Share

الفصل الثاني

last update publish date: 2026-10-17 02:45:19

المتهمة التي لم تنحنِ

«لن أغادر هذا المكتب باعتباري سارقة!»

دوّى صوت ليال في المكان، فتوقفت مسؤولة الأمن عند الباب، بينما تبادل الرجلان القادمَان من الإدارة المالية نظرات قلقة. أما عاصِر الراوي، فظل واقفًا أمامها بملامحه الجامدة، كأن اعتراضها لم يكن سوى ضجيج لا يستحق الالتفات إليه.

قال ببرود: «أنتِ لستِ في موقع يسمح لكِ بفرض الشروط.»

«وأنت لست في موقع يسمح لك بإدانتي قبل التحقيق! إذا كان لديك دليل، فاعرضه أمامي. أما أن تحاصرني وتمنعني من المغادرة، ثم تتوقع مني أن أقف صامتة، فهذا لن يحدث.»

اقترب عاصِر من المكتب، ووضع كفيه فوقه، محدقًا في عينيها.

«الملف السري حُمّل باستخدام حسابك الشخصي، وفي اللحظة نفسها اختفت النسخة الأصلية من النظام. هل تريدين مني أن أصدق أن الأشباح فعلت ذلك؟»

أجابته دون تردد: «أريدك أن تصدق أن الأنظمة الإلكترونية يمكن اختراقها، وأن الحسابات يمكن استخدامها دون علم أصحابها. وإذا كنت تدير شركة بهذا الحجم ولا تعرف ذلك، فهذه مصيبة أكبر من اختفاء ملف.»

تجمدت ملامح الرجل الواقف خلف عاصِر، وكأنه كان ينتظر منها أن تبكي أو تتوسل، لا أن تواجه رئيس الشركة بهذه الجرأة.

أما عاصِر، فاقترب خطوة أخرى.

«احذري يا ليال.»

كانت تلك أول مرة ينطق فيها اسمها مجردًا من لقبها، لكن نبرته لم تحمل ألفة؛ بل تحذيرًا صريحًا.

رفعت رأسها وقالت: «أنا حذرة بالفعل. لهذا أطلب منك أن تفحص تسجيلات الكاميرات قبل أن تدمر حياة إنسانة لا تعرف عنها شيئًا.»

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم استدار عاصِر نحو مسؤول الأمن.

«أحضروا تسجيلات الطابق الثامن والعشرين من الثامنة صباحًا حتى الآن. وأريد تقريرًا تقنيًا عن سجل الدخول إلى حسابها.»

تنفست ليال بارتياح خافت، لكنه لم يدم طويلًا.

فقد أضاف عاصِر، دون أن ينظر إليها:

«وحتى ظهور النتائج، ستبقى تحت المراقبة.»

---

بعد عشرين دقيقة، اجتمعوا في غرفة المراقبة.

كانت ليال واقفة إلى جوار الطاولة، تراقب الشاشات بتركيز، بينما جلس عاصِر أمام الموظف المسؤول عن أنظمة الأمن.

مرّ التسجيل سريعًا: الموظفون يدخلون ويخرجون، الأبواب تُفتح وتُغلق، وليال تجلس أمام مكتبها دون أن تقترب من الحاسوب في الدقائق التي سُجّلت فيها عملية تنزيل الملف.

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

«هل هذا كافٍ؟»

لم يجب عاصِر.

طلب إعادة المقطع، ثم إبطاء الصورة.

ظهر رجل يرتدي زي الصيانة، يحمل صندوق أدوات، ويتوقف أمام مكتب ليال لثوانٍ قبل أن يغادر.

سأل عاصِر: «من هذا؟»

أجاب مسؤول الأمن: «عامل صيانة جديد. دخل المبنى بتصريح مؤقت هذا الصباح.»

«اسمه؟»

تردد الرجل قبل أن يفتح قاعدة البيانات.

«التصريح مسجل باسم سامح فؤاد، لكن صورة الهوية لا تتطابق تمامًا مع صورة الشخص الظاهر في التسجيل.»

اختفت ابتسامة ليال.

التفتت إلى عاصِر.

«لقد أخبرتك أن شخصًا ما يحاول توريطي.»

لم يبدُ مقتنعًا تمامًا، لكنه لم يعد ينظر إليها بالطريقة ذاتها.

قال لمسؤول الأمن: «أغلقوا جميع مخارج المبنى، ولا تسمحوا لأحد بالمغادرة قبل التحقق من هويته.»

تحرك الموظفون بسرعة، بينما نهض عاصِر واتجه نحو الباب.

لكن هاتفه رن قبل أن يخرج.

