خطيئته المقدسة

خطيئته المقدسة

last updateDernière mise à jour : 2026-04-24
Par:  اسراء امينMis à jour à l'instant
Langue: Arab
goodnovel16goodnovel
Notes insuffisantes
4Chapitres
27Vues
Lire
Ajouter dans ma bibliothèque

Share:  

Report
Overview
Catalog
Scanner le code pour lire sur l'application

يقولون إن الجهل نعمة... لكن جهلي كلفني روحي. ثماني سنوات، وأنا أعيش حرة... أو هكذا ظننت. ثماني سنوات، واسمي مكتوب بجانب اسمه في وثيقة لا تحمل توقيعي. ثماني سنوات، وأنا أجهل أنني مُلك لرجل لا يعرف الرحمة، لرجلٍ يُشعل الحروب بنظرة، ويُنهي حياة بلمسة. رجُلٌ لا يشبه الرجال، يقف كتمثال من جليد، بعينين داكنتين كأنهما تحترفان القتل، وبملامح نُحتت من الخطيئة والعذاب. لم يخترني. ولم أختره. لكن دمي كُتب باسمه منذ لحظة لا أتذكّرها. أُخفي عني اسمه، كما أُخفي عني مصيري. قالوا إنني طاهرة، وإن الطهارة لا تُمنح للوحوش. لكن أحدهم كذب. لأنني الآن... زوجة الوحش ذاته. إنزو موريارتي. اسم لا يُقال همسًا. رجل لا تُروى سيرته إلا في مجالس الدم، ولا يُذكر لقبه إلا حين تنقطع الأنفاس. القديس الدموي. من قال إن الجحيم مكان؟ الجحيم... رجل. وهو ينتظرني.

Voir plus

Chapitre 1

1

السجن المركزي - نابولي، إيطاليا

الساعة الخامسة وخمسٌ وأربعون دقيقة صباحًا

السماء كانت بلون الرماد... رمادية باهتة، ساكنة، كأنها خائفة مما على وشك الحدوث.

هدوء ثقيل يُطبق على المكان، كما لو أن الهواء نفسه توقف عن الحركة.

على بُعد خطواتٍ من البوابة الفولاذية الضخمة، وقف رجلان ببدلات سوداء، رؤوسهم مُنحنية، عيونهم لا تجرؤ على النظر إلى الأمام.

كأن شيئًا أكبر من الحياة... وأقرب إلى الموت، على وشك أن يخرج.

ثم، تحرك شيء.

صوت الآلية الباردة للبوابة، الصرير الثقيل، تقطيع الصمت كأنّه شفرة تُمرّر ببطء على عنق الزمن.

الباب فًُتح.

ببطء... بثقل... كأن الجحيم نفسه يُفرج عن وحشٍ ظل محبوسًا فيه لثلاث سنوات، ليس لأنه خُدع... بل لأنه كان ينتظر.

وخرج.

خطوة أولى، عارية، راسخة، يُرافقها صوت احتكاك نعل جلدي بالأرض الإسمنتية.

خطوة ثانية، كأن الأرض تُرجّ قليلًا تحت وطأتها.

إنزو موريارتي.

37 عامًا.

وحش لم يُولد من رحم امرأة، بل من عمق الدم والخراب.

جسدٌ ضخم، أطول من معظم الرجال، أوسع من أي بابٍ بشري. كتفاه عريضان كجدران قلعة قديمة.

عضلات منحوتة بصلابةٍ لا تأتي من التمارين، بل من المعارك.

جلده ليس جلد رجل... بل خريطة حرب.

كان جسده كقلعةٍ من الوشم والندوب، صدرٌ عارٍ تحته قميص مفتوح، عضلاته تنتفخ بحركة بطيئة مع كل نفس يتخذه.

وشم صليب مقلوب يقطع صدره من الكتف إلى الخاصرة، وتحت عنقه نقش قديم:

"Per il sangue e l'onore" - من أجل الدم والشرف.

ندبة طويلة تقطع صدره، وشوم غريبة تتلوى على رقبته كأفعى، عبارات لاتينية ووشوم دينية ممسوخة تغطي صدره وذراعيه وظهره، كلها تتحدث بلغة الموت.

وجهه؟

كأن أحدهم نحت تمثالًا من الجحيم ثم نفخ فيه الحياة.

فكٌ قويّ، لحية كثيفة مشذبة، عيون سوداء حالكة... لا تحمل أي بريق. ليست مظلمة فقط، بل خاوية، كأنّه رأى كل شيء... ولم يبقَ فيه شيء.

وقف هناك، ينظر للأفق البعيد. لا يتكلم. لا يبتسم. لا يغضب.

هادئ... إلى حد الرعب.

ثلاث سنوات قضاها في السجن، لكنّه لم يكن سجينًا.

هو من حكم، هو من أدار كل شيء خلف القضبان،

قتل من أراد، بصمت... وعندما لم يعجبه أحدهم، لم يُصدر أمراً... بل اكتفى بالنظر.

واليوم... اليوم، خرج.

مدّ يده ببطءٍ ليُغلق أزرار قميصه الأسود، على عضلاته المُوشومة، كمن يُسدِل ستاراً على مذبحة.

مرر أصابعه على وشمٍ فوق قلبه، صليب مقلوب تحته تاريخ محفور:

"Bianca - 8 years ago."

انحنت رؤوس الرجال أكثر، أحدهم همس بصوت مرتجف:

"السيارة تنتظر، سنيور موريارتي... موعد الزفاف بعد ساعات، وزوجتك... لا تعرف أنك موجود."

لم يرد.

لم يُظهر حتى أنه سمعه.

ثم تحرك... خُطى ثقيلة، صامتة، بطيئة... تشق الأرض كما يشقّ السيف جلد العدو.

دخل السيارة بهدوءٍ مريب، وكأنّه ذاهب إلى وليمة.

جلس، ثم أخرج من جيبه صورة صغيرة، بالية من كثرة الطيّ...

فتاة بعينين واسعتين، شعر أسود حريري، تبتسم ببراءة لم يعد لها مكان.

بيانكا آل دارسي.

زوجته على الورق... منذ كانت في الثامنة عشرة.

ثماني سنوات مرّت، دون أن تعرف من هو الرجل الذي يحمل توقيعها... دمها... مستقبلها.

همس أخيرًا، بصوتٍ خافتٍ يشبه الزئير المختنق:

"لن أتركها لهم ثانية ... وسآخذ ما يخصني."

*. *. *. *.

قصر آل دارسي - تيرانا، ألبانيا

المساء ينساب بهدوءٍ غريب، كأنّه يخشى أن يُوقظ شيئًا نائمًا

داخل الغرفة الهادئة في الطابق العلوي للقصر العتيق،

تسللت أشعة الشمس الأخيرة عبر الستائر البيضاء الشفافة، تراقصت على أرضية الرخام كأنها تُودّع اليوم بهمس.

الغرفة كانت واسعة، فاخرة، مُزينة بذوقٍ ملكي، لكن الألوان الباهتة والهدوء الخانق جعلوها تشبه أكثر سردابًا من النعاس، لا غرفة عروس.

جلست بيانكا أمام المرآة الكبيرة، ساكنة.

صامتة.

فرشاة الشعر في يدها، تتوقف في منتصف خصلةٍ طويلة من خصلاتها السوداء.

أناملها الرفيعة ترتجف بالكاد، لا من خوف، بل من ثقلٍ لا تعرف مصدره.

كأن شيئًا غير مرئي يزحف ببطء داخل قلبها.

كانت ترتدي رداءً حريريًا أبيض اللون، يُلامس بشرتها بلطف، ووجهها الحالم يعكس ملامح هادئة، هادئة جدًا... كأنها اعتادت الصمت أكثر من الكلمات.

عيناها واسعتان، كأنها وُلدت تنظر إلى العالم بدهشة دائمة، لكن الليلة... كانت النظرة فارغة، كأنها تبحث عن شيءٍ لا تعرفه.

