Masukأشرقت شمس اليوم التالي على قصر موريتّي لتغمر جدرانه الحجرية بضياء باهت. مع تباشير الصباح الأولى، كان أليساندرو قد غادر الجناح بخطواته الحازمة وعصاه الأبنوسية تطرق الأرض بانتظام، متوجهاً إلى مقر شركة موريتّي الهندسية، هاربًا من ذلك الحيز الذي بات يشارك فيه امرأة تهدد صمت عزلته وتوازن قواعده.
في الجهة المقابلة، استيقظت سكارليت مبكراً، مدركة أن بقاءها تحت سقف أليساندرو يتطلب منها أن تحفظ لنفسها مساحة خارج هذا القصر. كان لديها موعد مهم في مقر شركة عائلة "هايز" القديم، التي انتقلت رسميًا مؤخرًا لتصبح تحت مظلة الاستحواذ الكامل لمجموعة موريتّي، حيث لا تزال صديقتها المقربة **كلوي** تعمل هناك وسط ركام التغيير الإداري. في مكاتب شركة "هايز"، كانت الحركة نشطة ومحملة بتوتر مرحلة الانتقال. وقفت سكارليت في مكتبها القديم تراجع آخر الأوراق، قبل أن ينفتح الباب فجأة وتدخل كلوي بخطوات واسعة وثابتة، حاملة ملفات بين يديها. بشخصيتها القوية وحضورها الحاد الذي لا يخشى أحدًا، وضعت كلوي الملفات على الطاولة بقوة، ثم استدارت نحو سكارليت وكتفاها مشدودتان وعيناها تلمعان بغضب محتدم: "هل جننتِ يا سكارليت؟!" قالت كلوي بنبرة صارمة وحازمة، دون أن تترك مجالاً للمجاملات: "أقرأ الصحف وأتابع ما تنشره وسائل الإعلام عن زواجكِ المفاجئ من أليساندرو موريتّي، وأنتِ هنا تبتسمين وتتعاملين وكأن شيئًا لم يكن! كيف احتملتِ العيش معه حتى الآن؟ يقال إنه رجل متكبر، حاد الطباع، ويتعامل مع الجميع باستعلاء مقيت!" ابتسمت سكارليت بابتسامة خفيفة وحنونة، مدركة تمامًا كم تفضل كلوي الصراحة والجرأة، وقالت بهدوء: "أهلاً بكِ يا كلوي... واضحة كعادتكِ، لا تضيعين الوقت في المقدمات." اقتربت كلوي أكثر، ووضعت يدها على خصرها، ونظرت إليها بملامح تمزج بين القلق والغضب المكتوم: "ليس وقت المزاح يا سكارليت! أنا أعرفك جيدًا، وأعرف كم أنتِ صلبة، لكنني لست مستعدة لرؤيتكِ تدمرين نفسكِ في ذلك القصر مع مهندس مغرور يعيش في عتمة عقده وقسوته. أقسم أنني لو التقيت به، لكنتُ لقنته درسًا لا ينسى في كيفية احترام الآخرين، بغض النظر عن بصره أو مكانته!" أطلقت سكارليت ضحكة خفيفة صادقة، وشعرت أن وجود كلوي وشخصيتها القوية هما أفضل درع واقٍ لها في هذا اليوم الطويل. أرجعت خصلة من شعرها إلى خلف أذنها، وقالت بنبرة واثقة: "لا تقلقي يا كلوي... أليساندرو يظن أن بقسوته وتعمده إهانتي سيجعلني أنكسر أو أهرب، لكنه لا يعلم أنني أستمد قوتي من هذه التحديات. أنا لا أنحني يا صديقتي، ولن أسمح له بأن يشعر بأنه قد انتصر." تنهدت كلوي بعمق، وقد خفت حدة غضبها قليلاً أمام إصرار صديقتها وثباتها، ثم ضيقت عينيها بذكاء قائلة: "حسنًا... بما أنكِ مصرّة على خوض هذه المعركة بثبات، فأخبريني بكل التفاصيل. كيف يبدو الجناح المشترك؟ وكيف تتعاملين مع قواعده السخيفة؟" جلستا معًا على الأريكة المجاورة، وبدأت سكارليت تحكي لصديقتها تفاصيل الساعات الأربعين الفائتة، مواجهات الصباح، بروده، وتلك الحرب الصامتة التي تدور بينهما في الزوايا، بينما كانت كلوي تستمع بتركيز شديد، ترتسم على وجهها ابتسامة إعجاب بصلابة رفيقتها، وتوعد ساخر بكل طريقة ممكنة لتخريب خطط أليساندرو إن تجرأ على تجاوز حده مجددًا. --- بينما كانت سكارليت وكلوي تتحدثان، انفتح الباب فجأة ودخل **ديفيد**. كان يرتدي بدلته الأنيقة بعناية مفرطة، ممسكًا ببعض الملفات، وتبدو على محياه تلك الابتسامة المرحة والودودّة فور أن وقعت عيناه على سكارليت. توقف ديفيد عند العتبة، ورفع يده بتحية خفيفة ولطيفة، قائلاً بصوته الهادئ والدافئ: "أوه... سكارليت؟ لم أكن أتوقع أن أراكِ هنا اليوم،" ثم تقدم بضع خطوات بمرونة، وأضاف بابتسامة مهذبة: "جئت لأخذ أوراق التصفية النهائية الخاصة بالشركة، ولم أكن أعرف أنني سأحظى بلقاء يضيء هذا المكتب الباهت." قبل أن ترد سكارليت، تحولت ملامح وجه ديفيد فجأة حين انتبه لوجود كلوي التي كانت تقف أمامه بكتفين مشدودتين؛ تحولت ابتسامته الدافئة إلى نظرة استخفاف مستفزة وباردة، وكأنه ينظر إلى حشرة مزعجة تقف في طريقه. رفعت كلوي حاجبها بتهكم حاد، وقالت بنبرة جافة لا تفتقر للعدائية: "أهلاً بسيد المدراء الجدد... يبدو أن شركة موريتّي لا تكتفي بابتلاع الشركات، بل ترسل لنا مهرجين ببدلات أنيقة ليتسلو بالتفتيش بين مكاتبنا! هل فرغتم من كل شيء وبقيتم أنتم لتراقبونا؟" لم يكلف ديفيد نفسه عناء الحفاظ على لطافته التي أظهرها لسكارليت، بل ضاق بصره بازدراء متعمد، وقال بصوت قطعي ولاذع يقطر سخرية: "يبدو أن تصفية الشركات المفلسة تمنح الموظفات هنا جرأة زائدة عن اللزوم يا آنسة... إن كنتِ تعجزين عن ضبط لسانكِ وأسلوبك، فأنصحكِ بالبحث عن وظيفة أخرى تتناسب مع مزاجكِ المضطرب، فمكانكِ هنا ليس منبرًا للصراخ العشوائي." اشتعلت عينا كلوي غضبًا من أسلوبه الحقير والمتعالي في مخاطبتها، فتقدمت خطوة تكاد تلتصق به، ونبرتها تهتز بحدة: "احترم حدودك يا هذا! لا شأن لك بأسلوبي، خذ أوراقك وانصرف من أمام وجهي فورًا، وإلا سترى كيف أتعامل مع أمثالك ممن يظنون أن نفوذ عائلتهم يمنحهم حق التطاول!" عاد الوجه البشوش والمرح إلى محيا ديفيد في جزء من الثانية؛ ابتسم ببرود قاتل، ورفع كتفيه بلا مبالاة تامة وهو يناولها الملفات بعينين ساخرتين: "يا للروعة، شراسة مفرطة على لا شيء... سأضطر حقاً لجلب واقي أذن في زيارتي القادمة. على العموم، شكراً على هذا العرض المسلي." تدخلت سكارليت بسرعة بابتسامة هادئة ومدروسة لتهدئة الموقف، ونظرت إلى ديفيد قائلة: "أهلاً بك يا ديفيد مرة أخرى... كلوي صديقتي المقربة وحريصة على حقوق الشركة، والأوراق أمامك." التفت ديفيد نحو سكارليت، وفور أن عاد ليخاطبها، انقلبت ملامحه فورًا إلى النبرة اللطيفة والمحترمة ذاتها، وقال بابتسامة دافئة: "يسعدني دائمًا رؤيتكِ يا سكارليت، وأعتذر إن كان وجودي قد أزعج هذه الأجواء... سأترككما الآن لإنهاء أعمالكم بسلام." غمز ديفيد لكلوي بنظرة خبيثة ومستفزة قبل أن يستدار ويغادر بخطى واثقة، تاركًا كلوي تغلي في مكانها من شدة الغيظ والحنق، بينما اكتفت سكارليت بابتسامة خفيفة تدرك جيدًا أن معركة صاخبة من نوع "قط وفأر" قد اندلعت للتو بين صديقتها وهذا الشاب المتقلب.بقيت عيناه المعتمتان مسلطتان نحو الفراغ أمامه، بينما كان صدى كلماته المتهكمة يتردد بينهما في صخب القاعة.رفعت سكارليت بصرها نحوه ببرود تام، ولم تهتز لها رمشة واحدة أمام سخريته اللاذعة. ردت بصوت همس خفيض ومستقر يخلو من أي تأثر:"لا أطمح لأي دور بجانبك يا سيد أليساندرو، ولا يهمني من نظراتهم سوى أن تنتهي هذه الأمسية المعتمة بأقل قدر من الخسائر. كفّ عن تخيل بطولات وهمية لا أهتم بها، ووفر طاقتك لتقف على قدميك دون أن تترنح."