Masukبقيت آثار صدى كلماتها معلقًا في الهواء كشحنة كهربائية ساكنة، لكن سكارليت لم تلتفت للوراء. أدارت ظهرها بخطى حازمة وموزونة، وفتحت باب المكتب لتمضي في ممرات القصر الباردة.
كانت إليانور، مدبرة المنزل العجوز، تنتظرها عند مطلع الدرج العريض. رغم رجفة الكبرياء في أطراف سكارليت، هدأ وجهها فور أن التقت عيناها بالمرأة المسنة، فخطت نحوها بابتسامة دافئة ونبرة يملؤها الاحترام واللباقة: "أعتذر منكِ يا سيدة إليانور إن كنا قد أزعجناكِ بصوتنا. أعلم أن القصر يعتاد الهدوء في مثل هذا الوقت." فوجئت إليانور بالنبرة اللطيفة والتهذيب الناعم في صوت سكارليت؛ فلم ترسم صورة المترفع، بل أظهرت احتراماً أصيلاً. انفرجت ملامح إليانور وقالت بدفء: "لا داعي للاعتذار يا ابنتي... بيتكِ هذا، ونتمنى أن تشعري بالراحة هنا." وقبل أن تتحرك سكارليت، تقدم منها **ريتشارد موريتّي** وإلى جانبه امرأة أنيقة للغاية تفيض ملامحها بالرقي والدفء. بادرت المرأة بالتقدم نحوها بابتسامة أمومية لطيفة، وقالت بصوت هادئ ومريح: "أهلاً بكِ في عائلتنا يا سكارليت... أنا إيزابيلا موريتّي، زوجة ريتشارد، ووالدة ديفيد البيولوجية. ورغم أنني لست والدة أليساندرو البيولوجية، إلا أنني كنت له دوماً بمثابة الأم التي تحبه وترعاه بكل قلبها. نحن سعداء جداً بوجودكِ معنا، ونعول عليكِ كثيراً لتجدي في هذا البيت الدفء والاستقرار." شعرت سكارليت ببعض الارتياح لهذا الاستقبال الراقي، فأجابت بابتسامة ممتنة ولبقة: "شكراً لكِ يا سيدة إيزابيلا على ترحيبكِ الدافئ وكلماتكِ اللطيفة. أسعدني التعرف إليكِ حقاً." لكن **ريتشارد** قطع اللحظة بنبرته العملية الحازمة، وهو يضع يديه في جيبيه: "يسعدني أن الأمور تبدأ بشكل جيد. لكن يا سكارليت، لتكوني على علم... شروط هذا الزواج ولضمان مظهر الاستقرار أمام الإعلام والعائلة، تعني أنكِ لن تسكني في ممر منفصل. غرفتكِ هي الجناح الرئيسي المشترك في الطابق العلوي... مع أليساندرو." رغم أن سكارليت كانت متوقعة هذا الشرط من بنود العقد وكانت متهيئة فكرياً له، إلا أن سماعه رسمياً في أروقة القصر ألقى فجأة بثقله على صدرها، فشعرت بخنقة مفاجئة وخفيفة وكأن الهواء في المكان قد قلّ. أومأت برأسها بصمت مصطنع للثبات، واتجهت نحو الدرج. صعدت سكارليت إلى الطابق العلوي، وفتحت باب الجناح الرئيسي الكبير بخطى بطيئة. كانت الغرفة فارغة وهادئة، تفيض بالفخامة والاتساع، وتتوسطها نافذة زجاجية عملاقة تطل على الحديقة الخارجية. أخذت تنفساً عميقاً ومطولاً لتتبدد تلك الخنقة التي شعرت بها، ووضعت حقيبتها الصغيرة على الطاولة الجانبية، مستعدّة لترتيب أمتعتها القليلة. لكن ما إن مرّت ثوانٍ معدودة، حتى فتح باب الجناح الخارجي بقوة، وتردد في المكان إيقاع عصا أبنوسية تطرق الأرضية بخشونة واضحة. دخل أليساندرو بخطوات سريعة ومشدودة، وبدت على ملامحه الحادة علامات الغضب والتوتر الفوري فور أن استشعر حفيف حركة غريبة في غرفته و شمّ عطر نسائي مختلف لم يعتد عليه. توقف في منتصف الغرفة، وعيناه الخاويتان تشعان بغضب مكبوت وهو يهتف بصوت صارم ولاذع: "من أذن لكِ بالدخول إلى جناحي؟ ولماذا أجد أغراضكِ هنا بهذه البساطة؟!" التفتت سكارليت نحوه ببطء، وحافظت على ثبات نبرتها وتوازنها وهي ترد بحدة ناعمة: "لم أدخل بمفردي يا سيد أليساندرو... والدك هو من أخبرني للتو أن هذا الجناح هو مقرنا المشترك بحسب شروط الاتفاق." تصلب أليساندرو في مكانه، وارتفعت حاجبار بذهول غاضب قبل أن تشتعل نبرته أكثر: "غرفة مشتركة؟! هل جنّ والدي تمامًا ليفترض أنني سأقبل بمشاركة مساحتي الخاصة مع امرأة جُلبَت في صفقة مالية؟!" نهضت سكارليت من مكانها، وواجهت غضبه بندية وثبات كامل، رافضة أن تنحني أمام صراخه: "أنا لست مسرورة بهذا الوضع أكثر منك يا سيد موريتّي! لكن بدل أن توجه صراخك إليّ، اذهب وعاتب والدك الذي وضع هذه الشروط... أما عني، فلست مهتمة بمشاركتك شيئًا، وسأكتفي بالبقاء في الركن المخصص لي دون أن أزعجك!"بقيت عيناه المعتمتان مسلطتان نحو الفراغ أمامه، بينما كان صدى كلماته المتهكمة يتردد بينهما في صخب القاعة.رفعت سكارليت بصرها نحوه ببرود تام، ولم تهتز لها رمشة واحدة أمام سخريته اللاذعة. ردت بصوت همس خفيض ومستقر يخلو من أي تأثر:"لا أطمح لأي دور بجانبك يا سيد أليساندرو، ولا يهمني من نظراتهم سوى أن تنتهي هذه الأمسية المعتمة بأقل قدر من الخسائر. كفّ عن تخيل بطولات وهمية لا أهتم بها، ووفر طاقتك لتقف على قدميك دون أن تترنح."أشعل ردها المقتضب نيران الغيظ في صدره، لكن ازدحام الحضور واقتراب شخصيات أخرى للسلام عليها حالا دون أن ينفجر. اضطر أليساندرو لابتلاع غضبه المكتوم، وارتدى قناعه الجليدي المتجهم، متابعاً مسيره الطويل والمكبل تحت أنظار الضيوف الذين لم يلحظوا شيئاً من تلك الحرب الصامتة الدائرة بينهما.مرت الساعات الثقيلة ببطء قاتل، وكأن الوقت نفسه قد تجمد في قاعة الاحتفال. وعندما أُتيحت أخيرًا فرصة الانسحاب دون إثارة الشبهات، التفت أليساندرو نحوها وقال بلهجة حادة ومقتضبة:"انتهت المسرحية... لنرحل."---ما إن عادا إلى الجناح الخاص وأغلق الباب خلفهما حتى انكسر جدار الصقيع المفروض، وانفجر أليسا
مع استمرار الحفل وامتلاء القاعة بالمزيد من الضيوف، ازدادت حركة الحشود واكتظت الممرات الضيقة المؤدية إلى صالة الاستقبال الجانبية. وجد أليساندرو وسكارليت نفسيهما محاصرين وسط موجة بشرية متلاحمة، حيث باتت الحركة تعتمد على التلاحم والتدافع الخفيف بين الحضور. في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كان أحد المرافقين يتجاوزهم بسرعة مسبباً حركة مفاجئة في الزحام، كاد