LOGINعلى حافة الخطر
لم ينم عاصِر الراوي تلك الليلة.
ظل جالسًا في مكتبه الخاص، أمامه الصورة القديمة التي وصلته من الرقم المجهول، بينما تتردد في رأسه كلمات الرسالة كأنها إهانة شخصية لا يستطيع التغاضي عنها.
«اسأل ليال منصور عمّا أخفاه والدها قبل موته.»
كان والد ليال قد مات منذ سنوات، ووالده هو الآخر رحل تاركًا وراءه أسرارًا لم يستطع عاصِر الوصول إلى حقيقتها. فهل كانت المصادفة قد جمعت ابنة رجل مجهول برجل يحمل اسم عائلته؟ أم أن أحدهم رتّب كل شيء بعناية؟
رفع هاتفه واتصل بمساعده.
«أريد ملفًا كاملًا عن والد ليال منصور، من تاريخ عمله حتى وفاته. لا تترك تفصيلًا صغيرًا، ولا تخبر أحدًا بسبب البحث.»
جاءه صوت مساعده مترددًا:
«هل تتوقع أن تكون الآنسة ليال متورطة، سيدي؟»
أجاب عاصِر ببرود:
«أتوقع أن هناك شخصًا يحاول إقناعي بشيء. وأنا لا أثق بأحد قبل أن أرى الحقيقة.»
أنهى المكالمة، ثم نظر إلى الساعة.
كانت السادسة صباحًا.
وعلى الرغم من أنه لم ينم، اتخذ قراره: ستعود ليال إلى الشركة في الموعد المعتاد، وستعمل تحت نظره مباشرة، حتى يعرف إن كانت ضحية المؤامرة أم جزءًا منها.
لكنه لم يكن مستعدًا لما سيحدث حين يراها.
---
وصلت ليال إلى الشركة في الثامنة تمامًا، مرتدية قميصًا عاجيًّا بسيطًا وتنورة سوداء، وقد رفعت شعرها خلف رأسها في تسريحة عملية. كانت آثار الليلة الماضية لا تزال واضحة في عينيها، لكنها رفضت أن تسمح للخوف بأن يسرق منها ثقتها بنفسها.
ما إن خرجت من المصعد حتى وجدته واقفًا أمام مكتبه.
كان يرتدي قميصًا أسود بأكمام مطوية قليلًا، وقد بدا شعره الفضي أكثر وضوحًا تحت الإضاءة البيضاء. نظر إليها نظرة طويلة، ثم قال:
«تأخرتِ.»
توقفت، ونظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط.
«وصلت قبل الموعد بدقيقتين.»
«كنت أتوقع أن تصلي قبل الموعد بخمس دقائق.»
«وأنا كنت أتوقع أن أجد رئيسًا يحترم مواعيده بدلًا من اختراع قوانين جديدة كل صباح.»
تدخل مساعده محاولًا إخفاء ابتسامة، لكن نظرة واحدة من عاصِر جعلته ينشغل فجأة بالأوراق التي يحملها.
أشار عاصِر إلى مكتبه.
«ادخلي. لدينا الكثير لنتحدث عنه.»
دخلت ليال، وأغلقت الباب خلفها.
كان فوق المكتب ملف أسود يحمل اسم والدها.
توقفت خطواتها.
«من أين حصلت على هذا؟»
راقب عاصِر ملامحها بدقة.
«قبل أن أجيبك، أريد أن أسألك سؤالًا. هل سبق لوالدك أن عمل مع شركة الراوي؟»
اقتربت من المكتب، وأمسكت الملف دون أن تفتحه.
«كان محاسبًا في شركة مقاولات، وتوفي قبل سنوات. لا أفهم ما علاقة هذا بعمله هنا.»
«لم أسألك عن عمله هنا. سألتك إن كان قد تعامل مع شركتنا.»
رفعت عينيها إليه.
«لا أعرف. كنت صغيرة حين توفي، ولم يخبرني أحد عن كل تفاصيل حياته المهنية. لكنني أعرف شيئًا واحدًا: أبي لم يكن لصًّا، ولم يكن رجلًا يبيع ضميره مقابل المال.»
