Share

الفصل الثالث

last update publish date: 2026-10-17 02:46:59

حين تقترب النار

لم يعتد عاصِر الراوي أن يفقد السيطرة على شيء، لا على شركاته، ولا على الرجال الذين يعملون تحت إمرته، ولا حتى على حياته الخاصة التي أحكم إغلاق أبوابها منذ سنوات. لكن المكالمة الأخيرة تركت في صدره شعورًا ثقيلًا لم يستطع تجاهله؛ فاسم والده لم يكن مجرد ذكرى، بل جرحًا قديمًا أخفاه خلف المال والنفوذ.

أما ليال، فلم تكن تفكر في الماضي بقدر ما كانت تخشى على حاضرها.

وقفت أمام النافذة في مكتبه، تضم حقيبتها إلى صدرها، وتراقب السيارات المتحركة في الأسفل. كان هاتفها بين يديها، وقد حاولت الاتصال بشقيقها ثلاث مرات دون إجابة.

استدار عاصِر من خلف مكتبه حين لاحظ ارتباكها.

«ما الأمر؟»

التفتت إليه سريعًا.

«أخي لا يجيب عن اتصالاتي. ربما يكون في الجامعة، لكنني لا أستطيع التوقف عن التفكير في كلامك عن مراقبة منزلي.»

نهض عاصِر، وأخذ هاتفه من فوق المكتب.

«أرسلت رجلًا إلى منزلك، وسيتصل بي بمجرد وصوله.»

«وأنت تتوقع أن أهدأ لمجرد أنك أرسلت رجلًا؟ أنت لا تعرف عائلتي، ولا تعرف ما الذي قد يحدث لأمي لو أصابها مكروه.»

توقف أمامها، وكانت المسافة بينهما أقصر مما انتبهت إليه.

«أعرف أنك خائفة.»

ضحكت بمرارة.

«بالطبع أنا خائفة! هناك شخص يهددني، وآخر يتهمني بجريمة لم أرتكبها، ثم يخبرني الاثنان أن عليّ الهدوء! هل تعرف ما أكثر شيء يخيفني؟ أن أعود إلى المنزل فأجد أنني خسرت عملي، وأن أمي لم تحصل على دوائها، وأن أخي يضطر إلى ترك دراسته لأنني لم أستطع حمايتهما.»

لم يجبها فورًا.

كانت كلماتها مختلفة عن شكاوى الموظفين الذين اعتادوا المبالغة في مشكلاتهم أمامه. لم تكن تطلب ترقية، ولا مالًا، ولا معاملة خاصة. كانت تحاول فقط حماية عالم صغير لا يملك رفاهية السقوط.

قال أخيرًا بصوت أقل قسوة:

«لن تخسري عملك بسبب هذه القضية قبل أن تظهر الحقيقة.»

حدقت فيه.

«هذا وعد؟»

«هذا قرار.»

هزت رأسها باستنكار.

«حتى وعودك تصدرها كأنك توقع عقدًا.»

ظهرت ابتسامة خاطفة على وجهه، ثم اختفت.

«وأنتِ لا تعرفين متى تتوقفين عن استفزازي.»

«وأنت لا تعرف كيف تتحدث مع الناس دون أن تشعرهم بأنهم متهمون.»

تلاقت عيناهما، وشعرت ليال للحظة بأن الغرفة أصبحت أضيق، وأن صمته لم يعد يشبه صمته الغاضب في الصباح.

كان عاصِر أول من ابتعد.

رن هاتفه قبل أن يقول شيئًا.

---

وصلت الرسالة من مسؤول الأمن بعد دقائق: السيارة التي أُرسلت إلى منزل ليال وجدت باب البناية مفتوحًا، وحارس العقار مصابًا إصابة طفيفة، بينما اختفى شقيقها من المكان.

لم تنتظر ليال سماع بقية التفاصيل.

«ماذا تعني بأنه اختفى؟ أين أمي؟ أين أخي؟»

أمسك عاصِر بذراعها عندما اندفعت نحو الباب.

«ليال، انتظري!»

حاولت الإفلات منه، فاستدارت نحوه بعينين امتلأتا بالذعر.

«لا تلمسني! أريد الذهاب إلى منزلي!»

ترك ذراعها فورًا، لكنه وقف أمامها.

