Share

2

last update publish date: 2026-04-23 02:36:12

استدارت بيانكا برأسها قليلًا، حاجباها مرفوعان بخفوت، عيناها تائهتان وسط الزحام، تحاول تفسير تلك الرجفة التي زحفت على جلدها بلا مقدمات.

لم تفهم لماذا شعرت فجأة بأن شيئًا تغيّر، وكأن الهواء من حولها أصبح أثقل... أكثف... وكأن الزمن تباطأ، ليُجبرها على التحديق في شيء لم تدركه بعد.

لم تكن ترى سوى ظهور المعازيم، أكتاف رجال ببدلات داكنة، وظهور سيدات بفساتين فاخرة ولمعان مجوهراتهن، تتراقص تحت الأضواء.

جلست بجانب لورينا، لكن أصابعها شُدّت على طرف الفستان دون أن تدرك.

لورينا التفتت لها، وعقدت حاجبيها بشيء من العبث:

" هل أنتِ بخير؟ شحب وجهك قليلاً."

هزّت بيانكا رأسها ببطء، أجفانها تثقلها أفكار لم تتكوّن بعد:

" لا أعرف... شعرت فجأة... كأن أحدهم... ينظر إلي."

ضحكت لورينا بسخرية خافتة، ومالت نحوها تهمس:

" هذا طبيعي في حفل زفاف عائلة آل دارسي... الجميع ينظر، ويُقيّم، ويخطط."

لكن بيانكا لم تضحك، بقيت نظراتها متشبثة بشيء خفي، لا تراه... لكنه هناك.

ثقيل كأنفاس باردة خلف عنقها.

أخذت نفسًا عميقًا، نفضت الفكرة من عقلها، ونهضت ببطء:

" سأذهب لأستنشق شيئًا من الهواء."

أومأت لورينا دون سؤال، وراقبتها وهي تسير بين الطاولات.

خطواتها لم تكن واثقة كعادتها... كانت مترددة، متوترة، كمن يشعر بأن القدر يتنفس على عنقه.

خرجت بيانكا إلى الشرفة الجانبية، حيث هدوء جزئي، حيث النسيم الألباني الليلي يحمل رائحة البحر والصنوبر... لكن رغم الهواء، لم يختفِ الشعور.

لم يتبدد ذلك الانكماش في قلبها، كأنها على وشك تَذكّر شيء مهم... شيء نُسي عمدًا.

وقفت هناك، وحدها، تراقب السماء، والأنوار، والليل... غير مدركة أن عيونًا سوداء، بعيدة، ثابتة، كانت تراقبها منذ لحظات.

أسندت بيانكا راحة يدها على درابزين الشرفة الباردة، أناملها الدقيقة تحسست برودته، كأنها تستنجد بأي إحساس يربطها بالواقع.

النسيم الليلي داعب خصلات شعرها، فراحت تتمايل حول وجهها كوشاحٍ من الدفء وسط برودةٍ لا تُفهم.

كانت هناك... واقفة بصمت، بملامح هادئة تخفي زوبعة داخلها، تلك الزوبعة التي لا تعرف لها اسمًا، ولا تعرف لها بداية.

عينان واسعتان تحدقان في الفراغ، في الأفق البعيد حيث لا شيء سوى ظلال الجبال، وموج البحر الذي لا يُرى لكنه يُسمع.

انزلقت عيناها ببطء إلى الأسفل، تراقب الأضواء المنبعثة من القصر... الأنوار الذهبية التي تنعكس على الأرض الرخامية، وصدى ضحكاتٍ مكتومة تأتي من الداخل، ضحكات لا تشبه ما تشعر به الآن.

وضعت يدها الأخرى على صدرها، تلك الضربة الخفيفة في قلبها كانت غريبة.

كأنها نُبّهت... كأن عقلها أراد أن يوقظها من حلمٍ عاشت فيه، دون أن تدري أنها كانت نائمة.

"أنه قادم..."

همسة ماريا ارتدت في أذنيها من جديد، كصدى مريب.

من هو؟

ولماذا الآن؟

ولماذا يربكها مجرد الشعور، لا حتى المعرفة؟

أجفلت حين فتحت الباب الزجاجي خلفها ببطء، صوت ناعم خفيف ارتفع خلفها.

" هل أنتِ بخير، بيانكا؟"

استدارت ببطء... لتجد والدتها، السيدة فالنتينا، واقفة تنظر إليها بقلقٍ صامت.

أومأت بيانكا بابتسامة مجاملة، لكن تلك النظرة القلقة في عيني والدتها لم تطمئنها، بل زادتها توترًا.

" أحتاج فقط لبعض الهواء... لا شيء يدعو للقلق."

أومأت الأم، لكنها لم تتحرك، كانت تقف هناك، تراقب ابنتها، كأنها ترى فيها ما لا تعرفه الفتاة عن نفسها.

لحظةٌ صامتة امتدت بينهما، ثم قالت الأم ببطء، بنبرة مخنوقة:

" عودي إلى الداخل، حبيبتي... الوقت ليس مناسبًا... للتأمل."

رمشت بيانكا، متفاجئة قليلاً من اختيار الكلمات، لكنها لم تجادل.

عادت تمشي بجانب والدتها، خطواتها مترددة، قلبها مثقل بشيء لا اسم له... وشعورٌ واحد يتكاثف في صدرها:

الليل... ليس كأي ليلة.

توقفت بيانكا أمام الباب الكبير المؤدي إلى قاعة الزفاف، أناملها قابضة على طرف الفستان بخفة، بينما عيناها انزلقتا جانبيًا نحو والدتها.

الضوء المنبعث من الداخل كان دافئًا... لكن قلبها كان يزداد برودة مع كل خطوة تقتربها من ذلك الضجيج المتنكر في الأناقة.

استجمعت أنفاسها وسألت، بنبرة خافتة كأنها لا تريد أن تُسمع:

"ماما... لماذا أنتم متوترون هكذا؟ بابا... ماريا... وحتى أنتِ."

توقفَت والدتها. لم تجب فورًا.

المرأة التي طالما كانت صارمةً، دقيقةً في انفعالاتها، شُوشَت للحظة.

كأن السؤال كان أثقل من أن يُجاب عليه ببساطة.

تعثرت نظرتها لوهلة، ثم قالت بعد ترددٍ واضح، والكلمات تُخرجها من بين شفتيها كما لو أنها تحاول إقناع نفسها:

" لا شيء، حبيبتي... كل شيء بخير. فقط توتر الزفاف."

نظرت إليها بيانكا طويلًا، بعينيها العسليتين الهادئتين، لكن السكون فيهما لم يكن سذاجة.

كانت تراقب تلك الذبذبة في صوت والدتها، ارتجافة لم تعهدها.

لم تجادل. لم تسأل مجددًا.

اكتفت بإيماءة صغيرة، ثم قالت بهدوء، كأنها قررت فجأة:

" سأذهب إلى الحمام... وألحق بكِ لاحقًا. "

أومأت فالنتينا بصمت، شاردة قليلًا، لم تلاحظ حتى أين اتجهت ابنتها.

بينما كانت بيانكا تتحرك... لم تكن ذاهبة إلى الحمام.

قدماها سارتا في الممر الطويل خلف القاعة، حذاؤها يطقطق بخفة على الأرض الرخامية... قلبها يدق برتابة ثابتة، لكن شيئًا في الداخل كان يستيقظ.

لم تكن تعرف لماذا، لكنها شعرت أن اللحظة القادمة تحتاج لهدوء... لابتعاد... لزمنٍ صغير تتنفس فيه وحدها.

فدلفت إلى الممر الجانبي، ثم إلى بابٍ خشبي عريض... غرفة الاجتماعات القديمة، الغرفة التي لطالما تجنبوها في المناسبات.

ضغطت على المقبض ببطء، دفعته بهدوء... ودخلت.

الضوء خافت، الستائر الثقيلة ما زالت تُغطي النوافذ الطويلة، ورائحة الأخشاب القديمة والمجلدات القديمة تملأ المكان.

أغلقت الباب وراءها، وأسندت ظهرها إليه للحظة، تستنشق الصمت كما لو كان هواءً نقيًا.

تنهدت... ثم تقدمت ببطء نحو أحد الكراسي الجلدية الطويلة،

وجلست.

في هذا المكان... لا موسيقى، لا تهاني، لا أعين تراقبها، ولا كذبة تُقال بابتسامة.

هنا... فقط هي.

رفعت عينيها إلى السقف العالي، ثم همست لنفسها بصوتٍ يكاد لا يُسمع:

" هناك شيء... وأنا لست جزءًا منه."

مرت لحظة... ثم أخرى.

وساد الصمت من جديد... لكن الهدوء الذي خَيّلته لم يكن أبدًا بريئًا.

تحركت بيانكا من على المقعد الجلدي، بصمتٍ شبه موقر، كما لو كانت تخشى إيقاظ الأرواح النائمة في هذا المكان القديم.

خطواتها على السجادة السميكة كانت ناعمة... كأنها تهمس للأرض تحتها أن لا تفضح حضورها.

اقتربت من النافذة العريضة، حيث الستائر المخملية انسدلت من الجانبين كستار مسرحي يُخفي مشهدًا لا ترغب أن تكون فيه.