ظهر اسم زوجته على الشاشة: نادين.

أجاب، فجاءه صوتها الناعم متذمرًا:

«عاصِر، أين أنت؟ لقد وعدتني أن تصطحبني إلى العشاء هذا المساء، ولا أريد أن أسمع مجددًا أن عملك أهم مني.»

أغمض عينيه لحظة.

«لدي مشكلة في الشركة.»

«لديك مشكلة في الشركة كل يوم. هل تذكر أنك متزوج، أم أن أوراقك المالية أصبحت زوجتك الجديدة؟»

سمعت ليال العبارة رغم محاولتها تجاهل المكالمة، ولاحظت كيف تبدلت ملامح عاصِر؛ لم يكن غاضبًا تمامًا، بل بدا مرهقًا من حوار اعتاد تكراره.

قال بصرامة: «سأتصل بك لاحقًا.»

أنهى المكالمة قبل أن تجيبه، ثم التفت إلى ليال.

«ستأتين معي.»

عقدت حاجبيها.

«إلى أين؟»

«إلى مكتبي. أريد أن أسمع منك كل ما لاحظتِه في الملف قبل أن يختفي.»

«أيمكنني على الأقل الاتصال بوالدتي؟ إنها تنتظرني، ولا تعرف أنني محتجزة هنا.»

توقف عاصِر للحظة، ثم أشار إلى الهاتف الموضوع فوق الطاولة.

«اتصلي بها. خمس دقائق.»

لم تشكره. اتصلت بوالدتها، وطمأنتها بأنها ستتأخر بسبب العمل، ثم عادت إليه.

كان يراقبها بصمت.

لم يفهم لماذا أزعجه أنها لم تستغل الموقف لتستعطفه، ولماذا شعر بشيء يشبه الاحترام حين أخفت ارتجاف صوتها أثناء حديثها مع والدتها، كأنها تحاول ألا تنقل خوفها إليها.

أدار وجهه بعيدًا.

لم يكن هذا وقتًا لمثل تلك الأفكار.

---

في المكتب التنفيذي، وضع عاصِر أمامها نسخة مطبوعة من التحويلات المشبوهة.

«ابدئي من هنا.»

جلست ليال، وراحت تقارن الأرقام بأسماء الشركات. مرت دقائق طويلة لم يسمع خلالها سوى صوت تقليب الأوراق ونقرات قلمها فوق الطاولة.

ثم توقفت فجأة.

«هذه الشركة لا وجود فعليًا لها.»

اقترب عاصِر من خلف مقعدها، وانحنى قليلًا ليرى ما تشير إليه.

«ما الذي تقولينه؟»

«عنوانها مسجل في مبنى تجاري، لكن رقم التسجيل الضريبي يعود إلى شركة أُغلقت منذ عامين. والأغرب أن التحويلات بدأت قبل ثلاثة أشهر فقط، رغم أن التقرير يصفها بأنها شريك استثماري قديم.»

رفع عاصِر الورقة من يدها، وقرأ التفاصيل بنفسه.

«كيف عرفتِ ذلك؟»

«عملتُ سابقًا في مراجعة الحسابات. لم تكن وظيفتي كبيرة، لكنني تعلمت أن الأرقام لا تكذب من تلقاء نفسها؛ هناك دائمًا شخص يحاول أن يجعلها تقول ما يريد.»

نظر إليها طويلًا.

كان في عينيها غضب واضح، لكن خلفه عقل منظم وثقة لم تستطع التهمة أن تهزها.

قال أخيرًا: «إذا ثبت أن هذه التحويلات جزء من عملية احتيال، فسأعرف من يقف وراءها.»

أجابته: «وأنا أريد معرفة من استخدم اسمي. لكنني لن أتحمل مسؤولية أخطاء الآخرين كي تحافظ شركتك على سمعتها.»

مال برأسه قليلًا.

«أنتِ تفاوضين رئيس مجلس الإدارة، وأنتِ لا تزالين في يومك الأول.»

«وأنت تتحدث مع موظفة بريئة، ومع ذلك لم تعتذر عن اتهامها.»

للمرة الأولى، ظهر شيء قريب من الابتسامة عند طرف فمه، لكنه أخفاه سريعًا.

«لا أعتذر قبل أن أعرف الحقيقة.»

«إذن أتمنى أن تتعلم الاعتذار حين تعرفها.»

قبل أن يرد، انفتح الباب فجأة، ودخل مسؤول الأمن، شاحب الوجه.

«سيدي، لدينا مشكلة.»

وقف عاصِر.

«تحدث.»