تغيرت نظرة عاصِر قليلًا.
«لم أقل إنه كان كذلك.»
«لكنّك وضعت ملفه أمامي وكأنك تنتظر مني اعترافًا.»
ساد الصمت.
ثم فتح عاصِر الملف، وأخرج صورة قديمة ووضعها أمامها.
«هل تعرفين هذا الرجل؟»
نظرت ليال إلى الصورة، فشحب وجهها.
كان والدها يقف أمام مبنى قديم، وإلى جواره رجل لم تره من قبل، يحمل ملفًا أسود مطابقًا للذي أمامها.
همست:
«أين وجدت هذه الصورة؟»
«وصلتني الليلة الماضية.»
رفعت رأسها إليه.
«ومن أرسلها؟»
«شخص يريدني أن أشك فيكِ.»
أعادَت الصورة إلى الطاولة بيد مرتجفة، ثم قالت:
«إذن لا تساعده.»
لم يتوقع عاصِر تلك الإجابة.
تابعت، وعيناها ثابتتان عليه:
«إذا كنت تعتقد أنني أخفي شيئًا، فاسألني مباشرة. وإذا كنت تشك في أن أبي ارتكب خطأ، فابحث عن الدليل. لكن لا تستخدم ذكرى رجل ميت لتضغط عليّ حتى أقول ما تريد سماعه.»
للحظة، رأى عاصِر في وجهها ألمًا حقيقيًّا لا يمكن اصطناعه بسهولة.
وكان ذلك كافيًا ليجعله يشعر بالخجل من السؤال التالي الذي كان يستعد لطرحه.
لكنه لم يعتذر.
قال فقط:
«سنصل إلى الحقيقة.»
أغلقت ليال الملف.
«أتمنى ذلك. لأنني لن أسمح لك بأن تجعلني عدوّتك لمجرد أن شخصًا مجهولًا قرر أن يضعني في طريقك.»
استدارت لتغادر، لكنه ناداها:
«ليال.»
توقفت دون أن تلتفت.
«نعم؟»
«اليوم ستعملين في مكتبي. أريدك أن تراجعي العقود القديمة بنفسك.»
التفتت إليه ببطء.
«هل هذا تكليف وظيفي أم طريقة أخرى لمراقبتي؟»
أجابها وهو يثبت نظره عليها:
«اعتبريه الأمرين.»
رفعت حاجبها.
«على الأقل أنت صريح في تسلطك.»
ثم خرجت، تاركة خلفها رجلًا لم يعتد أن يجد نفسه راغبًا في إكمال حديث مع شخص لا يكف عن معارضته.
---
عند الظهيرة، كانت ليال تقف أمام خزانة الملفات في المكتب الجانبي، تحاول الوصول إلى صندوق موضوع على رف مرتفع. سحبته بحذر، لكنه مال فجأة، وانزلقت مجموعة من المجلدات نحو الأرض.
امتدت يد عاصِر من خلفها لتثبيت الصندوق، فاستدارت بسرعة واصطدمت به.
تراجعت خطوة، لكن طرف حذائها تعثر في حقيبة موضوعة قرب الخزانة.
أمسك عاصِر بيدها قبل أن تسقط.
هذه المرة لم تكن هناك سيارة مسرعة، ولا خطر يستدعي ارتباكًا عابرًا.
كانا وحدهما، في مساحة ضيقة، ويده تطوق أصابعها بينما تستند يدها الأخرى إلى ذراعه.
رفعت عينيها إليه.
«يبدو أنني سأحتاج إلى حذاء جديد قبل نهاية هذا الأسبوع.»
قال وهو لا يزال ممسكًا بيدها:
«أو ربما تحتاجين إلى التوقف عن خوض المعارك مع الأثاث.»
ابتسمت رغمًا عنها.
«أنا لا أخوض المعارك مع الأثاث. الأثاث هو الذي يعلن الحرب عليّ في شركتك.»
انفرجت شفتاه عن ابتسامة حقيقية هذه المرة، صغيرة لكنها غيّرت ملامحه تغييرًا أربكها أكثر مما أرادت الاعتراف به.
ثم انتبه إلى أنه لا يزال يمسك يدها.