بأطراف أصابعها، أبعدت جزءًا بسيطًا من الستارة، ونظرت من خلفها.

من الأعلى، بدا المشهد وكأنه لوحة مرسومة بدقة... الأضواء تلمع، الموسيقى تصدح بهدوء في الخلفية، والمعازيم يتحركون بأناقة حول الطاولات المستديرة... كأن كل شيء مثالي... لكنها شعرت أن شيئًا ما... يفسد الكمال.

عينيها تتنقلان ببطء، تبحث لا عن أحد، بل عن شعورٍ يُطابق اضطرابها.

رأت شقيقتها ماريا واقفة بجانب زوجها الجديد، تبتسم... لكنها كانت ترى ما لا يراه الآخرون:

تصلب كتفيها، تشنج أصابعها حول باقة الزهور، وتلك النظرة السريعة التي ألقتها خلفها... كما لو كانت تترقب.

رمشت بيانكا، وحاجباها انعقدا بخفة.

ثم نظرت إلى والدها، داريو آل دارسي، الذي وقف هناك بجبروته المعتاد، لكنه لم يكن متماسكًا كعادته.

رأت عينه اليسرى تتحرك كثيرًا، كأنه يراقب شيئًا لم يظهر بعد.

ثم والدتها... كانت تتحدث مع أحد الرجال... لكن يدها تمسح على عنقها بتوتر متكرر، وابتسامتها... كانت مشروخة.

شيء ما لا يبدو في مكانه.

همست لنفسها:

" لماذا... لماذا الكل يتصرف وكأنهم ينتظرون العاصفة؟"

أبعدت الستارة ببطء أكبر، كما لو كانت تخشى أن يراها أحد، كأنها شاهدة على لحظة ما قبل الانفجار.

بقيت تنظر... معلقة بين ظنٍ لا تعرف سببه، وواقعٍ يُقسم لها أنه لا شيء يحدث. لكنها لم تصدق.

هذه الليلة... ليست كأي ليلة.

والشعور في صدرها... يتحول إلى يقين صامت.

بينما كانت بيانكا ما تزال تحدق من خلف الستارة نحو الحفل البعيد، غارقة في ارتباكها الصامت، جاء الصوت... طيفٌ خافت، كاحتكاك حذاء جلدي بأرضية خشبية قديمة، أعقبه صوت إغلاق ناعم للباب خلفها.

لم تتحرك.

لم تستدر.

جسدها تشنج للحظة، أنفاسها احتُجزت بين رئتيها، كأن الهواء من حولها صار أثقل من أن يُتنفس.

ببطء، التفتت برأسها فقط، ثم جسدها، عيناها تتسعان تدريجيًا وهي تبحث عن صاحب الصوت.

رجل.

واقف عند الباب... ظله أطول من أن يكون مألوفًا، أعرض من أن يكون عابرًا.

لم يكن قد تحرك بعد.

ظلال النافذة تقطع ملامحه، والنور الخافت من السقف يلامس فقط أطراف بدلته السوداء، كأن الظلام يتعمد احتوائه.

بيانكا لم تتكلم.

ولم يتكلم هو.

كان ينظر إليها.

نظرته لم تكن وقحة، ولا فضولية... بل ثابتة، وهادئة، وعميقة... كأنها تزن روحها قبل أن تزن شكلها.

شعرت بالقشعريرة تسري على امتداد عمودها الفقري، لكنها لم تكن فقط خوفًا... بل شيء آخر، شيء غامض، قديم، كأنه كان يسكنها دون أن تدري.

حركت شفتاها أخيرًا، بهمسة بالكاد خرجت:

" مَن...؟"

لكن الرجل رفع يده ببطء، وأشار إلى الباب خلفه، ثم قال بصوتٍ منخفض، عميق كقاع بئر:

" هذا ليس مكانًا آمنًا... للفضول."

نبرته لم تكن تهديدًا، بل كتحذيرٍ دافئ... مرعب.

رفعت حاجبيها، لا استيعابًا... بل ذهولًا.

من يكون؟

ولماذا تشعر كأنها رأته... دون أن تراه من قبل؟

وقبل أن تسأل، تحرك خطوة واحدة فقط للأمام، خطوة ثقيلة... لكنها محسوبة.

عيناه السوداوان كانتا قد ثبتتا عليها، كما لو أنه رآها منذ زمن... وأخيرًا... وجدها.

حدّقت بيانكا إليه، تلك الملامح التي غمرها الظل جزئيًا... الهدوء الثقيل الذي يتدلى من جسده الضخم كما يتدلى الليل من السماء في الشتاء.

ثم... أدركت.

إنه هو.

الرجل الذي دخل الحفل قبل قليل، وكل شيء من بعده تغير.

لم يكن صخب دخوله ما أثار القاعة... بل الصمت الذي تبعه.

الصمت الذي اجتاح الأرواح قبل الأجساد، كما لو أن الهواء نفسه احترس فجأة، وتراجع الجميع خطوة إلى الوراء دون وعي.

رأته حينها من بعيد... يمشي وسط المعازيم، لا يتحدث، لا يبتسم، لا يلمس أحدًا.

لكن العيون كلها اتجهت نحوه، حتى الأوركسترا بطأت إيقاعها، كأنهم عزفوا على وتيرة خطواته.

وفي عيني أمها، حين رأته، ظهر الرعب... رعب لم تشهده في عينيها قط.

والآن... هو هنا.

أمامها.

داخل غرفة الاجتماعات التي لم تدخلها إلا هربًا من الضجيج، فوجدت ضجيجًا أكبر... لكن ضجيجًا من نوع مختلف.

ضجيجًا بلا صوت.

لم تستطع النطق.

فقط نظرت.

أما هو... فتقدم خطوة أخرى، الضوء بدأ يلمس جزءًا من وجهه - فكّه القوي، الندبة الصغيرة عند فكه، الوشم الذي يزحف من أسفل عنقه ويختفي تحت قميصه، كأن كل جزء فيه يروي قصة لم يُسمح لأحد أن يرويها من قبل.

وقف على مسافة لا تُربك المساحة... لكنها تُربك القلب.

وبصوت أكثر هدوءًا من الريح، أعاد النظر فيها وقال:

"كنتِ تراقبين، أليس كذلك؟"

لم يكن سؤالاً.

كان يقينًا.

رمشت بيانكا، كأن الكلمة اخترقت جمجمتها ولم تجد دفاعًا.

حاولت التحدث، لكن حلقها جف.

فقط أومأت، ببطء... كأن رأسها لم يعد لها، بل يتحرك بدافع شيء أعمق.

ابتسم.

ابتسامة خفيفة... بلا مرح... بلا مودة... بل بتلك الغرابة التي تجعلك تتساءل إن كانت ابتسامة على الإطلاق.

وقال:

" راقبي جيدًا، يا بيانكا... كل شيء بدأ الآن."

توقف أمام الباب للحظة، لم يتحرك للخروج.

بيانكا تجمدت.

جسدها بقي في مكانه، لكن عقلها بدأ يسابق دقات قلبها المرتبكة، كل عصب فيها يترقب.

كان لا يزال ينظر إليها، بعينيه السوداوين كفراغٍ لا قرار له، عيني رجل لا ينسى، ولا يسامح.

ثم... تقدم.

خطوة. ثم أخرى.

ببطء، كأن كل خطوة منه كانت تكسر جزءًا من الجدار بينها وبين الحقيقة.

بين ما كانت تظنه... ومن هو حقًا هذا الغريب.

صوت خطواته كان مكتومًا... لكن كل شيء فيه كان مدوّيًا، من عرض كتفيه الذي يسد الرؤية، إلى وشمٍ يتسلل أسفل عنقه حتى يختفي تحت الياقة، إلى الندبة الرفيعة التي مرت بجانب فمه، كأنها طُبعت هناك بسكين، ثم تُركت كعلامة لا تزول.

اقترب... حتى لم يعد بينهما سوى خطوات قليلة.

ولم يترك لعينيها فرصة الهرب.

تلك العيون... ليست قاتلة.

إنها أقدم من القتل، أعمق من الخطر، تحمل خلفها تاريخًا من الدخان والبارود... والدم.

ثم تكلم، وبصوت خفيض أجش... خرجت كلماته بلكنة إيطالية ثقيلة، متمهّلة، كأنها لا تهتم إن فهمتها أم لا... فهي لم تُخلق لتُشرح، بل لتُقال:

" تسألين نفسك من أكون...أليس كذلك، بيكولا؟"

ارتجفت الحروف داخلها، وصوت تلك الكلمة - بيكولا - كأنها لم تُسمع من قبل... لكنها شعرت بها.

في جلدها، في روحها.

كان صوته ينساب كالنار البطيئة في العروق، يحرق بهدوء... لا استعجال فيه.

لم تجب.

كيف تجيب على رجل... كأن وجوده وحده سؤال لا يمكن الرد عليه؟

لكن عينيها... خانتها، حركتهما المرتبكة، نظرتها المترددة إلى ملامحه، ثم إلى صدره العريض والوشوم التي تخترق عنقه.

شعر بها. رأى كل شيء.

