Share

6- عوالم موازية

Author: Hope49
last update publish date: 2026-10-11 23:57:05

لم تكن سكارليت ممن يستنزفن طاقتهن في المعارك العابرة. فور أن انتهت مشاحنة الصباح، التزمت جانبها الهادئ من الجناح، وفتحت حاسوبها لتنجز ملفها الأخير؛ آخر أوراق تصفية شركة عائلة "هايز". كان هذا العمل صلتها الأخيرة بعالمها المستقل، حبل النجاة الذي ترفض قطعه أو التنازل عنه مهما ضاقت بها السبل. وبينما كانت أصوات نقرات لوحة المفاتيح تتردد بانتظام، كانت تدرك أن هذا التركيز هو درعها الواقي ضد شعور الاختناق في هذا المكان.

وفي الجانب الآخر من القصر، كان أليساندرو منشغلاً في مرسمه الخاص، يمرر أصابعه الدقيقة بحذر على خطوط مجسماته الهندسية البارزة. رغم عتمة بصره التي لا تترك له سوى ظلال باهتة لا تكشف سوى حركة الضوء، كانت الهندسة هي عالمه الوحيد المنظم الذي لا يقبل الفوضى أو المفاجآت.

لكن هذا الفاصل الهادئ انهار مع حلول المساء، حين دلف أليساندرو بخطوات ثقيلة وعصاه الأبنوسية تطرق الأرض إلى داخل الجناح الرئيسي المشترك.

استشعر بحضورها فوراً من خلال رائحة الخشب والعنبر الخفيف التي تملأ الأرجاء، ومن صدى نقرات الأوراق الخفيفة. توقف عند العتبة، وتصلبت ملامحه الحادة وهو يدرك أنها تتخذ من مساحته الخاصة مكتباً لعملها.

استدار نحوها، وقال بصوت قطعي يقطر استخفافاً متعَمداً:

"يبدو أنكِ نقلتِ أوراق شركتكِ المنتهية إلى غرفتي يا آنسة... ألم يكفِكِ قبولكِ بهذه الصفقة حتى تحولي مساحتي الخاصة إلى مكتب لملفاتكِ؟"

لم ترتجف سكارليت، ولم ترفع صوتها بغضب كما قد يتوقع. أخذت تنفساً هادئاً، وأغلقت حاسوبها ببطء، ثم التفتت إليه بابتسامة باردة ومدروسة تخترق غروره دون صراخ:

"يبدو أن عتمة الغرفة قد طالت بصيرتك يا سيد أليساندرو،" قالت بنبرة هادئة ومستفزة: "بدل أن تترصد حركاتي وأصوات أوراقي كحارسٍ قلق، ألم يكن أولى بك أن تشغل نفسك بأمر آخر بدل التململ هنا؟ وفّر ملاحظاتك لنفسك، فمحاولاتك الدائمة لإظهار السيطرة لن تخفي حقيقة أنك تتذمر لمجرد أن شخصاً آخر يشاركك الغرفة. احفظ ما تبقى من هدوئك، ودعنا نمرر هذا الوقت بسلام."

تصلب أليساندرو في مكانه. صدمته طريقتها الهادئة والواثقة في الرد؛ لم توقع منه أن تواجهه بهذا البرود الذي يجرد هجومه من أي قيمة. انقبضت أصابعه بقوة على عصاه حتى تكلست مفاصله، واجتاحه شعور حارق بالغيظ لعدم قدرته على إزعاجها بالشكل الذي يريده.

لكنه تدارك صدمته سريعاً، وأعاد ترتيب ملامحه المتصلبة ليخفي أي أثر لتأثره. اقترب خطوتين في اتجاه الصوت، وقال بصوت هامس يحمل وعيداً بارداً:

"يبدو أن الإقامة هنا قد علمتكِ جرأة زائدة يا آنسة... لكن تذكري جيداً، مهما كثر كلامك، تبقين هنا ضيفة مؤقتة، وكلمتي وحدها هي التي تسري في هذا المكان. والشنو... التزمي الصمت، فلا طاقة لي بالاستماع إلى حديثك."

أدارت سكارليت ظهرها بهدوء تام، وارتدت سماعات أذنها غير مبالية بتهديده، لتتركه واقفاً في مكانه يبتلع مرارة كلماتها بمفرده.