من بعيد، يُسمع وقع خطوات الخدم وهم يتنقلون في الممرات، أصوات ترتيبات الزفاف، الموسيقى الكلاسيكية تهمس من أسفل الدرج الكبير، ضحكات ناعمة، فساتين تُجهز، زينة تُعلّق، البيت يستعد لاحتفال كبير...

لكن بيانكا؟

كانت وحدها.

مع مرآتها... وصمتها.

فركت أصابعها معًا ببطء، وكأنها تُحاول تذكّر شيءٍ نسيته منذ زمن.

أدارت وجهها نحو النافذة، السماء بدأت تظلم، والغروب يصبغ الأفق بألوان برتقالية قاتمة.

طرقات خفيفة على الباب قطعت أفكارها.

"بيانكا؟"

كان صوت والدتها، ناعمًا، ودافئًا... أكثر مما ينبغي.

"هل أنتِ بخير، حبيبتي؟"

أجابت بيانكا دون أن تلتفت:

"نعم، ماما... فقط... أفكر."

ترددت الأم قليلًا خلف الباب، ثم قالت:

"كل شيء سيكون جميلًا الليلة. ماريا تبدو كأميرة... وأنتِ أيضًا ستبدين رائعة."

لم تُجب بيانكا.

كانت تشعر أن شيئًا ما ليس على ما يرام، لكنها لم تملك الكلمات لوصفه.

كأن قلبها يرفض الاحتفال، لا لسببٍ واضح... بل فقط لأن الصمت هذه الليلة يبدو أعلى من المعتاد.

دقائق مرت، ولم تتحرك.

المرآة ما زالت تعكس ذات الوجه، ذات العينين، ذات الشعر المسدَل بانسيابٍ ناعم على الكتفين... لكن شيئًا ما تغيّر في عينيها، وميضُ غريب، أو ربما مجرد ظلّ شحوبٍ جديد، لا تدري.

أدارت رأسها ببطء نحو الفستان المُعلّق على الحامل الخشبي في الزاوية.

فستان من الحرير العاجي، بسيط في قصّته، راقٍ في خيوطه الدقيقة، ينتظرها كما تنتظر السماء أول قطرة من المطر.

وقفت.

خطوة أولى كانت كافية ليبدأ صوت الأرضية تحتها بإصدار خافت، كأن القصر نفسه يُنصت.

مشطت شعرها ببطء، لفته على جانبٍ واحد كما اعتادت والدتها أن تفعل لها وهي صغيرة، ثم سحبت الفستان من الحامل، ضمّته إلى صدرها للحظة،

وشعرت بشيء باردٍ يلامس قلبها، لا تدري إن كان من القماش... أم من داخلها.

مرّ الخدم خلف الباب، أصواتهم منخفضة، خطواتهم متعجلة،

ورائحة الزهور التي بدأت تنتشر في الممرات تغلغلت حتى غرفتها.

رائحة الياسمين، والورد الأبيض، والفل... كانت دائمًا تُحب هذه الروائح، لكن الليلة، شعرت أنها تُخفي شيئًا.

ارتدت الفستان ببطء.

أدخلت ذراعيها برقة في الأكمام الشفافة، ثم أغلقت السحّاب الطويل عند الظهر، وحدها، دون مساعدة.

كل حركة كانت أبطأ من سابقتها، كأنها تُقاتل الزمن، لا تُسابقه.

كأنها تعلم - دون أن تعرف - أن شيئًا ما ينتظر في الأسفل... خلف الموسيقى، خلف الورود، خلف الوجوه المتزينة بالفرح.

ارتدت عقدًا من اللؤلؤ، لمسة ناعمة على عنقها النحيل، ثم نظرت لنفسها مرة أخيرة في المرآة، لا تزال هي.

لكنها شعرت أن عينيها لم تعودا تتعرفان عليها.

خطواتها على الدرج كانت خفيفة، لكن كل واحدة منها كانت تحمل ثقلًا لا مرئيًا.

الأنوار تتلألأ من الشمعدانات الكريستالية على الجدران،

والموسيقى تصعد من الطابق الأرضي كنهرٍ باردٍ من البيانو والكمان.

وفي الأسفل، كانت العائلة تنتظر، وكانت القاعة مُضيئة، مليئة بالضحكات... والأقنعة.

مرّت خادمتها جورا بجوارها وهمست بابتسامة:

"أنتِ الأجمل هذا المساء، آنسة بيانكا."

ردّت بابتسامة خافتة لم تصل لعينيها.

ثم تابعت نزولها.

بخطوةٍ بعد خطوة. ببطءٍ يليق بوردةٍ تمشي بين أشواك لا تراها بعد.

هبطت آخر درجات السلم، وتوقّفت.

القاعة أمامها كانت تتلألأ بأضواء ذهبية ناعمة، الثريات الضخمة تعكس وهجها على الوجوه، وعلى الزجاجيات، وعلى الشمعدانات الموزعة بين الزوايا. الورود البيضاء وشرائط الساتان تزيّن الكراسي والطاولات.

والعازفون في الزاوية يعزفون مقطوعة ناعمة من الكمان، كأنهم ينسجون موسيقى الليل على مهل.

عيون كثيرة كانت هناك.

ضحكات متناثرة، همسات بين سيدات يرتدين أثوابًا لامعة، رجال يتبادلون النظرات، وخدم يمرون بينهم بصمت لا يُكسر.

لكن بيانكا... لم تتحرّك.

وقفت عند نهاية السلالم، تمسك طرف فستانها بيديها، وعينيها تتنقلان ببطءٍ من زاوية إلى أخرى، تحاول أن تحفظ التفاصيل، أن تتعلّق بشيء مألوف... لكنها شعرت بالغربة، وكأنها ليست في قصرها.

كل شيء بدا أجمل، نعم... لكن الجمال الزائد أحيانًا يخفي شيئًا.

شيئًا لا يُقال، ولا يُفهم.

ثم، ومن بين الزحام الهادئ، ظهرت والدتها.

السيدة فالنتينا آل دارسي.

امرأة ذات حضور رصين، دائمًا ما بدا صوتها كأنه يأتي من خلف زجاج، ناعم... لكنه لا يُخترق.

اقتربت منها بخطوات ثابتة، فاحت منها رائحة عطرها الكلاسيكي، الهادئ، مثلها.

ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تلمح ابنتها.

"أنتِ فاتنة، حبيبتي."

قالتها وهي تصل إليها، ورفعت يدها لتعدل خصلة شعر ناعمة سقطت على جبين بيانكا.

بيانكا لم تُجِب.

اكتفت بأن أمالت وجهها قليلاً نحوها، كأنها تشتاق لحنان أمها... أو تحاول أن تفهم شيئًا في عينيها.

"الجميع بانتظاركنّ في الحديقة الخلفية،" تابعت والدتها، بصوت لا يكشف شيئًا، "ماريا متوترة. وأنتِ تعلمين كم تحتاجكِ إلى جانبها الليلة."

قبل أن تتمكن بيانكا من الرد، انطلقت ضحكة رقيقة من الجهة اليمنى، ضحكة يعرفها الجميع.

"وهل يمكن لماريا أن تبتسم دون وجود تمثالها الصامت؟"

جاء الصوت مشاكسًا، يحمل شيئًا من السخرية، وكثيرًا من العفوية.

لورينا.

ابنة عمّها، ذات العينين السوداوين المتألقتين دومًا، شعرها القصير مبعثر كما عادتها، وثوبها المزيّن بالخرز الأزرق يلمع كأنها قطعة سماء نزلت لتفسد الرتابة.

"بيانكا الجميلة، أخيرًا نزلتِ من برجكِ العاجي،" قالت وهي تقترب منها، وتطبع قبلة سريعة على خدّها.

"كنا نراهن جميعًا إن كنتِ ستحضرين قبل أن تبدأ الرقصة الأولى أم بعدها."

ابتسمت بيانكا ابتسامة صغيرة، باهتة، لكنها حقيقية.

