ANMELDENخرجت أريانا من دورة المياه ببطء، وقد بدت خطواتها متثاقلة لم تعودا قادرتين على حملها، فقد غسلت وجهها طويلًا بالماء البارد محاولةً استعادة هدوئها وما ان عبرت الباب حتى التقت عيناها بالموظف المسؤول الذي دخل قبل دقائق الى غرفة الاجتماعات وهو يحدق بها باستغراب، ثم انتقل بصره إلى شفتيها اللتين بدتا متوردتين على غير عادتهما وقد أدركت في تلك اللحظة أنها تركت حقيبتها فوق مكتبها ولم تتمكن من وضع أحمر الشفاه لإخفاء أثر ذلك الاحمرار، فشعرت بقلبها يهبط إلى قدميها بينما راحت تحاول التظاهر بالهدوء. ضيق الموظف عينيه في شك، ثم أدار رأسه ببطء نحو ديڤيد الذي كان يجلس مترأساً الطاوله، يراقب أريانا بطرف عينه بملامح جامدة لا تكشف شيئًا، إلا أن حركته العابرة حين مرر إصبعه على شفتيه كانت كافية لتزرع عشرات الأسئلة في عقل الرجل فعاد ينظر إلى أريانا التي ازدادت ارتباكًا، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفية لم تستمر سوى لحظة قبل أن يخفيها سريعًا، وبدأت الشكوك تنمو في داخله دون أن ينطق بحرف، ولم تمضِ سوى دقائق حتى امتلأت غرفة الاجتماعات ببقية المسؤولين، لتبدأ أجواء الاجتماع وكأن شيئًا لم يكن. انتهى الاجتم
قال ديڤيد بصوته العميق الذي لا يقبل التردد، وقد عقد ساعديه أمام صدره بينما انعكست هيبته على أرجاء المكتب الفخم الذي ازدانت جدرانه بخشب الجوز الإيطالي ولوحات نادرة لا يقتنيها إلا أصحاب الثروات الطائلة: "أريانا... انتظريني في غرفة الاجتماعات، وأبلغي جميع المسؤولين بالحضور خلال عشر دقائق." رفعت أريانا رأسها إليه، وحاولت أن تخفي اضطرابها خلف ملامح هادئة، إلا أن ارتجافة أصابعها وهي تضم دفتر ملاحظاتها فضحتها، ثم قالت بصوت خافت مرتبك و انحنت باحترام: "أمرك، سيدي." استدارت وغادرت المكتب بخطوات متزنة وكان فستانها الاسود القصير الضيق يبرز قوامها المنحوت و ساقيها الرشيقه البيضاء، بينما بقيت عينا ديڤيد تتبعانها في صمت وهو يتفحص جسدها ويتذكر مضاجعته لها وهي تتأوّه بصوتها المرتعش ذلك الصمت لم يغب عن ملاحظة لورا التي كانت تجلس على الأريكة الجلدية الفاخرة وقد عقدت ساقًا فوق الأخرى، فتبدلت ملامحها على الفور وقالت بامتعاض محاولة استعادة انتباهه: "وماذا عن قهوتي؟" انتزع ديڤيد نظره عن الباب الذي خرجت منه أريانا، ثم أجابها ببرود وهو يلتقط سترته السوداء المصممة خصيصًا له ويعدل أزرارها بحركة وا
بإيقاع منتظم يعلو و يهبط ثم يتسارع حتى افرغه كله داخلها وعندما انتهى كان منهكاً، نام بجانبها يقبل شفتيها بهدوء بينما استسلمت اريانا له بين ذراعيه .. استيقظت أريانا ببطء و لا تستطيع تحريك قدميها من اثر ليلة أمس شعرت بعظامها محطمه، كانت أشعة الشمس تتسلل من خلف الستائر الفاخرة للجناح الملكي، فتحت عينيها وهي لا تزال غارقة في شعور غريب لم تعرف كيف تصفه، لحظات قليلة مرت قبل أن تدرك أنها ليست في منزلها، وأن المكان من حولها ليس غرفتها الصغيرة التي اعتادت عليها. نظرت إلى الجانب الآخر من السرير. كان فارغاً. توقفت للحظة، وكأن قلبها كان ينتظر أن تجده هناك. لكن ديڤيد لم يكن موجوداً. شعرت بشيء من الخيبة رغم أنها حاولت إقناع نفسها أن هذا ما كان متوقعاً، فهو لم يعدها بشيء، ولم يكن بينهما سوى اتفاق لا أكثر. مدت يدها إلى هاتفها، فوجدت رسالة منه. فتحتها بسرعة. "لقد انتهى كل شيء بيننا بعد هذه الليلة... بإمكانك العمل منذ اليوم، وما حدث بيننا لن يعلم به أحد." بقيت تنظر إلى الكلمات طويلاً. كانت الرسالة باردة، تشبهه تماماً. ذلك الرجل الذي لا يسمح لمشاعره أن تظهر، والذي يجعل كل شيء ي