«لن أمنعك من الذهاب. لكنك لن تخرجي وحدك، ولن تركضي إلى مكان قد يكون مراقبًا. أعطيني دقيقتين لأرتب السيارة.»

«دقيقتان؟ أنت تتحدث عن أخي!»

«وأنا أحاول أن أعيده إليك سالمًا، لكنك لن تساعديه إذا اندفعتِ دون تفكير.»

كانت تريد أن تصرخ في وجهه، أن تخبره بأنه لا يملك الحق في إعطائها الأوامر، لكنها رأت في عينيه شيئًا لم تتوقعه: لم يكن هدوء رجل يستمتع بالسيطرة، بل تركيز رجل أدرك أن الوقت قد يكون أخطر عدو لهما.

ابتلعت خوفها بصعوبة.

«حسنًا. لكن إذا حاولتَ إبعادي عن أخي، فلن أسامحك أبدًا.»

أجابها وهو يتجه إلى الباب:

«احتفظي بغضبك ليال. سنحتاج إليه حين نجد من فعل هذا.»

---

كانت الأمطار قد بدأت تهطل حين انطلقت السيارة السوداء عبر الشوارع. جلس عاصِر إلى جوار ليال في المقعد الخلفي، يتابع اتصالاته، بينما راحت هي تحدق في هاتفها الذي لم يتوقف عن الصمت.

وفجأة، انحرفت السيارة بقوة لتفادي شاحنة خرجت من شارع جانبي.

اختل توازن ليال واندفعت إلى الأمام، لكن يد عاصِر امتدت بسرعة وأمسكت بها من خصرها قبل أن تصطدم بحافة المقعد.

تجمدت الحركة بينهما لثانية.

كانت يداه ثابتتين حولها، بينما استقرت كفها فوق صدره لتمنع نفسها من السقوط. رفعت عينيها، فوجدت وجهه قريبًا إلى حد أربكها، ورأت خصلات شعره الفضية وقد ابتلت أطرافها قليلًا من المطر الذي تسلل حين فتح باب المبنى.

قال بصوت خافت:

«هل أصبتِ؟»

حاولت الإجابة، لكن الكلمات تأخرت.

لم يكن قربه وحده ما أربكها، بل الطريقة التي تبدلت بها ملامحه حين خاف أن تتأذى. للحظة، اختفت صرامته المعتادة، وبدا الرجل الذي أمامها مختلفًا عن ذلك الذي هددها في الصباح.

أبعدت يدها عن صدره، واستقامت بسرعة.

«أنا بخير.»

لم يترك خصرها إلا حين تأكد من استقرارها، ثم سحب يده ببطء، وكأن الحركة البسيطة أصبحت فجأة أكثر تعقيدًا مما ينبغي.

عادت ليال إلى مقعدها، وأدارت وجهها نحو النافذة.

أما عاصِر، فحدق في يده لحظة قبل أن يعيدها إلى جانبه.

كان يستطيع تبرير تصرفه بأنه رد فعل غريزي، وأن أي رجل في مكانه كان سيفعل الشيء نفسه. ومع ذلك، لم يستطع تجاهل أثر قربها، ولا تلك النظرة التي ارتبكت فيها عيناها للمرة الأولى منذ أن التقاها.

قال بلهجة حاول أن يجعلها عادية:

«عليكِ ربط حزام الأمان جيدًا.»

التفتت إليه، وقد استعادت شيئًا من جرأتها.

«وعليكَ أن تتعلم القيادة دون أن تجعل الركاب يختبرون وصايا الموت.»

رفع حاجبه.

«هل تسخرين مني الآن؟»

«أحاول أن أستعيد أعصابي. هل لديك اعتراض؟»

نظر إليها لحظة، ثم أدار وجهه نحو النافذة.

«كثيرة الكلام.»

ابتسمت رغم خوفها.

«ومتسلط.»

وللمرة الأولى، لم يرد عاصِر.

---

حين وصلا إلى البناية، كان أحد رجال الأمن ينتظرهما عند المدخل.

أخبرهما أن والدة ليال بخير، وأن شقيقها خرج قبل ساعة لشراء دواء من الصيدلية، ولم يعد حتى الآن. أما حارس العقار، فقد أكد أن رجلين مجهولين سألا عن الشقة، ثم غادرا بعد أن شاهدا أحد الجيران يقترب.

