Share

الفصل الثاني

Author: Chams eloqba
last update publish date: 2026-03-25 17:08:24

[بين الماضي والحاضر فجوة لا تُرى، لكنها تثقل القلب كل لحظة. صورٌ وذكريات تتسلل من الظلام، تهمس بأصواتها القديمة، وتعيد خفقان الخوف الذي نظن أنه انتهى. هنا، في هذا الحين، حيث الواقع يقف على حافة الانكسار، نجد أنفسنا محاصرين بين ما كان وما هو كائن، بين صرخات الماضي وهدير الحاضر. وكل نفسٍ تتنفسه يصبح تذكرة بأن لا هروب من أثر ما تركه الألم في الروح]

لم تشعر بنفسها إلا وقد غرقت في نومٍ ثقيل، أنفاسها منتظمة، وملامحها هادئة على غير العادة. غير أن ذلك السلام لم يدم طويلًا؛ إذ سرعان ما ارتجف جسدها، وانقبض وجهها كأنها تُساق إلى ذكرى لم تشأ يومًا أن تعود.

-كانت في غرفتها، تجلس حيث اعتادت دائمًا، ترسم.

ألوانٌ دافئة، خطوطٌ مرتبة، ولوحة عائلية تحاول أن تجعلها كاملة… كما كانت تتمنى، لم ترفع رأسها حين فُتح الباب. بل استمرت في الرسم، إلى أن شعرت بيدٍ تستقر على كتفها. فقط حينها التفتت ببطء، لتقابل وجهًا تعرفه جيدًا. ابتسمت بحماس وهي تقول له بفخر

ماريا: انظر يا عمي كريس… هذا أنت.

اقترب أكثر، أكثر مما ينبغي، وابتسامته بدت غريبة وهي تنزلق على ملامحه. بادلته البسمة فلم يكن هناك ما يدعو للقلق… أو هكذا ظنّت حينها

كريس: جميلة جدًا يا صغيرتي… جميلة حقًا.

ازدادت ابتسامتها اتساعًا، وقالت ببراءة لم تدرك خطرها بعد:

ماريا: ستعجب أصدقائي، أليس كذلك؟

لم يُجب فورًا.

بل حملها كما كان يفعل سابقًا، وجلس بها قريبًا منه، قريبًا أكثر مما اعتادت. لم تشعر الصغيرة بشيء من الخطر فهو عمها الذي يحبها ويوليها اهتمامه كاملا

كريس:أنظري ما الذي جئتك به

لم تستطع ان تكبح جماح نفسها واندفعت نحوه قصدا منها أخد الشوكولاتة دون ان تعلم بأنها وقعت في فخه بكل براءة، ازداد قربها والتساقها بجسده أكثر وكلما اقتربت يدها من العلبة ابعدها عنها أكثر كي يتلامسا أكثر الى ان يئست منه وقالت بغضب طفولي

ماريا:عميييي انت تعبث بي

كريس:(ابتسم بكل جنون وهو يشعر بنوبة الرغبة تملئ كل جسمه وقال) آسف يا إبنة أخي لكنك لا تقاومين وانت صغيرة فكيف ستكونين وانت شابة

لم تفهم ما قاله فقط حاولت أن تركز على العلبة الصغيرة التي قربها منها، على لمعان الشوكولاتة، على الفرح البسيط الذي أنقذها من شعورٍ غامض بالضيق.

عانقته باندفاع طفولي، وضحكت، انشغلت بالشوكولاتة دون ان تلحظ كيف تغيّر كل شيء.

تبدل نبرته.ثقل صوته. وحتى نظراته لم تلحظ كل ذلك سوى عند وضعها فوق فخده وقربها من منطقته ثم وضع يده على مؤخرتها فقط حينها صار الهواء من حولها خانقًا.

قال كلماتٍ لم تفهم معناها، لكن جسدها فهم الخطر قبل عقلها.

شعرت بأن المساحة تضيق، وأن الغرفة لم تعد غرفتها، وأن اللوحة على الطاولة لم تعد آمنة.

حاولت الابتعاد. ارتبكت. تجمّدت.

حينها تذكرة كلمات مربيتها وهي تحدرها من اي شخص يلمس مناطقها الحساسة غمرت الدموع عينيها، وقلبها بدأ يزداد خفقانه أدركت — للمرة الأولى — أن هناك أشياء لا يستطيع الطفل تسميتها، لكنه يشعر بها بقوة.

الخوف. الخطر. والانكسار الأول.