فابتسم ابتسامة صغيرة، شبيهة بجُرحٍ يُفتح للمرة الثانية لا أكثر، وقال:

" لم يخبرك أحد، أليس كذلك؟"

اقترب خطوة إضافية... بات أقرب من أن تُنكر أثر حضوره، أقرب من أن تتجاهل رعشة يدها، أو انكماش قلبها الخفيف، كأنه يحاول الانكماش للاختباء.

همس، ببطء شديد:

" بالطبع لم يخبرك أحد... لكن لا تقلقي، أنا سأفعل."

تقدم خطوة أخرى.

أثقل من سابقتها، أبطأ، وأقرب.

الهواء بينهما لم يعد كافيًا.

كأن وجوده سحب الأوكسجين من المكان، وترك لها فقط أنفاسه... دافئة، كثيفة، تفوح منها رائحة دخان السجائر القديمة، الجلد، والرماد.

لفحت أنفاسه وجهها، أول ما شعرت به كان الحرارة، ثم ذلك الثقل الذي غمر صدرها فجأة، كما لو أن قلبها أُجبر على التوقف لوهلة... ليعيد الحسابات.

حاولت التراجع... لكن الزجاج خلفها قال كلمته.

بردُه التصق بجلدها المكشوف عند ظهرها، فارتعشت، ليس فقط من البرد... بل من الإدراك.

هي محاصرة. بكامل معنى الكلمة.

جسده الضخم سد الطريق أمامها، صوته غزا عقلها، وعيناه... لا مفر منهما.

نظرت إليه برعبٍ لم تحاول إخفاءه.

كان قريبًا لدرجة أنها استطاعت أن ترى تفاصيل لا تُلاحظ من بعيد:

الخدش الصغير فوق شفته السفلية، ندبة دقيقة على عنقه، ووشمٌ بالأسود الداكن عند الترقوة - كلمات بلغات لم تعرفها.

أما هو، فكان ينظر إليها كما لو كان يقرأها، عيناه تتحركان ببطء فوق ملامحها، كأنه يحفر صورتها في عقله... أو كأنه يقارن بين ما كانت عليه، وما أصبحت.

صوته انخفض أكثر، أقرب إلى الهمس، لكن فيه ثقلًا... ثقل السنوات، والانتظار، والغضب المكتوم:

" لم يتغير شيء... وجهكِ لا يزال كما هو. عيناكِ... نفس النظرة المرتبكة."

تجمدت الكلمات على لسانها.

عقلها كان يصرخ بأسئلة لم تجد سبيلًا للخروج.

ثم، ببطء، رفع يده... ليس ليلمسها، بل ليمرر أصابعه أمام وجهها، كأن الهواء بينهما مقدس، لا يجوز خرقه... لكن يجوز تحريكه.

همس من جديد:

" كم من الكذب تربيتِ عليه يا بيكولا؟"

ثم أمال رأسه قليلاً، نظرة لم تكن عدوانية... بل أكثر خطورة.

كانت نظرة من يعرف الحقيقة... وينتظر اللحظة المناسبة ليُسقطها على من لا يعرفها.

اقترب أكثر، حتى أصبح الهواء بينهما أثقل من أن يُستنشق.

حتى باتت أنفاسه تلامس بشرتها كما لو كانت نَفَس الليل نفسه... دافئة، خانقة، وتغلفها رائحة رجل لا يعرف الرحمة.

كانت تقف هناك، كأنها لوحة معلقة على جدار صمته، عيناها المتسعتان، بريئتان، مرتعشتان، كعيني غزال فُوجئ بوحشٍ لم يره من قبل... لكن يعرف غريزيًا أنه خُلق لافتراسه.

إنزو لم يتكلم، بل اكتفى بالتحديق. وبعينين سوداوين مليئتين بالخطيئة، أنزل نظراته ببطء... حتى توقفت على شفتيها.

تلك الشفتين المرتجفتين التي لم تنطق بشيء، لكنها كانت تصرخ.

تأملها لثوانٍ... ثوانٍ بدت كأنها دهور.

ثم، ببطء لا يُصدق، خفض يده.

وهو لا يزال صامتًا، مدها نحو وجهها، ورؤوس أصابعه تلامس جلدها الخفيف عند الذقن... ثم أمسك فكها ببطء، بثبات.

كانت يده خشنة، كأنها نُحتت من حرب.

لكنها كانت متأنية... كأن لمستها ليست صدفة، بل طقس.

ثم... مرر إبهامه على شفتيها، حركة بالكاد تُرى، لكنها كانت كافية لتجعل جسدها يقشعر بأكمله.

تجمدت.

عينها لم تغادر عينيه. رعشتها واضحة.

حشرجة خفيفة في صدرها حاولت كتمها، لكن صوتها خرج.

هامسًا، مرتعشًا، مرتبكًا:

ـ" مَن... مَن أنت؟"

تردد صدى السؤال بينهما للحظة، قبل أن تضيف بصوت أخف،

كأنها تخشى من الإجابة:

"وما معنى... "بيكولا"؟"

عيناها كانت تبحث فيه، عن رحمة، عن تفسير، عن أي شيء يُطفئ ذلك الغموض الثقيل الذي يغلفه.

لكن عينيه لم تتزحزحا.

بل ثبتتا على نظرتها الضعيفة، وكأنهما تستمتعان بتلك اللحظة... لحظة سقوط الحجاب.

ثم ابتسم.

ابتسامة خافتة، ملتوية، تحمل من القسوة أكثر مما تحمل من الدفء.

وانحنى ببطء... حتى أصبح صوته عند أذنها،وكأن الكلمة وُلدت فقط لتُهمَس هناك:

" بيكولا، معناها... صغيرتي"

صمت.

ثم أضاف... ببطء قاتل:

"وأنتِ... لي."

سكنت كل الأصوات في رأسها.

حتى الضوضاء القادمة من حفل الاستقبال، تلاشت... كما لو أن العالم كله انكمش ليتسع فقط لهذا الرجل... ولهمساته التي ما زالت تتردد في أذنها.

"أنتِ... لي."

كلماته كانت خيطًا من نار، امتد من أذنها... مرَّ بعنقها، وغاص في أعماقها المرتبكة.

كأن تلك الكلمة ليست مجرد ادعاء، بل حكم نهائي لا رجعة فيه.

تراجعت عيناها ببطء نحو وجهه، نظراتها كأنها تبحث عن مخرج، عن كذبة تُكذب بها ما قال... لكن وجهه لم يحمل سخرية، ولا ارتباكًا.

بل يقين.

كانت أنفاسه لا تزال تلامس خدها، إصبعه لا يزال على شفتيها، لكنها لم تعد تشعر بجسدها.

فقط قلبها... الذي بدا وكأنه قرع طبوله لأول مرة.

همست ببطء، صوتها أشبه بريشة مرتعشة فوق بحيرة راكدة:

" أنت... تخلط بيني وبين... شخصٍ آخر."

ابتسم، لم تكن ابتسامة راحة، بل ابتسامة من رأى طريدة تتخبط في نكرانها.

ثم قال... بصوت منخفض، ببطء، كل كلمة منه تنزل بثقلٍ مرعب:

" لا، يا صغيرتي... أنا لا أخلط أبدًا."

ثم تراجع... ببطء، كأن انسحابه لا يقل غزوًا عن اقترابه.

سحب يده من على وجهها، لكنها شعرت كأن أثره طُبع على جلدها، مثل وشم لا يُمحى.

نظرة أخيرة منه... نظرة لا تُترجم، لا تُفهم، ثم استدار.

وترَكها... متجمدة، متصلبة، وغارقة في صمت لا يشبهه إلا عينيه السوداوين.

انكمشت يدها على نفسها، بردٌ مفاجئ لفّ أطرافها، ليس من الجو... بل من غيابه.

شعرت بالفراغ الذي تركه، كأن وجوده كان ظلًا ثقيلًا والآن الشمس عادت تلسعها وحدها.

لكنه لم يبتعد كثيرًا، كان قد خطا بضع خطوات نحو الباب... قبل أن تجمع شجاعتها المرتبكة، وترفع صوتها قليلاً، كأن الكلمة خرجت رغمًا عنها:

" من أنت... حقًا؟"

توقّف. لم يستدر.

ظل واقفًا هناك، ظهره لها، كتفاه العريضتان تتنفسان بثقل.

لحظة صمت... ثقيلة، خانقة.

ثم... ببطء شديد، دار نصف استدارة، كأنها ليست بحاجة لرؤية وجهه بالكامل، بل فقط عين واحدة... لتفهم.

والعين تلك... كانت كافية.

سوداء، ساكنة، وفيها لامعة نيران لم تنطفئ بعد.

قال بصوت خافت... لكن عميق، كأن صدى السجون لا يزال عالقًا فيه:

" اسألِي والدكِ، بيكولا... هو يعرفني جيدًا."

ثم استدار مجددًا، فتح الباب بيده، وبهدوء، تركها تقف هناك... وحيدة، ممتلئة بأسئلة... وخالية من الأجوبة.

ظلت واقفة للحظة، صوت الباب الذي أغلقه خلفه تردد في رأسها، كأنه لم يكن مجرد باب... بل فصل من حياتها أُغلق دون إذنها.

أغمضت عينيها، حاولت أن تلتقط أنفاسها، أن تعيد قلبها إلى صدرها، لكن كل شيء ظل متأرجحًا... كأن الأرض تحت قدميها لم تعد كما كانت قبل دقائق.