أشعل ردها المقتضب نيران الغيظ في صدره، لكن ازدحام الحضور واقتراب شخصيات أخرى للسلام عليها حالا دون أن ينفجر. اضطر أليساندرو لابتلاع غضبه المكتوم، وارتدى قناعه الجليدي المتجهم، متابعاً مسيره الطويل والمكبل تحت أنظار الضيوف الذين لم يلحظوا شيئاً من تلك الحرب الصامتة الدائرة بينهما.مرت الساعات الثقيلة ببطء قاتل، وكأن الوقت نفسه قد تجمد في قاعة الاحتفال. وعندما أُتيحت أخيرًا فرصة الانسحاب دون إثارة الشبهات، التفت أليساندرو نحوها وقال بلهجة حادة ومقتضبة:"انتهت المسرحية... لنرحل."---ما إن عادا إلى الجناح الخاص وأغلق الباب خلفهما حتى انكسر جدار الصقيع المفروض، وانفجر أليسا
مع استمرار الحفل وامتلاء القاعة بالمزيد من الضيوف، ازدادت حركة الحشود واكتظت الممرات الضيقة المؤدية إلى صالة الاستقبال الجانبية. وجد أليساندرو وسكارليت نفسيهما محاصرين وسط موجة بشرية متلاحمة، حيث باتت الحركة تعتمد على التلاحم والتدافع الخفيف بين الحضور. في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كان أحد المرافقين يتجاوزهم بسرعة مسبباً حركة مفاجئة في الزحام، كاد أحد المارة أن يرتطم بأليساندرو بقوة من جهة عمائه، ما هدد بإفقاده توازنه. دون تردد، مدت سكارليت يدها بسرعة وأحاطت بخصر وقوام بدلته، وضغطت عليه بقوة لتجذبه نحوها تماماً، ملتصقة بجانبه الأيمن لتقيه الاصطدام وتشق له طريقاً آمناً وسط الزحام الضيق. في تلك الثواني المعدودات، اصطدم جسداهما بقرب قسري وحميم لم يختبراه من قبل؛ شعر أليساندرو برقة قوامها يلتصق بكتفه وصدره، وحرارة أنفاسها القريبة التي لامست عنقه، ووزن يدها الثابتة والمحيطة به لتثبيته. بالنسبة لرجل يقدس مساحته الخاصة ويرفض أي شكل من أشكال التبعية، كانت هذه اللمسة المباشرة وهذا الالتصاق القسري بمثابة صاعقة تحرق كبرياءه وتذكّره بعمائه وضعفه المطلق. تصلبت عضلات أليساندرو بشكل مرعب، وانحبس
في مساء اليوم التالي، تحول الجناح الخاص إلى مساحة مشحونة بتوتر خفي يشبه السكون الذي يسبق العاصفة.كان أليساندرو يقف أمام مرآة خلع الملابس الكبيرة—تلك المفارقة القاسية لرجل يعيش في عتمة دائمة—يحاول عبثاً ترتيب ربطة عنق بدلته الرسمية. كانت أصابعه الطويلة تتحسس قماش الحرير ببطء وتوتر، لكن العقدة انزلقت للمرة الثالثة بشكل مائل وغير متناسق. اشتدت ملامحه غضباً، وارتسمت على وجهه علامات الإحباط الصامت؛ فهو يرفض تماماً أن يطلب المساعدة، لكن عجزه البصري كان يضعه أمام حقيقة مرة يكره الاعتراف بها، فضلًا عن إظهارها.على الطرف الآخر من الغرفة، كانت سكارليت تقف بهدوء أمام مرآة جانبية، ترتدي فستان سهرة داكن اللون، فائق الأناقة والوقار. كان الفستان يلتف حول قوامها بتصميم كلاسيكي محتشم لكنه طاغٍ بحضوره، تاركاً انطباعاً بالأناقة الصامتة التي تخطف الأنظار دون صخب، بينما زاد شعرها المرتب بعناية من هيبتها وجمالها الهادئ.راقبته سكارليت في انعكاس المرآة وهو يصارع العقدة بإحباط متزايد. أدركت فوراً أن خروجه بهذا الشكل المعوج سيعرضه لسخرية خفية بين الحضور، وهو أمر يمس كبرياء العائلة الذي لا تستطيع تحمله.دون س