«وجدنا عامل الصيانة في مرآب السيارات، لكنه لم يكن وحده. أحدهم اعتدى على الحارس، واستولى على بطاقة دخوله، ثم فرّ من البوابة الخلفية.»

«هل ألقيتم القبض عليه؟»

«لا، لكننا وجدنا هذا في سيارته.»

وضع المسؤول كيسًا شفافًا فوق المكتب. بداخله هاتف صغير، وعلى شاشته صورة لليال وهي تدخل المبنى صباحًا.

تراجعت ليال خطوة.

لم تكن الصورة وحدها ما أرعبها؛ بل الرسالة المفتوحة أسفلها:

«إذا بدأت تتحدث عن التحويلات، تخلّصوا منها قبل أن تصل إلى الدليل الأصلي.»

لم تستطع ابتلاع ريقها.

أما عاصِر، فقرأ الرسالة مرة، ثم رفع عينيه إليها. اختفى من ملامحه كل أثر للبرود المعتاد، وحلّ محله غضب قاتم.

«منذ هذه اللحظة، لن تتحركي وحدك داخل المبنى.»

حدقت فيه ليال.

«هل هذا أمر جديد باحتجازي؟»

«هذا أمر بحمايتك.»

ضحكت بمرارة، رغم الخوف الذي بدأ يتسلل إلى صدرها.

«غريب. قبل ساعة كنتَ مقتنعًا بأنني لصّة، والآن أصبحتَ حارسي الشخصي.»

اقترب منها، وقال بصوت منخفض وحاسم:

«قبل ساعة، كنت أظن أنني أتعامل مع مشكلة داخل شركتي. أما الآن، فأنا أتعامل مع شخص مستعد لقتل إنسانة كي يخفي ما فعله.»

ثم التفت إلى مسؤول الأمن.

«جهّزوا سيارة، وأرسلوا حارسًا إلى منزل الآنسة منصور. أريد معرفة ما إذا كان أحد قد راقب عائلتها أيضًا.»

شهقت ليال.

«عائلتي؟ لا، أرجوك! أمي مريضة، وأخي طفل، ليس لهما أي علاقة بهذا الأمر!»

«لن أسمح لأحد بالاقتراب منهما.»

حدقت في وجهه، تبحث عن كذبة، عن ذرة استغلال، عن أي شيء يجعلها ترفض مساعدته.

لكن هاتف عاصِر رنّ مجددًا قبل أن تتكلم.

هذه المرة لم يكن المتصل نادين، بل رقمًا مجهولًا.

أجاب، فجاءه صوت مشوّش قال جملة واحدة:

«إذا أردتَ إنقاذ موظفتك الجديدة، فلا تبحث عن التحويلات وحدها يا عاصِر... ابحث عمّا فعله والدك قبل موته.»

انقطع الاتصال.

وللمرة الأولى منذ سنوات، فقد عاصِر الراوي قدرته على إخفاء الصدمة.

أما ليال، التي كانت تراقبه من الجانب الآخر للمكتب، فقد أدركت أن المؤامرة لم تبدأ اليوم، وأن الرجل الذي اتهمها قبل ساعات قد يكون هو الآخر هدفًا لسرٍّ قديم.

لكن السؤال الذي لم يجرؤ أيٌّ منهما على طرحه كان واحدًا:

ما الذي تركه والد عاصِر وراءه، حتى أصبح ذكر اسمه تهديدًا بعد سنوات من موته؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل السادس

    خلف الأبواب المغلقةلم يكن عاصر الراوي معتادًا على فقدان السيطرة.طوال خمسة وأربعين عامًا، تعلّم أن الحياة لا تمنح شيئًا لمن ينتظر، وأن الرجال الذين يترددون يخسرون قبل أن تبدأ المعركة. بنى إمبراطوريته بيديه، وأخضع منافسيه ببرود أعصاب لا يعرف الرحمة، واعتاد أن تكون الكلمة الأخيرة له في كل مكان يدخله.لكن امرأة واحدة نجحت، في وقت قصير على نحو أثار غضبه، في زعزعة ذلك اليقين الراسخ داخله.ليال منصور.لم يكن اسمها وحده هو ما يزعجه، بل تلك النظرة التي رمقته بها قبل أن تغادر مكتبه؛ نظرة لم تحمل خوفًا ولا خضوعًا، ولم تتوسل إليه أن يفسر ما حدث بينهما. لقد تركته واقفًا أمام حقيقة لم يرغب في مواجهتها: أنه، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن متأكدًا من قراره التالي.جلس خلف مكتبه، وأعاد فتح الملف المالي الذي أرسله إليه مدير الإدارة القانونية. كانت الأرقام واضحة، والتحويلات موثقة، لكن هناك فجوة صغيرة في السجلات تتكرر كلما اقترب من الحسابات التي أشارت إليها ليال.فجوة لم يستطع أحد تفسيرها.رفع سماعة الهاتف واتصل بمدير الأمن.— أريد تقريرًا كاملًا عن الرجل الذي ظهر في تسجيلات الطابق الإداري ليلة أمس.جا