أحد المارة أن يرتطم بأليساندرو بقوة من جهة عمائه، ما هدد بإفقاده توازنه. دون تردد، مدت سكارليت يدها بسرعة وأحاطت بخصر وقوام بدلته، وضغطت عليه بقوة لتجذبه نحوها تماماً، ملتصقة بجانبه الأيمن لتقيه الاصطدام وتشق له طريقاً آمناً وسط الزحام الضيق. في تلك الثواني المعدودات، اصطدم جسداهما بقرب قسري وحميم لم يختبراه من قبل؛ شعر أليساندرو برقة قوامها يلتصق بكتفه وصدره، وحرارة أنفاسها القريبة التي لامست عنقه، ووزن يدها الثابتة والمحيطة به لتثبيته. بالنسبة لرجل يقدس مساحته الخاصة ويرفض أي شكل من أشكال التبعية، كانت هذه اللمسة المباشرة وهذا الالتصاق القسري بمثابة صاعقة تحرق كبرياءه وتذكّره بعمائه وضعفه المطلق. تصلبت عضلات أليساندرو بشكل مرعب، وانحبس
في مساء اليوم التالي، تحول الجناح الخاص إلى مساحة مشحونة بتوتر خفي يشبه السكون الذي يسبق العاصفة.كان أليساندرو يقف أمام مرآة خلع الملابس الكبيرة—تلك المفارقة القاسية لرجل يعيش في عتمة دائمة—يحاول عبثاً ترتيب ربطة عنق بدلته الرسمية. كانت أصابعه الطويلة تتحسس قماش الحرير ببطء وتوتر، لكن العقدة انزلقت للمرة الثالثة بشكل مائل وغير متناسق. اشتدت ملامحه غضباً، وارتسمت على وجهه علامات الإحباط الصامت؛ فهو يرفض تماماً أن يطلب المساعدة، لكن عجزه البصري كان يضعه أمام حقيقة مرة يكره الاعتراف بها، فضلًا عن إظهارها.على الطرف الآخر من الغرفة، كانت سكارليت تقف بهدوء أمام مرآة جانبية، ترتدي فستان سهرة داكن اللون، فائق الأناقة والوقار. كان الفستان يلتف حول قوامها بتصميم كلاسيكي محتشم لكنه طاغٍ بحضوره، تاركاً انطباعاً بالأناقة الصامتة التي تخطف الأنظار دون صخب، بينما زاد شعرها المرتب بعناية من هيبتها وجمالها الهادئ.راقبته سكارليت في انعكاس المرآة وهو يصارع العقدة بإحباط متزايد. أدركت فوراً أن خروجه بهذا الشكل المعوج سيعرضه لسخرية خفية بين الحضور، وهو أمر يمس كبرياء العائلة الذي لا تستطيع تحمله.دون س
مرت الأيام التالية في الجناح كقطع من جليد صامت. لم يتبادل أليساندرو و سكارليت سوى كلمات معدودة، بينما انصرفت هي كلياً إلى عملها على حاسوبها، متجاهلة تماماً وجوده. أما هو، فكان يغرق في حنق داخلي يرفض الاعتراف به. لكن هذا الهدوء المشحون انكسر خلال إحدى وجبات الطعام على مائدة العائلة الكبرى. بينما كان الصمت يسود الأجواء، قطع **ريتشارد** ذلك السُّكون بابتسامة عملية ومباشرة، موجهاً حديثه نحو أليساندرو بصوت واضح سمعه الجميع: "بالمناسبة يا أليساندرو، حفل الاستقبال الرسمي لعائلة موريتّي سيقام مساء الغد، وحضورك إلزامي بصفتك ممثلاً للعائلة. وبما أنك ترفض دائماً الاستعانة بالمرافقين التقليديين، فستكون سكارليت هي رفيقتك وعينك لهذا المساء؛ فهي من تشاركك السقف وستعرف كيف تدير الأمور بجانبك." تصلبت ملامح أليساندرو فوراً، وعلقت ملعقته في يده. ارتسمت على وجهه علامات الرفض القاطع، وبنبرة حادة تخترقها القسوة، أجاب دون تفكير: "أنا لا أحتاج إلى مرافق، يا والدي! يمكنني حضور هذا السخف وتدبر أمري وحدي تماماً كما اعتمدت دائماً دون مساعدة من أحد." ابتسم ريتشارد ببرود مستفز، وأضاف بنبرة محملة بالتشكيك: "