استيقظت فزعة، أنفاسها متقطعة، ويديها تقبضان على الفراغ، كأنها تحاول إبعاد شيءٍ لا يُرى… لكنه ما زال هناك.

في تلك اللحظة، وداخل أحد مراكز علاج الإدمان، كان آدم يقف بهدوءٍ قاتل.

يداه مدسوسَتان في جيوب بنطاله، ونظرته ثابتة على المرأة القابعة فوق السرير.

كانت تعانق نفسها، وتهزّ جسدها العلوي ذهابًا وإيابًا، كطفلٍ يحتمي من عاصفةٍ لا تنتهي.

لم يبعد عينيه عنها.

بل ثبت نظراته الباردة عليها، ثم قال بصوتٍ خالٍ من أي إحساس:

آدم: ألا تعرفون ما الذي تريده؟

تقدّم الطبيب خطوة، ونطق كلماته باحترامٍ شديد:

الطبيب: لا، يا سيدي… كل ما في الأمر أنها ظلت تصرخ باسمك، وتهدد بالموت إن لم تأتِ.

تحرّك آدم بخطواتٍ ثقيلة بعد لحظات من التركيز عليها، وهالته الباردة تملأ المكان.

وصل إلى الباب، فتحه بهدوء، ونظر إليها نظرةً خاوية من الاهتمام، ثم قال بنبرةٍ أشد برودًا:

آدم: ما الذي تريدينه… يا أمي؟

(توقّف لحظة قصيرة، قبل أن يلفظ الكلمة الأخيرة باستخفافٍ واضح)

رفعت عينيها نحوه. مدّت يدها إليه كمن رما لها طوق النجاة وهي تنهض بسرعة، صوتها يرتجف، والدموع تملأ عينيها:

الأم: آدم… آدم، ولدي…

هل يمكنك إخراجي من هنا؟

إنهم يريدون قتلي…

رفعت يديها أمامه، وقالت برعب:

أنظر… يضعون محاليل، لا أعرف ما هي…

تلفّتت حولها بفزعٍ هستيري، ثم عادت إليه متوسلة:

أرجوك يا بني، أخرجني من هنا… سيقتلونني.

لم يقترب.لم يمدّ يده. اكتفى بالنظر إليها كما يُنظر إلى شيءٍ تالف.

قال بصوتٍ منخفض، هادئ إلى حدّ مخيف:

آدم: لا أحد يريد قتلك.

(تقدّم خطوة واحدة فقط، لا ليطمئنها… بل ليُسمِعها جيدًا)

آدم: ما يحدث هنا… هو أنكِ أخيرًا لا تستطيعين الهرب.

توقّفت عن البكاء للحظة، وكأن الكلمات شلّت جسدها.

واصل، بنفس البرود:

آدم: هذه المحاليل لا تؤذيكِ.

لكن الخوف؟

ذلك الذي أراه في عينيكِ الآن… ابتسم ابتسامة جانبية خالية من أي مشاعر وقال باستخفاف

هذا شيءٌ تعرفينه جيدًا.

صمت قليلًا، بعد ان ومضت لمحة من الماضي جعلته يبتلع ريقه بصعوبة ثم أضاف بنبرةٍ أكثر قسوة:

آدم: كنتِ تضعينني في غرفٍ مغلقة،

وتقولين إن الأشباح ليست حقيقية.

مال برأسه قليلًا، نظر إلى يديها المرتجفتين:

آدم: والآن…حين صرتِ أنتِ وحدكِ في الغرفة،

صارت الأشباح حقيقية فجأة؟

اقتربت أكثر، لكنّه تراجع خطوة، كأن لمسها شيءٌ غير مقبول.

آدم: لا تطلبي مني أن أُخرجكِ.

أنا خرجتُ وحدي منذ زمن.

ثم ختم، بهدوءٍ أبرد من الرحمة:

آدم: تحمّلي.(صمت قليلا وقال)كما كنتُ أفعل.

لم تتحرّك من مكانها.

ظلّت تحدّق فيه، كأنها تنتظر كلمة تُنقذها من نفسها.

قالت بصوتٍ مبحوح:

الأم: آدم… أنا خائفة.

لم يتغيّر شيء في ملامحه.

ولا في نبرة صوته.

آدم: الخوف لا يقتل.

سكت لحظة، ثم أضاف بلا رحمة:

آدم: الذي يقتل… هو الاعتياد عليه.

اقترب الطبيب بحذر، لكن آدم رفع يده دون أن ينظر إليه.