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل الخامس

    قبلة أشعلت الخطيئةلم يكن عاصِر الراوي يؤمن بالمصادفات، لكنه وجد نفسه أمام مصادفة أكبر من أن يتجاهلها، وأخطر من أن يصدقها.والد ليال منصور مات بعد تقديم بلاغ سري يتعلق بتحويلات مالية مرتبطة بشركته، ووالده كان آخر من تسلّم الصفحة المفقودة من تقرير التحقيق.أعاد قراءة الرسالة، ثم أغلق الحاسوب بعنف.هل كان والده متورطًا في جريمة؟ أم أنه اكتشفها وحاول إيقافها؟ ولماذا ظهرت ليال في حياته الآن، بعد سنوات من اختفاء الأدلة؟فتح هاتفه واتصل بمساعده.«أريد اسم المحقق الذي تولّى قضية وفاة والد ليال. أريد كل المستندات الأصلية، لا النسخ الموجودة في الأرشيف. وإذا حاول أحد تعطيلك، فأخبرني باسمه.»جاءه الرد مترددًا:«هناك مشكلة أخرى، سيدي. المحقق توفي منذ أربع سنوات، لكننا وجدنا اسمًا في ملاحظاته الأخيرة. اسم شخص لا يزال يعمل في شركتكم.»تصلّبت ملامح عاصِر.«من؟»«مدير الإدارة المالية، السيد فؤاد الشربيني.»ظل عاصِر صامتًا لحظة، ثم قال:«لا تواجهه. راقبه فقط، ولا تدعه يعرف أننا نبحث وراءه.»أنهى المكالمة، ونهض متجهًا نحو النافذة.كان فؤاد من أقدم موظفي الشركة، ورجلًا وثق به عاصِر لسنوات. وإذا كان متور

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل الرابع

    على حافة الخطرلم ينم عاصِر الراوي تلك الليلة.ظل جالسًا في مكتبه الخاص، أمامه الصورة القديمة التي وصلته من الرقم المجهول، بينما تتردد في رأسه كلمات الرسالة كأنها إهانة شخصية لا يستطيع التغاضي عنها.«اسأل ليال منصور عمّا أخفاه والدها قبل موته.»كان والد ليال قد مات منذ سنوات، ووالده هو الآخر رحل تاركًا وراءه أسرارًا لم يستطع عاصِر الوصول إلى حقيقتها. فهل كانت المصادفة قد جمعت ابنة رجل مجهول برجل يحمل اسم عائلته؟ أم أن أحدهم رتّب كل شيء بعناية؟رفع هاتفه واتصل بمساعده.«أريد ملفًا كاملًا عن والد ليال منصور، من تاريخ عمله حتى وفاته. لا تترك تفصيلًا صغيرًا، ولا تخبر أحدًا بسبب البحث.»جاءه صوت مساعده مترددًا:«هل تتوقع أن تكون الآنسة ليال متورطة، سيدي؟»أجاب عاصِر ببرود:«أتوقع أن هناك شخصًا يحاول إقناعي بشيء. وأنا لا أثق بأحد قبل أن أرى الحقيقة.»أنهى المكالمة، ثم نظر إلى الساعة.كانت السادسة صباحًا.وعلى الرغم من أنه لم ينم، اتخذ قراره: ستعود ليال إلى الشركة في الموعد المعتاد، وستعمل تحت نظره مباشرة، حتى يعرف إن كانت ضحية المؤامرة أم جزءًا منها.لكنه لم يكن مستعدًا لما سيحدث حين يراها.