لورينا كانت دائمًا النسمة التي تعبث بالستائر الثقيلة لهذا القصر.

لا تخشى أحدًا، ولا تخشى قول ما لا يُقال.

"أنا هنا الآن،" قالتها بيانكا أخيرًا، بصوت خافت.

"حقًا؟" ردّت لورينا بعينين ضيقتين، "أم أن جسدكِ فقط هو الذي هنا؟"

نظرت إليها والدتها نظرة حازمة، كأنها تُذكرها: ليس هذا وقت الأسئلة.

لكن لورينا ابتسمت، وغمزت بيانكا.

"تعالي. ماريا توشك أن تفقد عقلها، وتظن أنكِ لن تأتي. وهناك على الأقل خمس سيدات أعجبن بثوبكِ أكثر منها."

نظرت بيانكا نحو والدتها، ثم إلى الممر المضاء المؤدي للحديقة الخلفية.

ثم سارت.

ببطء... كما اعتادت. كأن كل خطوة تخبرها:

اقتربي... لكن لا تكتشفي كل شيء دفعةً واحدة.

خطواتها على الممر المرصوف بالحجارة كانت ناعمة، بالكاد تُسمع،

ومع كل خطوة، كانت الأضواء تتناثر بين الأشجار المزينة،

الفوانيس المعلقة تتمايل مع النسيم،

والروائح... مزيج من أزهار البرتقال واللافندر والياسمين،

كأن أحدهم أراد لهذه الليلة أن تُنقش في الذاكرة برائحة قبل أن تُنقش بالصور.

بيانكا لم تسرع.

لم تكن من أولئك الذين يلهثون نحو المشاهد الكبيرة.

كانت، دومًا، المراقِبة.

وعيناها الآن، تبحثان عن وجهٍ واحد.

ماريا.

وجدتها واقفة تحت قوس الزهور الأبيض، فستانها العاجي ينسدل برقة كأنه امتداد لجسدها الهش، وشعرها الأشقر مرفوع بأناقة، لكن أصابعها تعبث بلا وعي بطرف طرحتها، تحاول أن تضبطها، تعيدها، تُبعدها... مرة بعد مرة.

كان القلق يفضحها.

"ماريا؟"

نادت بيانكا بصوت خافت، وهي تقترب.

استدارت العروس فورًا، وفي عينيها نظرة متوترة، متفاجئة، مشوبة بالراحة.

"بيانكا! أخيرًا..."

قالتها، وهي تسرع نحو أختها، ثم تعانقها بقلق.

"تبدين مذهلة،" همست بيانكا قرب أذنها، ويدها تربّت على ظهرها بهدوء.

لكن ماريا لم تجب فورًا.

كانت أنفاسها سريعة، وذراعاها مضغوطتان حول أختها بشدة غير معتادة.

"أنا لا أعرف إن كنت أفعل الصواب..."

خرج صوتها مشوشًا، مليئًا بتردد خافت.

"كل شيء يسير بسرعة. أبي يقول إن هذا الزواج مهم... مهم جدًا..."

سحبت بيانكا نفسها قليلًا لتحدّق في وجه شقيقتها.

"هل تحبينه؟"

تجنّبت ماريا عينيها.

نظرت إلى الأزهار، إلى الطاولة الطويلة، إلى الضيوف الذين بدأوا يتجمعون ببطء.

"هو... جيد. لا شيء فيه سيء. محترم. لطيف. يملك عائلة قوية..."

"لكن؟" سألت بيانكا بهدوء، وهي تعرف الإجابة مسبقًا.

"لكنه ليس الحلم..."

همست ماريا، بصوت كأن الريح هي من لفظته.

نظرت إليها بيانكا طويلًا. لم تقل شيئًا.

الليلة لم تكن مناسبة للأحلام.

لورينا كانت تقف على مسافة قريبة، تراقبهنّ، ثم تقدّمت وهي ترفع حاجبًا.

"ماريا، توقفي عن القلق. لا أحد يعرف ما يفعل في ليلة زفافه. بعضهم يضحك، بعضهم يبكي، وبعضهم يهرب إلى البحر. على الأقل أنتِ تبدين كأميرة، وهذه نقطة لصالحك."

ضحكت ماريا رغمًا عنها.

ضحكة صغيرة... مجروحة، لكنها أفضل من الصمت.

بيانكا أمسكت بيدها.

"سأبقى قربكِ طوال الوقت. لن تمري بهذه الليلة وحدكِ."

هزّت ماريا رأسها، وأغمضت عينيها للحظة، كأنها تتشبث بهذه الطمأنينة العابرة.

ثم، بدأ صوت الموسيقى يرتفع قليلًا.

أحد الحاضرين أعلن من بعيد أن الجميع مدعو للجلوس، أن مراسم الزفاف ستبدأ بعد دقائق.

بدأت اللحظة تقترب.

والضوء تغيّر.

السماء بدأت تميل إلى البرونزي... وكل شيء بدا هادئًا جدًا... وكأن العالم يُعدّ نفسه لشيء. شيء لم يكن في الحسبان.

لم تقل شيئًا حين تركت ماريا تقف بجوار والدها، بينما الرياح تعبث بأطراف طرحتها، والسماء خلفها بدأت تنطفئ تدريجيًا... كأن الضوء ينزلق عن العالم.

بيانكا اكتفت بنظرة أخيرة، ثم استدارت، وخطت ببطء نحو القاعة، وفي إثرها لحقت بها لورينا، التي كانت قد هدأت قليلًا، وإن لم تتخلّ تمامًا عن عبثها المعتاد.

"أظنني جائعة،" تمتمت لورينا، وهي تمط شفتيها.

"لكن لا أحد يأكل في حفلات الزفاف قبل أن يقيموا المأساة الكبرى، أليس كذلك؟"

لم تجبها بيانكا.

كانت تنظر إلى الداخل، إلى القاعة التي بدأت تمتليء شيئًا فشيئًا بالضيوف، رجال ببدل داكنة، نساء بأثواب لامعة، أصوات خافتة، ضحكات متحفظة، عيون تتفحص، وأخرى تختبئ خلف أقنعة التهذيب.

عبقت القاعة بروائح العطور الثقيلة، ورفرفت ستائرها البنفسجية مع النسيم كأنها أجنحة طائر مهيب.

كانت الأعمدة مضاءة بمصابيح ذهبية، والممر الرئيسي مرصوف بالورود البيضاء... كل شيء بدا مرتبًا بعناية تشبه الطقوس القديمة... طقوس لا تعرف فيها من يكون الضحية، ومن يكون المُحتفل به.

خطت بيانكا ببطء، نظراتها تتنقل بين المقاعد، بين الجدران، بين العيون التي تراقب.

كانت تعرف معظمهم، رجال من العائلة... حلفاء قدامى... أصدقاء والدها... لكن لم يكن أحد يعرفها تمامًا.

بيانكا آل دارسي... كانت الظل الناعم الذي يتوارى خلف زوايا القصور، الفتاة التي تعلّمت كيف تصمت، كيف تبتسم، وكيف لا تسأل.

جلست قرب والدتها، دون أن تنطق.

لورينا جلست بجانبها، وقد بدأت تعبث بقطعة من منديل الحرير، ثم مالت نحوها، وهمست:

"ماريا ترتجف."

أجابت بيانكا بهدوء، دون أن تنظر إليها:

"أنا أعلم."

ثم... عمّ الصمت.

الصوت الوحيد كان عزفًا حيًا لآلة كمان، موسيقى كلاسيكية قديمة، تنساب في الأجواء كالنداء الأخير.

عينا بيانكا تعلّقتا بباب القاعة الكبير... ذلك الباب الخشبي الثقيل، الذي يُفترض أن يُفتح بعد لحظات... لتدخل منه ماريا.

كل الأنظار تتجه نحوه.

الساعة تقترب من السابعة.

الموسيقى بدأت تتغير... صارت أكثر رقة... أكثر رسمية.