كانت إشارة صامتة، وحاسمة.

عاد بنظره إليها، وقال:

آدم: اعتني بها.

حين تهدأ… أخبروني.

ثم استدار.

لم يودّع. ولم ينظر خلفه.

في الخارج، كان الليل ساكنًا على غير عادته.

هواء بارد لفّ كتفيه، لكنه لم يشعر به.

ركب سيارته. وأغلق الباب. ظلّ لثوانٍ يحدّق أمامه، دون أن يدير المحرّك.

في داخله…

لم يكن هناك غضب.

ولا ندم.

كان هناك فراغٌ فقط.

بعد منتصف الليل بقليل،

توقّفت السيارة أمام بنايةٍ معتمة.

صعد الدرج دون استعجال. وفتح الباب.

دخل.

الضوء الخافت كشف الغرفة شبه الخالية.

سرير، نافذة نصف مفتوحة، وستارة تتحرّك مع الهواء.

خلع معطفه ووضعه على الكرسي.

جلس على حافة السرير.

مدّ يده ليلمس كفه الأخرى…

ثم توقّف.

شدّ أصابعه ببطء، كأن ذاكرة قديمة مرّت من هناك.

تصلّبت ملامحه أكثر.

نهض. أطفأ الضوء.وفي الظلام، ظلّ واقفًا… كأن شيئًا في هذه الليلة لم ينتهِ بعد أغلق عينيه.

الغرفة كانت أصغر مما يتذكّر.

معتمة… إلا من خطٍ شاحب يتسلّل من تحت الباب.

رائحة الرطوبة.

والصمت.

كان ظهره ملاصقًا للجدار،

وركبته مشدودة إلى صدره.

قال بصوتٍ مرتجف، بالكاد يُسمع:

آدم الطفل: ماما… افتحي الباب.

لم تأتِ الإجابة فورًا.

ثم جاء صوتها، باردًا، متعبًا، خاليًا من الحنان:

الأم: اصمت.

لن يحدث لك شيء.

اقترب ظلّها من الباب.

ثم ابتعد.

توتّرت أنفاسه.

مدّ يده الصغيرة نحو المقبض…

لكنه لم يصل.

آدم الطفل: أنا خائف…

ضحكت ضحكة قصيرة، قاسية، كأنها تقطع شيئًا في الداخل:

الأم: الخوف في رأسك.

وأنتَ تتخيّل كثيرًا.

ساد الصمت من جديد.

الدقيقة مرّت كساعة.

والساعة كليلة.

بدأ الظلام يضغط على صدره.

تخيل أشياء لا أسماء لها.

شعر بشيءٍ يقترب…

رغم أنه لم يكن هناك شيء.

صرخ.

لم يُفتح الباب.

فتح عينيه فجأة.

كان في الغرفة نفسها…

لكنّه لم يعد طفلًا. النور مطفأ. الظلام مألوف.

نظر إلى الباب.

لم يشعر بالخوف.

همس لنفسه، بصوتٍ جامد:

آدم: لم يحدث لي شيء.

ثم أدار ظهره للباب،

وترك الغرفة كما تركته…

معتمة.

لم يحمل الليل خلاصًا.

حين بزغ الفجر، كان كل شيء يبدو في مكانه…

إلا ما في الداخل.

في الصباح،

كانت ماريا واقفة أمام المرآة، تعدّل ياقة قميصها بعناية مبالغ فيها.

نظرت إلى انعكاسها طويلًا.

تأكّدت أن عينيها لا تفضحان السهر،

ولا الكوابيس، ولا ذلك الشعور الذي التصق بصدرها منذ الأمس.

قالت لنفسها بصوتٍ خافت:

ليس الآن ليس وقت التفكير لقد حان وقت العمل ماريا إدفني نفسك بالعمل كي تستطيعي النجاة.

في العمل،

تحرّكت بين المكاتب بخطواتٍ ثابتة.

ابتسمت حين طُلب منها ذلك. ردّت باقتضاب.

وانغمست في الملفات، الأرقام، التفاصيل الصغيرة…

كل ما يمكن أن يمنح العقل ضجيجًا كافيًا ليصمت القلب.

لكن، كلما توقّفت يدها فوق الورق،

تسلّل الإحساس ذاته، أن شيئًا انكسر…وترك شقًّا لا يُرى.

شدّت أنفاسها، وعادت للعمل.

في مكانٍ آخر من المدينة،

كان آدم يجلس خلف مكتبه.

