Share

الفصل 6

Author: غابة الصيف
ما إن رأيت مي بوضوح، حتى تجمد جسدي كله.

"أطلب تغيير المساعدة."

حاولت أن أرفع جسدي بشكل غريزي.

لكن الطبيب أمسك بي.

"ما هذا العبث؟"

"رئيسة قسم التمريض مي هي واحدة من أفضل الممرضات في قسمنا."

"هناك من يتمنى أن تعمل معه في غرفة العمليات، ولا يحظى حتى بهذه الفرصة."

"أنتِ محظوظة لأنها جاءت للمساعدة في عمليتكِ."

أردت أن أقول شيئًا آخر.

لكن طبيب التخدير كان قد اقترب مني وهو يحمل الإبرة.

"استرخي، ستنامين قليلًا، وعندما تستيقظين سيكون كل شيء قد انتهى."

بدأ السائل البارد يتدفق ببطء إلى وريدي.

وبدأ وعيي يتلاشى تدريجيًا.

آخر صورة رأيتها كانت مي واقفة تحت ضوء غرفة العمليات، تحدّق بي بنظرة خبيثة...

لا أعرف كم من الوقت مرّ قبل أن يوقظني الألم.

كان أسفل بطني يؤلمني بشدة، وكأن شيئًا ما كان يتدفق إلى الخارج بلا توقف.

فتحت عيني، وكانت غرفة المستشفى خالية، ولم تكن هناك سوى مي تسجل معلومات الرعاية.

"أشعر ببعض الألم..."

كان صوتي ضعيفًا.

اقتربت مني مي ونظرت إليّ، وكان وجهها هادئًا.

"هذا طبيعي، هكذا تكون حالة الجميع بعد العملية، ارتاحي قليلًا وسيزول الألم."

بعد أن قالت ذلك، عادت إلى خفض رأسها ومواصلة كتابة سجلها.

لكن مع مرور الوقت ثانية تلو الأخرى، كان ذلك الشعور بالدوار يزداد سوءًا، حتى أنني أصبحت أجد صعوبة في التنفس.

كافحت لرفع يدي.

"يا ممرضة..."

رفعت مي رأسها أخيرًا، وعقدت حاجبيها قليلًا.

"لا تقلقي. من الطبيعي أن يكون المريض ضعيفًا بعد العملية مباشرة، وسنراقب حالتكِ."

وبعد أن قالت ذلك، استدارت وغادرت.

استلقيت على سرير المستشفى، وبدأ وعيي يتلاشى تدريجيًا.

وفي غمرة غيبوبتي، اندفع شخص إلى الداخل.

"جميلة!"

كانت صديقتي المقربة.

لم أستطع الكلام.

ولم أستطع سوى أن أقبض على يدها بصعوبة.

خفضت صديقتي رأسها ونظرت إلى ملاءة السرير، ثم صرخت في الحال: "دكتور! أسرعوا، استدعوا الدكتور! إنها تنزف!"

وفجأة تحولت غرفة المستشفى إلى فوضى عارمة.

وتعالت أصوات الخطوات من كل جانب.

"ضغط الدم ينخفض!"

"عالجوا الأمر فورًا!"

"جهزوا المحاليل!"

وفي وسط الفوضى التي دوّت في أذني، فقدت وعيي تمامًا.

وعندما استيقظت، كان المساء قد حلّ.

وكنت بمفردي في الغرفة.

ثم سمعت أصوات شجار حاد قادمة من خارج الباب.

"وهذا ما تسمونه عدم وجود مشكلة في التعامل معها؟"

كان صوت صديقتي المقربة.

لم أرها غاضبةً هكذا من قبل.

"لقد كادت المريضة أن تدخل في صدمة بسبب فقدان الدم!"

"ماذا كنتم ستفعلون لو لم أكتشف الأمر في الوقت المناسب؟"

"هل هكذا تعتني مستشفاكم بالمرضى؟"

ساد الصمت للحظات، ثم جاء صوت مي المبحوح بالبكاء.

"أنا آسفة... ظننت حقًا أنها ردة فعل طبيعية..."

"كثير من المرضى كانوا هكذا من قبل... ولم أقصد..."

كانت صديقتي غاضبة إلى درجة أن صوتها كان يرتجف.

"لم تقصدي؟"

"أتظنين أن الأمر سينتهي بمجرد قولكِ هذا؟"

"لقد كادت أن تفقد حياتها!"

وفي تلك اللحظة، دوّى صوت مألوف.

"كفى."

انحبست أنفاسي للحظة.

كان سيف.