أحد المنظمين تحرّك إلى جوار الباب.

بيانكا شبكت أصابعها في حجرها.

لم تكن تعرف لماذا ينبض قلبها بهذه القوة... لكن شيئًا في الهواء تغيّر.

ليس الخوف... بل شعور أبرد... أبطأ... أعمق.

كما لو أن الزمن نفسه يحبس أنفاسه.

كانت جالسة هناك، بين صفوف مزينة بزهورٍ بيضاء وأشرطة من الحرير.

كل شيء بدا جميلاً... جميلاً جدًا لدرجة مُقلقة.

أراحت يديها على حجرها، تشابكت أصابعها بلطف، لكنها شعرت بالبرودة في أطرافها، تسللت عبر الجلد كأنها لم تأتِ من الجو، بل من داخلها.

أصوات الضيوف تضاءلت.

أو ربما عقلها فقط هو من بدأ يعزلها عنهم.

باتت ترى الوجوه... دون أن تسمع الكلمات.

الشموع المعلقة في الثريات تهتز بارتجاف خفيف، كما لو أن نَفَسًا غير مرئي مرّ تحتها.

نظرت إلى الأمام. إلى ذلك الباب المغلق.

كانت تعلم أن ماريا خلفه، ومعها والدها.

لكن ما لم تعرفه هو... لماذا تشعر بهذا الثقل في صدرها؟

ليست هي من ستتزوج.

ليست هي من ستُساق إلى مصيرٍ جديد.

لكن هناك شيء لا يُقال، شيء تشعر به خلف عيني والدتها، خلف صمت والدها، خلف الطريقة التي نظرت بها ماريا إليها قبل أن تتركها.

بيانكا لم تحب الحفلات.

لم تحب الموسيقى العالية، ولا الرقص، ولا الأضواء.

كانت تحب الزوايا.

المكتبات.

الهدوء.

لكن الآن، وسط كل هذا الجمال، شعرت بغُربة خانقة.

كأنها لا تنتمي.

كأن هذا القصر لم يكن يومًا لها.

"بيانكا،" همست لورينا، وقد مالت نحوها مجددًا،

"هل أنتِ بخير؟"

هزّت رأسها بنعم. لكن عيناها ظلتا معلقتين على الباب.

كأن جزءًا منها يعرف أن ما سيحدث خلفه... لن يكون كما خُطط له.

سحبت بيانكا نفسًا طويلًا، ثم أطلقته ببطءٍ، دون صوت.

كأنها تحاول أن تفرغ شيئًا ما عالقًا في صدرها... لكن لا شيء خرج سوى الفراغ ذاته.

لورينا بجوارها، تهمس وتضحك أحيانًا، تلقي التعليقات الساخرة بصوتٍ خافت لا يسمعه سواها، لكن حتى تلك الكلمات لم تستطع أن تُحرّك شيئًا داخل بيانكا.

ثم فجأة، لمعت أنوار القاعة أكثر قليلاً، تبدلت النغمة، وهمس أحد المنظمين:

"اقترب الوقت."

لم يكن إعلانًا رسميًا، بل مجرد همسة... لكنها ارتطمت بروح بيانكا كجرس صغير يُقرع من بعيد.

رفعت نظرها مجددًا نحو الباب المغلق.

شيء في صدرها انكمش. لم تعرف لماذا.

ماريا قوية... ومشرقة... ومرحة دائمًا.

لماذا إذن بدت شاحبة منذ أيام؟

لماذا نظرتها كانت غريبة هذا الصباح؟

امتدت يد لورينا بخفة، أمسكت بيد بيانكا وهمست:

"لا تقلقي... كل شيء سيكون على ما يرام."

لكن بيانكا لم تقلق من أجل الزفاف، ولا من أجل ماريا...

بل من أجل شيء لا اسم له، شيء يُزحف خلفها... دون أن تدري.

ارتفع نَفَسها في صدرها حين بدأت المفصلات تُصدر صوتها.

ليس صريرًا حادًا... بل صوتًا خافتًا، زاحفًا، كأن الزمن نفسه ينفتح ببطء على شيء لا يُسمّى.

الباب... يتحرك.

نصف فتحة فقط، ثم... لحظة صمت.

ثم دفعٌ خفيفٌ آخر.

جميع الرؤوس استدارت، بعضها بفضول، بعضها بتأدب، وبعضها بتوتر مدفون تحت أقنعة التهذيب.

الستائر الرقيقة خلف الباب ارتفعت قليلًا مع نسمة باردة تسللت إلى القاعة، كأن الهواء نفسه تغيّر.

ثم ظهرت أول خطوة.

ماريا.

بيضاء... نحيلة... وعيناها تلمعان. لكن ليس من الفرح.

كان شيء آخر يسكُن نظرتها. شيء لا تستطيع بيانكا أن تسميه.

تبعها والدهم، بملامح جامدة.

مُحكمة.

رجلٌ يحمل سنوات من الأسرار في صمته.

خطوتهم كانت بطيئة. مدروسة. لكنها لم تكن هادئة.

ماريا لم تبتسم.

بيانكا شعرت بانقباضٍ غريب في معدتها، كما لو أن جسدها فهم شيئًا قبل عقلها.

لورينا همست بجانبها، لكن بيانكا لم تسمع شيئًا.

كل صوت تلاشى.

لم تعد تسمع سوى وقع خطوات ماريا على الأرض الرخامية...كل ضربة كأنها دقّة قلبها.

وبينما كانت ماريا تقترب من الممر، رفعت نظرها للحظة... والتقت عيناها بعيني بيانكا.

ولوهلة، بدا وكأن ماريا على وشك أن تقول شيئًا.

أن تصرخ.

أن تهرب.

لكنها لم تفعل.

فقط... ارتعشت شفتيها، ثم انخفضت عيناها.

وأكملت سيرها.

ارتفعت الموسيقى قليلًا.

أنغام ناعمة، كلاسيكية، تنساب برقة في فضاء القاعة الكبير.

العازفون خلف الستارة المخملية عزفوا بنظام، لكن النغمة لم تكن تدفئ الأجواء، بل كأنها تزيدها غموضًا.

كأنها تخبرهم أن شيئًا ما في غير موضعه... لكن لا أحد يُصغي.

بدأت ماريا تسير.

ذراعها معلّقة بذراع والدها.

خطواتها بطيئة، جامدة، كأنها تُساق لا تمشي.

ذيل فستانها الأبيض يسحب خلفها بصمت، ينساب كخيط نور على الأرض الملساء.

الورود الموزعة على الممر لا تتحرك، حتى الهواء بدا ساكنًا.

بيانكا وقفت مع الضيوف، كل العيون مُعلقة بالعروس... إلا عينيها.

كانت عينا بيانكا تتنقلان بين ماريا... وجه والدها... ثم نظرة عابرة إلى أمها الواقفة على الطرف الآخر من القاعة، تشد على أصابعها بصمت.

لورينا أمسكت بيد بيانكا دون أن تنظر إليها. نظرتها مستقيمة، فمها مطبق.

الراهب وقف عند المنصة، كتابه بين يديه، يبتسم ابتسامة باردة، محفوظة، منمقة.

توقف الجميع.

صمتٌ ثقيل.

ثم بصوت رخيم، بدأ الراهب يتحدث.

"نحن هنا اليوم لنشهد على اتحاد قلبين... في عهد مقدّس، أمام الله، والعائلة، والتحالف..."

كلمة "التحالف" مرّت كطعنة في الهواء.

غريبة... مشوشة... وكأنها لا تنتمي لهذا السياق الرومانسي.

ماريا لم تنظر إلى العريس.

بل لم ترفَع عينيها أصلاً.

كان العريس واقفًا هناك... شاب يبدو أنيقًا، هادئًا، يبتسم بثقة.

لكن شيء ما في ابتسامته كان خاطئًا.

بيانكا شعرت بوخزة... شيء في داخلها بدأ يتحرك.