تركها ببطء.
«هل أنتِ بخير؟»
أجابت وهي ترتب كمّ قميصها:
«نعم. شكرًا.»
كان يفترض أن تنتهي اللحظة عند هذا الحد، لكن عاصِر لاحظ خصلة من شعرها انفلتت قرب وجهها، بينما كانت تحاول رفع الصندوق مجددًا.
رفع يده بحركة تلقائية، ثم توقف قبل أن يلمسها.
لاحظت ليال الحركة.
تلاقت عيناهما، وبقيت يده معلقة في الهواء لحظة قصيرة قبل أن يسحبها إلى جانبه.
قالت بصوت أخفض من المعتاد:
«كنت تريد إبعاد خصلة الشعر؟»
أجابها بعد صمت:
«كانت تحجب رؤيتك.»
ابتسمت ابتسامة جانبية.
«أمرك غريب يا سيد الراوي. تراقب حتى شعري الآن؟»
استعاد نبرته المعتادة بسرعة.
«أنا أراقب موظفة كادت تُسقط خزانة كاملة فوق رأسها.»
ضحكت ليال، وكانت ضحكتها قصيرة وعفوية، لكنها تركت أثرًا لم يتوقعه.
لم يتذكر آخر مرة سمع فيها ضحكة كهذه في مكتبه؛ ضحكة لا تحاول إرضاءه، ولا تخشى سلطته، ولا تطلب منه شيئًا.
وحين خرجت ليال حاملة الملفات، ظل عاصِر واقفًا مكانه لثوانٍ أطول مما ينبغي.
كان يستطيع السيطرة على اجتماعات تضم عشرات المستثمرين، لكنه لم يستطع تفسير سبب انشغاله بابتسامة موظفة تعمل لديه منذ يومين فقط.
وهذا، بالنسبة إلى رجل مثله، كان بداية مشكلة.
---
في المساء، دخلت نادين الراوي إلى الشركة دون موعد مسبق.
كانت ترتدي فستانًا أحمر أنيقًا، وتحمل حقيبة باهظة الثمن، بينما تتقدم بخطوات واثقة كأن المبنى ملك شخصي لها.
توقفت أمام مكتب عاصِر، ثم لمحت ليال جالسة إلى الجانب، تراجع العقود.
ابتسمت ابتسامة باردة.
«ومن هذه؟»
رفع عاصِر رأسه عن الأوراق.
«ليال منصور، مساعدتي التنفيذية الجديدة.»
تأملت نادين ملابس ليال البسيطة، ثم قالت بنبرة مغطاة بالنعومة:
«أوه، لم أكن أعرف أنك بدأت تعيّن موظفات بهذه السرعة. أتمنى فقط أن تكون كفاءتهن في العمل أهم من قدرتهن على لفت انتباه المدير.»
رفعت ليال عينيها ببطء.
كانت الإهانة واضحة، لكن نادين توقعت أن تصمت الفتاة الجديدة خوفًا على وظيفتها.
إلا أن ليال أغلقت الملف وقالت بهدوء:
«يمكنك الاطلاع على تقييمي الوظيفي إن أردتِ التأكد من كفاءتي. أما لفت الانتباه، فأظن أنني كنت أراجع العقود حين دخلتِ، لذلك لا أعرف ما الذي جعلك تستنتجين غير ذلك.»
تبدلت ابتسامة نادين.
أما عاصِر، فرفع عينيه عن الأوراق وراقب المشهد بصمت.
قالت نادين بحدة:
«أنتِ تتحدثين مع زوجة صاحب الشركة.»
أجابتها ليال دون أن تتغير نبرتها:
«وأنا أتحدث باحترام، وأتوقع الاحترام نفسه في المقابل.»
نهضت نادين، واتجهت إلى مكتب زوجها.
«عاصِر، أريدك أن تنهي هذا الأمر. لا أقبل أن تتحدث معي موظفة بهذه الطريقة.»
أغلق عاصِر الملف الذي أمامه.
«ليال تؤدي عملها. وإذا كان لديكِ اعتراض على أدائها، فأخبريني به بوضوح.»
حدقت نادين فيه، ثم التفتت إلى ليال بنظرة وعدت بالكثير من العداء.