نظرت من خلف الزجاج، عيونها شاردة، لكنها رأت.

المعازيم بدأوا بالتحرك، بعضهم يغادر القاعة، البعض الآخر ينسحب بهدوء نحو السيارات المصفوفة في الباحة الأمامية.

أدركت، دون أن تحتاج إلى من يخبرها، أن حفل الاستقبال قد انتهى. وأن الوقت يداهمها... كان عليها النزول.

كان عليها توديع ماريا، شقيقتها التي كانت الليلة عروسًا، قبل أن ترحل مع زوجها الجديد نحو بداية جديدة.

بخطوات بطيئة، كأنها تسير وسط غبار كثيف من الشك، توجهت نحو الباب.

فتحته بحذر، ثم مشت... كل خطوة كانت خفيفة، لكنها مثقلة بما لا تعرفه.

الموسيقى كانت قد خمدت، والأضواء خفُت بلمسة هادئة، كأن المكان كله يتهيأ للوداع.

عيناها كانت تبحثان وسط الحشد المتفرق، عن فستان أبيض عن وجه مألوف عن ماريا.

وهي لا تعلم... أن كل وداعٍ، هو بداية لشيء آخر تمامًا.

كأن الزمن اختار أن يتمهل... أن يمنحهم لحظاتهم الأخيرة معًا قبل أن تُغلق صفحة وتبدأ أخرى.

وقفت بيانكا على بعد خطوات، عيناها تتابعان المشهد في صمت.

ماريا كانت في المنتصف، فستانها الأبيض وقد خفت بريقه قليلاً من عناء السهرة، لكن وجهها... وجهها كان متوتراً، شاحبًا، كأن الفرح لم ينجح تمامًا في التسلل إلى ملامحها.

والدهم، داريو آل دارسي، وقف أمامها بهيبة لا تخفى، جسده القوي يقف باستقامة صارمة، لكن يده حين امتدت لتحتضن كتف ماريا، ارتعشت للحظة، كأنه خشي أن تنكسر بين ذراعيه.

قال شيئًا، لم تسمعه بيانكا، لكنها رأت عينيه... رأت تلك اللمعة التي لم تعهدها من قبل، شيء بين الفخر والحذر... والخوف.

ثم كانت والدتهم، فالنتينا، شعرها الأنيق بدأ يتبعثر بفعل المساء،

لكن نظرتها لماريا كانت ثابتة، كأنها تحاول أن تحفظ ملامحها جيدًا... وكأنها تخشى أن لا تراها مرة أخرى بذات البراءة.

عانقتها بقوة، همست في أذنها بكلمات لم تُكشف، لكن ذقنها المرتجف كان دليلاً على أن الكلمات كانت أكثر من مجرد تهانٍ.

ثم... لورينا.

تقدّمت وهي ترفع حاجبيها المرسومين، كعادتها تُخفي مشاعرها خلف ابتسامة ساخرة.

" لا تبكي وتلطخي المكياج، ماريا. زوجك قد يظن أنك نادمة."

ضحكت ماريا بخفة باهتة، ثم شدت لورينا نحوها، احتضنتها بحب، كأنها لا تريد أن تُظهر كم هي خائفة.

وأخيرًا... كانت بيانكا.

تقدّمت بخطى بطيئة، عيناها معلقتان بعيني أختها، كلتاهما صامتة.

وحين احتضنتها، شدت ماريا على خصرها... بقوة.

همست... صوتها متهدج:

" اعتني بنفسك، بيانكا."

شعرت بيانكا بقشعريرة في ظهرها، همست وهي تبتلع ريقها:

"وأنتِ... كوني سعيدة، أرجوكِ."

لكن ماريا لم تجب، فقط أغلقت عينيها لثانية... ثم تنفست ببطء، وتراجعت.

وهكذا... بدأت العائلة في التراجع للخلف، وماريا بخطواتها الهادئة، سارت نحو الرجل الذي أصبح زوجها.

وركبت السيارة السوداء التي كانت بانتظارهم.

صوت المحرك ارتفع، ثم انطلقت... ولم تكن بيانكا تعلم، أن تلك الليلة لن تكون مجرد وداع لماريا، بل وداع لطفولتها... لحريتها... ولحياة لم تكن تدري أنها كانت تنعم بها.

وكأن الحياة تنسحب من الساحة كما انسحبت السيارة... بهدوء ثقيل، بلا موسيقى، بلا ضجة، فقط صوت الكعب على الرخام... وصدى خطواتٍ مترددة.

بدأ أفراد العائلة بالعودة، داريو آل دارسي في المقدمة، كتفاه مشدودتان، وعيناه لا تلتفتان... وجهه كالصخر، لا يقرأ منه شيء.

فالنتينا تتبعه بخطوات أبطأ، أصابعها تمسك بطرف فستانها وكأنها تتشبث بشيء... شيء يوشك على الانهيار داخلها.

لورينا تمشي خلفهم، تدندن لحناً صغيراً، كأنها تحاول إضفاء أي خفة على الجو، لكن عيناها كانتا تنظران لبيانكا... تنتظر منها أن تتكلم.

أما بيانكا... فبقيت واقفة للحظة، عيناها على بوابة القصر التي بدأت تُغلق ببطء، ثم أخذت نفساً عميقاً... وتبعتهم، بخطواتٍ ناعمة، بطيئة، وكأنها تخطو نحو شيء لا تفهمه... لكنه يقترب منها.

القاعة الآن صارت أقل ازدحاماً، الخدم يرفعون الصحون، يطفئون الشموع واحدة تلو الأخرى، والأنوار بدأت تخفت تدريجياً، كأن الليلة تلفظ أنفاسها الأخيرة.

دخلت بيانكا معهم إلى البهو الكبير، كل شيء حولها بدا مألوفًا... لكنها لم تعد تشعر بالراحة في هذا المكان.

كأن القصر تغيّر... كأن شيئًا ما انكسر في الهواء ذاته.

كان والدها قد توقف عند أول درجات السلم، تحدث إلى أحد الرجال بلغة خافتة، بينما فالنتينا اكتفت بإيماءة صغيرة لابنتيها ثم صعدت الدرجات.

لورينا مرّت قرب بيانكا وهمست:

"عروس اليوم غادرت... الآن ننتظر ما تبقّى من المفاجآت."

ورمشت بعين واحدة ثم ابتعدت، وكأنها تعرف أكثر مما تُظهر.

أما بيانكا... فبقيت واقفة وسط البهو، تشعر أن شيئاً كبيراً يقترب... شيء لا اسم له بعد.

وقفت حيث هي، وسط البهو الخافت، أضواء الشمعدانات تنعكس على الأرضية الرخامية كأنها أطياف راقصة، لكن قلبها لم يكن راقصًا... كان مثقلاً، مرتجفًا.

نظرت نحو الدرجات حيث كان والدها يقف، لا يزال منشغلاً بالكلام مع أحد الرجال، وجهه جامد كعادته... لكنه بدا أكثر صمتًا هذه الليلة، وكأن شيئًا في داخله يوشك أن ينفجر.

خطوة... ثم أخرى.

اقتربت منه، لم تكن قد تحدثت إليه كثيرًا في الأسابيع الماضية، كان دائم الانشغال... أو ربما دائم التهرب.

وهي، كانت تراقب بصمت، لكن الليلة... لم يعد الصمت خيارًا.

توقفت عند أولى الدرجات، همست، بنبرة ناعمة خافتة:

" أبي..."

التفت ببطء، عيناه الرماديتان استقرتا في عينيها.

بقي صامتًا للحظة، ثم قال ببرود خفيف:

"نعم، بيانكا؟"

بلعت ريقها، شعرت بتردد، لكنها مضت، بكلمات متقطعة، بصوت منخفض:

" ذلك... الرجل الإيطالي. الذي... دخل الحفل. من هو؟"

لم يرد على الفور.

نظر إليها بحدة خفية... كأن السؤال كان سكينًا.

ثم نزل خطوة واحدة، حتى صار على مقربة منها.

قال، بنبرة أكثر صرامة مما توقعت:

"لمَ تسألين؟"

رفعت حاجبيها بخفة، همست:

" لا أعرف... لاحظت ارتباككم، الجميع توتر حين ظهر، حتى أمي... حتى ماريا. وهو قال أن أسألك."

لحظة صمت.

داريو آل دارسي ظل يحدق في وجهها، كأن ملامحها تعيد له شيئًا قديمًا، أو ربما تذكره بشيء كان يفضل نسيانه.

ثم تنهد، تنهدًا عميقًا كأنه حمل سنوات:

" إنه... رجل من العمل. لا داعي لأن تقلقي بشأنه."

لم يكن يكذب بفظاظة، لكنه لم يكن صادقًا أيضًا.

حدقت فيه بيانكا، ببطء، بتمعن، شعرت ببرودة في أطرافها... الجواب لم يطمئنها، بل على العكس... زاد من ارتباكها.

قالت بهدوء:

" اسمه؟ على الأقل، أريد أن أعرف اسمه."

تردد والدها لثانية واحدة... ثم أجاب، بصوت خافت يكاد لا يُسمع:

"إنزو... موريارتي."

وما إن نطق الاسم، حتى بدا أن الهواء نفسه تبدّل.

