登入خرج ديڤيد من بين الأشجار الكثيفة بخطوات هادئة، وإلى جواره كانت لاورا تسير بثقة، وما إن وقعت عيناه على أريانا وإدوارد وهما يتبادلان القُبل حتى توقفت خطواته للحظة.استدارت أريانا على الفور.كانت قد عرفت صوته قبل أن ترى وجهه.ارتجف قلبها وهمست بصوت خافت:"ديڤيد..."ضيق إدوارد عينيه، ثم وضع ذراعه حول كتف أريانا في حركة عفوية وكأنه يحميها وقال ببرود:"هل كنت تراقبنا؟"ارتسمت على شفتي ديڤيد ابتسامة باردة لا تصل إلى عينيه.وقال ساخرًا:"لا... لست ممن يراقب عاشقين يختبئان بحميميه في الظلام."ثم أضاف وهو ينظر إليهما نظرة خاطفة:"لكن يبدو أنكما لم تجدا مكانًا آخر لهذا اللقاء."ارتعش فك أريانا، بينما ضحكت لاورا في سرها.لقد جاء هذا المشهد إليها كهدية لم تكن تتوقعها.شعرت أن العقبة التي وقفت طويلًا في طريقها بدأت تسقط وحدها.رفع إدوارد رأسه بثبات، وقال:"أقضي وقتي مع المرأة التي أحبها في المكان الذي أختاره."ساد صمت ثقيل.اشتدت قبضة ديڤيد خلف ظهره حتى برزت عروق يده، لكنه أخفى غضبه ببراعة، ثم تجاوزهما بخطوات ثابتة وكأن الأمر لا يعنيه.لكن أريانا كانت تشعر أن قلبها يوشك أن يخرج من صدرها.مرت لاورا
"إدوارد...؟"خرج اسمُه من بين شفتي أريانا كهمسة تحمل مزيجًا من الدهشة والارتباك.كان يقف أمامها تحت ظلال الأشجار، وعيناه تحملان عتابًا أخفاه طويلًا، ثم قال بصوت هادئ لكنه مشحون بالمشاعر:"لماذا لا تردين على اتصالاتي؟"ترددت للحظة، وكأنها تبحث عن إجابة لا تكشف ما تخفيه."أنا... كنت منشغلة بين العمل ووجودي مع أبي في المستشفى."راقبها إدوارد بصمت.كان يعرفها جيدًا... أكثر مما تتخيل.وكان يدرك أن كلماتها لا تحمل الحقيقة كاملة.اقترب خطوة وقال:"أريانا... أنا لست طفلًا."توقفت عيناه عند ملامحها الحزينة، ثم تابع:"بيننا سنوات طويلة من الصداقة، وأنا أعرفك أكثر مما تعرفين نفسك. عندما يحدث شيء لكِ، أشعر به حتى قبل أن تخبريني."أشاحت أريانا بنظرها، وحاولت أن تتجاوز الحديث وهي تقول:"إدوارد، الأمر ليس كما تظن."لكن يده أوقفتها حين أمسك بذراعها برفق.لم يكن في حركته غضب، بل خوف."ما الذي تخفينه عني؟"سكت لحظة، ثم قال بصوت أكثر انخفاضًا:"لماذا تغيرتِ فجأة؟ هل السبب... ديڤيد؟"ارتجفت رموشها عند سماع اسمه.للحظة شعرت أن كل ما حاولت دفنه ظهر أمامه.لكنها أسرعت بالدفاع عن نفسها:"لا، إدوارد... ما هذا
نهض ديڤيد من مقعده، ثم قال وهو ينظر إلى الحاضرين: "أستأذن منكم... سأرافق حبيبتي لأريها قصر روسّي." ما إن أنهى كلماته حتى مد يده إلى لاورا. تشابكت أصابعهما أمام الجميع. شعرت أريانا بوخزة حادة في قلبها، لكنها تماسكت، وأخفت اضطرابها خلف ملامح هادئة، كأن المشهد لا يعنيها. أما لاورا...فلم تستطع إخفاء ابتسامة الانتصار التي ارتسمت على شفتيها وهي تتشبث بذراع ديڤيد، متعمدة أن تقع نظراتها على أريانا بين الحين والآخر. غادرا القاعة وسط أنظار الحاضرين، وما إن ابتعدا عن القاعة الكبرى، حتى أفلت ديڤيد يدها فجأة. أطلق زفرة طويلة، ثم قال ببرود: "أشعر بالاختناق... لنذهب إلى الحديقة." انعقد حاجبا لاورا. حاولت إخفاء خيبة أملها، وسألته بنبرة هادئة: "ألن تريني القصر؟" واصل سيره دون أن ينظر إليها. "ليس الآن." ثم اتجه نحو الحديقة الخلفية، حيث تمتد الأشجار العتيقة وتغمر الممرات ظلال المساء. توقفت لاورا للحظة و قبضت على أصابعها بقوة. كانت تدرك تمامًا أن ما فعله داخل القاعة لم يكن من أجلها...بل كان رسالة أراد أن تصل إلى أريانا. أما هي...فلم تكن سوى وسيلة. همست في سرها، وعيناها تضيقان بحقد: "اق