شعرت ليال بأن ساقيها لم تعودا تحملانها.

«إذن ربما يكون أخي في الخارج، ولا يعرف شيئًا مما يحدث!»

أخرجت هاتفها وحاولت الاتصال به مجددًا.

هذه المرة، جاء الرد.

«ليال؟»

كادت تبكي من شدة الارتياح.

«أين أنت يا آدم؟ لماذا لا تجيب عن اتصالاتي؟ لقد كدت أموت خوفًا عليك!»

جاءها صوته متوترًا:

«أنا في الصيدلية القريبة، لكن هناك رجلًا يتبعني منذ خرجت. حاولت الاتصال بك، ثم انطفأ هاتفي.»

شهقت ليال.

«ابقَ مكانك! لا تخرج إلى الشارع، سأصل إليك الآن!»

أخذ عاصِر الهاتف منها بهدوء.

«آدم، استمع إليّ جيدًا. ابقَ داخل الصيدلية، وأخبر الصيدلي ألا يسمح لأحد بإخراجك. سيصل إليك رجل من الأمن خلال دقائق. لا تواجه الشخص الذي يتبعك، ولا تحاول الهرب وحدك.»

صمت آدم لحظة.

«من أنت؟»

«عاصِر الراوي. أعمل مع شقيقتك.»

«هل ليال بخير؟»

نظر عاصِر إليها، فرأى القلق ينهش ملامحها.

«نعم. وهي في طريقها إليك.»

أنهى المكالمة، ثم أعاد الهاتف إليها.

لم تقل ليال شيئًا، لكنها نظرت إليه نظرة امتنان صامتة لم تستطع إخفاءها.

قال عاصِر وهو يفتح باب السيارة:

«لنذهب.»

هذه المرة، لم تعترض.

---

بعد أن عثر رجال الأمن على آدم وأعادوه سالمًا إلى والدته، جلست ليال في غرفة المعيشة الصغيرة، تمسك بيد أخيها وتوبخه وهي تكاد تبكي.

«ألم أقل لك ألا تتأخر دون أن تخبرني؟ أنا لا أمنعك من الخروج، لكنك تعرف الظروف التي نمر بها. هاتفي كان بين يدي طوال الوقت، وكل ما كنت أحتاج إليه هو أن أسمع صوتك.»

خفض آدم رأسه، ثم احتضنها.

«أنا آسف يا ليال. لم أكن أعرف أن أحدًا يراقبني.»

وقفت والدتهما عند باب الغرفة، شاحبة الوجه، تنظر إلى عاصِر الذي بقي بعيدًا احترامًا لخصوصية الأسرة.

اقتربت منه أخيرًا وقالت:

«لا أعرف ما الذي حدث في عمل ابنتي، لكنني رأيت الخوف في عينيها حين دخلت. أرجوك، إن كان عملها سيعرّضها للخطر، فلا تجعلها تدفع ثمن شيء لا ذنب لها فيه.»

لم يجد عاصِر إجابة جاهزة.

نظر إلى ليال، التي كانت تضم أخاها وتحاول إقناع والدتها بأنها بخير، ثم قال بهدوء:

«سأعرف من يقف وراء ما حدث، ولن أسمح بتحويل ابنتك إلى كبش فداء.»

لم تشكره الأم، ولم تطمئن إليه تمامًا، لكنها أومأت برأسها.

أما ليال، فقد سمعته، ولم تعرف لماذا شعرت بأن كلماته هذه المرة لم تكن مجرد أمر يصدره رئيس شركة.

---

في طريق العودة، توقفت السيارة عند إشارة مرور حمراء.

كان عاصِر يراجع رسالة وصلته من فريق التحقيق، حين لاحظ انعكاس وجه ليال على النافذة. بدت مرهقة، وقد انطفأت الجرأة التي واجهته بها طوال اليوم، تاركة خلفها امرأة تحمل فوق كتفيها مسؤوليات أكبر من عمرها.

قال دون أن يرفع عينيه عن الهاتف:

«يمكنك أخذ إجازة غدًا.»

التفتت إليه بدهشة.

«ماذا؟»

«لقد مررتِ بيوم سيئ. سأطلب من الموارد البشرية تأجيل مباشرتك حتى ننتهي من التحقيق.»