الأوراق مصطفّة. والقرارات تُتّخذ بلا تردّد. صوته هادئ.

نظرته مركّزة. لم يُفكّر في الليل، لم يسمح له بالاقتراب.

كان العمل درعه الوحيد.

المكان الذي لا يُطلب فيه شعور،

ولا يُحاسَب فيه الصمت.

وقّع آخر ملف، ثم أغلقه.

رفع آدم عينيه نحو فيفيان الواقف أمامه، وقال بصوت هادئ لكن يغلفه البرود:

آدم: هل هناك أي جديد في شركة Securitas AB؟

حرك الرجل رأسه بهدوء، نافياً:

فيفيان: لا يا سيدي… لا يزالون يبحثون عن من يساعدهم. حاولنا دفعهم لبيع الأسهم، لكنهم لا يريدون خسارة السيطرة عليها.

اتكأ آدم على ظهر الكرسي، ممسكًا بقلم بين أصابعه، وتوقف لحظة يفكر.

ثم قال بصوت بارد وخطوات فكرية محسوبة:

آدم: حسنًا… إذا لم يرغبوا ببيع الأسهم، فليبيعوا الشركة كاملةً.

صمت لحظة، ثم استرسل، وكأن كل كلمة تُعدّ كضربة:

آدم: ستبحث في ماضيهم واحدًا واحدًا… اكتشف أي خروقات للقانون، أي تجاوز ضريبي. هذه المرة يجب أن نكسرهم… ليس فقط ليفكروا بالحل، بل ليجدوا أنفسهم مشغولين بكيفية إنقاذ أنفسهم من السجن.

نظر إليه الرجل بإعجاب، وقال بصوت خافت:

الرجل: حسنًا، سيدي… سأفعل.

هز آدم رأسه بصمت، بينما خرج الآخر بطاعة كاملة.

فتح درج المكتب الذي بجانبه في المكتب، أخرج هاتفه المحمول، وأرسل رسالة إلى مجهول، الكلمات قصيرة ومرعبة:

[اليوم سيكون العقاب]

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حُطـام| حتى لو رفضت الحياة.. لن أسمح لك بالرحيل   الفصل السادس

    تحسست ماريا صدغيها بأصابع مرتعشة، والأفكار تتزاحم بداخل عقلها لدرجة أن صدغيها بدآ يؤلمانها بشدة. الورقة الصغيرة المخفية في جيب معطفها كانت كالجمرة، والتحذير المكتوب فيها جعلها تشعر أن العالم كله يتآمر ضدها. ​قاطع اضطرابها صوت طرقتين هادئتين، ثم فُتح الباب ببطء. ​تصلبت ماريا في مكانها، وسقط القلم من يدها ليحدث رنيناً خافتاً على الأرض. الرجل الواقف عند الباب لم يكن بحاجة لتعريف؛ تلك الملامح الحادة، والعيون الرمادية الواثقة التي لطالما رأتها في عناوين الأخبار الاقتصادية وعلى غلاف المجلات الراقية. ​إنه آدم. ​لم تكن تعرفه من قبل شخصياً، لكنها عرفته كما يعرفه الجميع عبر الصحافة؛ ذاك الشاب الناجح الذي استطاع بناء إمبراطورية في وقت قياسي. رؤيته بشحمه ولحمه في مكتبها الصغير، ببدلته الفاخرة وهيبته الطاغية، جعلت الكلمات تتجمد في حلقها. ​— "آنسة ماريا.. أرجو أنني لم أقتحم خلوتكِ بشكل مفاجئ." ​نطق اسمها بهدوء، وصوته الرخيم والعميق جعل جسدها يرتجف ارتعاشة لم تفهمها. نبرته كانت قوية ومستقرة، تختلف تماماً عن نبرة ذلك "المختل" الذي روعها في منزلها. آدم هذا كان يمثل النظام، القوة، والنجاح؛ ك