بقي أليساندرو في مكانه، تطرق عصاه الأرض بضربة خفيفة تعكس غليانًا داخليًا لا يهدأ. لم تكن مشكلته في رفضها فحسب، بل في الفكرة ذاتها التي كانت تنهش كبرياءه بهدوء: **يومان فقط!**

يومان فقط مرّا منذ أن وطأت قدماها هذا القصر، ومع ذلك، كانت تتصرف داخل جناحه الخاص وكأنها تعيش هنا منذ سنوات. لم تهتز، ولم تنكمش خوفًا في زاوية مهملة كما كان يتوقع، بل استقرت بثقة، وفرضت أوراقها، وواجهت بروده بابتسامة مستفزة. هذه الجرأة في الاستيطان المبكر كانت تثير جنونه؛ فهو الذي أحكم سيطرته على كل شبر في هذا المكان، تأتي هي لتكسر عزلته وتأخذ حيزها بكل هذه البساطة خلال ثمانٍ وأربعين ساعة فقط.

استشعرت أذناه الحادتان خفوت حركة تنفسها خلف سماعات الأذن، مدركًا أنها عادت لتوثيق أوراقها وكأن شيئًا لم يكن. هذا التجاهل التام وتلك الطمأنينة التي تتملكها أثارا في صدره عاصفة من الغيظ المكتوم. كيف تجرؤ على التأقلم بهذه السرعة؟ كيف تملك هذا الثبات وهي لا تبدي أي احترام لقواعده الصارمة؟

تحرك بخطى ثقيلة نحو الشرفة الملحقة بالجناح، باحثًا عن هواء بارد يطفئ حدة أفكاره. في عتمة الليل، وبينما كانت ظلال الحديقة تتشابك أمام بصره الضبابي، ظل عقله يردد صدى كلماتها الباردة ونظراتها الواثقة. لم يكن غاضبًا فقط لكونها تشارك مساحته، بل لأنه بدأ يشعر بأن حصنه المنيع الذي بناه بعناية بدأ يتصدع أمام امرأة لا تعير لغروره أي اهتمام.

وفي الجهة المقابلة، كانت سكارليت تنهي أوراقها بهدوء، رغم أن قلبها كان ينبض بسرعة خفية تكشف حجم الإرهاق النفسي الذي تواجهه. كانت تعلم جيدًا أن بقاءها هنا يتطلب فولاذًا من الصبر، وأن كل يوم يمر هو اختبار جديد لقدرتها على البقاء دون أن تنكسر أمام رجل يحاول بكل طاقته أن يشعرها بأنها غريبة طارئة.

حل الصمت المطبق على الجناح مع اقتراب منتصف الليل، لكن توتر الأجواء بينهما كان كثيفًا لدرجة تكاد تُلمس، معلنًا أن الأيام القادمة لن تكون سوى ساحة صراع أشد ضراوة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين يشتعل الظلام   15- صدى الهمسات وعتمة الإنكار

    بقيت عيناه المعتمتان مسلطتان نحو الفراغ أمامه، بينما كان صدى كلماته المتهكمة يتردد بينهما في صخب القاعة.رفعت سكارليت بصرها نحوه ببرود تام، ولم تهتز لها رمشة واحدة أمام سخريته اللاذعة. ردت بصوت همس خفيض ومستقر يخلو من أي تأثر:"لا أطمح لأي دور بجانبك يا سيد أليساندرو، ولا يهمني من نظراتهم سوى أن تنتهي هذه الأمسية المعتمة بأقل قدر من الخسائر. كفّ عن تخيل بطولات وهمية لا أهتم بها، ووفر طاقتك لتقف على قدميك دون أن تترنح."أشعل ردها المقتضب نيران الغيظ في صدره، لكن ازدحام الحضور واقتراب شخصيات أخرى للسلام عليها حالا دون أن ينفجر. اضطر أليساندرو لابتلاع غضبه المكتوم، وارتدى قناعه الجليدي المتجهم، متابعاً مسيره الطويل والمكبل تحت أنظار الضيوف الذين لم يلحظوا شيئاً من تلك الحرب الصامتة الدائرة بينهما.مرت الساعات الثقيلة ببطء قاتل، وكأن الوقت نفسه قد تجمد في قاعة الاحتفال. وعندما أُتيحت أخيرًا فرصة الانسحاب دون إثارة الشبهات، التفت أليساندرو نحوها وقال بلهجة حادة ومقتضبة:"انتهت المسرحية... لنرحل."---ما إن عادا إلى الجناح الخاص وأغلق الباب خلفهما حتى انكسر جدار الصقيع المفروض، وانفجر أليسا