لم تكن تعرف لماذا، لكنها شعرت أن شقيقتها تقف على حافة شيء لا يُرى، وأن كل هذا... الورد، الموسيقى، الهدوء... مجرد ستار سميك.

كانت الأمور تسير كما يجب أن تسير.

لكنها لم تكن صحيحة.

تابع الراهب كلماته الرنانة بنبرة موزونة:

"هل تقبل، أنت، أليساندرو نيكولي، أن تتخذ من ماريا آل دارسي زوجةً لك، على العهد والولاء والمحبة؟"

أليساندرو أومأ بثقة، ابتسامة ثابتة على ملامحه، كما لو أنه يتلو مشهداً حفظه عن ظهر قلب.

"أقبل."

وصمتٌ آخر، كأن القاعة كلها تنتظر أن تتنفس.

"وهل تقبلين، أنتِ، ماريا آل دارسي، أن تتخذي من أليساندرو نيكولي زوجاً لك، على العهد والولاء والمحبة؟"

لحظة.

ماريا لم تجب فوراً.

الزمن توقّف بين الكلمة والصدى.

لكنها، في النهاية، أجابت... بهمس لا يُكاد يُسمع:

"أقبل."

وتنهيدة من الراهب، وكأن كل شيء يسير كما ينبغي.

"باسم العائلة... باسم التحالف... وباسم العهد، أعلنكما الآن زوجًا وزوجة."

وبهدوء شديد... انحنى العريس نحو ماريا.

قبلة. بطيئة، محسوبة، مهذبة. كأنها تمت فوق مسرح.

شفتيه لامستا جبينها فقط، لكن بيانكا، التي كانت تراقب، شعرت بشيء خانق في قلبها.

شقيقتها بدت كظل. كأنها ليست هنا. كأن جسدها فقط هو الذي وقف على المنصة.

صفّق الحضور.

التحالفات الكبرى قامت من مقاعدها، ورجال المافيا تبادلوا النظرات.

لم يكن أحد يهتم إن كانت ماريا سعيدة. كان المهم فقط... أن يُعقد الرباط.

أن تنجح المسرحية.

ورائحة العطر، الزهور البيضاء، وصوت التصفيق... كلها لم تنجح في طرد الشعور البارد الذي بدأ ينساب على جلد بيانكا.

ورغم الموسيقى، والتهنئات، والضحكات من حولها... شعرت أنها وحيدة وسط بحر لا تعرفه.

ببطء... كأن الزمن يسير على رؤوس الأصابع، بدأت مراسم الحفل تنتقل إلى القاعة الأخرى... قاعة الاستقبال.

الأنوار هناك كانت أدفأ، أخف حدّة من أضواء القاعة الكبرى.

الثريات البلورية أطلقت وهجًا خفيفًا راقصًا على الأرضيات اللامعة، وبدأت أصوات الكؤوس تتصادم، تتمازج مع ضحكات متحفظة وكلمات مباركة رتيبة.

الضيوف انزاحوا كتيار بطيء من الفخامة، يتحرّكون معاً نحو قاعة الاستقبال.

أما بيانكا، فقد بقيت خلف الجميع لثوانٍ، تنظر إلى شقيقتها ماريا التي تمسك بفستانها من الأسفل برقة، تجرّه خلفها كأنها تجرّ معها صخرة ثقيلة.

شيء ما لم يكن على ما يرام.

اقتربت منها بهدوء، همست بصوت خافت:

"ماريا..."

التفتت ماريا نحوها بسرعة، بعينين زائغتين، فيها اضطراب لم تستطع بيانكا تجاهله.

"أنتِ بخير؟"

سألتها مرة أخرى، بقلق خفيف في نبرتها.

ماريا اقتربت خطوة... رفعت يدها ولمست ذراع أختها، اقتربت منها بما يكفي ليصل الهمس إلى أذنها وحدها، ثم قالت بنبرة شبه معدومة:

"إنه قادم."

همستها ... كأنها لم تقُل شيئًا.

بيانكا تجمدت للحظة، حاجباها تقاربا في استغراب، حاولت أن تستوعب ما سمعته.

"من؟ من القادم؟"

لكن ماريا لم تجب.

قبل أن تفتح شفتيها للشرح، ظهرت السيدة فالنتينا، والدتهن، بخطوات حازمة وابتسامة رسمية.

"ماريا، عزيزتي، كفى همسات الآن. الضيوف بدأوا بالوصول لقاعة الاستقبال. زوجك ينتظرك، يجب أن تقفي إلى جانبه وتستقبلي المباركات. الجميع يراقب."

ماريا لم تحتج فرصة للهروب. أومأت بسرعة، وعادت لتصحيح وقفتها وفرد ظهرها، كأنها ارتدت قناعًا جديدًا.

تبعَتها والدتهن دون أن تمنح بيانكا نظرة ثانية.

أما بيانكا، فبقيت مكانها. تشعر بذلك الصقيع يعود ليجثم على قلبها.

"إنه قادم..."

من؟

ولماذا بدت ماريا وكأنها على وشك الانهيار حين قالتها؟

أسئلة كثيرة... ولا جواب واحد.

ببطء... جلست بيانكا على إحدى المقاعد الفخمة المذهّبة عند أطراف القاعة، إلى جوار لورينا، تلك الفتاة المشاكسة التي بدا على غير عادتها الآن بعضٌ من الصمت.

أنامل بيانكا التقطت طرف فستانها، رتّبته على ركبتيها بلطف، ثم شبكت أصابعها في حجرها.

أضواء القاعة الخافتة انعكست على شعرها الحريري، وعينيها اللتين ظلّتا متشبثتين بشقيقتها ماريا الواقفة هناك، في المنتصف... بجانب زوجها الجديد.

ماريا كانت تبتسم.

ابتسامة خافتة، واهنة، تكاد لا تُرى إن لم تحدّق فيها طويلاً.

الضيوف يتناوبون واحدًا تلو الآخر. يباركون، يقبّلون الخدود، يضحكون، يحيّون الوالد، ثم ينتقلون.

كل شيء بدا كما ينبغي له أن يكون... لكن شيئًا في جسد ماريا كان يشي بأنّ لا شيء على ما يُرام.

يدها مشدودة، كتفها ثابت كأنه من صخر، وعيناها لا ترتفعان نحو زوجها أبدًا. فقط تومئ، تبتسم، وتُعيد تكرار طقوس المجاملة كل مرة.

لورينا كانت تراقب أيضًا. ثم مالت برأسها نحو بيانكا، وهمست بسخرية معتادة، لكن هذه المرة بنبرة خافتة:

"كم تتوقّعين أن تصمد ماريا قبل أن تنهار؟ ساعة؟ أقل؟"

نظرت لها بيانكا، لم تبتسم. شيء ما داخلها بدأ يضطرب.

قالت بصوت خافت:

"قالت لي شيئًا غريبًا... قبل قليل. همست أنها... تنتظر أحدهم."

لورينا رفعت حاجبًا، ثم ضيّقت عينيها وهي تنظر إلى ماريا مجددًا:

"من؟"

هزّت بيانكا رأسها.

"لا أعلم... فقط قالت إنه قادم... لا أكثر."

لم تجب لورينا فورًا.

بقيتا كلتاهما تراقبان المشهد أمامهما.

الأنوار، الكؤوس المتلألئة، الأحاديث المتقاطعة، الضحكات الزائفة... والفتاة في المنتصف التي ترتجف تحت قناعها.

أما بيانكا، فبدأ شعور غريب يزحف نحوها... شعور لم تختبره من قبل.

كأن شيئًا في الأفق يقترب.

كأن شيئًا ما... على وشك الانفجار بهدوء.

صوت الكمان تهادى في الأرجاء كنسيم مسائي، يعزف لحناً ناعماً يمتدّ بين الأضواء الهادئة، الكؤوس المتشابكة، والضحكات التي تتصاعد كفقاعات زجاجية هشة.