استقامت في مقعدها.

«لا أريد إجازة.»

رفع عينيه.

«أنتِ بحاجة إلى الراحة.»

«أنا بحاجة إلى العمل. أمي تحتاج إلى العلاج، وأخي يحتاج إلى إكمال دراسته، وأنا لن أسمح لشخص مجهول بأن يسرق مني الوظيفة التي انتظرتها طويلًا.»

تأملها طويلًا، ثم أغلق هاتفه.

«حتى وأنتِ خائفة، ترفضين التراجع.»

«الخوف لا يعني أنني سأستسلم.»

قال بصوت خافت، كأنه يحدث نفسه:

«ربما تكونين أخطر مما ظننت.»

سمعته، فالتفتت إليه بابتسامة صغيرة.

«وأنت ربما تكون أقل سوءًا مما ظننت.»

لم يبتسم، لكنه لم يستطع منع الدفء الغريب الذي تسلل إلى صدره.

ثم اهتز هاتفه برسالة جديدة من رقم مجهول.

فتحها، فتغير وجهه في لحظة.

كانت صورة قديمة لوالده الراحل، يقف أمام مبنى لم يعد موجودًا، وإلى جواره رجل يحمل ملفًا أسود.

أسفل الصورة كُتبت عبارة واحدة:

«اسأل ليال منصور عمّا أخفاه والدها قبل موته، وستعرف لماذا اختيرت هي بالذات لتعمل عندك.»

رفع عاصِر رأسه ببطء.

كانت ليال تنظر إليه، وقد لاحظت التغير المفاجئ في ملامحه.

«ماذا حدث؟»

أطفأ الشاشة، لكنه لم يستطع إخفاء الشك الذي بدأ يتسلل إلى عينيه.

للمرة الثانية، وجد نفسه أمام سؤال لا يملك إجابته.

هل كانت ليال مجرد موظفة بريئة وقعت وسط مؤامرة قديمة؟

أم أن وصولها إلى شركته لم يكن مصادفة كما اعتقد؟

وفي مكان بعيد، داخل غرفة مظلمة، كان رجل يراقب صورتهما من كاميرا مثبتة في السيارة، قبل أن يرفع هاتفه ويقول:

«لقد بدأ يشك فيها. حان الوقت لنجعلها تختار بين إنقاذ عائلتها... وإنقاذ عاصِر الراوي.»

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل السادس

    خلف الأبواب المغلقةلم يكن عاصر الراوي معتادًا على فقدان السيطرة.طوال خمسة وأربعين عامًا، تعلّم أن الحياة لا تمنح شيئًا لمن ينتظر، وأن الرجال الذين يترددون يخسرون قبل أن تبدأ المعركة. بنى إمبراطوريته بيديه، وأخضع منافسيه ببرود أعصاب لا يعرف الرحمة، واعتاد أن تكون الكلمة الأخيرة له في كل مكان يدخله.لكن امرأة واحدة نجحت، في وقت قصير على نحو أثار غضبه، في زعزعة ذلك اليقين الراسخ داخله.ليال منصور.لم يكن اسمها وحده هو ما يزعجه، بل تلك النظرة التي رمقته بها قبل أن تغادر مكتبه؛ نظرة لم تحمل خوفًا ولا خضوعًا، ولم تتوسل إليه أن يفسر ما حدث بينهما. لقد تركته واقفًا أمام حقيقة لم يرغب في مواجهتها: أنه، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن متأكدًا من قراره التالي.جلس خلف مكتبه، وأعاد فتح الملف المالي الذي أرسله إليه مدير الإدارة القانونية. كانت الأرقام واضحة، والتحويلات موثقة، لكن هناك فجوة صغيرة في السجلات تتكرر كلما اقترب من الحسابات التي أشارت إليها ليال.فجوة لم يستطع أحد تفسيرها.رفع سماعة الهاتف واتصل بمدير الأمن.— أريد تقريرًا كاملًا عن الرجل الذي ظهر في تسجيلات الطابق الإداري ليلة أمس.جا