«يبدو أنكِ لا تعرفين أين وضعتِ قدميكِ بعد.»
أجابتها ليال:
«أنا أعرف جيدًا أين أقف، ولهذا لا أخشى النظر في عيني من يحدثني.»
غادرت نادين المكتب بخطوات غاضبة، وأغلقت الباب خلفها بقوة.
ساد الصمت.
ثم قالت ليال وهي تعود إلى ملفاتها:
«زوجتك لا تحبني.»
أجاب عاصِر ببرود مصطنع:
«أنتِ لا تحتاجين إلى محبتها كي تؤدي عملك.»
«وأنت لا تحتاج إلى الكذب كي تخفي أن زيارتها أفسدت يومك.»
رفع رأسه إليها، فوجدها تنظر إليه بابتسامة صغيرة.
«هل تتعمدين استفزازي؟»
«لا. لكنني بدأت أعتقد أنني الوحيدة في هذا المبنى التي تستطيع قول الحقيقة أمامك.»
لم يجد جوابًا سريعًا.
وبينما كانت تعود إلى العمل، رن هاتفه برسالة من مساعده، تحتوي على أول نتائج البحث في ملف والدها.
فتح المرفق، وقرأ السطر الأول.
«توفي والد ليال منصور بعد أيام من تقديم بلاغ سري يتعلق بتحويلات مالية مرتبطة بشركة الراوي.»
اختفت كل علامات التسلية من وجهه.
رفع عينيه نحو ليال، التي كانت تراجع عقدًا قديمًا دون أن تعرف أن حياتها على وشك أن تنقلب مرة أخرى.
وللمرة الأولى، لم يعد سؤاله هو ما إذا كانت تخفي شيئًا عنه.
بل ما إذا كان الرجل الذي ربّاها قد مات لأنه اقترب أكثر مما ينبغي من سرّ عائلة الراوي.
وفي تلك اللحظة، وصلته رسالة ثانية من مساعده:
«سيدي، هناك صفحة مفقودة من تقرير التحقيق الأصلي. وآخر شخص وقّع على استلامها كان والدك.»
خلف الأبواب المغلقةلم يكن عاصر الراوي معتادًا على فقدان السيطرة.طوال خمسة وأربعين عامًا، تعلّم أن الحياة لا تمنح شيئًا لمن ينتظر، وأن الرجال الذين يترددون يخسرون قبل أن تبدأ المعركة. بنى إمبراطوريته بيديه، وأخضع منافسيه ببرود أعصاب لا يعرف الرحمة، واعتاد أن تكون الكلمة الأخيرة له في كل مكان يدخله.لكن امرأة واحدة نجحت، في وقت قصير على نحو أثار غضبه، في زعزعة ذلك اليقين الراسخ داخله.ليال منصور.لم يكن اسمها وحده هو ما يزعجه، بل تلك النظرة التي رمقته بها قبل أن تغادر مكتبه؛ نظرة لم تحمل خوفًا ولا خضوعًا، ولم تتوسل إليه أن يفسر ما حدث بينهما. لقد تركته واقفًا أمام حقيقة لم يرغب في مواجهتها: أنه، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن متأكدًا من قراره التالي.جلس خلف مكتبه، وأعاد فتح الملف المالي الذي أرسله إليه مدير الإدارة القانونية. كانت الأرقام واضحة، والتحويلات موثقة، لكن هناك فجوة صغيرة في السجلات تتكرر كلما اقترب من الحسابات التي أشارت إليها ليال.فجوة لم يستطع أحد تفسيرها.رفع سماعة الهاتف واتصل بمدير الأمن.— أريد تقريرًا كاملًا عن الرجل الذي ظهر في تسجيلات الطابق الإداري ليلة أمس.جا
قبلة أشعلت الخطيئةلم يكن عاصِر الراوي يؤمن بالمصادفات، لكنه وجد نفسه أمام مصادفة أكبر من أن يتجاهلها، وأخطر من أن يصدقها.والد ليال منصور مات بعد تقديم بلاغ سري يتعلق بتحويلات مالية مرتبطة بشركته، ووالده كان آخر من تسلّم الصفحة المفقودة من تقرير التحقيق.أعاد قراءة الرسالة، ثم أغلق الحاسوب بعنف.هل كان والده متورطًا في جريمة؟ أم أنه اكتشفها وحاول إيقافها؟ ولماذا ظهرت ليال في حياته الآن، بعد سنوات من اختفاء الأدلة؟