Share

خروف في ثياب ذئب
خروف في ثياب ذئب
Author: جنى رائد

الفصل1

Author: جنى رائد
(لايكا)

استيقظتُ على وقع ضجيجٍ في الخارج. كان الناس يركضون، يدفعون كل ما يعترض طريقهم، وأصوات الصراخ والعويل وبكاء الأطفال تملأ الأجواء.

نهضتُ عن الأرض ببطء، والارتباك يملأني، وجسدي كله يؤلمني كأن إبرًا قد اخترقته من كل صوب، كان هذا من آثار العذاب الذي أنزله بي رفيقي، ألفا خالد. جلَدني بالسوط لأني رفضتُ أن أُرضيه. بكيت حتى غلبني النوم على أرضٍ باردة قاسية.

خرجتُ من الغرفة فرأيت الناس يركضون في كل الاتجاهات، ولم يكن لألفا خالد أي أثر. كان الارتباك يعصف بي، ولم يلتفت إليّ أحدٌ ليخبرني بما يجري، فالجميع يكرهونني على أي حال. لكن عندما أنصتُّ جيدًا، سمعتُ ما كانوا يقولونه:

"الجبابرة وصلوا!"

هبط قلبي إلى قاع معدتي. كان قطيع الجبابرة أشدّ ما يُخشى في مملكة الذئاب بأسرها. إنهم مستذئبون، ومحاربون متفوقون في القوة والوحشية، يداهمون القطعان ويأخذون الأسرى عبيدًا لهم. سمعت عنهم كثيرًا، لكنني لم أكن قد شهدتُ غارة من قبل. ما الذي فعله قطيعنا ليُهاجم؟ حاولت أن ألتحق بالآخرين لأفرّ، لكن ألمًا فظيعًا اخترق ساقي اليمنى، وتذكّرت أن الطاولة الثقيلة سقطت عليّ حين جرّني ألفا خالد بعنف في وقتٍ سابق. سالت دموعي وأنا أعرج مبتعدة عن البيت.

لم يكن لدي أحد في هذا القطيع. كنتُ يتيمة منذ زمن بعيد، ومن أدنى قبائل الأوميغا، أُعتبر أضعفَ المخلوقات وأشدّها لعنة. كانت تعد لعنة أن تكون أوميغا في قطيعي وفي معظم القطعان، وكنتُ آخر أوميغا على قيد الحياة. تحولتُ إلى ذئبة وأنا في الثالثة من عمري، وهو أمر نادرٌ للغاية، ومنذ تلك اللحظة وُصمتُ بالملعونة. تحملتُ كل أنواع العقاب التي أُنزلت بي من قطيعي، خصوصًا من رفيقي الألفا خالد، الذي رأى في كوني رفيقته لعنةً عليه.

تحول الجميع إلى ذئاب وغاصوا في الغابة بحثًا عن الأمان، وهربًا من محاربي الجبابرة، أما أنا فلم أستطع أن أدع ذئبتي تتولى الأمر. كانت ضعيفة مثلي، كأنها غير موجودة أصلًا. كنت أعرج وسط أراضي القطيع، أراقب محاربي الجبابرة وهم يقتادون أفراد قطيعي إلى أقفاص ضخمة، وتساءلت كيف لم ينتبه أحد إليّ بعد.

أين ألفا خالد؟ امتلأت عيناي بالدموع حتى غبش بصري. ماذا أفعل؟ كيف سأنجو وأنا عاجزة عن الركض؟

وبينما أفكر بالهرب، دفعتني قوةٌ خفية فسقطتُ أرضًا، وتدحرجتُ حتى ارتطم رأسي بالحجارة والحصى، وغبت عن الوعي. كان آخر ما شعرت به قبل أن أغيب هو أن جسدي ارتفع عن الأرض، يطفو في الهواء، ثم تلاشى كل شيء في العدم.

...

أفقتُ على رشة ماء على وجهي. شهقتُ ونهضت، حدّقت حولي. كان الظلام ما زال مخيمًا، لكن مصباحًا صغيرًا بعث بضوء خافت في الغرفة. لم أفهم في البداية أين أنا، حتى وقعت عيناي على بعض أفراد قطيعي مكبلين مثلي، فعادت إلى ذهني ذكريات ما حدث.

كانت هناك امرأة تقف في نهاية الزنزانة، أو أيًا كان المكان الذي كنا فيه، وذراعاها معقودتان على صدرها، تحدق إلينا بعينين زرقاوين متجمدتين كالجليد. وزع بعض الرجال الضخام الطعام علينا. بدا لهم بسيطًا، لكنه كان أكبر وجبة تناولتها منذ زمن طويل.