"دكتور سيف..."

وكأن مي وجدت أخيرًا من يحميها، فبدأت تتحدث بصوت مختنق بالبكاء.

"لم أقصد ذلك حقًا..."

طمأنها سيف بلطف: "لا تخافي، سأتعامل مع الأمر."

ضحكت صديقتي المقربة بغضب.

"كيف ستتعامل مع الأمر؟ كيف تنوي التعامل معه؟ لقد كادت أن تقتل شخصًا!"

قال سيف بجدية: "رئيسة قسم التمريض مي هي من أفضل ممرضات المستشفى، ولم ترتكب أي خطأ جسيم طوال هذه السنوات."

"لقد كانت تلتزم بالإجراءات المتبعة، ولا يوجد حتى الآن دليل يثبت تقصيرها، وأنا أثق بقدراتها المهنية."

كانت صديقتي غاضبة إلى درجة أن صوتها تبدل من شدة الانفعال: "سيف! هل تعلم حتى من يرقد بالداخل؟!"

صمت سيف للحظة، وظل صوته هادئًا.

"أنتِ صديقة جميلة."

"لكنني لن أستغل هذه العلاقة لأحابيكِ أو أستثني قريبتكِ من القواعد."

كان يظن أن صديقتي تدافع عن أحد أفراد عائلتها.

اشتد غضب صديقتي حتى أخذت تلهث من شدة الانفعال، ولم تستطع الكلام لوقت طويل.

أما سيف، فقد غادر وهو يحمي مي، وتلاشت أصوات خطواتهما تدريجيًا.

وسرعان ما وصلت إلى مسامعي همسات جديدة: "الدكتور سيف لطيف جدًا مع رئيسة قسم التمريض مي، لقد ظل يحميها طوال الوقت."

"لو كنت مكانها، لتزوجته ردًا لجميله."

"إنهما مناسبان لبعضهما حقًا، أفضل طبيب وممرضة في مستشفانا، يا له من أمر يثير الحسد."

كانت كل كلمة تخترق قلبي كالإبرة.

انفتح باب غرفة المستشفى، ودخلت صديقتي وعيناها محمرتان.

وحين رأتني مستيقظة، ارتبكت على الفور، وأسرعت بتغطية أذنيّ بيديها.

"لا تستمعي. كل هذا هراء."

سحبت يدها برفق وأجبرت نفسي على الابتسام.

"لا بأس. لقد تجاوزت الأمر."

بعد أن نجوت بأعجوبة من الموت، فما الذي بقي لأتعلق به؟

وما إن انتهيت من الكلام، حتى اهتز الهاتف الموضوع على المنضدة بجانب السرير فجأة.

ظهر اسم المتصل: سيف.

شحب وجه صديقتي المقربة فجأة.

"وما زال لديه الجرأة للاتصال بكِ؟"

حافظت على هدوئي غير المعتاد وضغطت على زر الرد.

في اللحظة التالية، جاء صوت رجولي مألوف، يحمل نبرة استياء: "جميلة، أين ذهبتِ؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خسرتني حين اخترتها   الفصل 19

    "منذ اليوم الذي توفي فيه أبي." نظرت إلى سيف، وكان صوتي هادئًا كبركة ماء عميقة: "لم يكن ينبغي أن يكون لنا مستقبل من الأساس."تجمد سيف في مكانه.وبعد وقت طويل، ابتسم فجأة.كانت ابتسامة مريرة، بائسة، كابتسامة مقامر خسر أخيرًا كل ما كان يملكه من أوراق."فهمت." أومأ برأسه، وكان صوته أجشّ: "جميلة، لن أزعجكِ بعد اليوم."بعد أن قال ذلك، استدار وغادر، وكانت خطواته بطيئة، لكنه لم يلتفت إلى الخلف مرة أخرى.وقفت في مكاني، أراقبه وهو يبتعد خطوة تلو الأخرى، حتى اختفى في الظلال عند نهاية الممر.لم أشعر بالتحرر ولا بالحزن، بل بهدوء خفيف باهت.ككتابٍ وصل أخيرًا إلى صفحته الأخيرة.وبعد خمس سنوات.في دولة الأحلام، كنت أجلس أنا وتقى لتناول الشراب على ضفاف النهر.صقلت السنوات الخمس في داخلها شخصية حازمة وعملية، وأصبحت محامية بارزة ولامعة في هذا المجال، وكل حركة منها تنضح بهيبة الدقة والحسم.أما أنا، فقد أسست من جديد استوديو التصوير الخاص بي. وعلى مدى هذه السنوات، من الجبال الثلجية إلى الشفق القطبي، ومن الصحارى إلى الأنهار الجليدية، حصدت أعمالي جائزة تلو الأخرى حتى فقدت العدّ.وجئت هذه المرة إلى دولة الأحلا