إنزو... الاسم ارتطم في رأسها كصدى بعيد، اسم لم تسمعه من قبل... لكن قلبها، لسبب لا تفهمه، انقبض.

نظر والدها بعيدًا، ثم أكمل بنبرة قاطعة:

"لا تفكري فيه، بيانكا. إنه ليس من عالمك.

ثم استدار، وصعد الدرجات ببطء، وتركها وحدها... مع اسمٍ واحد، وصوتٍ واحد ينبض في رأسها... إنزو... موريارتي.

*. *. *. *.

دلف داريو آل دارسي إلى مكتبه الخاص، دفع الباب بيده الثقيلة، وتركه يُغلق خلفه على مهل... كأن الهواء ذاته يرفض العزلة التي طلبها.

كانت الغرفة هادئة، بجدران خشبية قاتمة، ورائحة سيجار قديم ما زالت عالقة في الهواء، وشبح من الماضي... يجلس على كل قطعة أثاث.

تقدّم ببطء، فك أزرار سترته واحدةً تلو الأخرى، ثم جلس خلف مكتبه الكبير، خشب الماهوغاني تحته برد وقسوة، تمامًا كما يشعر الآن داخله.

أخرج علبة السجائر، لكن أصابعه ترددت، ظلّ يُحدّق بها للحظات، ثم أعادها دون أن يشعل شيئًا.

مرر يده على وجهه، وشعر لأول مرة منذ سنين...وبثقل الزمن فوق جلده، وما فعله قبل ثماني سنوات.

طفلته سألته.

بيانكا.

بعينيها الهادئتين، بصوتها المرتجف... سألته عن الرجل، عن إنزو.

لكنها لم تكن تعلم... أن هذا الرجل ليس مجرد "رجل من العمل"،

بل زوجها.

زوجها الشرعي، منذ كانت بعمر الثامنة عشرة.

ضغط بأصابعه على صدغيه، كأن الألم في رأسه جاء من الداخل... وليس من الأسئلة.

قال لنفسه، بصوت شبه مسموع:

" كان يجب أن أخبرها... كان يجب أن تعرف منذ البداية."

لكنه لم يفعل. لأن الخوف تغلّب.

ولأن الاتفاقية التي أبرمها مع موريارتي لم تكن مجرد صفقة...

كانت قيدًا. وكانت نجاتهم.

حين جاء إنزو قبل ثماني سنوات... لم يكن هناك تفاوض، كان هناك أمر، عقد، وسيطرة.

تذكّر كيف أجبر نفسه أن يُقنع بيانكا - الصغيرة، الهادئة، البريئة - أن توقّع على ورقة لا تفهم معناها.

قال لها حينها إنها "مجرد أوراق قانونية لحمايتها"، وهي، وثقت به.

يا للعار.

غمره شعور غريب، اختلط فيه الخوف بالخجل، والذنب... بالضعف.

إنزو خرج الآن.

القدّيس الدموي... الوحش الذي لم ينجُ أحد من قسوته.

وهو... يعرف ما سيأتي بعد هذه الليلة.

الوحش لم يخرج من السجن ليعود إلى روما فقط... بل ليأخذ ما يخصه.

ليأخذ بيانكا.

داريو يعرف تمامًا... أن زمن الأسرار قد انتهى.

لكن... كيف سيواجهها؟ كيف سيقول لها إن حياتها... لم تكن يومًا حرة؟ وأنها منذ سنوات، كانت ملكًا لرجل لم تره من قبل؟

أغلق عينيه للحظة، وكأن العتمة في داخله تُثقل جفونه.

الهدوء في الغرفة لم يكن سلامًا، بل ما قبل العاصفة.

داريو ما زال جالسًا خلف مكتبه، كأنه تجمد في اللحظة، عيناه معلّقتان في الفراغ أمامه، لكن أفكاره تسبح في تيارات مظلمة... كلها تدور حول اسمٍ واحد.

إنزو موريارتي.

ضغط يده فوق سطح المكتب، كأنّ برودة الخشب ستطفئ نيران القلق المشتعل في صدره، لكنه يعلم... لا شيء قادر على إخماد هذا النوع من النيران.

الهدوء... الذي كان ثقيلًا قبل لحظة، تبدد تمامًا حين سُمع صرير الباب.

ببطء... فُتح الباب دون طرق، دون إذن، دون مجاملة.

دخل إنزو موريارتي.

خطواته بطيئة... ثابتة... كأن كل واحدة منها تحمل رسالة.

الضوء الخلفي من الرواق رسم ظلًا طويلًا على الأرض، كظل ذئب دخل إلى وكر لا يخشاه.

داريو لم يرفع نظره فورًا، كأنّه بحاجة لثانية... ليستجمع رباطة جأشه.

ثم، بهدوء ثقيل، رفع عينيه.

وها هو أمامه. إنزو، لكن ليس كما يتذكره.

أضخم، أهدأ، أخطر.

ملامحه مثل النحت الروماني القديم، لكن عليها آثار الحرب،

ندبة على الفك، وشم أسود داكن يطل من ياقة قميصه المفتوحة، عيناه سوداوان كأنهما بئرين بلا قاع.

إنزو لم يبتسم، لم يتحدث، فقط أغلق الباب ببطء خلفه، وتقدم.

داريو اعتدل في جلسته، لكن صوته كان مبحوحًا حين قال:

" لم أتوقع أن تأتي إلى مكتبي."

ردّ إنزو، بصوت خافت، لكن يحمل تحت نبرته جليدًا لا يذوب:

" ولم أتوقع أن تُخفي عني زوجتي... لثماني سنوات."

سقط الصمت بينهما، صوت عقارب الساعة بدا كأنه يصرخ في السكون.

قال داريو، محاولًا استجماع نبرة أكثر صلابة:

" لقد كانت طفلة، إنزو... مجرد طفلة."

اقترب إنزو، وقف أمام المكتب، عيناه لا تزيغان عن عيني داريو.

" والآن؟ هل ما زالت طفلة؟ هل تظن أنني خرجت من السجن لأعود إلى روما خالي اليدين؟ أم تظن أنني نسيت ما يخصني؟"

داريو صمت.

لكنه يعلم... لا مكان للتفاوض هنا.

إنزو انحنى للأمام قليلًا، صوته خافت لكنه يخرق العظم:

" إن كنت تظن، حتى للحظة، أنني سأغادر هذا القصر بدون زوجتي... فأنت أحمق يا داريو."

ارتجف الهواء حولهما.

ليس بحدّة، بل بذلك البطء القاتل... الذي يسبق العاصفة تمامًا.

إنزو انتصب واقفًا، أدار ظهره ببطء، لكن خطواته لم تكن انسحابًا، بل إعلانًا... توقفت خطوات إنزو أمام الباب، يده المستريحة على المقبض لم تتحرك بعد، ظلّ واقفًا، كأن في داخله عاصفة لم تفرغ زئيرها بعد.

داريو لم ينبس بكلمة، عيناه على ظهر الرجل الذي لم يعد يعرفه، أو ربما... لم يعرفه قط.

مرت ثوانٍ، صوت الساعة القديمة في الزاوية يطرق الصمت.

همس إنزو بصوته الأجش، صوت كأنّه يخرج من صدر رجل خلق من رماد الحروب:

"ساعة واحدة، داريو..."

كان الهمس كافياً ليشل الهواء من حوله، كأن الغرفة بأكملها انكمشت من وقع كلماته.

ثم تابع، بنفس النبرة الخافتة المتفجرة:

" أخبرها بالحقيقة... قل لها من أنا، من تكون... ودعها تبدأ بتجهيز نفسها."

توقف لوهلة، ثم أكمل... ببطء أشد، كأن كل كلمة تخرج مصقولة من الجحيم ذاته:

" لأنني إن عدت بعد ساعة... ولم تكن مستعدة... سآخذها بالقوة."

استدار ببطء، نظره حاد، ساكن، لكنه عميق كجوف بندقية.

" ولا أحد... ولا شيء... على وجه هذه الأرض، سيمنعني من أخذ ما هو لي."

لم تكن تلك تهديدات، بل وعودًا نُحتت في الحجارة.

وبعد لحظة صمت خرساء، فتح الباب ببطء... وغادر.

صوت خطواته عبر الرواق لم يكن عاليًا، لكنه دوّى في صدر داريو كطبول موت.

ساعة واحدة فقط.

ساعة، لكي يواجه ماضيه، ويعترف لابنته... أنها كانت دائمًا،

زوجة رجل من الظلال.

*. *. *. *.

كانت الغرفة مغمورة بضوء المصباح الخافت فوق منضدة الزينة، يلقي وهجًا ذهبيًا دافئًا على وجه بيانكا، التي جلست أمام المرآة بسكون.

أناملها تتحرك برفق، قطعة قطن مشبعة بماء الورد تمر على خديها، تزيل آثار المكياج الناعم الذي زُينت به لهذا المساء الطويل.

حدّقت بنفسها للحظة، كأنها تحاول التعرف إلى المرأة التي في المرآة، عينان عسليتان واسعتان، مقلتان صامتتان تخفيان تساؤلات لا تنتهي، وارتباكًا لم تجد له تفسيرًا منذ لحظة دخول الغريب إلى الحفل.