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل الثالث

    حين تقترب النارلم يعتد عاصِر الراوي أن يفقد السيطرة على شيء، لا على شركاته، ولا على الرجال الذين يعملون تحت إمرته، ولا حتى على حياته الخاصة التي أحكم إغلاق أبوابها منذ سنوات. لكن المكالمة الأخيرة تركت في صدره شعورًا ثقيلًا لم يستطع تجاهله؛ فاسم والده لم يكن مجرد ذكرى، بل جرحًا قديمًا أخفاه خلف المال والنفوذ.أما ليال، فلم تكن تفكر في الماضي بقدر ما كانت تخشى على حاضرها.وقفت أمام النافذة في مكتبه، تضم حقيبتها إلى صدرها، وتراقب السيارات المتحركة في الأسفل. كان هاتفها بين يديها، وقد حاولت الاتصال بشقيقها ثلاث مرات دون إجابة.استدار عاصِر من خلف مكتبه حين لاحظ ارتباكها.«ما الأمر؟»التفتت إليه سريعًا.«أخي لا يجيب عن اتصالاتي. ربما يكون في الجامعة، لكنني لا أستطيع التوقف عن التفكير في كلامك عن مراقبة منزلي.»نهض عاصِر، وأخذ هاتفه من فوق المكتب.«أرسلت رجلًا إلى منزلك، وسيتصل بي بمجرد وصوله.»«وأنت تتوقع أن أهدأ لمجرد أنك أرسلت رجلًا؟ أنت لا تعرف عائلتي، ولا تعرف ما الذي قد يحدث لأمي لو أصابها مكروه.»توقف أمامها، وكانت المسافة بينهما أقصر مما انتبهت إليه.«أعرف أنك خائفة.»ضحكت بمرارة.

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل الثاني

    المتهمة التي لم تنحنِ«لن أغادر هذا المكتب باعتباري سارقة!»دوّى صوت ليال في المكان، فتوقفت مسؤولة الأمن عند الباب، بينما تبادل الرجلان القادمَان من الإدارة المالية نظرات قلقة. أما عاصِر الراوي، فظل واقفًا أمامها بملامحه الجامدة، كأن اعتراضها لم يكن سوى ضجيج لا يستحق الالتفات إليه.قال ببرود: «أنتِ لستِ في موقع يسمح لكِ بفرض الشروط.»«وأنت لست في موقع يسمح لك بإدانتي قبل التحقيق! إذا كان لديك دليل، فاعرضه أمامي. أما أن تحاصرني وتمنعني من المغادرة، ثم تتوقع مني أن أقف صامتة، فهذا لن يحدث.»اقترب عاصِر من المكتب، ووضع كفيه فوقه، محدقًا في عينيها.«الملف السري حُمّل باستخدام حسابك الشخصي، وفي اللحظة نفسها اختفت النسخة الأصلية من النظام. هل تريدين مني أن أصدق أن الأشباح فعلت ذلك؟»أجابته دون تردد: «أريدك أن تصدق أن الأنظمة الإلكترونية يمكن اختراقها، وأن الحسابات يمكن استخدامها دون علم أصحابها. وإذا كنت تدير شركة بهذا الحجم ولا تعرف ذلك، فهذه مصيبة أكبر من اختفاء ملف.»تجمدت ملامح الرجل الواقف خلف عاصِر، وكأنه كان ينتظر منها أن تبكي أو تتوسل، لا أن تواجه رئيس الشركة بهذه الجرأة.أما عاصِر،

  • حين يغوي الشيب العشق   الفصل الأول

    خطيئة عند البابلم تكن ليال منصور تعرف أن أسوأ قرارات حياتها سيبدأ ببابٍ زجاجيٍّ فاخر، ورجلٍ ذي شعرٍ فضيٍّ ينظر إليها كما لو أنها خطأٌ ينبغي محوه من الوجود.في السابعة وخمسٍ وأربعين دقيقة من صباح يومها الأول في شركة الراوي للاستثمارات، كانت تركض عبر الشارع المزدحم، تحتضن حقيبتها إلى صدرها، بينما تتعثر خطواتها بحذائها الذي اختارت ارتداءه رغم الألم الذي يسببه لها.لم تنم سوى ساعتين؛ فقد قضت ليلتها بين والدتها المريضة التي لم تتوقف عن السعال، وشقيقها الأصغر الذي يحتاج إلى مصروف دراسته، وفواتير تراكمت حتى باتت تخشى النظر إليها. كانت هذه الوظيفة فرصتها الأخيرة لتمنع البيت الصغير من الانهيار فوق رؤوس ساكنيه.وحين وصلت أخيرًا إلى مدخل البرج الزجاجي، اصطدمت بكتف رجلٍ خارج من الباب، فسقطت أوراقها أرضًا، وانسكب بعض القهوة التي تحملها على كمّ معطفه الأسود.ساد الصمت.رفعت عينيها، فرأت رجلًا طويلًا عريض الكتفين، يرتدي بدلة سوداء مفصّلة بعناية، وتنسدل فوق جبهته خصلات فضية زادته هيبةً وقسوة. لم يكن في ملامحه ما يوحي بأنه اعتاد الاعتذار؛ بل بدا كأن العالم بأكمله وُجد كي يفسح له الطريق.تأمل البقعة ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status