قالت المرأة، حين وضع أحدهم طبقًا أمامي: "لماذا هذه ليست مقيّدة بالأغلال؟"

فأجاب الرجل: "إنها عرجاء، لن تقدر على الهرب حتى لو أرادت".

سمعت ضحكة مكتومة، فالتفتُّ لأرى فتاة من قطيعي تغطي فمها وتحدق بي. لم أكن عرجاء، وهي تعلم ذلك. كنت أعرج بسبب إصابةً سببتها همجية ألفا خالد. وفجأة، وأنا أفكر به، أدركت أن الوقت قد حان لأقبل رفضه. لقد رفضني أمام جميع أفراد القطيع، وأذلّني على مرأى من الحاضرين، ثم حرّمني من أن أقبل رفضه. والآن، وقد صرت في قبضة أسيادٍ جدد، آن لي أن أقطع كل ما يربطني به.

ومن دون أن أفكر في العواقب، نطقتُ بصوتٍ عالٍ، يسمعه الجميع: "أنا لايكا آرتشر، أوميجا من قطيع القمر الأزرق، أقبل رفضك، يا ألفا خالد من قطيع القمر الأزرق. وليكن ما يكن!" وما إن انتهيت من كلامي حتى شعرت بخفةٍ في صدري، كأن حملًا كان قد جثم على قلبي طويلًا انزاح. كنتُ أخيرًا حرّة من أسوء كوابيس حياتي. حرّة من عذابه.

لكنني لم أكن أعلم ما الذي ينتظرني في هذا المكان الجديد. كنتُ معتادة على العبودية والعذاب، وسأحتمل ما سيأتي كما تحملتُ من قبل، فقد اعتدت على العذاب الآن. سمعتُ شهقاتٍ خلفي، والتفتُّ لأرى أفراد القطيع يحدقون بي بذهول، أفواههم مفتوحة في عدم تصديق. لم يتخيلوا أنني أملك الجرأة لأرفض الألفا.

صرخت المرأة بغضب: "من سمح لك بالكلام، أيتها العرجاء؟"

كنت أود أن أصرخ أنني لست عرجاء، لكنني كنتُ أضعف من ذلك، فاكتفيتُ بأن أنحني اعتذارًا، وانكببت على طعامي ألتهمه بسرعة قبل أن يغيّروا رأيهم ويسحبوه مني. لم أذكر آخر مرة أكلت فيها شيئًا نظيفًا أو مشبعًا كهذا. كنت أعيش على الفتات في قطيعي، لأن الألفا قرر أن هذا هو عقابي.

كان يقول لي إنني قبيحة، لا أستحق شيئًا جميلاً أو سعيدًا، وكنت أصدّقه. قال لي إنني نحس، وإن والداي ماتا بسببي. لم أعرف أمي قط، فقد ماتت وهي تلدني. وأبي مات وأنا في السادسة، وهو يحاول إنقاذي من بعض المارقين.

صدّقت ألفا خالد، آمنت أنني لو لم أكن ملعونة، لما صارت حياتي بهذا القبح كلّه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خروف في ثياب ذئب   الفصل 150

    (لايكا)راقبتُ الظلّ الدخاني وهو يهوي من السماء نحوي. كان سريعًا لدرجة أنني لم أعرف ماذا أفعل، تجمّدت قدماي في الأرض وأنا أحدّق فيه."لايكا!" صرخ مولارت باسمي، وفي اللحظة التالية انتُزعتُ من مكاني.اندفع الروح من جانبنا بينما تدحرجنا أسفل المنحدر. توقفنا عند أسفل شجرة، وكان مولارت فوقي. تنفّستُ بعمق وانتظرتُه أن يبتعد عني، لكنه ظلّ في مكانه. شددتُ ذراعه، لكنه لم يتحرك. دفعته جانبًا فسقط كجذع خشب. جلستُ فورًا ونظرتُ إليه. كان شاحبًا، فهززتُه."هيه، ماذا حدث؟"بدت عيناه واهنتين، ومدّ يده إلى سكين صغيرة في جيبه وقدّمها لي. حدّقتُ في السكين بارتباك."يجب أن تفعليها الآن، ما دمتُ لا أزال أتنفّس.""أفعل ماذا؟" سألتُ، رغم أنني كنت أعرف ما يريد."يجب أن أموت ليعيش رفيقكِ. لم يمسّ الدوراكو جسدي كله، لكن أثره ينتشر. عليكِ أن تسحبي دمي بسرعة قبل أن يتجمّد جسدي بالكامل."انهالت الدموع من عينيّ وهززتُ رأسي قائلة: "لا بدّ أن تكون هناك طريقة أخرى، لا بدّ من سبيل دون أن تموت.""لايكا، أخبرتكِ أن وقتي انتهى. فعلتُ ما أُبقيتُ حيًّا لأجله كل هذه السنين، دعيني أرحل بسلام.""لكنني لا أستطيع قتلك.""إن قتلت