قبل أن تنهض لتبدل ثوبها الطويل،وصدر عن الباب صوت خافت... طرق لم يكن حادًا، بل كمن يطلب الإذن دون رغبة حقيقية في الدخول.

التفتت بيانكا برفق، الباب انفتح ببطء...ودلف منه والدها،

داريو آل دارسي.

وجهه كان شاحبًا، عيناه تائهتان، كأنه خسر للتو معركة طويلة خاضها داخل صدره.

توقفت هي عن الحركة، وقفت مكانها لحظة... قبل أن تنطق:

" أبي؟ هل كل شيء بخير؟"

لم يُجب فورًا.

فقط أغلق الباب وراءه، وبقي واقفًا دون أن يتقدم خطوة واحدة.

نظرته مثبتة عليها، لكنها لا تخترقها... بل تتوسل أن تفهمه دون أن يتكلم.

ارتبكت بيانكا قليلًا، نهضت واقتربت منه بهدوء،ووضعت يدها برقة على ذراعه وقالت:

" تعال واجلس... تبدو مرهقًا، أبي."

قادته نحو الأريكة الصغيرة في ركن الغرفة، جلس بصمت، يده ترتجف قليلاً حين مررها على وجهه المتعب.

جلست أمامه، نظراتها لا تتركه.

هدوءها لم يكن برودًا، بل ذكاء فطريّ... شعرت أن شيئًا ما يثقل كاهله، أن هناك أمرًا لا يُقال، لكنه يتدفق من عينيه دون صوت.

" أبي..."

همست بخفوت:

" هناك شيء تريد قوله، أليس كذلك؟"

التفت نحوها، لكن شفتاه بقيتا مغلقتين.

عيناه... فقط عيناه، قالتا كل شيء.

أخذ داريو آل دارسي نفسًا عميقًا، كأن صدره حمل العالم بأكمله، كأن الهواء نفسه لم يعد كافيًا لغسل ما علق بصدره طوال هذه السنوات.

أسند مرفقيه إلى ركبتيه، وانحنى قليلًا للأمام، راح ينظر إلى الأرض، ثم أغلق عينيه، ومرر يده عبر وجهه في حركة ثقيلة.

بيانكا كانت تراقبه بصمت، عينها تزداد قلقًا كلما طال سكوته، لكنها لم تقاطعه.

انتظرته... كما كانت تفعل دائمًا حين يدور الغموض في هواء القصر.

ثم أخيرًا، بصوته الأجش العميق... قال:

" أحيانًا، يا صغيرتي...يفعل الناس أشياء... لا يودّون فعلها، لكنهم يُجبرون عليها."

توقف... صوته خرج مثل حجر ثقيل يُقذف في بركة هادئة.

تابع ببطء، كمن يسير فوق جليد هش:

" يظنون أن الوقت سيُنسي، أنهم إن تركوا الأمور تمضي، قد لا يضطرون أبدًا للمواجهة. لكن الحقيقة... الحقيقة دائمًا تجد طريقها."

بيانكا، التي كانت تجلس أمامه كتمثال حي، أمالت رأسها قليلاً،

حاجباها انعقدا بقلق، ثم همست بصوت منخفض:

" لا أفهم... أبي، ماذا هناك؟ ماذا تحاول أن تخبرني به؟"

رفع رأسه ببطء، نظر في عينيها، تلك العينين اللتين رآهما تولدان، وتكبران، وتُغلفان براءة هذا العالم.

وللحظة... كاد يقول كل شيء.

لكن الكلمات اختنقت... ما زال هناك رماد كثير يغلف صدره.

تنهّد، ثم بصوت أضعف مما اعتادت عليه بيانكا:

" هناك أمور... يجب أن تُقال، لكنني فقط... لا أعرف كيف أبدأ."

ثم ساد الصمت من جديد.

وهي تنظر إليه... وعقلها يدور، تحاول أن تلتقط خيطًا من المعنى... أن تجد بابًا تدخله إلى ما يدور خلف تلك النظرة المنكسرة.

رفع داريو رأسه من بين راحتيه، نظر إلى ابنته التي لم تعد صغيرة... لكنها ما زالت بالنسبة له تلك الطفلة التي كانت تختبئ خلف قدميه كلما شعرت بالخوف.

عيناه تلمعان بندم لا يشبهه... ووجهه، الرجل الحديدي الذي لم يهتز أمام حرب، تهدّم الآن أمام نظراتها البريئة.

مدّ يده نحو يدها المرتخية في حجرها، أمسك بها بخفة، كأنها قاب قابَ زجاج هش.

"قبل أن أقول شيئًا يا بيانكا..."

صوته خرج كهمسة تائهة، ممتزجًا بندم قديم وعجز لا مفر منه.

"أريد منك شيئًا واحدًا فقط..."

نظرت إليه، القلق بدأ يأكل ملامحها. همست:

" ما هو؟"

تنهّد... وعيناه لم تفلتا عينيها:

" سامحيني. أيا كان ما سأقوله... أيا كان ما فعلته... أريدك أن تعرفي أنني فعلته لحمايتك. ربما لم يكن القرار الصائب... لكنني... كنت أظنه كذلك حينها."

بيانكا ازدادت صمتًا... شعرت بقلبها يضرب بقوة، كل خلية في جسدها بدأت تشعر بالخطر... شيء ما... على وشك الانهيار.

سحبت يدها منه بلطف، وبصوت أكثر توترًا:

" أبي... أنت تخيفني. ما الذي فعلته..."

داريو تنفس بعمق من جديد، نظر بعيدًا لثوانٍ، ثم عاد إلى عينيها... وببطء، كمن يفتح بابًا كان مغلقًا خلفه سنين طويلة... قال:

" أنتِ... متزوجة يا بيانكا. منذ أن كنتِ في الثامنة عشرة."

لم تتحرك، لم ترمش حتى.

كأن الزمن توقف... كأن شيئًا داخليًا فيها انكسر دون صوت.

تجمدت ملامحها، بين الذهول، والرفض، واللا تصديق.

تمتمت... بصوت شبه مبحوح:

" ماذا... قلت؟"

داريو تابع، ببطء كأن كل كلمة كانت تثقل على لسانه:

" تزوجتِ... باتفاقية بيني وبين رجل... رجل كان يجب أن يحميك... أن يحفظ اسم العائلة... أن يبني بيننا تحالفًا. وكان شرطه الوحيد... أن تكوني زوجته. وأنا... وافقت."

شهقت بصوت مخنوق، وضعت يدها على فمها، كأنها تمنع نفسها من السقوط في هاوية مفتوحة.

داريو همس مجددًا، وندمه يبلل صوته:

"لم أكن أظن أنه سيعود... ظننتُ أن بإمكاني أن أؤجل الحقيقة... إلى الأبد. لكنه عاد، بيانكا."

سقط الصمت في الغرفة كستارة سوداء... فقط أنفاسها المتقطعة كانت تدل أنها لم تتحول إلى تمثال من صدمة.

كأن الزمن تجمد للحظةٍ فوق كتفيها، كأن الهواء ثقل في صدرها، كأن كل ما تعرفه عن نفسها... عن حياتها... انهار فجأة أمام عينيها.

رمشت بيانكا ببطء، مرّة... ثم مرة أخرى، لكن الكلمات لم تختفِ، بل ترددت في رأسها بصدى مؤلم.

"أنتِ متزوجة يا بيانكا... منذ أن كنتِ في الثامنة عشرة."

شهقت شهقة قصيرة، كأن الهواء خانها فجأة، ورعشة خفيفة اجتاحت جسدها.

ثم... فجأة، انتفضت واقفة، دون وعي، دون تفكير، كرجل غريق يدفع السطح بجسده كي يتنفس.

" لا...!"

قالتها، لكن صوتها لم يكن صارخًا، كان هامسًا مشروخًا... مزيج من الصدمة والخوف والغضب.

نظرت إلى والدها بعينين متسعتين، لا تشبهان عينيها منذ لحظة، كأن شيئًا فيها تحطّم، كأنها فقدت توازنها الداخلي كله.

" لا... أبي... ماذا تقول؟ ماذا تقصد... متزوجة؟ مَن؟ متى؟ كيف تفعل ذلك بي؟"

كان وجهها شاحبًا، شفتيها ترتجفان، وعيناها تلمعان بدموع لم تسقط بعد، دموع من نوع مختلف... دموع خيانة.

مدّ داريو يده إليها، لكنها تراجعت خطوة للخلف، كأن لمسته قد تحرقها.

" لم أقصد أن أؤذيكِ، بيانكا..."

همس.

لكنها لم تسمعه... كانت تتنفس بسرعة، تحاول أن تجمع شتات عقلها... كل الذكريات الماضية تدفقت، كل سنوات الصمت، كل الأسئلة التي لم تُسأل... التحكم في حياتها، في قراراتها... أصبحت فجأة واضحة جدًا...

" لهذا لم أكن أقرر شيئًا..."

همست، بصوت غارق في الوجع.

"لهذا كان كل شيء تحت موافقتك... لأنني كنت... زوجة على الورق؟ لمجهول؟ منذ كنت فتاة صغيرة؟!"

شهقت ثانية، خطفت أنفاسها، ثم استدارت... خطواتها كانت مهزوزة، لكنها تحركت نحو الباب.

