LOGINوقف إدوارد أمامي ثم اقترب خطوة واحدة ووضع يده برفق على ذراعي، وهمس بصوت خافت
"تحدثت مع الطبيب، وقال إنه لا داعي لبقائنا هنا، فالعملية انتهت بنجاح، ووالدك لن يستعيد وعيه قبل يومين على الأقل، وعندما يحين الوقت يمكنك العودة لزيارته، أما الآن... فأنتِ متعبة جدًا، ودعيني أوصلك إلى المنزل." حدقت إليه بصمت، ولم أجد في نفسي القدرة على المجادلة، فقد كانت جفناي ثقيلتين، وجسدي يوشك على الانهيار من شدة الإرهاق، كما أن الصدمة التي تلقيتها قبل قليل بشأن عدم توافق فصيلة دمي مع دم والدي ما زالت تعصف بعقلي، لذلك اكتفيت بإيماءة صغيرة موافقة، بينما ارتسمت على شفتي ابتسامة باهتة امتزج فيها الامتنان بالإنهاك. لم يمضي وقت طويل حتى وصلت سيارة سوداء فارهة اخرى أرسلها سائق إدوارد الخاص، وما إن توقفت أمام مدخل المستشفى حتى فتح السائق الباب بكل احترام، فساعدني إدوارد على الصعود .. كنت أراقب انعكاس وجهي في زجاج النافذة، حتى شعرت وكأنني كبرت أعوامًا في يوم واحد. توقفت السيارة أخيرًا أمام منزلي، فنزلت ببطء، والتفت إلى إدوارد قائلة بصوت خافت "شكرًا لك... لن أنسى ما فعلته من أجلي ومن أجل والدي." ابتسم ابتسامته الهادئة ثم قال "لا تشغلي بالك بهذا الآن، اهتمي بنفسك فقط" أومأت برأسي، ثم دخلت المنزل بخطوات متثاقلة فتوجهت مباشرة إلى غرفتي، وألقيت حقيبتي جانبًا قبل أن أدخل الحمام، وتركت الماء الدافئ ينساب فوق جسدي المنهك، كأنه يحاول أن يغسل عني ارهاق هذا اليوم الطويل خرجت من الحمام وقد خارت قواي تمامًا، فاتجهت نحو سريري دون أن أكلف نفسي عناء تجفيف شعري، وما إن لامس جسدي الفراش حتى استسلمت عيناي للإرهاق، وغرقت في نوم عميق وفي صباح اليوم التالي دخلت مبنى شركة روسي وأنا أقبض على حقيبتي بقوة، وكأنني أحاول إقناع نفسي بأنني ما زلت قادرة على الوقوف بثبات كان الموظفون يتنقلون في الممرات، والأصوات الهادئة تملأ المكان، والمصاعد تفتح أبوابها وتغلقها، وكل شيء يبدو طبيعياً. أما بالنسبة إليّ... فلم يكن هناك شيء طبيعي، منذ اللحظة التي دخلت فيها من البوابة، شعرت بتوتر غريب، وكأنني أنتظر ظهوره في أي لحظة. " ديڤيد " حاولت إقناع نفسي بأنني لا أريد رؤيته وأن ما حدث بيننا قد انتهى وأنني هنا من أجل العمل فقط، لكن قلبي كان يخونني. كانت عيناي تبحثان عنه دون إرادتي، أتلفت إلى كل رجل طويل القامة يمر بجانبي، ثم أعود لألوم نفسي عندما أكتشف أنه ليس هو. "ما الذي يحدث لي؟" همست لنفسي وأنا أخفض نظري. كنت أعلم أن عليّ أن أضع حدوداً بيننا. فهو صاحب الشركة، وأنا مجرد موظفة لديه. وما حدث بيننا... لن يتكرر. توجهت إلى مكتب الموارد البشريه، حيث استقبلتني إحدى الموظفات وأخبرتني بمهامي الأولى قبل ان استلم مهامي في مكتب السكرتيرة التنفيذيه بالقرب من ديڤيد حاولت التركيز، وأمسكت بالأوراق أراجعها، لكنني شعرت أن شيئاً ما ينقص المكان. كنت أنتظر أن يخرج... أن أسمع صوته... أن أرى ملامحه الباردة. لكن الساعات مرت، ولم يظهر. ------ ديڤيد.... كنت أجلس خلف مكتبي أراجع بعض الملفات، محاولاً أن أغرق نفسي في العمل حتى لا أفكر بها. لكن مهما حاولت... كانت صورة أريانا تقتحم ذهني. " تلك الليله " في تلك اللحظة، فُتح باب مكتبي دون انتظار، ودخلت لاورا بثقتها المعتادة، وكأن المكان ملك لها. اقتربت مني بابتسامة ناعمة، ثم وقفت خلفي ولفّت ذراعيها حولي بدلال. "اشتقت إليك يا ديڤ." بقيت صامتاً للحظات، ثم أبعدت يديها عني بهدوء، دون أن أُظهر انزعاجي، وأعدت نظري إلى الأوراق أمامي. لاحظت برودي، فهي تعرفني جيداً، وتعلم أنني لا أحب أن يشعر أحد بأنه قادر على التأثير فيّ. جلست أمام مكتبي، ثم قالت بنبرة عادية متعمدة: "أريد كوباً من القهوة." رفعت عيني إليها للحظة. فأكملت وهي تنظر حولها وكأن الأمر طبيعي: "أخبر سكرتيرتك أن تحضرها لي." ساد صمت قصير. ضغطت زر الاتصال الداخلي لمكتب الاستقبال: "أرسلي السكرتيرة إلى مكتبي." بعد دقائق، فُتح الباب. دخلت أريانا وهي تحمل بعض الأوراق. كانت ملامحها هادئة كعادتها، لكنها توقفت فوراً عندما رأت لاورا تجلس أمام مكتبي. لاحظت التغير الخاطف في ملامحها... ذلك الارتباك الذي حاولت إخفاءه. قالت بهدوء: "طلبتني سيدي؟" وقبل أن أجيب، التفتت لاورا إليها، وارتسمت على وجهها ابتسامة لم تعجبني "آه... أنتي." ثم أخذت تتفحصها بنظراتها وقالت: "كيف استطعتي أن تأتي إلى العمل اليوم؟" رأيت الحيرة ترتسم على وجه أريانا، وكأنها لم تفهم ما تقصده. ثم تابعت لاورا بصوت يحمل تلميحاً واضحاً: "أعني... بعد أن قضيتي تلك الليله في فندق أوروتش." في تلك اللحظة، تجمدت ملامح أريانا. رأيتها تخفض عينيها، وكأن كلمات لاورا أصابت مكاناً مؤلماً في داخلها. لم يعجبني ما فعلته لاورا ولم يعجبني أسلوبها أبداً. شعرت بانزعاج يتصاعد داخلي، فرفعت بصري إليها وقلت بصوت بارد: "لاورا." كانت كلمة واحدة فقط... لكن نبرتي كانت كافية لتدرك أن صبري بدأ ينفد. واصلت النظر إليها بصمت، بينما بقيت أريانا واقفة تحاول إخفاء ارتباكها أما أنا... فلم أكن أفهم لماذا أثار مجرد إحراجها أمامي كل هذا الغضب في داخلي.انفتح باب غرفة الاستحمام ببطء. خرجت لاورا بخطوات هادئه تمشي بدلال ولم تغطي جسدها، كانت عاريه و متعمدة أن تظهر أمام ديڤيد بهذه الهيئة، وكأنها لم تفكر في الأمر سوى للحظة. رفع ديڤيد عينيه. توقفت نظرته على جسدها الفاتن للحظة أطول مما أراد. ثم أشاح بوجهه سريعًا. شد فكه، وأخذ نفسًا عميقًا: لاورا... ابتسمت: ماذا؟ مد يده إلى كوب الماء الموضوع بجانبه، لكنه توقف قبل أن يلمسه. حرارة غريبة تصعد في جسده، و انتصابه اكثر من المعتاد اقتربت منه خطوة...توقفت أمامه. رفع عينيه إليها، وكانت نظرته أكثر اضطرابًا: ابتعدي. ضحكت بهدوء: لماذا؟ لأنني لا أريدك قريبة مني الآن. اقتربت أكثر ثم جلست إلى جواره على حافة السرير: أنت لا تبدو بخير. رفع ديڤيد يده إلى جبينه: أنا بخير. إذًا انظر إليّ. رفع عينيه، التقت عيناه بعينيها. للحظة، لم يسمع سوى صوت أنفاسه. مدت لاورا يدها ولمست كتفه. أمسك معصمها فورًا: لا تفعلي. تظاهرت بالدهشة: أنا فقط أحاول مساعدتك. أفلت يدها. نهض محاولًا الابتعاد، لكن اختل توازنه للحظة، فعادت لاورا وأمسكت بذراعه.: ديڤيد! استند إلى حافة السرير. أغمض عينيه: ما