  • خسرتني حين اخترتها   الفصل 18

    وفي النهاية، تخطت أمي مرحلة الخطر.وأعاد فريق الخبراء الدوليين وضع الخطة العلاجية، وبعد أسبوع، خرجت أمي بنجاح من وحدة العناية المركزة.في اليوم الذي علمت فيه بالخبر، جلست على المقعد الطويل خارج غرفة أمي، ودفنت وجهي بين كفيّ وبكيت لفترة طويلة.كل الخوف والقلق والعجز الذي تراكم خلال تلك الأيام، وجد أخيرًا منفذًا للخروج."يا آنستي."ناولني مازن منديلًا، وجلس القرفصاء أمامي، وكانت نبرته تحمل شيئًا من الارتباك والعجز اللطيف:"الخالة بخير، فلماذا ما زلتِ تبكين؟"أخذت المنديل ومسحت عينيّ، لكنهما ظلّتا حمراوين: "شكرًا لك. مازن، أنت لطيف حقًا."فلولا مازن، حقًا لا أعرف كيف كنت سأتمكن من الصمود خلال هذه الأيام.حكّ مازن رأسه ونظر بعيدًا بإحراج: "في الحقيقة، لم أفعل كل هذا لأنني لطيف."تجمدت في مكاني.نظر إليّ، وكانت عيناه جادتين، صافيتين ومباشرتين: "بل لأنني معجب بكِ."بقيت مذهولة في مكاني، ولم أعرف للحظة كيف ينبغي أن أجيب.كان هناك بريق في عيون مازن، وكان صوته لطيفًا ومؤثرًا:"لقد لفتِّ انتباهي عندما كنت في الطريق وقتها. تبعتك بدراجتي عدة أيام، وأخيرًا وجدت فرصة للاقتراب منكِ.""وجدتكِ جميلة جد

  • خسرتني حين اخترتها   الفصل 17

    أبلغت الشرطة، وتم اقتياد مي.وبسبب تعمدها إثارة أمي بعد العملية والتسبب في تدهور حالتها، إلى جانب التحقيق في واقعة النزيف الحاد السابقة، ستتم محاسبتها على الأمرين معًا.وما ينتظرها لن يقتصر على الفصل من عملها فحسب.لكنني لم أبالِ بمصيرها.فقد تدهورت حالة والدتي بسرعة.وخارج وحدة العناية المركزة، كان الأطباء يسلمونني مرة تلو الأخرى إخطارات بالحالة الحرجة.لم أنم ليومين كاملين، وأنا أشاهد أمي مستلقية هناك مغطاة بالأنابيب من خلال النافذة الزجاجية.وكان كل تغير في الأرقام على جهاز المراقبة يبدو كأنه سكين غير حاد، يقطع أعصابي ببطء.وخلال هذه الأيام، ظل سيف أيضًا ملازمًا للمستشفى، بل وكان ينام أقل مني، وكانت الهالات السوداء قد ظهرت بوضوح تحت عينيه.لكن حين أنظر إليه، لم أشعر نحوه بأي امتنان، بل لم يفارقني شعور بالنفور.فلولا تساهله المتكرر مع مي، لما أصاب أمي ما أصابها."جميلة." قال سيف بصوتٍ أجشّ: "دعيني أحاول."رفعت عينيّ ببرود: "تحاول ماذا؟""سأتواصل مع أفضل فريق طبي في البلاد، ونضع خطة علاج جديدة. سأجد طريقة، ثقي بي." أغمضت عينيّ: "هل يمكنك الابتعاد عني؟ فأنت آخر شخص أريد رؤيته الآن."ل