داريو نهض فجأة، صوته يرجو:

"بيانكا، لم يكن لدي خيار!"

توقفت لحظة عند الباب، جسدها يرتجف، ثم بصوت خافت، مهزوم، لكن واضح:

" بل كان لديك خيار، أبي... لكنك اخترت ضدي."

ثم فتحت الباب... وخرجت.

صوت ارتطام الباب الخفيف، ترك خلفه صمتًا طويلًا في الغرفة... صمت ثقيل...يشبه الخطيئة.

بخطوات متعثرة، خرجت بيانكا من غرفتها، كأن الهواء داخل الجدران أصبح سميكًا، لا يُمكن استنشاقه، كأن الحوائط تضيق من حولها، تضغط على صدرها، وعقلها يصرخ.

وجهها كان شاحبًا، نظراتها زائغة، وشفتيها تتحركان دون صوت.

والدموع لم تسقط، لكنها كانت هناك، تتجمع خلف جفنيها الثقيلة.

نزلت الدرجات بصمت، يداها ترتجفان، كأن عقلها لم يستوعب بعد، كل هذا... كذبة حياتها، منذ كانت في الثامنة عشرة.

أجبرت ساقيها على التقدم، إلى الخارج، إلى الهواء، إلى أي مكان لا يضم هذا البيت... ولا والده...

وصلت إلى البهو الكبير، بصرها مشوش، تتنفس بصعوبة، تسير بلا وعي.

لكنها... توقفت.

كأن الزمن انكسر من جديد.

أمام الباب...كان يقف.

الرجل الغريب، ذاك الذي زلزل حضوره كل شيء. ذاك الذي غيّر ملامح الحفل بلحظة واحدة.

ذاك الذي اقترب منها سابقًا، وكاد شيء بداخله أن يمسها بطريقة لم تفهمها.

الآن... يقف هناك، بذراعيه القويتين المتقاطعتين، بصدره العريض الممتد تحت قميص داكن، بوشوم تخرج من عنق قميصه وتغوص تحت أكمامه.

عيناه السوداوان تحدقان بها، بثبات... وبرود.

ثم... ببطء، ابتسم.

تلك الابتسامة... لم تكن مريحة. لم تكن لطيفة.

كانت شريرة، واثقة... مهددة.

اقترب خطوة.

خطوة واحدة فقط، لكن وقعها كان كالرعد في صدرها.

ثم همس... صوته أجش، إيطاليّ ثقيل، خافت كأنه لا يريد أن يسمعه أحد... سواها:

- Benvenuta, mia piccola moglie.

"مرحبًا... يا زوجتي الصغيرة."

شهقت بيانكا.

شهقت كما لو أن الهواء خرج من صدرها للأبد، تراجعت خطوة،

جسدها تجمد.

عيناها اتسعتا في رعب، وشفتيها تفتحتا دون كلمة واحدة.

هو... هو؟!

هذا الغريب؟ هو زوجها؟ هو الرجل الذي كان على الورق؟ هو من دفن حياتها بيده... بصمته؟!

لكن قبل أن تسأل... قبل أن تنطق... كان هو يحدق بها ببطء.

عيناه تلتهمان كل ردة فعل فيها. كل ذرة ارتباك، كل خفقة قلب، كل ذعر.

كأنّه انتظر هذه اللحظة... طوال ثمانِ سنوات.

بصوت مرتجف خرج من بين شفتيها، رغم ارتعاشها، رغم كل ما يتفجر داخلها من صدمة وخوف... نطقت.

"ماذا... تريد؟"

لم يكن سؤالًا، كان نجدة، همسة خافتة مشبعة بالحيرة، بالرغبة في تفسير كل هذا، بالرهبة من الجواب نفسه.

لكن الرجل أمامها... لم يتزحزح،

لم يُظهر تأثرًا.

ظل يحدق بها، بعينيه السوداوتين الجامدتين كالموت، ثم... اقترب.

خطوة. ثم أخرى.

حتى بات على بُعد نفس منها، حتى شعرت بحرارة جسده تسبق أنفاسه.

طولٌ مهول، عرضُ كتفين يكفي ليحجبها بالكامل، قوة صامتة تملأ الفراغ حوله، كأنّ الهواء ذاته صار أثقل بوجوده.

توقف.

ثم رفع يده... ببطء، كما لو أنه يُمهّد للنسف، وأمسك خصلة من شعرها بين إصبعيه.

لفّها... نعم، فقط خصلة، لكنّ جسدها كله انتفض.

ثم... بصوت خفيض، بلهجة إيطالية ثقيلة تتسلّل إلى عظامها لا إلى أذنها. قال:

"ما أريده... هو ما هو لي."

ثم انحنى هامسًا حتى لامست شفتيه حدود أذنها:

"أنتِ."

بيانكا... تجمدت.

كأنّ الوقت توقف حولها، كأن الكون كله انكمش ليصبح مجرد رجل واحد... وهمسة واحدة... وحقيقة واحدة لم تكن جاهزة لسماعها.

كأن الزمن نفسه انكسر إلى فتات... كأنّ اللحظة تمدّدت حتى صارت دهراً بأكمله... تراجعت خطوة إلى الخلف، خطوة ارتجفت فيها قدماها كما لو أن الأرض فقدت توازنها.

نظرت إليه بعينين متسعتين من الغضب... من الرعب... من الذهول.

وهتفت، بصوت مرتفع للمرة الأولى منذ أن رأته:

"إذا كنت تعتقد أنني سأذهب معك لأي مكان، فأنت أحمق!"

كانت ترتجف.

ليس من الخوف فقط، بل من إحساس عميق... غريب... مزيج من شيء لم تفهمه بعد.

لكن إنزو... لم يُظهر أي انفعال.

لا ابتسامة، لا سخرية، لا غضب.

فقط... امتدت يده. ببطء.

كأنها تخرق الهواء كسكين مغموس في الجمر. واستقرت حول عنقها.

لم يشد. لم يضغط. لكن قبضته كانت هناك... كأنها تذكير ساكن... أنه يستطيع... متى شاء... أن يحطم العالم.

اقترب منها أكثر. أنفاسه الساخنة تداعب بشرتها. صوته خافت، ناعم كخيط موسيقى تحت الماء:

"أحمق؟ لا، بيكولا... أنا فقط... أستعيد ما هو لي."

وفجأة... بلا إنذار، انقضّ.

لم يكن قبلة. كان اجتياح.

قبلة مفترسة، شرسة... قاسية... مُلكٌ يُنتزع، لا يُطلب.

شفتيه التهمتها... كأنّه يُعيد رسم ملكيته بدمها، بأنفاسها.

تجمدت.

توسعت عيناها بصمت مذهول، بينما جسدها بكامله انشدّ... مشدوهًا، مصدومًا... مشوشًا.

هو لم يطلب، هو لم ينتظر... هو أخذ.

واستمرّت القبلة... ببطء.

بعمق. بجنون صامت.

حتى تخللت أصابعه خصلات شعرها... حتى صار جسدها محاصرًا بينه وبين الباب... حتى لم يبقَ في العالم سوى فمه.

كأن اللحظة تسبح في بحر من الضباب الكثيف، ابتعد عن شفتيها بهدوء، أنفاسه ما زالت تلفح وجهها، بينما نظراته السوداء تنفذت إلى أعماق روحها المرتجفة.

صوته خرج منخفضًا، عميقًا، وباردًا كالقدر:

"جئت لأستعيد زوجتي الصغيرة... برضاها، أو بدونه."

لم يكن تهديدًا، كان إعلانًا.

لم تمنحه إجابة، كانت تحاول التقاط أنفاسها... تحاول فهم ما يحدث، لكن الوقت لم يسعفها.

ببطء... كأن يد القدر امتدت من الظلام، اشتدت أصابعه حول عنقها... ضغط خفيف، في البداية، ثم... أشد.

وأشد.

عيناها توسعتا... الهواء ينفلت... العالم يدور... الضوء يتلاشى من الأطراف.

ضغط بأصابعه القوية على جانب عنقها، بنقطة يعرفها تمامًا... حيث تنكسر المقاومة، وتغفو الأرواح.

وببطء... أسودّ العالم أمام عينيها.

اختفى كل شيء... الضوء، الصوت، الوعي.

سقط جسدها نحوه، لكن ذراعه امتدت، بلا عناء، كأن جسدها خُلق لينحني نحوه.

ضمها إليه بقوة، بذراع واحدة حاصر خصرها النحيل، وكأنها دمية حريرية بين يديه الصخرية.

رفع عينيه للأعلى... حيث وقف داريو آل دارسي، صامتًا كالحائط، وجهه شاحب كأنه رأى شبحًا من ماضيه.

ابتسم إنزو... ابتسامة ساخرة، وباردة، ثم همس:

"أنا لا أطلب، داريو. أنا فقط... أستعيد ما هو لي."

ثم، بلا استعجال، بهدوء، حملها بين ذراعيه وكأنها لا تزن شيئًا.

رأسها تدلى على كتفه، ذراعاها استسلما للثقل، وشعرها الأسود انسدل بحرية وهو يتحرك بها نحو الخارج.

خطواته كانت ثابتة، بطيئة، كأنها إعلان انتصار.

وفي الخارج... كان رجاله في انتظاره، سيارات سوداء تقف صفًا، كأنها تبتلع الليل.