  • خروف في ثياب ذئب   الفصل 149

    (لايكا)ظللتُ صامتة بعد الكشف الذي أدلى به مولارت، أو ينبغي أن أقول أبي. حثّني على الذهاب إلى المساحة المفتوحة والانتظار حتى يأتي ليعلّمني مهارته، لا أعلم إن كنت سأتعلم مثل هذه المهارة خلال بضع ساعات، لكن إن كان يؤمن بي، فأنا أؤمن بنفسي أيضًا.خرج لاحقًا، وبدأنا المصارعة، وكان يصدّني مرارًا. لم أكن مركّزة، لأنني كنت أفكر في كيف سأسمح له أن يموت."لايكا، أنتِ غير مركّزة. استمعي إليّ. كلما قاتلتِ، لا تدعي أي شيء آخر يشتتكِ، يجب أن تركّزي على خصمك وتنتبهي لهجماته."أومأتُ برأسي دون أن أنطق بكلمة. تصارعنا لبعض الوقت، لكنني لم أكتسب مهارة الجامبا. وعندما سألته عنها، ابتسم وقال إن عليّ التحلّي بالصبر. لمولارت أسلوب قتال فريد، وكنت ممتنة لأنني تعلمت مهارات جديدة تلك الليلة. وبعد قليل، أمسك بذراعيّ من الخلف وأدارني لأواجه الجبال."الآن، أريدكِ أن تركّزي على تلك الجبال. وعندما أقول تركّزي، لا يعني أن تنظري إليها بعينيكِ. من الأفضل أن تركّزي بعقلكِ وروحكِ، خذي نفسًا عميقًا." أطعتُه، فقال: "والآن، أريدكِ أن تتركي كل شيء في ذهنكِ".لم أستطع إبعاد ذهني عما حدث، وعن أنني سأفقد حياة لإنقاذ حياة أخرى،

  • خروف في ثياب ذئب   الفصل 148

    "لايكا، لقد قلتِ إن كل شيء، وكل شخص، يستحق المغفرة. أشعر أنه نادم الآن، وهذا ما كانت أمه تريده." همست جوي في رأسي.دحرجتُ عينيّ. كان قلبي ليّنًا، ولم أكن أستطيع حمل الضغائن، خصوصًا تجاه من ساعدوني. كانت تلك أضعف نقطة لدي. كانت نقاط ضعفي التعاطف مع الناس ووضع نفسي دائمًا مكانهم. كنت أعلم أنني قد سامحتُ مولارت منذ ذلك الحين، والآن أفهم لماذا ارتبطنا. تقدّمتُ خطوة نحو مولارت، حيث كان منحنِيًا، ومددتُ يدي لألمسه، لكنني توقفت. ماذا لو كان يفعل هذا لمصلحته الأنانية؟"لايكا، أستطيع أن أشعر بمدى ندمه. لقد استسلم بالفعل".لمستُ كتفه، وقلت: "أعلم أن أمي ليست هنا جسديًا، لكن دمها يجري في عروقي، وقلبها نقي مثل قلبي. كما قلتُ، كل شخص وكل شيء يستحق فرصة ثانية. لقد سامحتك، حتى نيابةً عن الموتى، إن وعدتَ ألا تكون قاسيًا إلى هذا الحد مرة أخرى"."سأعوّضكِ يا طفلتي..."لم يكن قد أنهى كلامه حتى بدأ جسده يتشنج. ابتعد عني بعنف، يصرخ ويتمايل. راقبته بدهشة وهو ينتقل من هيئة إلى أخرى. تمددت عظامه وأُعيد ترتيبها كما لو كانت مطاطية. ازداد طولًا، ثم عاد لينكمش إلى شكل بشري. بدا وكأنه غير متأكد من الهيئة التي يريد