بيانكا جلست بلا حراك، تنظر إلى ماريا التي كانت قد بدأت تفقد تماسكها تدريجياً، رغم كل شيء.

ابتسامتها باتت أضيق... أطراف أصابعها التي تشبك ذراع زوجها بدأت ترتجف بخفة لا يلاحظها سوى من يراقبها عن كثب.

كانت ترتجف، تماماً كما يرتجف الظل على سطح ماء ساكن قبل أن يعكره شيء.

لورينا انتبهت فجأة إلى شيء، مالت قليلاً بجسدها، نظرت نحو مدخل القاعة، ثم عضّت شفتها السفلى ببطء.

قالت بصوت بالكاد يُسمع:

"ما هذا...؟"

بيانكا نظرت حيث تنظر لورينا.

الباب الرئيسي... لم يُفتح بعد. لكن شيئًا ما في الهواء تغيّر.

كأن القاعة بأكملها... حبست أنفاسها.

عازفو الكمان أخطأ أحدهم نغمة. النادل الذي كان يمر قرب الباب توقّف للحظة دون وعي.

ماريا... توقفت عن التفاعل.

وببطء شديد... وبصوت خافت حاد كقَطع سكين بين نغمتين-

تحرّك مقبض الباب. لم يُفتح فورًا.

كان الصوت كافياً ليجعل البعض يلتفت، ليشعر آخرون بوخزٍ غير مفسّر في العمود الفقري.

ثم ... ببطء شديد.

الباب الثقيل فُتح... ببطءٍ مقصود.

بهدوءٍ مخيف. لم يكن أحدٌ يراه بعد.

لكن الظلّ... ظلٌّ ثقيل تسلّل أولاً، سبق صاحبه بخطوة، سكن الأرض الرخامية الفاخرة قبل أن يدخلها جسده.

ثم خطا أول خطوة.

صوت الحذاء الجلديّ الفاخر فوق الرخام بدا كمطرقة فوق صدر القاعة.

طويل.

عريض.

جسده مغطّى ببذلة داكنة، قُصّت كما لو أنها حُبكت على نار لا على مقاس.

كل خطوة منه كانت وزرًا يسير.

عضلات كتفيه تحرّكت تحت القماش كوحش مقيّد لا يناسبه القيد.

وشمٌ كثيفٌ بدأ من عنقه، وامتدّ تحت ياقة القميص الأبيض.

ندبةٌ قديمة تعانق أحد جانبي فكه... عميقة، لا تُخفيها الإضاءة الخافتة.

وجهه... هادئ.

هادئ بطريقة لا تحمل سلاماً... بل تحمل وعدًا.

وعداً بالعاصفة.

لم ينظر لأحد. لم يبتسم. لم يُلق التحية.

توقفت الموسيقى. تجمّد الهواء.

كل من يعرف... أصابه الجمود. ومن لا يعرف... أحسّ.

أما بيانكا، فشعرت بجسدها ينتصب دون إذن، كأن شيئًا ما في الغريزة أنذرها:

هذا ليس رجلاً... هذا إعلان خطر يسير على قدمين.

بيانكا لم تكن تنظر مباشرةً إلى الداخل... كانت تراقب من زاوية بعيدة، بينما عيناها تُحلّقان بهدوء فوق تفاصيل المشهد.

كل شيء بدا كما هو... نفس الأضواء، نفس الكؤوس، نفس الضحكات الخافتة التي بدأت تتكسر ببطء دون أن يفهم أحد السبب.

لكن أمها...فالنتينا آل دارسي.

تغيّر شيء في ملامحها. بيانكا رأت ذلك، بوضوح مرعب.

تلك المرأة التي نشأت على يدها، والتي لم ترَ منها سوى القوة والوقار، المرأة التي تعرف كيف تبتسم حتى وهي تخبّئ النيران في صدرها... تلك المرأة... الآن، كانت قد جمّدت ابتسامتها على نصف وجهها.

نصفها الآخر... انطفأ.

بيانكا لاحظت ارتجافًا في يد أمها. بسيط. لكنها لاحظته.

كأنها تحاول أن تُمسك شيئًا غير مرئي. أن تثبّت نبضها قبل أن يفضحها.

أما والدها... داريو آل دارسي.

الرجل الذي لا يهتز. لا يتغير.

الرجل الذي ترعب منه أصوات البنادق وتبكي لأجله الدماء.

بيانكا أدارت رأسها ببطء نحو مكان وقوفه.

كان قد أدنى رأسه قليلاً.

عيناه تلاحقان القادمين، لا يرمشان.

وجهه - كعادته - كلوحٍ من الرخام، لكن هذه المرة، لاحظت شيئًا مختلفًا.

صمتُه... كان أكثر صخبًا من أي صوت آخر في القاعة.

لم يتكلم، لم يتحرك، لكنه بدا كمن ينتظر شيئًا... يعرفه جيدًا. يخشاه. يتحداه. يترقبه.

في هذه اللحظة تحديدًا، شعرت بيانكا كأن قلبها بدأ يتباطأ.

كأن شيئًا في عقلها يُخبرها أن عليها الانتباه... أن هناك شيئًا قادمًا، بل... وصل.

هي فقط لم تعرف بعد. لكن أجساد من حولها... تنبأت.

الهواء تغيّر. نبضات المكان تحوّلت.

ولم تستطع أن تمنع نفسها من النظر أخيرًا... نحو الدخيل.

عيناه... بطيء كالشبح، رفع رأسه أكثر. واستقرت نظراته على قلب القاعة.

سكنت العيون. صمتت الهمسات. ارتبكت ماريا. تشنجت يد فالنتينا. داريو... لم يرمش.

أما بيانكا... فقد شعرت بقشعريرة باردة تتسلل من عمودها الفقري حتى أناملها.

لم تعرف السبب. لم تفهم ما يحدث.

لكنها عرفت شيئًا واحدًا... هذا الرجل... ليس من هنا.

خطا خطوة أخرى إلى الداخل.

ثم أخرى... وببطء، كأن الزمن ذاته بدأ يتباطأ ليمنحه مجده، رفع رأسه قليلاً... واستقرت عيناه عليها.

على الطرف الآخر من القاعة، كانت بيانكا تجلس إلى جوار لورينا، نصف جسدها ملتف قليلاً، كأنها كانت تنوي النهوض.

لكنها تجمدت.

عينيه... سوداوتان.

لكن ليس السواد الذي اعتادت رؤيته، بل سواد كثيف، عميق، كأنهما بئر بلا قاع.

توقفت أنفاسها لوهلة، لا تعرف لمَ... ولا كيف، لكن نظراته اخترقتها كما لو كانت شيئًا مرئيًا وواضحًا له وحده.

لم تتحرك عضلة واحدة في وجهه.

لا انفعال. لا انبهار. لا حتى غضب.

فقط... ثبات مطلق.

كأن كل شيء من حوله لا يستحق التوقف عنده - سواها.

شهقت لورينا بصوت خافت وهي تهمس لها:

"من هذا؟"

لكن بيانكا لم ترد.

شفتيها انفصلتا قليلًا، وعينيها ثبتتا على وجهه، على تلك الندبة، على الوشم المظلم الذي يمتد أسفل عنقه ويختفي تحت الياقة، على كتفيه اللتين بدا وكأنهما يحملان وزر العالم.

قلبها... دق مرة.

ثم أخرى... ثم بدأ يخرج عن الإيقاع.

لم تفهم لماذا، لكن شعورًا بالغربة زحف داخل جلدها.

عينيه لم تبتعدا.

كأنهما وجدا هدفًا...واستقرت عليه.

القاعة صامتة، حتى الموسيقى لم تعد موجودة.

لم يكن الأمر أنها التقت بنظرات رجل غريب.

بل كأن عينيه... تعرفها. تعرفها أكثر مما تعرف نفسها.

وهي... لا تعرف حتى من يكون.

*. *. *. *.