فتح هاتفه واتصل بمساعده.«أريد اسم المحقق الذي تولّى قضية وفاة والد ليال. أريد كل المستندات الأصلية، لا النسخ الموجودة في الأرشيف. وإذا حاول أحد تعطيلك، فأخبرني باسمه.»جاءه الرد مترددًا:«هناك مشكلة أخرى، سيدي. المحقق توفي منذ أربع سنوات، لكننا وجدنا اسمًا في ملاحظاته الأخيرة. اسم شخص لا يزال يعمل في شركتكم.»تصلّبت ملامح عاصِر.«من؟»«مدير الإدارة المالية، السيد فؤاد الشربيني.»ظل عاصِر صامتًا لحظة، ثم قال:«لا تواجهه. راقبه فقط، ولا تدعه يعرف أننا نبحث وراءه.»أنهى المكالمة، ونهض متجهًا نحو النافذة.كان فؤاد من أقدم موظفي الشركة، ورجلًا وثق به عاصِر لسنوات. وإذا كان متور
على حافة الخطرلم ينم عاصِر الراوي تلك الليلة.ظل جالسًا في مكتبه الخاص، أمامه الصورة القديمة التي وصلته من الرقم المجهول، بينما تتردد في رأسه كلمات الرسالة كأنها إهانة شخصية لا يستطيع التغاضي عنها.«اسأل ليال منصور عمّا أخفاه والدها قبل موته.»كان والد ليال قد مات منذ سنوات، ووالده هو الآخر رحل تاركًا وراءه أسرارًا لم يستطع عاصِر الوصول إلى حقيقتها. فهل كانت المصادفة قد جمعت ابنة رجل مجهول برجل يحمل اسم عائلته؟ أم أن أحدهم رتّب كل شيء بعناية؟رفع هاتفه واتصل بمساعده.«أريد ملفًا كاملًا عن والد ليال منصور، من تاريخ عمله حتى وفاته. لا تترك تفصيلًا صغيرًا، ولا تخبر أحدًا بسبب البحث.»جاءه صوت مساعده مترددًا:«هل تتوقع أن تكون الآنسة ليال متورطة، سيدي؟»أجاب عاصِر ببرود:«أتوقع أن هناك شخصًا يحاول إقناعي بشيء. وأنا لا أثق بأحد قبل أن أرى الحقيقة.»أنهى المكالمة، ثم نظر إلى الساعة.كانت السادسة صباحًا.وعلى الرغم من أنه لم ينم، اتخذ قراره: ستعود ليال إلى الشركة في الموعد المعتاد، وستعمل تحت نظره مباشرة، حتى يعرف إن كانت ضحية المؤامرة أم جزءًا منها.لكنه لم يكن مستعدًا لما سيحدث حين يراها.
حين تقترب النارلم يعتد عاصِر الراوي أن يفقد السيطرة على شيء، لا على شركاته، ولا على الرجال الذين يعملون تحت إمرته، ولا حتى على حياته الخاصة التي أحكم إغلاق أبوابها منذ سنوات. لكن المكالمة الأخيرة تركت في صدره شعورًا ثقيلًا لم يستطع تجاهله؛ فاسم والده لم يكن مجرد ذكرى، بل جرحًا قديمًا أخفاه خلف المال والنفوذ.أما ليال، فلم تكن تفكر في الماضي بقدر ما كانت تخشى على حاضرها.وقفت أمام النافذة في مكتبه، تضم حقيبتها إلى صدرها، وتراقب السيارات المتحركة في الأسفل. كان هاتفها بين يديها، وقد حاولت الاتصال بشقيقها ثلاث مرات دون إجابة.استدار عاصِر من خلف مكتبه حين لاحظ ارتباكها.«ما الأمر؟»التفتت إليه سريعًا.«أخي لا يجيب عن اتصالاتي. ربما يكون في الجامعة، لكنني لا أستطيع التوقف عن التفكير في كلامك عن مراقبة منزلي.»نهض عاصِر، وأخذ هاتفه من فوق المكتب.«أرسلت رجلًا إلى منزلك، وسيتصل بي بمجرد وصوله.»«وأنت تتوقع أن أهدأ لمجرد أنك أرسلت رجلًا؟ أنت لا تعرف عائلتي، ولا تعرف ما الذي قد يحدث لأمي لو أصابها مكروه.»توقف أمامها، وكانت المسافة بينهما أقصر مما انتبهت إليه.«أعرف أنك خائفة.»ضحكت بمرارة.