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل الخامس

    قبلة أشعلت الخطيئةلم يكن عاصِر الراوي يؤمن بالمصادفات، لكنه وجد نفسه أمام مصادفة أكبر من أن يتجاهلها، وأخطر من أن يصدقها.والد ليال منصور مات بعد تقديم بلاغ سري يتعلق بتحويلات مالية مرتبطة بشركته، ووالده كان آخر من تسلّم الصفحة المفقودة من تقرير التحقيق.أعاد قراءة الرسالة، ثم أغلق الحاسوب بعنف.هل كان والده متورطًا في جريمة؟ أم أنه اكتشفها وحاول إيقافها؟ ولماذا ظهرت ليال في حياته الآن، بعد سنوات من اختفاء الأدلة؟فتح هاتفه واتصل بمساعده.«أريد اسم المحقق الذي تولّى قضية وفاة والد ليال. أريد كل المستندات الأصلية، لا النسخ الموجودة في الأرشيف. وإذا حاول أحد تعطيلك، فأخبرني باسمه.»جاءه الرد مترددًا:«هناك مشكلة أخرى، سيدي. المحقق توفي منذ أربع سنوات، لكننا وجدنا اسمًا في ملاحظاته الأخيرة. اسم شخص لا يزال يعمل في شركتكم.»تصلّبت ملامح عاصِر.«من؟»«مدير الإدارة المالية، السيد فؤاد الشربيني.»ظل عاصِر صامتًا لحظة، ثم قال:«لا تواجهه. راقبه فقط، ولا تدعه يعرف أننا نبحث وراءه.»أنهى المكالمة، ونهض متجهًا نحو النافذة.كان فؤاد من أقدم موظفي الشركة، ورجلًا وثق به عاصِر لسنوات. وإذا كان متور

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل الرابع

    على حافة الخطرلم ينم عاصِر الراوي تلك الليلة.ظل جالسًا في مكتبه الخاص، أمامه الصورة القديمة التي وصلته من الرقم المجهول، بينما تتردد في رأسه كلمات الرسالة كأنها إهانة شخصية لا يستطيع التغاضي عنها.«اسأل ليال منصور عمّا أخفاه والدها قبل موته.»كان والد ليال قد مات منذ سنوات، ووالده هو الآخر رحل تاركًا وراءه أسرارًا لم يستطع عاصِر الوصول إلى حقيقتها. فهل كانت المصادفة قد جمعت ابنة رجل مجهول برجل يحمل اسم عائلته؟ أم أن أحدهم رتّب كل شيء بعناية؟رفع هاتفه واتصل بمساعده.«أريد ملفًا كاملًا عن والد ليال منصور، من تاريخ عمله حتى وفاته. لا تترك تفصيلًا صغيرًا، ولا تخبر أحدًا بسبب البحث.»جاءه صوت مساعده مترددًا:«هل تتوقع أن تكون الآنسة ليال متورطة، سيدي؟»أجاب عاصِر ببرود:«أتوقع أن هناك شخصًا يحاول إقناعي بشيء. وأنا لا أثق بأحد قبل أن أرى الحقيقة.»أنهى المكالمة، ثم نظر إلى الساعة.كانت السادسة صباحًا.وعلى الرغم من أنه لم ينم، اتخذ قراره: ستعود ليال إلى الشركة في الموعد المعتاد، وستعمل تحت نظره مباشرة، حتى يعرف إن كانت ضحية المؤامرة أم جزءًا منها.لكنه لم يكن مستعدًا لما سيحدث حين يراها.

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل الثالث

    حين تقترب النارلم يعتد عاصِر الراوي أن يفقد السيطرة على شيء، لا على شركاته، ولا على الرجال الذين يعملون تحت إمرته، ولا حتى على حياته الخاصة التي أحكم إغلاق أبوابها منذ سنوات. لكن المكالمة الأخيرة تركت في صدره شعورًا ثقيلًا لم يستطع تجاهله؛ فاسم والده لم يكن مجرد ذكرى، بل جرحًا قديمًا أخفاه خلف المال والنفوذ.أما ليال، فلم تكن تفكر في الماضي بقدر ما كانت تخشى على حاضرها.وقفت أمام النافذة في مكتبه، تضم حقيبتها إلى صدرها، وتراقب السيارات المتحركة في الأسفل. كان هاتفها بين يديها، وقد حاولت الاتصال بشقيقها ثلاث مرات دون إجابة.استدار عاصِر من خلف مكتبه حين لاحظ ارتباكها.«ما الأمر؟»التفتت إليه سريعًا.«أخي لا يجيب عن اتصالاتي. ربما يكون في الجامعة، لكنني لا أستطيع التوقف عن التفكير في كلامك عن مراقبة منزلي.»نهض عاصِر، وأخذ هاتفه من فوق المكتب.«أرسلت رجلًا إلى منزلك، وسيتصل بي بمجرد وصوله.»«وأنت تتوقع أن أهدأ لمجرد أنك أرسلت رجلًا؟ أنت لا تعرف عائلتي، ولا تعرف ما الذي قد يحدث لأمي لو أصابها مكروه.»توقف أمامها، وكانت المسافة بينهما أقصر مما انتبهت إليه.«أعرف أنك خائفة.»ضحكت بمرارة.