في الخارج، وصل ديڤيد إلى سيارته. فتح جورج الباب الخلفي له صعد إلى المقعد الخلفي وأغلق الباب. انطلقت السيارة فورًا مبتعدة عن المستشفى. أسند ديڤيد رأسه إلى المقعد، وأغمض عينيه. مرت ثوانٍ ثم قال : خذني إلى الفندق. ثم فتح عينيه وأضاف: واتصل بالطبيب. أريده أن يأتي فورًا. حاضر، سيدي. تحركت السيارة بين شوارع روما. وضع ديڤيد يده خلف ظهره. ضغط بأصابعه على موضع الإصابة التي تلقاها عندما سحب أريانا بعيدًا عن السيارة. تقلص وجهه من الألم. أخذ نفسًا بطيئًا، ثم أراح رأسه على المقعد. رفع يده عن ظهره ونظر إلى أصابعه. ابتسم ابتسامة صغيرة... حزينة. تسللت صورة أريانا إلى ذهنه؛ عيناها عندما تراجع عنها، وذراعاها اللتان أنزلتهما ببطء بعد أن رفض احتضانها. أغمض عينيه ثم تمتم بصوت بالكاد سُمع: انتهى كل شيء يا أريانا. ---- وصلت لاورا إلى الفندق، وما إن خرجت من المصعد حتى لمحت طبيبًا يقف أمام جناح ديڤيد. توقفت أمامه، ثم قالت بنبرة حاولت أن تجعلها عفوية: أنا لاورا، خطيبة ديڤيد. أخبرني، لماذا أنت هنا؟ هل حدث له شيء؟ نظر إليها الطبيب بهدوء: لا أعلم،أنا بانتظاره. لم تجد
طرقت عينا أريانا نحو الباب فور انفتاحه. توقفت أنفاسها. " ديڤيد " دخل بخطوات هادئة وأغلق الباب خلفه، ثم وقعت عيناه عليها. للحظة قصيرة، لم يتحدث أيٌّ منهما. بقيت أريانا جالسة إلى جوار سرير والدها، تحدق فيه بتوتر واضح، بينما تحرك ديڤيد نحوها بضع خطوات. قال بصوت منخفض: علمت بما حدث لوالدك من الطبيب كال. تعلقت عينا أريانا بوجهه، فتابع: جئت لأطمئن عليه خرجت الجملة هادئة، محسوبة. لكن الحقيقة التي لم يقلها بقيت في داخله. لم يأتِ فقط ليطمئن على ميخائيل. جاء ليراها. منذ غادر الشركة، لم يستطع إخراج صورتها من رأسه، وعندما أخبره الطبيب بما حدث، لم يمنحه القلق فرصة للتفكير. ترك كل شيء وجاء. أما الآن... فها هي أمامه. اقتربت أريانا منه: شكرًا لك يا ديڤيد. توقفت أمامه مباشرة. رفعت عينيها إليه، ثم قالت بصوت أكثر دفئًا: شكرًا لاهتمامك لم يجب، تعلقت عيناه بعينيها. اقتربت منه خطوة أخرى، ورفعت ذراعيها قليلًا. أرادت احتضانه. لكن ديڤيد تراجع خطوة. توقفت أريانا في مكانها. انخفضت ذراعاها ببطء. ظهر الارتباك على وجهها. لم تفهم... قبل لحظات، جاء إليها
وفجأة... ظهرت أريانا في ذهنه. ظل صامتًا لثوانٍ، ثم وضع الكأس على الطاولة والتقط هاتفه من جيب سترته. بحث عن رقم الطبيب المسؤول عن حالة ميخائيل واتصل به فورًا. لم تمر سوى لحظات حتى جاءه صوت الطبيب عبر الهاتف: " مرحبًا، سيد ديڤيد." قال ديڤيد بصوت حاد: " الطبيب كال... ألم تعدني بأن تتابع حالة السيد ميخائيل بنفسك؟' أجاب الطبيب بسرعة: " بالطبع، سيد ديڤيد. وكما تعلم، فإن والد أريانا يعاني من مرض عضال، وقد