  • حين يشتعل الظلام   14- ضيق العتمة وحرارة القرب

    مع استمرار الحفل وامتلاء القاعة بالمزيد من الضيوف، ازدادت حركة الحشود واكتظت الممرات الضيقة المؤدية إلى صالة الاستقبال الجانبية. وجد أليساندرو وسكارليت نفسيهما محاصرين وسط موجة بشرية متلاحمة، حيث باتت الحركة تعتمد على التلاحم والتدافع الخفيف بين الحضور. في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كان أحد المرافقين يتجاوزهم بسرعة مسبباً حركة مفاجئة في الزحام، كاد أحد المارة أن يرتطم بأليساندرو بقوة من جهة عمائه، ما هدد بإفقاده توازنه. دون تردد، مدت سكارليت يدها بسرعة وأحاطت بخصر وقوام بدلته، وضغطت عليه بقوة لتجذبه نحوها تماماً، ملتصقة بجانبه الأيمن لتقيه الاصطدام وتشق له طريقاً آمناً وسط الزحام الضيق. في تلك الثواني المعدودات، اصطدم جسداهما بقرب قسري وحميم لم يختبراه من قبل؛ شعر أليساندرو برقة قوامها يلتصق بكتفه وصدره، وحرارة أنفاسها القريبة التي لامست عنقه، ووزن يدها الثابتة والمحيطة به لتثبيته. بالنسبة لرجل يقدس مساحته الخاصة ويرفض أي شكل من أشكال التبعية، كانت هذه اللمسة المباشرة وهذا الالتصاق القسري بمثابة صاعقة تحرق كبرياءه وتذكّره بعمائه وضعفه المطلق. تصلبت عضلات أليساندرو بشكل مرعب، وانحبس

  • حين يشتعل الظلام   13- ليلة الأقنعة والخطوات المقيدة

    في مساء اليوم التالي، تحول الجناح الخاص إلى مساحة مشحونة بتوتر خفي يشبه السكون الذي يسبق العاصفة.كان أليساندرو يقف أمام مرآة خلع الملابس الكبيرة—تلك المفارقة القاسية لرجل يعيش في عتمة دائمة—يحاول عبثاً ترتيب ربطة عنق بدلته الرسمية. كانت أصابعه الطويلة تتحسس قماش الحرير ببطء وتوتر، لكن العقدة انزلقت للمرة الثالثة بشكل مائل وغير متناسق. اشتدت ملامحه غضباً، وارتسمت على وجهه علامات الإحباط الصامت؛ فهو يرفض تماماً أن يطلب المساعدة، لكن عجزه البصري كان يضعه أمام حقيقة مرة يكره الاعتراف بها، فضلًا عن إظهارها.على الطرف الآخر من الغرفة، كانت سكارليت تقف بهدوء أمام مرآة جانبية، ترتدي فستان سهرة داكن اللون، فائق الأناقة والوقار. كان الفستان يلتف حول قوامها بتصميم كلاسيكي محتشم لكنه طاغٍ بحضوره، تاركاً انطباعاً بالأناقة الصامتة التي تخطف الأنظار دون صخب، بينما زاد شعرها المرتب بعناية من هيبتها وجمالها الهادئ.راقبته سكارليت في انعكاس المرآة وهو يصارع العقدة بإحباط متزايد. أدركت فوراً أن خروجه بهذا الشكل المعوج سيعرضه لسخرية خفية بين الحضور، وهو أمر يمس كبرياء العائلة الذي لا تستطيع تحمله.دون س

