر خلال إحدى وجبات الطعام على مائدة العائلة الكبرى. بينما كان الصمت يسود الأجواء، قطع **ريتشارد** ذلك السُّكون بابتسامة عملية ومباشرة، موجهاً حديثه نحو أليساندرو بصوت واضح سمعه الجميع: "بالمناسبة يا أليساندرو، حفل الاستقبال الرسمي لعائلة موريتّي سيقام مساء الغد، وحضورك إلزامي بصفتك ممثلاً للعائلة. وبما أنك ترفض دائماً الاستعانة بالمرافقين التقليديين، فستكون سكارليت هي رفيقتك وعينك لهذا المساء؛ فهي من تشاركك السقف وستعرف كيف تدير الأمور بجانبك." تصلبت ملامح أليساندرو فوراً، وعلقت ملعقته في يده. ارتسمت على وجهه علامات الرفض القاطع، وبنبرة حادة تخترقها القسوة، أجاب دون تفكير: "أنا لا أحتاج إلى مرافق، يا والدي! يمكنني حضور هذا السخف وتدبر أمري وحدي تماماً كما اعتمدت دائماً دون مساعدة من أحد." ابتسم ريتشارد ببرود مستفز، وأضاف بنبرة محملة بالتشكيك: "
أشرقت شمس اليوم التالي على قصر موريتّي بضوء هادئ ينساب عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة لصالة الطعام الكبرى. كانت الأجواء على مائدة الإفطار تبدو هادئة وراقية، مخفية تحت سطحها توتراً خفياً يحمله صمت ليلة أمس الطويلة.جلست سكارليت على المائدة بهدوء وثبات، وقد ارتدت درعاً من الصمت والاتزان، ملامحها هادئة وخالية من أي تعبير يشي بما يدور في خلدها.عند رأس الطاولة، كانت السيدة **إيزابيلا** توزع ابتسامتها الحنونة والدافئة على الجميع. بادرت إيزابيلا بالحديث باهتمام بالغ نحو سكارليت، ووجهها يقطر لطفاً:"أخبرينا يا سكارليت... لقد أخبرتنا إليانور هذا الصباح أنكِ قررتِ التفرغ التام للكتابة. ما هي الفكرة العامة لقصتكِ؟ أهو كتاب في الأدب الإنساني أم رواية درامية؟ نحن حقاً نتوق لمعرفة ما يشغل تلك الروح المبدعة."أكمل **ديفيد** بابتسامته المرحة وهو يقطع قطعة من فطيرته:"بالتأكيد ستكون رواية عظيمة يا أمي! أي شخص يملك الجرأة لخلع قناع الشركات والنزول إلى ميدان الشغف الخالص يستحق أن ننتظر عمله بشغف... نحن فخورون بكِ وبقراركِ الشجاع."حتى **ريتشارد** أضاف بلهجة عملية مشجعة وهادئة:"التخلي عن الروتين المالي ل
ساد الجناح صمتٌ ثقيل، أشدّ وطأة من أي شجار دار بينهما من قبل. اختفت تلك الابتسامة المشرقة عن وجه سكارليت في جزء من الثانية، وتجمعت دموع ساخنة ومفاجئة في عينَيها، لكنها أبت أن تسقط، محبوسة خلف نظرة حارقة وموجوعة امتزجت فيها خيبة الأمل بالصدمة. من فوق فراشه، ظل أليساندرو جالساً بلا حراك، مشدود الملامح، وشارداً في الاتجاه الذي صدر منه صوتها. كان ينتظر... كان ينتظر بفارغ الصبر أن ينفجر الغضب في صوتها، أو أن ترد عليه بكلمات لاذعة وحادة كما اعتاد منها في كل مواجهة. ظل مترقباً، يصغي بحواسه الحادة لأي حركة عنيفة أو ردة فعل نارية تؤكد له أنها تأثرت بسخريته، لكنه لم يسمع شيئاً سوى صمتها المطلق. مرت ثوانٍ تبدو وكأنها دهور؛ لا صوت لأنفاسها المتقطعة، ولا صدى لأي دفاع. ثم، بصوت خفيض، مرتعش قليلاً بغصة مكتومة، لكنه محمل ببرود قارس وقاتل، فتحت فمها وقالت: "شكراً لك يا سيد أليساندرو... لقد أعدتني إلى الواقع حقاً." عقد أليساندرو حاجبيه في عتمة بصره، وتأهب لسماع بقية حديثها، لتابعته بنبرة تكسوها مرارة واضحة: "ومعك كل الحق... أمثالك لا يُجدي معهم الحديث، ولا فائدة تُرجى من محاولة جعله يرى شيئاً أبع