  • حُطـام| حتى لو رفضت الحياة.. لن أسمح لك بالرحيل   الفصل الخامس

    صدم آدم ولم يفهم لماذا توجهت إلى نفس المكان تشتت ذهنه للحظة، قبل أن يقول لأندرو بهدوء:— لا تقترب منها، فقط راقبها.هز أندرو رأسه بهدوء كأنه أمام سيده، وأبعد الهاتف عن أذنه، وهو ينظر إليها من بعيد، مختبئًا في أحد الزوايا المظلمة بالزقاق. بينما كانت ماريا تنظر هنا وهناك بحيرة، كأنها تبحث عن شيء ما، لكنها لا تعرف ما الذي تبحث عنه بالضبط. تنهدت وقالت:— يا لغبائي… كيف يمكن لمجرم مثله، له أتباع، أن يترك دليلًا وراءه؟زفرت بحنق وتوجهت خارج الزقاق وهي تشتم غبائها. مشت على الأقدام حتى وصلت إلى أول مقهى قابلته، وجلست هناك، ترتشف القهوة مرة بعد مرة، وتفكيرها مشتت بالكامل. لم تعرف كم مضى من الوقت وهي جالسة هناك غارقة في أفكارها، حتى اصطدم شخص ما بكتفها. استدارت، عاقدة حاجبيها، بينما ابتسمت الفتاة واعتذرت منها بهدوء. هزت ماريا رأسها وعادت الابتسامة إلى وجهها وقالت:— لا بأس.ذهبت الفتاة، ونهضت ماريا دفعت للنادل و توجهت إلى المنزل بهدوء. تمشّت قليلاً، لأن الوقت لم يكن متأخرًا كثيرًا، لكن بعد مدة من المشي والتفكير العميق في الموضوع استسلمت وعاهدت نفسها ألا تبحث عن أي شيء قد يؤديها او يجرها إلى مخ

  • حُطـام| حتى لو رفضت الحياة.. لن أسمح لك بالرحيل   الفصل الرابع

    دخل الغرفة بصمت تام، دون أن يصدر أي صوت، إقترب منها وهو يحبس انفاسه بداخل صدره، بمجرد ان أصبح بجانب السرير أنزل رأسه ليتأكد مما إذا كانت نائمة أم ما زالت مستيقظة.كان يشعر بأنفاسها منظمة جدًا، وهو أمر طبيعي بعد كل ما مرّت به في هذه الليلة.مرّر عينيه على جسدها بالكامل، حتى توقف نظره عند أصابع يديها.كان ضوء القمر مسلط عليها مما أظهر لمحة باهتة، كاشفةً عن كدمات زرقاء، ناتجة عن إصابتها من قبل اللص.رفع أصابع يديه بحذر، ووضعها على يديها، محاولا أن ينقل لها شعورًا بالطمأنينة.فجأة، سمع صرخة خافتة: "لا".تجمد جسده في مكانه، وقلبه يخفق بعنف. كان خائفًا أن تكون قد استيقظت.لكن ما أن رفع عينيه عنها، حتى رأى جسدها يرتجف وتئن.بدت وكأنها تعيش حياة أخرى، داخل عالم مختلف، عالم من الكوابيس.شعر بشيء داخله يضغط عليه، مزيج من القلق والحماية والحيرة.اقترب منها ببطء، غير مدرك تمامًا لما يجب عليه أن يفعل، فقط اقترب ناحية شفتيها.كانت تهذي بكلمات غير مفهومة، وحاول أن يسمعها، لكن كلماتها كانت متداخلة، فلم يستطع فرزها.رفع يده ليضعها على خدها، لكنه توقف قبل أن يلمس جلدها، متذكرًا خوفها من اللمس تلك الليل

  • حُطـام| حتى لو رفضت الحياة.. لن أسمح لك بالرحيل   الفصل الثالت

    عند منتصف الليل، وفي أحد المصانع المهجورة،كان يُسمَع صراخٌ حادّ، كأنّ صاحبه يوشك أن يقتلع حبالَه الصوتية ليُوصل استغاثته إلى أيّ أحدٍ قد ينقذه من هذا الجحيم الذي يعيشه الآن. كان يصرخ ويبكي في آنٍ واحد، بينما قال الجالس أمامه بانزعاج، وهو يضع قناعًا أسود تتخلّله نقوشٌ باللون الأحمر القاتم، كدمٍ جافّ:آدم:أنت تصرخ أكثر من النساء...رفع الرجل رأسه بصعوبة، ينظر إليه بعينين غارقتين في الدموع، والدم مختلطٌ باللعاب يبصقه من فمه مع كل كلمة ينطق بها:الرجل:من أنت؟ ماذا تريد مني؟ لماذا تريد قتلي؟ظلّ آدم ينظر إليه للحظاتٍ بصمتٍ ثقيل، ثم قال دون أن يجيب عن سؤاله، وبنبرةٍ يكسوها الضيق:آدم:أتريد أن تُلفّق لي تهمة؟ازداد بكاء الرجل، والرعب يسري في أوصاله وهو يحدّق في هذا المجنون الذي لا يفهمه، وقال متوسّلًا:الرجل:أرجوك، سيدي... سأعطيك ما تريد، فقط دعني أعود إلى بيتي، إلى عائلتي... لدي طفلان ينتظرانني.بعد صمتٍ دام هنيهات، التفت آدم نحو فيفيان وقال بهدوءٍ قاتل:آدم:اتركه... ليذهب إلى عائلته.فهم فيفيان ما يريده سيّده من نبرة صوته، فتقدّم نحوه، وجرّ رأس الرجل إلى الخلف بقوّة، حتى برزت تفاحة آ