غادرت أريانا مكتب ديڤيد و وجهتها حيث والدها الذي يرقد في العناية المركزه و صوته الحنون لا يفارقها أما ديڤيد فبقي جالساً خلف مكتبه، ينظر إلى الملف الموضوع أمامه دون أن يقرأ كلمة واحدة، فقد كان عقله مشغولاً بصورة واحدة فقط. وجهها. ذلك الحزن الذي حاولت إخفاءه خلف ابتسامتها الهادئة. كان يشعر بشيء غريب يضغط على صدره، إحساس لم يعتد عليه، فقد كان دائماً قادراً على تجاهل مشاعر الآخرين، لكن تلك الفتاة جعلت قلبه ينبض بعنف و حرارته تشتعل حتى انتصب بقوه تخفيه ولم يحتمل فكرة أن تنتهي هذه الليلة دون يتذوق شفتيها الكرزيتين أمسك هاتفه ونظر إلى الرقم الموجود في ملفها، تردد للحظة، ثم كتب رسالة قصيرة وأرسلها. "اليوم الساعة التاسعة مساءً... فندق أوروتش، الجناح الملكي، الطابق التاسع، الغرفة 308." أغلق الهاتف ووضعه جانباً، محاولاً إقناع نفسه أن الأمر عادي ولكن انفاسه لم تهدأ حتى شعر بالضيق وقد فك ربطة عنقه محاولاً تبديد توتره في الجهة الأخرى، كانت أريانا تجلس في السيارة متجهة إلى المشفى، وحين أضاء هاتفها برسالة جديدة، فتحت الشاشة دون تفكير. وما إن وقعت عيناها على الكلمات حتى تغيرت ملامحها
دخلت موظفة قسم الموارد البشرية إلى مكتب ديڤيد بعد أن طرقت الباب طرقات خفيفة، ذلك المكتب الذي كان يعكس شخصيته تماماً، فخامة هادئة، أثاث من أفخم الأنواع، وجدران زجاجية تكشف منظر روما من الأعلى، بينما كان هو يجلس خلف مكتبه بثقة، قدماه مرفوعتان فوق سطح المكتب، وفي يده كأس من النبيذ الإيطالي الفاخر يحركه ببطء وهو ينظر إلى الفراغ بشرود. رفع عينيه نحو الباب عندما سمع الطرق ثم قال بصوته العميق "ادخلي." تقدمت الموظفة بخطوات رسمية وهي تحمل مجموعة من الملفات، ثم قالت باحترام "سيدي... لقد قابلت ثمانية أشخاص تقدموا لشغل وظيفة السكرتيرة التنفيذية." أشار لها ديڤيد دون أن يجيب، فوضعت الملفات أمامه وجلست على المقعد الجلدي المقابل لمكتبه، بينما أنزل هو قدميه بهدوء ووضع كأسه على الطاولة الزجاجية أمامه. فتح أول ملف، ثم الثاني، كان يقلب الصفحات ببرود معتاد، وكأن الأمر لا يعنيه، حتى توقفت أصابعه فجأة عند ملف معين. صورتها..... تلك العينان الخضراوان اللتان لم تفارقا ذاكرته منذ لحظة المصعد. توقف للحظات وهو يتأمل الصورة، كانت ملامحها الهادئة مختلفة عن كل النساء اللواتي عرفهن، و مثيره للإهتمام
جلست أريانا بجانب والدها ميخائيل، تمسك بيده وكأنها تخشى أن يفلت منها في أي لحظة، فذلك الرجل الذي منحها اسمه وحبه وحمايته منذ طفولتها كان بالنسبة لها العالم بأكمله، ولم تكن تعلم أن خلف تلك الذكريات الجميلة سراً كبيراً عن حقيقتها، فقد أخذها ميخائيل وزوجته الراحلة أنطوانيت من دار الأيتام وهي لا تزال رضيعة لا يتجاوز عمرها عشرة أيام، بعد أن وجدوها هناك تبكي داخل مهدها أمام باب الميتم، وكانت بجانبها ورقة صغيرة تحمل اسمها وتاريخ ميلادها فقط، ومنذ ذلك اليوم أصبحت ابنتهم التي لم ينجبوها، الفتاة التي ملأت منزلهم بالحياة والدفء. كان ميخائيل قد أفنى سنوات عمره في العمل والتعب حتى يوفر لها حياة كريمة، وحتى لا تشعر يوماً بأنها مختلفة عن الآخرين أخفى عنها حقيقة تبنيها، فقد كان يخشى أن تشعر بأنها منبوذة بين زملائها أو أن تنظر لنفسها بطريقة مختلفة، فكانت أريانا ابنته في قلبه قبل أن تكون كذلك في الأوراق. كبرت أريانا وأصبحت شابة آسرة الجمال، تحمل ملامح هادئة تخفي قوة كبيرة بداخلها، كانت عيناها الخضراوان الواسعتان تشبهان لون الغابات بعد المطر، وبشرتها البيضاء الناعمة تزيدها رقة، وشعرها الأسود الطويل ي