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل الثاني

    المتهمة التي لم تنحنِ«لن أغادر هذا المكتب باعتباري سارقة!»دوّى صوت ليال في المكان، فتوقفت مسؤولة الأمن عند الباب، بينما تبادل الرجلان القادمَان من الإدارة المالية نظرات قلقة. أما عاصِر الراوي، فظل واقفًا أمامها بملامحه الجامدة، كأن اعتراضها لم يكن سوى ضجيج لا يستحق الالتفات إليه.قال ببرود: «أنتِ لستِ في موقع يسمح لكِ بفرض الشروط.»«وأنت لست في موقع يسمح لك بإدانتي قبل التحقيق! إذا كان لديك دليل، فاعرضه أمامي. أما أن تحاصرني وتمنعني من المغادرة، ثم تتوقع مني أن أقف صامتة، فهذا لن يحدث.»اقترب عاصِر من المكتب، ووضع كفيه فوقه، محدقًا في عينيها.«الملف السري حُمّل باستخدام حسابك الشخصي، وفي اللحظة نفسها اختفت النسخة الأصلية من النظام. هل تريدين مني أن أصدق أن الأشباح فعلت ذلك؟»أجابته دون تردد: «أريدك أن تصدق أن الأنظمة الإلكترونية يمكن اختراقها، وأن الحسابات يمكن استخدامها دون علم أصحابها. وإذا كنت تدير شركة بهذا الحجم ولا تعرف ذلك، فهذه مصيبة أكبر من اختفاء ملف.»تجمدت ملامح الرجل الواقف خلف عاصِر، وكأنه كان ينتظر منها أن تبكي أو تتوسل، لا أن تواجه رئيس الشركة بهذه الجرأة.أما عاصِر،

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل الأول

    خطيئة عند البابلم تكن ليال منصور تعرف أن أسوأ قرارات حياتها سيبدأ ببابٍ زجاجيٍّ فاخر، ورجلٍ ذي شعرٍ فضيٍّ ينظر إليها كما لو أنها خطأٌ ينبغي محوه من الوجود.في السابعة وخمسٍ وأربعين دقيقة من صباح يومها الأول في شركة الراوي للاستثمارات، كانت تركض عبر الشارع المزدحم، تحتضن حقيبتها إلى صدرها، بينما تتعثر خطواتها بحذائها الذي اختارت ارتداءه رغم الألم الذي يسببه لها.لم تنم سوى ساعتين؛ فقد قضت ليلتها بين والدتها المريضة التي لم تتوقف عن السعال، وشقيقها الأصغر الذي يحتاج إلى مصروف دراسته، وفواتير تراكمت حتى باتت تخشى النظر إليها. كانت هذه الوظيفة فرصتها الأخيرة لتمنع البيت الصغير من الانهيار فوق رؤوس ساكنيه.وحين وصلت أخيرًا إلى مدخل البرج الزجاجي، اصطدمت بكتف رجلٍ خارج من الباب، فسقطت أوراقها أرضًا، وانسكب بعض القهوة التي تحملها على كمّ معطفه الأسود.ساد الصمت.رفعت عينيها، فرأت رجلًا طويلًا عريض الكتفين، يرتدي بدلة سوداء مفصّلة بعناية، وتنسدل فوق جبهته خصلات فضية زادته هيبةً وقسوة. لم يكن في ملامحه ما يوحي بأنه اعتاد الاعتذار؛ بل بدا كأن العالم بأكمله وُجد كي يفسح له الطريق.تأمل البقعة ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status