أشرقت شمس اليوم التالي على قصر موريتّي بضوء هادئ ينساب عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة لصالة الطعام الكبرى. كانت الأجواء على مائدة الإفطار تبدو هادئة وراقية، مخفية تحت سطحها توتراً خفياً يحمله صمت ليلة أمس الطويلة.جلست سكارليت على المائدة بهدوء وثبات، وقد ارتدت درعاً من الصمت والاتزان، ملامحها هادئة وخالية من أي تعبير يشي بما يدور في خلدها.عند رأس الطاولة، كانت السيدة **إيزابيلا** توزع ابتسامتها الحنونة والدافئة على الجميع. بادرت إيزابيلا بالحديث باهتمام بالغ نحو سكارليت، ووجهها يقطر لطفاً:"أخبرينا يا سكارليت... لقد أخبرتنا إليانور هذا الصباح أنكِ قررتِ التفرغ التام للكتابة. ما هي الفكرة العامة لقصتكِ؟ أهو كتاب في الأدب الإنساني أم رواية درامية؟ نحن حقاً نتوق لمعرفة ما يشغل تلك الروح المبدعة."أكمل **ديفيد** بابتسامته المرحة وهو يقطع قطعة من فطيرته:"بالتأكيد ستكون رواية عظيمة يا أمي! أي شخص يملك الجرأة لخلع قناع الشركات والنزول إلى ميدان الشغف الخالص يستحق أن ننتظر عمله بشغف... نحن فخورون بكِ وبقراركِ الشجاع."حتى **ريتشارد** أضاف بلهجة عملية مشجعة وهادئة:"التخلي عن الروتين المالي ل
ساد الجناح صمتٌ ثقيل، أشدّ وطأة من أي شجار دار بينهما من قبل. اختفت تلك الابتسامة المشرقة عن وجه سكارليت في جزء من الثانية، وتجمعت دموع ساخنة ومفاجئة في عينَيها، لكنها أبت أن تسقط، محبوسة خلف نظرة حارقة وموجوعة امتزجت فيها خيبة الأمل بالصدمة. من فوق فراشه، ظل أليساندرو جالساً بلا حراك، مشدود الملامح، وشارداً في الاتجاه الذي صدر منه صوتها. كان ينتظر... كان ينتظر بفارغ الصبر أن ينفجر الغضب في صوتها، أو أن ترد عليه بكلمات لاذعة وحادة كما اعتاد منها في كل مواجهة. ظل مترقباً، يصغي بحواسه الحادة لأي حركة عنيفة أو ردة فعل نارية تؤكد له أنها تأثرت بسخريته، لكنه لم يسمع شيئاً سوى صمتها المطلق. مرت ثوانٍ تبدو وكأنها دهور؛ لا صوت لأنفاسها المتقطعة، ولا صدى لأي دفاع. ثم، بصوت خفيض، مرتعش قليلاً بغصة مكتومة، لكنه محمل ببرود قارس وقاتل، فتحت فمها وقالت: "شكراً لك يا سيد أليساندرو... لقد أعدتني إلى الواقع حقاً." عقد أليساندرو حاجبيه في عتمة بصره، وتأهب لسماع بقية حديثها، لتابعته بنبرة تكسوها مرارة واضحة: "ومعك كل الحق... أمثالك لا يُجدي معهم الحديث، ولا فائدة تُرجى من محاولة جعله يرى شيئاً أبع