  • خروف في ثياب ذئب   الفصل 147

    (لايكا)الاستمرار في الغضب من مولارت يعني أنني لن أحصل على بتلات الحياة لوقتٍ طويل، عليّ أن أفكر فيما أريده حقًا. لم يبقَ سوى ساعات قليلة قبل الفجر، وكان الغد هو يومي الأخير للحصول على البتلة. نهضت بسرعة حين سمعت خطوات مولارت، وقف عند المدخل في لمح البصر، وحدقت فيه بحدة."أنا مستعدة لمقاتلتك الآن، وقتي قليل.""لايكا." ناداني بصوت خافت، لكنني رفعت يدي لأوقفه.لا أحتاج إلى مزيد من التفسيرات. لم آتِ إلى هذا المكان لألمّ شمل عائلة، وبالتأكيد لم آتِ لأجد أبًا كان وحشًا وما زال كذلك."لا أريد أن أسمع، أمي ماتت وهي تلدني. لا ينبغي لك أن تعتذر لي.""أندم على كل ما فعلته، وعلى كرهي الشديد للنساء. أعدك أن أصلح الأمر.""كيف؟"اقترب خطوة، فتراجعت خطوة. حدقت فيه بتمعن، رؤيته بهذا الضعف جعلته يبدو رجلًا أكثر منه وحشًا."اسمعي يا لايكا. أنتِ شخص طيب وذات قلب رحيم. رغم أنك من دمي، لكنكِ لم تسمحي لهذه القوة أن تفسدك.""وكيف عرفت ذلك؟ أنت لا تعرفني أصلًا.""لو لم تكوني طيبة، لما تمنّى الأشخاص الذين ساعدتهم في الغابة عودتك، ولما دلّوك على أسهل طريق إليّ.""ماذا تقصد؟""الوصول إليّ صعب. استغرق الرجل خالد

  • خروف في ثياب ذئب   الفصل 146

    (لايكا)جلست هناك قليلًا، وحين عجزت كبح فضولي، خرجت من الكهف لأجد مولارت جالسًا على الجبل، يحدّق في نصف القمر في السماء. وقفت أتأمله برهة، مترددة إن كان عليّ الاقتراب منه أم لا. وبعد تفكير طويل، أخذت وعاءً من الماء، وخلطت فيه الأعشاب الشافية التي استخدمتها لتنظيف جروحي، ثم توجهت نحوه. لم يلتفت إليّ ولم ينطق بكلمة. عصرت القماش من الماء الزائد وبدأت أنظف لوح كتفه، حيث يمتد الجرح حتى صدره."لا داعي لأن تفعلي هذا. عليكِ أن ترتاحي. لقد تأخر الوقت.""لكني أريد ذلك، لا أستطيع أن أراك بهذه الإصابات وأنا هنا، رؤيتك هكذا تجعلني غير مرتاحة، ولا أستطيع النوم.""لا أستحق لطفك يا لايكا." قالها وهو ينظر إليّ."كما قلت من قبل، كل شيء وكل شخص يستحق فرصة ثانية، ويستحق اللطف أيضًا."همهم وأدار وجهه بعيدًا. واصلت تنظيف الدم المتجلط عن جلده. ساد الصمت بيننا برهة، كانت أسئلة كثيرة تتزاحم على طرف لساني، لكنني كنت أعلم أن مولارت مراوغ وغير مستعد لكشف شيء. أردت أن أعرف لماذا كان رد فعله بتلك الطريقة حين ذكرت أسماء والديّ، ولماذا رفض أن يعطيني البتلات لأنها من أجل كريم."هل تعرفهما؟ أعني، والديّ؟" سألت أخيرًا و

  • خروف في ثياب ذئب   الفصل 145

    (لايكا)حدّقت في الزهور، متعمدة ألا أنظر إلى مولارت، لأنني لم أرد له أن يرى الغضب في عينيّ. كنت أخشى أن يثير ذلك حنقه. اقترب مني وربت على كتفي."سأفحصها عند الغروب." قالها ومضى متجاوزًا إياي.اللعنة عليك أيها الوحش، فكرت في نفسي.استدار فورًا، وقال: "هل قلتِ شيئًا؟"استجمعت ابتسامة زائفة.، وقلت: "لا، سأفعل ما تريد". اكتفى بهز رأسه ومضى، حدقت في الزهور وتخيلت اقتلاعها بغضبٍ يملأني."لا شيء يبدو على ما هو عليه مع مولارت.""اللعنة عليكِ وعلى مولارت." لعنت الصوت في رأسي."تمهّلي يا فتاة، غضبك لا يُقارن بغضبه." حذرتني جوي."ألا ترين أنه يضيع وقتي؟ ثم إن النبوءة قالت إنني سأهزمه. سواء كان غضبه يحترق كالنار أم لا، فأنا واثقة أنه سيموت على يدي.""النبوءة قالت الشخص المظلم، وأنتِ لا تظنين حقًا أن مولارت هو ذلك المظلم، أليس كذلك؟"أغلقت نفسي عن جوي، لم أكن مستعدة في تلك اللحظة لسماع صوت العقل. نظرت إلى الزهور مرة أخرى، وعرفت أنني لا أستطيع اقتلاعها وحرقها. كنت غاضبة، لكن الزهور لم تؤذني. لذا بدل أن أفعل ما أراده مولارت، ذهبت إلى الجدول القريب وجلبت الماء بقِرْبتي، وسقيت الزهور متمنية أن تنجو. كا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status