  • حُطـام| حتى لو رفضت الحياة.. لن أسمح لك بالرحيل   الفصل الثاني

    [بين الماضي والحاضر فجوة لا تُرى، لكنها تثقل القلب كل لحظة. صورٌ وذكريات تتسلل من الظلام، تهمس بأصواتها القديمة، وتعيد خفقان الخوف الذي نظن أنه انتهى. هنا، في هذا الحين، حيث الواقع يقف على حافة الانكسار، نجد أنفسنا محاصرين بين ما كان وما هو كائن، بين صرخات الماضي وهدير الحاضر. وكل نفسٍ تتنفسه يصبح تذكرة بأن لا هروب من أثر ما تركه الألم في الروح]لم تشعر بنفسها إلا وقد غرقت في نومٍ ثقيل، أنفاسها منتظمة، وملامحها هادئة على غير العادة. غير أن ذلك السلام لم يدم طويلًا؛ إذ سرعان ما ارتجف جسدها، وانقبض وجهها كأنها تُساق إلى ذكرى لم تشأ يومًا أن تعود.-كانت في غرفتها، تجلس حيث اعتادت دائمًا، ترسم.ألوانٌ دافئة، خطوطٌ مرتبة، ولوحة عائلية تحاول أن تجعلها كاملة… كما كانت تتمنى، لم ترفع رأسها حين فُتح الباب. بل استمرت في الرسم، إلى أن شعرت بيدٍ تستقر على كتفها. فقط حينها التفتت ببطء، لتقابل وجهًا تعرفه جيدًا. ابتسمت بحماس وهي تقول له بفخرماريا: انظر يا عمي كريس… هذا أنت.اقترب أكثر، أكثر مما ينبغي، وابتسامته بدت غريبة وهي تنزلق على ملامحه. بادلته البسمة فلم يكن هناك ما يدعو للقلق… أو هكذا ظنّت

  • حُطـام| حتى لو رفضت الحياة.. لن أسمح لك بالرحيل   الفصل الأول

    ​الـمـدخـل: مـراثـي الـرمـاد ​"يقولون إن أصعب أنواع الموت هو الذي يحدث وأنت لا تزال تتنفس.. حين يتحول جسدك إلى مجرد تابوتٍ فاخرٍ لروحٍ غادرته منذ زمن." ​كانت السماء فوق المدينة ملبدة بغيومٍ رمادية ثقيلة، كأنها تعكس سواد القلوب القابعة في قصورها الشاهقة. في زاويةٍ منسية من زقاقٍ ضيق، تفوح منه رائحة المطر والدم، كانت ماريا تقف متجمدة، أنفاسها المرتعشة هي الصوت الوحيد الذي يكسر حدة الصمت الجليدي. عيناها الزرقاوان، اللتان كانتا يوماً بلون السماء الصافية، امتلأتا برعبٍ لا يُوصف وهي تشهد على المشهد الذي سيغير قدرها للأبد. ​على بُعد خطوات، كان يقف هو.. آدم. لم يكن يبدو كبشر، بل كتمثالٍ من الأبنوس نُحت بملامح حادة لا تعرف الرحمة. كان يمسك بسلاحه ببرودٍ مرعب، وعيناه السوداوان غارقتان في ظلامٍ سحيق، لا يرف له جفن أمام الجثة الهامدة أمامه. لم يكن يقتل من أجل المتعة، بل كان ينفذ حكماً، كآلةٍ صماء خُلقت لتطهير الأرض من حثالةٍ يشبهون أولئك الذين دمروا طفولته. ​التفت آدم ببطء، لتلتقي نظراته بماريا. في تلك اللحظة، شعر بشيءٍ غريب.. نبضةٌ خافتة في قلبٍ كان يظن أنه مات منذ أن كان في الخامسة عشرة. رأ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status