  • حين يشتعل الظلام   12- قيد المرافق والرفض المتوترة

    مرت الأيام التالية في الجناح كقطع من جليد صامت. لم يتبادل أليساندرو و سكارليت سوى كلمات معدودة، بينما انصرفت هي كلياً إلى عملها على حاسوبها، متجاهلة تماماً وجوده. أما هو، فكان يغرق في حنق داخلي يرفض الاعتراف به. لكن هذا الهدوء المشحون انكسر خلال إحدى وجبات الطعام على مائدة العائلة الكبرى. بينما كان الصمت يسود الأجواء، قطع **ريتشارد** ذلك السُّكون بابتسامة عملية ومباشرة، موجهاً حديثه نحو أليساندرو بصوت واضح سمعه الجميع: "بالمناسبة يا أليساندرو، حفل الاستقبال الرسمي لعائلة موريتّي سيقام مساء الغد، وحضورك إلزامي بصفتك ممثلاً للعائلة. وبما أنك ترفض دائماً الاستعانة بالمرافقين التقليديين، فستكون سكارليت هي رفيقتك وعينك لهذا المساء؛ فهي من تشاركك السقف وستعرف كيف تدير الأمور بجانبك." تصلبت ملامح أليساندرو فوراً، وعلقت ملعقته في يده. ارتسمت على وجهه علامات الرفض القاطع، وبنبرة حادة تخترقها القسوة، أجاب دون تفكير: "أنا لا أحتاج إلى مرافق، يا والدي! يمكنني حضور هذا السخف وتدبر أمري وحدي تماماً كما اعتمدت دائماً دون مساعدة من أحد." ابتسم ريتشارد ببرود مستفز، وأضاف بنبرة محملة بالتشكيك: "

  • حين يشتعل الظلام   11- صدى الدعم وازدراء الغرور

    أشرقت شمس اليوم التالي على قصر موريتّي بضوء هادئ ينساب عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة لصالة الطعام الكبرى. كانت الأجواء على مائدة الإفطار تبدو هادئة وراقية، مخفية تحت سطحها توتراً خفياً يحمله صمت ليلة أمس الطويلة.جلست سكارليت على المائدة بهدوء وثبات، وقد ارتدت درعاً من الصمت والاتزان، ملامحها هادئة وخالية من أي تعبير يشي بما يدور في خلدها.عند رأس الطاولة، كانت السيدة **إيزابيلا** توزع ابتسامتها الحنونة والدافئة على الجميع. بادرت إيزابيلا بالحديث باهتمام بالغ نحو سكارليت، ووجهها يقطر لطفاً:"أخبرينا يا سكارليت... لقد أخبرتنا إليانور هذا الصباح أنكِ قررتِ التفرغ التام للكتابة. ما هي الفكرة العامة لقصتكِ؟ أهو كتاب في الأدب الإنساني أم رواية درامية؟ نحن حقاً نتوق لمعرفة ما يشغل تلك الروح المبدعة."أكمل **ديفيد** بابتسامته المرحة وهو يقطع قطعة من فطيرته:"بالتأكيد ستكون رواية عظيمة يا أمي! أي شخص يملك الجرأة لخلع قناع الشركات والنزول إلى ميدان الشغف الخالص يستحق أن ننتظر عمله بشغف... نحن فخورون بكِ وبقراركِ الشجاع."حتى **ريتشارد** أضاف بلهجة عملية مشجعة وهادئة:"التخلي عن الروتين المالي ل

  • حين يشتعل الظلام   10- قناع من صلب وصمت الحبر

    ساد الجناح صمتٌ ثقيل، أشدّ وطأة من أي شجار دار بينهما من قبل. اختفت تلك الابتسامة المشرقة عن وجه سكارليت في جزء من الثانية، وتجمعت دموع ساخنة ومفاجئة في عينَيها، لكنها أبت أن تسقط، محبوسة خلف نظرة حارقة وموجوعة امتزجت فيها خيبة الأمل بالصدمة. من فوق فراشه، ظل أليساندرو جالساً بلا حراك، مشدود الملامح، وشارداً في الاتجاه الذي صدر منه صوتها. كان ينتظر... كان ينتظر بفارغ الصبر أن ينفجر الغضب في صوتها، أو أن ترد عليه بكلمات لاذعة وحادة كما اعتاد منها في كل مواجهة. ظل مترقباً، يصغي بحواسه الحادة لأي حركة عنيفة أو ردة فعل نارية تؤكد له أنها تأثرت بسخريته، لكنه لم يسمع شيئاً سوى صمتها المطلق. مرت ثوانٍ تبدو وكأنها دهور؛ لا صوت لأنفاسها المتقطعة، ولا صدى لأي دفاع. ثم، بصوت خفيض، مرتعش قليلاً بغصة مكتومة، لكنه محمل ببرود قارس وقاتل، فتحت فمها وقالت: "شكراً لك يا سيد أليساندرو... لقد أعدتني إلى الواقع حقاً." عقد أليساندرو حاجبيه في عتمة بصره، وتأهب لسماع بقية حديثها، لتابعته بنبرة تكسوها مرارة واضحة: "ومعك كل الحق... أمثالك لا يُجدي معهم الحديث، ولا فائدة تُرجى من محاولة جعله يرى شيئاً أبع

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status