أصابع يده اليمنى عبثت ببطء بالزر العلوي لمعطفه الداكن... لم يكن بحاجة لأن يخلعه، لكن شيئًا في داخله كان يرغب بأن يُشعرهم بثقله، حضوره، كأن الهواء ذاته أصبح أثقل منذ دلف القاعة.

كل خطوة خطاها كان لها صدى، لا على الأرض الرخامية، بل في القلوب، كأن الأرض تعرف من يطؤها.

كتفاه كانتا عريضتين بشكل لا يليق برجل... بل بوحشٍ خرج من العدم.

تتحرك عضلاته بانضباط مهيب أسفل المعطف، كأن كل حركة محسوبة، كأن كل خطوة خطة.

ظهره منتصب، ذقنه مرفوعة بدرجة مخيفة من الثقة.

وشم على جانب عنقه... خطوط داكنة بلون الحبر القديم، وسلسلة صغيرة من الفضة تتدلّى أسفل الياقة، بينما تمر عيناه على الوجوه دون أن يراها حقاً، كأنه لا يبحث، بل يستعيد ما يعرف.

نظراته لم تكن نظرات رجل عاد إلى عالمه، بل نظرات زعيمٍ لم يغب عنه أبدًا، رجلٍ لم يخرج من السجن... بل خرج منه السجن.

ندبة رفيعة تمتدّ من زاوية فكه حتى عظمة وجنته اليسرى،

جعلت ملامحه الخشنة تبدو أكثر قسوة.

لكن الهدوء في قسماته... ذلك البرود الذي يسكب الجليد فوق الدماء، هو ما جعل الجميع يصمت، دون أن يأمرهم.

هو لا يحتاج أن يتحدث ليُطاع، هو لا يحتاج أن يرفع صوته ليُسمع.

هو إنزو موريارتي.

والآن، بعد ثلاث سنوات من الصمت، دخل المشهد من جديد.

خطوات إنزو كانت هادئة... لكنها تحمل ذلك الثقل الذي لا يُفسَّر.

كأن كل شبر يقطعه على الأرض يعيد للأرض ذاكرتها... يعيدها إلى ما قبل ثماني سنوات، إلى الاتفاق، إلى العقد، إلى الدماء التي لم تجف بعد.

عيناه السوداوان تظلّان ثابتتين، لا تنظران لشخص، بل تخترقان الجميع بنظرة تحمل ألف رسالة غير منطوقة.

جفناه لم يرتجفا، أنفاسه ثابتة... كأن لا شيء يمكنه كسر هذا الهدوء الذي يسبق العاصفة.

وببطء... خرجت من بين الحشود كتلة من الهيبة والصلابة،

داريو آل دارسي.

الرجل الذي لطالما أخاف المئات، الذي لا يهتز، ولا يضعف، الذي كان صوته وحده كافٍ لإسكات جيوش.

لكن هذه المرة... شيء ما في ملامحه قد تغيّر.

كانت عينيه معلّقتين بإنزو، كأن الشبح الذي دفنه في الماضي قد عاد... واقفًا حيًّا أمامه.

اقترب إنزو أكثر، حتى أصبح على بُعد خُطواتٍ منه.

بينهما صمت يوشك أن ينفجر.

داريو لم يتكلّم بعد.

وإنزو... اكتفى بأن وقف بثبات، لا ينحني، لا يبتسم، لا يعبّر.

كتفيه العريضين تحرّكا ببطء مع كل شهيق وزفير، وصدره كان كجدارٍ من نارٍ تحت رمادٍ كثيف.

لحظة تلو الأخرى تمر... والمشهد مشدود كوترٍ أوشك أن يُقطع.

ثم... انفرجت شفتا داريو أخيرًا... ببطء.

ببطء... اقترب داريو آل دارسي خطوةً، خطوة لم تكن ثقيلة كما توقع إنزو، بل كانت محسوبة، موزونة، تُخفي خلفها ألف نية.

توقف أمام إنزو مباشرة.

لا كلمة خرجت بعد، فقط نظرات... نظرات رجلين يعرفان الحرب، يعرفان الألم، ويعرفان الأسرار التي لا تُقال.

كان أطول قليلًا... إنزو بدا أضخم، أثقل، كجدارٍ لا يزول.

اقترب داريو آل دارسي خطوةً، خطوة لم تكن ثقيلة كما توقع إنزو، بل كانت محسوبة، موزونة، تُخفي خلفها ألف نية.

توقف أمام إنزو مباشرة.

لا كلمة خرجت بعد، فقط نظرات... نظرات رجلين يعرفان الحرب، يعرفان الألم، ويعرفان الأسرار التي لا تُقال.

داريو كان أطول قليلًا... لكن إنزو بدا أضخم، أثقل، كجدارٍ لا يزول.

ثوانٍ تمرّ... ثم ارتفعت يد داريو، لا لتهجم، بل لتمد أمامه، مصافحًا.

يده القاسية، الخشنة، تقابلها يد أخرى... أثقل، موشومة، تحمل آثار المعارك كوسامٍ لا يُخفى.

صافحه إنزو ببطء، بضغطٍ لم يكن قاسيًا، لكنّه كان يحمل ما يكفي من الهيمنة ليذكّر داريو... أن من عاد ليس شابًا يُدار خلف الطاولة، بل وحشٌ خرج من السجون أكثر دهاءً، أكثر توحشًا.

داريو تحدث أخيرًا، صوته منخفض كهمسٍ يحمل نغمة حادة:

" لم أتوقّع حضورك، بهذه السرعة."

إنزو لم يرد، فقط عينيه كانت كافية... صامدة، ثابتة، باردة.

لحظة طويلة مرت، قبل أن يضيف داريو بهدوء، نبرة أقرب لما قبل العاصفة:

"لكنك أتيت."

وللمرة الأولى... تحدث إنزو، صوته خفيض... خشن... يشبه الحافة التي تُقطّع بها الأشياء:

" تأخرت بما فيه الكفاية."

صمت مجدد.

كان بينهما اتفاق صامت....أرض لا يمكن أن تروى إلا بالدم،

وزواج لم يكتمل...ووعد لم يُنسَ.

وبين الحشود، كانت العيون تراقب دون أن تتدخل.

سحب داريو يده من قبضة إنزو، لم يُظهر توترًا... لكن ارتخاء فكه، وتصلّب عينيه، كشفا أن وجود إنزو أربك الموازين.

تراجع خطوة إلى الوراء، لكنها لم تكن هروبًا... بل كانت مساحة لازمة... لرجلين يعرفان أن الهواء بينهما مشبع بالتاريخ، وبالدم.

قال داريو، بنبرة حادة كحدّ السكين:

" ما زالت تملك هذه النظرة... نظرة الذي لا يرى البشر بل يرى الاحتمالات... والموت."

صمت إنزو.

داريو تابع، ببطء كأنه ينتقي كلماته من بين دخان غليظ:

" ظننت أن السجن سوف يغيرك... أنك ستخرج إنسانًا."

ارتفعت زوايا فم إنزو... شبه ابتسامة.

ابتسامة لا حياة فيها.

اقترب خطوة... صوته خرج هادئًا، متمهلًا، واثقًا، كالسُم حين يُسكب:

" لقد تابعت إمبراطوريتي من خلف القضبان، داريو... هل تظن أن القفص يكسر الأسد؟ هو فقط يعلّمه الصبر."

شهق خفيفة بين المدعوين، لم تكن موجّهة لهما، لكن شيئًا ما تغيّر في الجو.

داريو أمال رأسه قليلًا، رمق إنزو بنظرة تشبه التقييم... ثم قال:

"هل أتيت لتستعيد ما هو لك... أم لتأخذ ما تبقّى لنا؟"

رفع إنزو عينيه، مرّ ببطء بنظرة خاطفة على القاعة... على الأعمدة، على المدعوّين، على الضجيج المغلف بالموسيقى... ثم عاد إلى عيني داريو.