مرت الأيام التالية في الجناح كقطع من جليد صامت. لم يتبادل أليساندرو و سكارليت سوى كلمات معدودة، بينما انصرفت هي كلياً إلى عملها على حاسوبها، متجاهلة تماماً وجوده. أما هو، فكان يغرق في حنق داخلي يرفض الاعتراف به. لكن هذا الهدوء المشحون انكسر خلال إحدى وجبات الطعام على مائدة العائلة الكبرى. بينما كان الصمت يسود الأجواء، قطع **ريتشارد** ذلك السُّكون بابتسامة عملية ومباشرة، موجهاً حديثه نحو أليساندرو بصوت واضح سمعه الجميع: "بالمناسبة يا أليساندرو، حفل الاستقبال الرسمي لعائلة موريتّي سيقام مساء الغد، وحضورك إلزامي بصفتك ممثلاً للعائلة. وبما أنك ترفض دائماً الاستعانة بالمرافقين التقليديين، فستكون سكارليت هي رفيقتك وعينك لهذا المساء؛ فهي من تشاركك السقف وستعرف كيف تدير الأمور بجانبك." تصلبت ملامح أليساندرو فوراً، وعلقت ملعقته في يده. ارتسمت على وجهه علامات الرفض القاطع، وبنبرة حادة تخترقها القسوة، أجاب دون تفكير: "أنا لا أحتاج إلى مرافق، يا والدي! يمكنني حضور هذا السخف وتدبر أمري وحدي تماماً كما اعتمدت دائماً دون مساعدة من أحد." ابتسم ريتشارد ببرود مستفز، وأضاف بنبرة محملة بالتشكيك: "
أشرقت شمس اليوم التالي على قصر موريتّي بضوء هادئ ينساب عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة لصالة الطعام الكبرى. كانت الأجواء على مائدة الإفطار تبدو هادئة وراقية، مخفية تحت سطحها توتراً خفياً يحمله صمت ليلة أمس الطويلة.جلست سكارليت على المائدة بهدوء وثبات، وقد ارتدت درعاً من الصمت والاتزان، ملامحها هادئة وخالية من أي تعبير يشي بما يدور في خلدها.عند رأس الطاولة، كانت السيدة **إيزابيلا** توزع ابتسامتها الحنونة والدافئة على الجميع. بادرت إيزابيلا بالحديث باهتمام بالغ نحو سكارليت، ووجهها يقطر لطفاً:"أخبرينا يا سكارليت... لقد أخبرتنا إليانور هذا الصباح أنكِ قررتِ التفرغ التام للكتابة. ما هي الفكرة العامة لقصتكِ؟ أهو كتاب في الأدب الإنساني أم رواية درامية؟ نحن حقاً نتوق لمعرفة ما يشغل تلك الروح المبدعة."أكمل **ديفيد** بابتسامته المرحة وهو يقطع قطعة من فطيرته:"بالتأكيد ستكون رواية عظيمة يا أمي! أي شخص يملك الجرأة لخلع قناع الشركات والنزول إلى ميدان الشغف الخالص يستحق أن ننتظر عمله بشغف... نحن فخورون بكِ وبقراركِ الشجاع."حتى **ريتشارد** أضاف بلهجة عملية مشجعة وهادئة:"التخلي عن الروتين المالي ل
ساد الجناح صمتٌ ثقيل، أشدّ وطأة من أي شجار دار بينهما من قبل. اختفت تلك الابتسامة المشرقة عن وجه سكارليت في جزء من الثانية، وتجمعت دموع ساخنة ومفاجئة في عينَيها، لكنها أبت أن تسقط، محبوسة خلف نظرة حارقة وموجوعة امتزجت فيها خيبة الأمل بالصدمة. من فوق فراشه، ظل أليساندرو جالساً بلا حراك، مشدود الملامح، وشارداً في الاتجاه الذي صدر منه صوتها. كان ينتظر... كان ينتظر بفارغ الصبر أن ينفجر الغضب في صوتها، أو أن ترد عليه بكلمات لاذعة وحادة كما اعتاد منها في كل مواجهة. ظل مترقباً، يصغي بحواسه الحادة لأي حركة عنيفة أو ردة فعل نارية تؤكد له أنها تأثرت بسخريته، لكنه لم يسمع شيئاً سوى صمتها المطلق. مرت ثوانٍ تبدو وكأنها دهور؛ لا صوت لأنفاسها المتقطعة، ولا صدى لأي دفاع. ثم، بصوت خفيض، مرتعش قليلاً بغصة مكتومة، لكنه محمل ببرود قارس وقاتل، فتحت فمها وقالت: "شكراً لك يا سيد أليساندرو... لقد أعدتني إلى الواقع حقاً." عقد أليساندرو حاجبيه في عتمة بصره، وتأهب لسماع بقية حديثها، لتابعته بنبرة تكسوها مرارة واضحة: "ومعك كل الحق... أمثالك لا يُجدي معهم الحديث، ولا فائدة تُرجى من محاولة جعله يرى شيئاً أبع