فتح له أحد الحراس الباب الخلفي.

بهدوء، جلس، وبيانكا في حضنه.

عيناها مغمضتان... وجهها شاحب... لكنها ملكه.

دوما كانت ملكه.

همس لها بخفوت، بينما السيارة تتحرك في الظلام:

- "نحن عائدان إلى المنزل، بيكولا."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خطيئته المقدسة    5

    تشق خطواته أروقة القصر المظلمة كما لو كانت صدى لتاريخ طويل من الدم والخراب… إنزو موريارتي، القديس الدموي، يسير نحو غرفة الاجتماعات، لا كزعيم… بل كقاضٍ يستعد للحكم، وكمقصلة تمشي على قدمين.الأبواب الثقيلة فُتحت من قبل رجاله الصامتين، كأنهم حُرّاس جحيم، وداخل القاعة… جلس الثلاثة والعشرون رجلًا من رجال لكوزا نوسترا، يمثلون العائلات الكبرى، وجوههم جامدة، لكن أعينهم تحترق توترًا… فمنذ لحظة عودته، لم ينطق إنزو بكلمة واحدة بشأن ما خسر… ولا بشأن ما عرف.جلس على رأس الطاولة الطويلة، فأطبق الصمت على كل من في الغرفة، حتى أنفاسهم خفتت.مرت ثوانٍ، طويلة كأنها دهر، ثم تحدث بصوتٍ عميق، منخفض… مخيف:"حين كنتُ غائبًا…نُهِبَت أموالي، سُرقت صفقاتي، وخسر رجالي أرواحهم دون ثمن."أعين الرجال تحركت ببطء نحو بعضهم… قلوبهم تعرف أنه لا يتحدث جزافًا. كان يعلم كل شيء."أعطيتكم ثقتي، وتركتموني مكشوفًا."ثم ارتفع صوته بحدة فجائية، اخترقت سكون الغرفة:"والآن… سنعرف من يستحق البقاء… ومن سيموت الليلة!"صرخة خفية خرجت من أحد الزوايا، ورجلٌ ضخمُ الجسد، من عائلة "أل باتيستا"، حاول الوقوف لكن أحد رجال إنزو ضغط على كتفه ب

  • خطيئته المقدسة    4

    تدريب على الصمت.على الغضب البارد.على ضبط النار داخل دمه، حتى لا تنفجر دون هدف.والآن؟ هو هنا.في قصره. وأمام عينيه… تلك الغزالة التي أصبحت زوجته منذ سنوات،دون أن تدري…ودون أن تختار.تنهد ببطء.عيناه لم تفارقها. كأنهما يتغذيان على رؤيتها، كأن فيها خلاصًا ما… أو لعنة.ربما كلاهما.همس لنفسه:"أنتِ لي، بيكولا ميا… بقلبك، أو رغمًا عنه."وغاص في صمته مجددًا… بينما ظل الليل يحتفظ بسرّ اللحظة، وسرّ الوحش الذي قرر أن لا يرحم مرةً أخرى.فتحت الباب الخشبي الثقيل بصمت، وتسللت خطوات إليسا إلى داخل الجناح، كما تفعل حين تدخل عرين وحشٍ لا يجب إيقاظه… رغم أنه ابنها.كانت تحمل بين يديها حزمة صغيرة من الثياب، مغلفة بعناية، تفوح منها رائحة اللافندر… رائحة جولييت، ابنتها.فهي الوحيدة التي تقارب تلك الفتاة في الجسد.ولأنها لم تجد أي حقيبة ترافق تلك المسكينة، فهمت الأمر دون أن يُقال.رفعت عينيها، توقعت أن تجدها وحدها، لكن إنزو… كان هناك،جالسًا، صامتًا، كتمثالٍ منحوت من الرخام والرماد.لم يتحرك حين دخلت، عيناه فقط تحركتا نحوها، نظرة باردة مظلمة كغابة في منتصف الشتاء.تنحنحت بخفوت وهي تقول:"أحضرت لها ب

  • خطيئته المقدسة    3

    تسللت أنوار المدينة من النوافذ الداكنة للسيارة، وارتدت على ملامحه القاسية كشظايا ضوء مكسور، الليل يفرش ظله الطويل على الطريق، والصمت يلف المركبة الفاخرة بثقلٍ مقدّس، كما لو أن العالم بأسره يمسك أنفاسه.إنزو جلس هناك… جسده الضخم يحتل مساحة المقعد الجلدي، وهي… مستلقية كأنها قطعة زجاج في حضنه، مغمضة العينين، بلا صوت، بلا مقاومة.ذراعه ملتفة حول خصرها بإحكام، والأخرى تمسد خصلات شعرها السوداء بنعومة تناقض ما اقترفته يداه قبل قليل، تناقض الوحش الذي أعلن امتلاكها عنوة… ولكنه الآن، يبدو وكأنه يهدّئ عاصفة اشتعلت داخله.السيارة تنطلق بصمت، بهدوءٍ لا يليق بالدماء التي تُركت وراءهم.كان يحدّق من النافذة للحظات، ثم يعود بعينيه نحو وجهها.الهدوء الذي يكسو ملامحها… الشفاه المنفرجة قليلًا، الرموش الثقيلة التي تسدّ الطريق إلى صدمة لا بد أنها ستنفجر حين تستيقظ.مرت دقائق طويلة… ثم همس، بصوت منخفض بالكاد يُسمع، وكأنه لا يريد لأحد أن يسمعه… ولا حتى نفسه:"بيانكا… لو أنهم لم يكذبوا… لو أنك كنتِ تعرفين منذ البداية… لكنتِ جئتِ إليّ بنفسك."كلمات لم يخطط لقولها.كلمات خرجت من مكان عميق… مكسور… قديم.أسند ظهر

  • خطيئته المقدسة    2

    استدارت بيانكا برأسها قليلًا، حاجباها مرفوعان بخفوت، عيناها تائهتان وسط الزحام، تحاول تفسير تلك الرجفة التي زحفت على جلدها بلا مقدمات.لم تفهم لماذا شعرت فجأة بأن شيئًا تغيّر، وكأن الهواء من حولها أصبح أثقل... أكثف... وكأن الزمن تباطأ، ليُجبرها على التحديق في شيء لم تدركه بعد.لم تكن ترى سوى ظهور المعازيم، أكتاف رجال ببدلات داكنة، وظهور سيدات بفساتين فاخرة ولمعان مجوهراتهن، تتراقص تحت الأضواء.جلست بجانب لورينا، لكن أصابعها شُدّت على طرف الفستان دون أن تدرك.لورينا التفتت لها، وعقدت حاجبيها بشيء من العبث:" هل أنتِ بخير؟ شحب وجهك قليلاً."هزّت بيانكا رأسها ببطء، أجفانها تثقلها أفكار لم تتكوّن بعد:" لا أعرف... شعرت فجأة... كأن أحدهم... ينظر إلي."ضحكت لورينا بسخرية خافتة، ومالت نحوها تهمس:" هذا طبيعي في حفل زفاف عائلة آل دارسي... الجميع ينظر، ويُقيّم، ويخطط."لكن بيانكا لم تضحك، بقيت نظراتها متشبثة بشيء خفي، لا تراه... لكنه هناك.ثقيل كأنفاس باردة خلف عنقها.أخذت نفسًا عميقًا، نفضت الفكرة من عقلها، ونهضت ببطء:" سأذهب لأستنشق شيئًا من الهواء."أومأت لورينا دون سؤال، وراقبتها وهي تسير

  • خطيئته المقدسة    1

    السجن المركزي - نابولي، إيطالياالساعة الخامسة وخمسٌ وأربعون دقيقة صباحًاالسماء كانت بلون الرماد... رمادية باهتة، ساكنة، كأنها خائفة مما على وشك الحدوث.هدوء ثقيل يُطبق على المكان، كما لو أن الهواء نفسه توقف عن الحركة.على بُعد خطواتٍ من البوابة الفولاذية الضخمة، وقف رجلان ببدلات سوداء، رؤوسهم مُنحنية، عيونهم لا تجرؤ على النظر إلى الأمام.كأن شيئًا أكبر من الحياة... وأقرب إلى الموت، على وشك أن يخرج.ثم، تحرك شيء.صوت الآلية الباردة للبوابة، الصرير الثقيل، تقطيع الصمت كأنّه شفرة تُمرّر ببطء على عنق الزمن.الباب فًُتح.ببطء... بثقل... كأن الجحيم نفسه يُفرج عن وحشٍ ظل محبوسًا فيه لثلاث سنوات، ليس لأنه خُدع... بل لأنه كان ينتظر.وخرج.خطوة أولى، عارية، راسخة، يُرافقها صوت احتكاك نعل جلدي بالأرض الإسمنتية.خطوة ثانية، كأن الأرض تُرجّ قليلًا تحت وطأتها.إنزو موريارتي.37 عامًا.وحش لم يُولد من رحم امرأة، بل من عمق الدم والخراب.جسدٌ ضخم، أطول من معظم الرجال، أوسع من أي بابٍ بشري. كتفاه عريضان كجدران قلعة قديمة.عضلات منحوتة بصلابةٍ لا تأتي من التمارين، بل من المعارك.جلده ليس جلد رجل... بل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status