المتهمة التي لم تنحنِ«لن أغادر هذا المكتب باعتباري سارقة!»دوّى صوت ليال في المكان، فتوقفت مسؤولة الأمن عند الباب، بينما تبادل الرجلان القادمَان من الإدارة المالية نظرات قلقة. أما عاصِر الراوي، فظل واقفًا أمامها بملامحه الجامدة، كأن اعتراضها لم يكن سوى ضجيج لا يستحق الالتفات إليه.قال ببرود: «أنتِ لستِ في موقع يسمح لكِ بفرض الشروط.»«وأنت لست في موقع يسمح لك بإدانتي قبل التحقيق! إذا كان لديك دليل، فاعرضه أمامي. أما أن تحاصرني وتمنعني من المغادرة، ثم تتوقع مني أن أقف صامتة، فهذا لن يحدث.»اقترب عاصِر من المكتب، ووضع كفيه فوقه، محدقًا في عينيها.«الملف السري حُمّل باستخدام حسابك الشخصي، وفي اللحظة نفسها اختفت النسخة الأصلية من النظام. هل تريدين مني أن أصدق أن الأشباح فعلت ذلك؟»أجابته دون تردد: «أريدك أن تصدق أن الأنظمة الإلكترونية يمكن اختراقها، وأن الحسابات يمكن استخدامها دون علم أصحابها. وإذا كنت تدير شركة بهذا الحجم ولا تعرف ذلك، فهذه مصيبة أكبر من اختفاء ملف.»تجمدت ملامح الرجل الواقف خلف عاصِر، وكأنه كان ينتظر منها أن تبكي أو تتوسل، لا أن تواجه رئيس الشركة بهذه الجرأة.أما عاصِر،
خطيئة عند البابلم تكن ليال منصور تعرف أن أسوأ قرارات حياتها سيبدأ ببابٍ زجاجيٍّ فاخر، ورجلٍ ذي شعرٍ فضيٍّ ينظر إليها كما لو أنها خطأٌ ينبغي محوه من الوجود.في السابعة وخمسٍ وأربعين دقيقة من صباح يومها الأول في شركة الراوي للاستثمارات، كانت تركض عبر الشارع المزدحم، تحتضن حقيبتها إلى صدرها، بينما تتعثر خطواتها بحذائها الذي اختارت ارتداءه رغم الألم الذي يسببه لها.لم تنم سوى ساعتين؛ فقد قضت ليلتها بين والدتها المريضة التي لم تتوقف عن السعال، وشقيقها الأصغر الذي يحتاج إلى مصروف دراسته، وفواتير تراكمت حتى باتت تخشى النظر إليها. كانت هذه الوظيفة فرصتها الأخيرة لتمنع البيت الصغير من الانهيار فوق رؤوس ساكنيه.وحين وصلت أخيرًا إلى مدخل البرج الزجاجي، اصطدمت بكتف رجلٍ خارج من الباب، فسقطت أوراقها أرضًا، وانسكب بعض القهوة التي تحملها على كمّ معطفه الأسود.ساد الصمت.رفعت عينيها، فرأت رجلًا طويلًا عريض الكتفين، يرتدي بدلة سوداء مفصّلة بعناية، وتنسدل فوق جبهته خصلات فضية زادته هيبةً وقسوة. لم يكن في ملامحه ما يوحي بأنه اعتاد الاعتذار؛ بل بدا كأن العالم بأكمله وُجد كي يفسح له الطريق.تأمل البقعة ا