"كان العشاء شهيًا... شكرًا لك، جدي ماسّيمو، على دعوتك الكريمة." أومأ لها ماسّيمو باقتضاب. فتقدمت إحدى الخادمات لإرشادها إلى دورة المياه. سارت لاورا خلفها بخطوات واثقة، وعيناها تجولان في أرجاء القصر.دخلت الى دورة المياه ثم وقفت أمام المرآة الفاخرة .حدّقت طويلًا في انعكاس وجهها.كانت ملامحها، التي اعتادت أن تبدو هادئة ومتزنة، قد تبدلت إلى قناع يخفي غضبًا متأججًا.أطبقت على حافة المغسلة، وهمست لنفسها بصوت خرج بين أسنانها:"منذ أن ظهرت تلك الفتاة... وكل شيء بدأ يفلت من يدي."فتحت حقيبتها الجلدية، وأخرجت هاتفها.لم تتردد....ضغطت على اسم واحد.فريدريك.لم يطل انتظارها حتى جاءها صوته، اجش و قوي:"ما أخبارك اليوم يا لاورا؟"أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت بنبرة يختلط فيها الغضب بالضيق:"هناك من يقف في طريقي."ارتسمت على شفتي فريدريك ابتسامة باردة."فتاة أخرى؟"أجابت دون تردد:"نعم... أريانا."ساد صمت قصير، قبل أن تضيف:"تعمل لدى ديڤيد... ويبدو أن هناك شيئًا بينهما."في الطرف الآخر من الهاتف...كان فريدريك يقف داخل شقته الصغيرة.شقة متواضعة، اشترتها لهما لاورا سرًا، بعيدًا عن أعين الجميع، و
انفتح باب قاعة الطعام، فتوجهت أنظار الحاضرين نحو الداخل. وقف رجل شاب عند العتبة، بملامح وسيمة وهيئة تنم عن رقي ينتمي إلى إحدى أعرق العائلات الإيطالية. ما إن وقع بصر أريانا عليه حتى اتسعت عيناها دهشة. إدوارد... كانت تعرف أنه ينتمي إلى عائلة فونتانا استي، إحدى أكثر العائلات نفوذًا في روما، لكنها لم تكن تعلم أن تلك العائلة تربطها علاقة وثيقة بعائلة روسّي. نهض ماسّيمو من مقعده مرحبًا، وقال بصوت سمعه الجميع: "أعرفكم بابن عائلة فونتانا استي... إدوارد فونتانا استي." تقدم إدوارد وصافح الجد باحترام، ثم قال بخفوت: "أعتذر عن حضور والدي، فقد اضطر للسفر بسبب أمر طارئ، فجئت ممثلًا للعائلة." أومأ ماسّيمو برأسه، ثم تابع بفخر: "وهو أيضًا الوريث الشرعي لعائلة فونتانا استي، ويدرس الطب في جامعة تور فيرغاتا." تعالت كلمات الترحيب من الحاضرين. أما ديڤيد... فاكتفى بالصمت. تشابكت أصابعه فوق الطاولة، وانتقلت عيناه مباشرة نحو أريانا، فرأى الدهشة المرتسمة بوضوح على ملامحها. وفي اللحظة نفسها...كان إدوارد يتجه إلى مقعده، لكن خطواته تباطأت عندما وقعت عيناه عليها. انعقد حاجباه، وشعر بانقباض حاد في صد
بعد ساعة كاملة من القيادة الهادئة، شقت السيارة طريقها حتى توقفت أمام البوابة الرئيسية لقصر عائلة روسّي. وما إن تعرّف الحراس إلى السيارة، حتى بدأت البوابتان الحديديتان الضخمتان بالانفتاح ببطء، كاشفتين عن ممر طويل تصطف على جانبيه الأشجار العتيقة. كانت أنوار الحدائق قد اشتعلت مع حلول المساء، فانعكست فوق النوافير والتماثيل الرخامية، لترسم مشهدًا يليق بتاريخ إحدى أعرق العائلات الإيطالية. واصلت السيارة سيرها حتى توقفت أمام القصر. تحفة معمارية جمعت بين فخامة الطراز الإيطالي الكلاسيكي وأناقة التصميم الحديث، حتى بدا وكأنه خرج من صفحات التاريخ. ترجل السائق أولًا، ثم فتح الباب الخلفي. نزل ديڤيد، وتبعته لاورا التي شبكت ذراعها بذراعه بثقة، قبل أن يسيرا معًا نحو المدخل الرئيسي. أما أريانا، فخرجت من المقعد الأمامي وحدها. أغلقت الباب برفق، ثم رفعت رأسها. وقعت عيناها على لاورا، وهي تتعلق بذراع ديفيد بكل أريحية. شعرت بوخزة خفية في صدرها. خفضت بصرها، وتمتمت في سرها: "لاورا تنتمي إلى عالمه... جميلة، راقية، ومن عائلة لا تقل ثراءً عن عائلته. أما أنا... فما أنا إلا غريبة عبرت هذا العالم بالصدفة.