وقال ببساطة... بسكون رجلٍ لا يهدد، بل ينفذ:

" أتيت لأذكّركم... أن ما هو لي، لا يمكن أن يكون لأحدٍ سواي."

تصلّب وجه داريو، ولكن نظراته لم تهتز.

صمت آخر، طويل.

ثم قال داريو ببطء:

"إذًا... بدأنا."

ردّ عليه إنزو دون أن يرمش:

" لا، يا داريو... لقد انتهى زمن البدايات."

صمت الاثنان، كلٌ منهما يعلم... أن الحرب قد لا تبدأ بالسلاح، بل بنظرة... وبخطوة... وبامرأة لا تعرف بعد، أنها الهدف.

Déplier
Chapitre suivant
Télécharger

Latest chapter

Plus de chapitres
Pas de commentaire
4
1
السجن المركزي - نابولي، إيطالياالساعة الخامسة وخمسٌ وأربعون دقيقة صباحًاالسماء كانت بلون الرماد... رمادية باهتة، ساكنة، كأنها خائفة مما على وشك الحدوث.هدوء ثقيل يُطبق على المكان، كما لو أن الهواء نفسه توقف عن الحركة.على بُعد خطواتٍ من البوابة الفولاذية الضخمة، وقف رجلان ببدلات سوداء، رؤوسهم مُنحنية، عيونهم لا تجرؤ على النظر إلى الأمام.كأن شيئًا أكبر من الحياة... وأقرب إلى الموت، على وشك أن يخرج.ثم، تحرك شيء.صوت الآلية الباردة للبوابة، الصرير الثقيل، تقطيع الصمت كأنّه شفرة تُمرّر ببطء على عنق الزمن.الباب فًُتح.ببطء... بثقل... كأن الجحيم نفسه يُفرج عن وحشٍ ظل محبوسًا فيه لثلاث سنوات، ليس لأنه خُدع... بل لأنه كان ينتظر.وخرج.خطوة أولى، عارية، راسخة، يُرافقها صوت احتكاك نعل جلدي بالأرض الإسمنتية.خطوة ثانية، كأن الأرض تُرجّ قليلًا تحت وطأتها.إنزو موريارتي.37 عامًا.وحش لم يُولد من رحم امرأة، بل من عمق الدم والخراب.جسدٌ ضخم، أطول من معظم الرجال، أوسع من أي بابٍ بشري. كتفاه عريضان كجدران قلعة قديمة.عضلات منحوتة بصلابةٍ لا تأتي من التمارين، بل من المعارك.جلده ليس جلد رجل... بل
last updateDernière mise à jour : 2026-04-23
Read More
2
استدارت بيانكا برأسها قليلًا، حاجباها مرفوعان بخفوت، عيناها تائهتان وسط الزحام، تحاول تفسير تلك الرجفة التي زحفت على جلدها بلا مقدمات.لم تفهم لماذا شعرت فجأة بأن شيئًا تغيّر، وكأن الهواء من حولها أصبح أثقل... أكثف... وكأن الزمن تباطأ، ليُجبرها على التحديق في شيء لم تدركه بعد.لم تكن ترى سوى ظهور المعازيم، أكتاف رجال ببدلات داكنة، وظهور سيدات بفساتين فاخرة ولمعان مجوهراتهن، تتراقص تحت الأضواء.جلست بجانب لورينا، لكن أصابعها شُدّت على طرف الفستان دون أن تدرك.لورينا التفتت لها، وعقدت حاجبيها بشيء من العبث:" هل أنتِ بخير؟ شحب وجهك قليلاً."هزّت بيانكا رأسها ببطء، أجفانها تثقلها أفكار لم تتكوّن بعد:" لا أعرف... شعرت فجأة... كأن أحدهم... ينظر إلي."ضحكت لورينا بسخرية خافتة، ومالت نحوها تهمس:" هذا طبيعي في حفل زفاف عائلة آل دارسي... الجميع ينظر، ويُقيّم، ويخطط."لكن بيانكا لم تضحك، بقيت نظراتها متشبثة بشيء خفي، لا تراه... لكنه هناك.ثقيل كأنفاس باردة خلف عنقها.أخذت نفسًا عميقًا، نفضت الفكرة من عقلها، ونهضت ببطء:" سأذهب لأستنشق شيئًا من الهواء."أومأت لورينا دون سؤال، وراقبتها وهي تسير
last updateDernière mise à jour : 2026-04-23
Read More
3
تسللت أنوار المدينة من النوافذ الداكنة للسيارة، وارتدت على ملامحه القاسية كشظايا ضوء مكسور، الليل يفرش ظله الطويل على الطريق، والصمت يلف المركبة الفاخرة بثقلٍ مقدّس، كما لو أن العالم بأسره يمسك أنفاسه.إنزو جلس هناك… جسده الضخم يحتل مساحة المقعد الجلدي، وهي… مستلقية كأنها قطعة زجاج في حضنه، مغمضة العينين، بلا صوت، بلا مقاومة.ذراعه ملتفة حول خصرها بإحكام، والأخرى تمسد خصلات شعرها السوداء بنعومة تناقض ما اقترفته يداه قبل قليل، تناقض الوحش الذي أعلن امتلاكها عنوة… ولكنه الآن، يبدو وكأنه يهدّئ عاصفة اشتعلت داخله.السيارة تنطلق بصمت، بهدوءٍ لا يليق بالدماء التي تُركت وراءهم.كان يحدّق من النافذة للحظات، ثم يعود بعينيه نحو وجهها.الهدوء الذي يكسو ملامحها… الشفاه المنفرجة قليلًا، الرموش الثقيلة التي تسدّ الطريق إلى صدمة لا بد أنها ستنفجر حين تستيقظ.مرت دقائق طويلة… ثم همس، بصوت منخفض بالكاد يُسمع، وكأنه لا يريد لأحد أن يسمعه… ولا حتى نفسه:"بيانكا… لو أنهم لم يكذبوا… لو أنك كنتِ تعرفين منذ البداية… لكنتِ جئتِ إليّ بنفسك."كلمات لم يخطط لقولها.كلمات خرجت من مكان عميق… مكسور… قديم.أسند ظهر
last updateDernière mise à jour : 2026-04-24
Read More
4
تدريب على الصمت.على الغضب البارد.على ضبط النار داخل دمه، حتى لا تنفجر دون هدف.والآن؟ هو هنا.في قصره. وأمام عينيه… تلك الغزالة التي أصبحت زوجته منذ سنوات،دون أن تدري…ودون أن تختار.تنهد ببطء.عيناه لم تفارقها. كأنهما يتغذيان على رؤيتها، كأن فيها خلاصًا ما… أو لعنة.ربما كلاهما.همس لنفسه:"أنتِ لي، بيكولا ميا… بقلبك، أو رغمًا عنه."وغاص في صمته مجددًا… بينما ظل الليل يحتفظ بسرّ اللحظة، وسرّ الوحش الذي قرر أن لا يرحم مرةً أخرى.فتحت الباب الخشبي الثقيل بصمت، وتسللت خطوات إليسا إلى داخل الجناح، كما تفعل حين تدخل عرين وحشٍ لا يجب إيقاظه… رغم أنه ابنها.كانت تحمل بين يديها حزمة صغيرة من الثياب، مغلفة بعناية، تفوح منها رائحة اللافندر… رائحة جولييت، ابنتها.فهي الوحيدة التي تقارب تلك الفتاة في الجسد.ولأنها لم تجد أي حقيبة ترافق تلك المسكينة، فهمت الأمر دون أن يُقال.رفعت عينيها، توقعت أن تجدها وحدها، لكن إنزو… كان هناك،جالسًا، صامتًا، كتمثالٍ منحوت من الرخام والرماد.لم يتحرك حين دخلت، عيناه فقط تحركتا نحوها، نظرة باردة مظلمة كغابة في منتصف الشتاء.تنحنحت بخفوت وهي تقول:"أحضرت لها ب
last updateDernière mise à jour : 2026-04-24
Read More
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status