  • خسرتني حين اخترتها   الفصل 16

    "كانت عملية المريضة ناجحة جدًا، ومن المفترض ألا تتدهور حالتها فجأة."بدا الطبيب في حيرة شديدة."إلا إذا... تعرضت لصدمة شديدة."انقبض قلبي: "صدمة؟"أومأ الطبيب برأسه: "بعد العملية، لا ينبغي أن تتقلب مشاعر المريضة بشدة، خصوصًا أن مؤشرات القلب وضغط الدم لديها غير مستقرة أصلًا. من الأفضل أن تفكروا فيما إذا حدث اليوم شيء غير معتاد."شيء غير معتاد؟كان ذهني مشوشًا.لقد خضعت أمي لعملية جراحية للتو؛ باستثناء الطاقم الطبي وبعض أفراد العائلة، لم يتواصل معها أحد.لحظة.رفعت رأسي فجأة: "تحققوا من كاميرات المراقبة."بعد نصف ساعة، ظهرت التسجيلات على شاشة غرفة المراقبة.كان الناس يدخلون ويخرجون من باب الغرفة، والممرضات يحملن الصواني ذهابًا وإيابًا، إلى أن ظهرت بعد الظهر شخصية في زاوية الكاميرا.مي.انحبست أنفاسي، ونظرت غريزيًا إلى سيف.كان يقف خلفي، والضوء المنبعث من الشاشة ينعكس على جانب وجهه، بينما كان فكه مشدودًا بشدة.لم يكن في التسجيل صوت، ولم نتمكن سوى رؤية ما يحدث أمامنا.دفعت مي الباب ودخلت، ثم مشت إلى جانب السرير وانحنت لتقول شيئًا.في البداية، كانت أمي لا تزال قادرة على الرد، لكن بعد أقل من

  • خسرتني حين اخترتها   الفصل 15

    بعد تلقي الاتصال، استغرقت طوال الليل للعودة إلى مسقط رأسي.في ممر المستشفى، كانت أمي لا تزال تخضع للإنعاش، وملامح الطبيب كانت قاتمة."حالة المريضة حرجة، ولا بد من إجراء عملية جراحية فورًا.""لكن مستشفانا لا يملك الإمكانيات اللازمة. ننصح بنقلها إلى مستشفى آخر."شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.كأنني عدت بالزمن ثلاث سنوات إلى الوراء.في ذلك الوقت، كان أبي يرقد على سرير المستشفى، وقال لي الطبيب الكلام نفسه.في تلك المرة، فقدت أبي.فهل سأفقد أمي هذه المرة؟لم أعد قادرة على الوقوف بثبات، وكدت أفقد الوعي في الحال.في تلك اللحظة، وصل سيف."أنا سأتولى الأمر."تجمد الجميع في الوقت نفسه.ثم تعرّف عليه الطبيب."أنت... الدكتور، الدكتور سيف؟"أومأ سيف برأسه."دعني أطّلع على السجلات الطبية."وفي غضون دقائق معدودة، أصدر حكمه."يمكن إجراء العملية، استعدوا في أسرع وقت، وسأتولى الجراحة بنفسي."استمرت تلك العملية ثماني ساعات كاملة.وفي تمام الساعة الثالثة صباحًا، انطفأت أضواء غرفة العمليات أخيرًا.عندما خرج سيف، كان وجهه شاحبًا بشكل مخيف، وجبينه مغطى بالعرق."لقد نجحت العملية."وأخيرًا، هدأ قلبي الذي ظل مضطرب

  • خسرتني حين اخترتها   الفصل 14

    وخلال الأيام القليلة التالية، تبعني سيف أينما ذهبت.كان يقيم في الفندق نفسه، ويذهب إلى المعلم السياحي نفسه، وحتى عند تناول الطعام، كان يصرّ على الذهاب إلى المطعم نفسه الذي أذهب إليه.كنت أعلم أن تجاهله هو أفضل رد فعل، لذا تعاملت معه وكأنه غير موجود، أستمتع بالمناظر الطبيعية وألتقط الصور.لكن مازن لم يعد يحتمل."أيها الزوج السابق."في المطعم، وضع مازن ملعقة الطعام جانبًا."هل لديك ميول للمطاردة؟"لم يرفع سيف جفنه حتى، بل التقط قطعة من الدجاج بهدوء ووضعها في طبقي."أنا وزوجتي خرجنا معًا للاستمتاع، كيف يمكن اعتبار ذلك مطاردة؟"ابتسم مازن حتى انحنت عيناه، لكن نبرته كانت عدائية."سأصحح لك مرة أخرى، إنها طليقتك، وليست زوجتك."امتلأ الجو بالتوتر على الفور.وضعت يدي على صدغي من شدة الصداع."هل يمكنكما الصمت؟"ساد الصمت بينهما في اللحظة نفسها، ونظرا إليّ في الوقت نفسه.كان المشهد غريبًا لدرجة جعلتني أشعر وكأنني خرجت ومعي طفلان.لم أكلف نفسي عناء الاهتمام بهما مجددًا، فوضعت ملعقة الطعام جانبًا ونهضت وغادرت.بعد الظهر، وصلنا إلى إحدى منصات المشاهدة.كانت الجبال الثلجية الشامخة تنتصب في البعيد، وت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status