فعلنا كل ما بوسعنا لإبقائه على قيد الحياة. ولن نتقاعس عن ذلك لحظة واحدة." صمت الطبيب قليلًا، ثم تغير صوته. " لكن ما مر به السيد ميخائيل حتى الآن... أمر غريب جدًا." انعقد حاجبا ديڤيد. "ماذا تقصد بحتى الان؟" تنهد الطبيب قبل أن يقول: " يبدو أنك لم تعلم بما حدث اليوم." تغيرت ملامح ديڤيد. " ماذا حدث؟" قال الطبيب: " الأمر يشبه ما حدث في المرة السابقة. أتذكر عندما حاول أحدهم قطع الأكسجين عن السيد ميخائيل؟" تجمدت نظرات ديڤيد. " نعم." " اليوم... تعرض السيد ميخائيل لمحاولة قتل." اتسعت عينا ديڤيد فجأة. " ماذا قلت؟" أجاب الطبيب: " دخل شخص إلى غرفته، و
ظهرت لمعة صغيرة في عيني لاورا. لقد فهمت شيئًا مهمًا. ماسيمو يملك نفوذًا حقيقيًا على ديڤيد. لكنها أخفت فرحتها خلف ملامح مترددة، وقالت بصوت ناعم: "جدي... أنا لا أريد أن أكون سببًا في أي مشكلة بينك وبين ديڤيد." خفضت عينيها. " وإذا كان ديڤيد لا يريدني حقًا... فسأنسحب من حياته." نظر إليها ماسيمو بجدية، ثم قال: " لا يا ابنتي، لا تقلقي." وأراح ظهره إلى مقعده. " لن تكون هناك أي مشكلة." ثم تابع: " أنا أريدك زوجةً لديڤيد." سكت قليلاً، ثم قال: " أنتِ جميلة، ومثقفة، وقنوعة. وأعرف أنك ستعتنين بهذا القصر، وستحافظين على علاقتك بديڤيد." ابتسمت لاورا بخجل مصطنع. " أعدك يا جدي." لكن داخلها... كان شيء آخر تمامًا. كان انتصارًا هائلًا. لم تتوقع أن يقف ماسيمو إلى جانبها بهذه القوة، ولم تتوقع أيضًا أن يعاملها بهذه الحفاوة. ورغم بروده وهيبته، بدا لها في هذه اللحظة رجلًا حنونًا تجاه من يعتبرهم أفرادًا من عائلته. ثم أشار ماسيمو إلى رجل يقف بالقرب من الباب. " لاورا، هذا مساعدي... فيرناندو." انحنى الرجل باحترام. تابع ماسيمو: " طلبت منه أن يرافقك خلال الأيام الق
تقدمت لاورا حتى وقفت أمام ديڤيد، ثم وضعت يدها على ذراعه وقالت بصوت ناعم متوسل: " ديڤيد... أنت تعرف أنني أحبك. لقد لجأت إلى جدي لأنني لم أُرد أن أخسرك." ثم أحاطته بذراعيها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة بدت حنونة من الخارج... بينما كانت عيناها تخفيان شيئًا آخر تمامًا. لكن ديڤيد لم يبادلها العناق. بقي ساكنًا، وذراعاه إلى جانبيه، فاحتضانها لم يكن يعني له شيئًا. وبعد لحظات أبعدها عنه برفق، ثم نظر إليها بحدة، وفي عينيه ومضة غضب واضحة. " اعلمي شيئًا واحدًا، لاورا... حتى لو استمرت هذه العلاقة، وحتى لو تزوجنا، فلن يكون هذا الزواج مبنيًا على الحب." صمت لحظة، ثم تابع ببرود: " أنا لا أحبك... ولن أحبك." تجمدت ابتسامتها على وجهها أضاف: " تذكري أننا اتفقنا منذ البداية. علاقتنا كانت تبادل مصالح، وهذا ما كانت عليه منذ اليوم الأول." كانت لاورا تعرف ذلك جيدًا. لكنها خفضت عينيها، وتركت الدموع تتجمع فيهما، ثم قالت بصوت مكسور: " أعرف... لكن ماذا أفعل بقلبي إن كان قد أحبك؟" رفعت عينيها إليه. "أنا أحبك يا ديڤيد." أدخل ديڤيد يديه في جيبي بنطاله، وظل ينظر إليها دون أن تتغي







