author-banner
اسراء امين
اسراء امين
Author

Novels by اسراء امين

خطيئته المقدسة

خطيئته المقدسة

يقولون إن الجهل نعمة... لكن جهلي كلفني روحي. ثماني سنوات، وأنا أعيش حرة... أو هكذا ظننت. ثماني سنوات، واسمي مكتوب بجانب اسمه في وثيقة لا تحمل توقيعي. ثماني سنوات، وأنا أجهل أنني مُلك لرجل لا يعرف الرحمة، لرجلٍ يُشعل الحروب بنظرة، ويُنهي حياة بلمسة. رجُلٌ لا يشبه الرجال، يقف كتمثال من جليد، بعينين داكنتين كأنهما تحترفان القتل، وبملامح نُحتت من الخطيئة والعذاب. لم يخترني. ولم أختره. لكن دمي كُتب باسمه منذ لحظة لا أتذكّرها. أُخفي عني اسمه، كما أُخفي عني مصيري. قالوا إنني طاهرة، وإن الطهارة لا تُمنح للوحوش. لكن أحدهم كذب. لأنني الآن... زوجة الوحش ذاته. إنزو موريارتي. اسم لا يُقال همسًا. رجل لا تُروى سيرته إلا في مجالس الدم، ولا يُذكر لقبه إلا حين تنقطع الأنفاس. القديس الدموي. من قال إن الجحيم مكان؟ الجحيم... رجل. وهو ينتظرني.
Read
Chapter: 38_ النهاية.
تراقص ضوء الشمس الذهبي على أرضية الغرفة، يتسلّل من بين ستائر الكتان الثقيلة التي لم تغلق بالكامل.وامتزج دفء الأشعة الخفيفة برائحة عطر اللافندر التي عبقت في الأرجاء، رائحة كانت لسنوات طويلة رمزًا لبيانكا… المرأة التي كبرت عشر سنوات في عمر، لكنها كبرت عمرًا كاملاً في قلب إنزو.كانت واقفة أمام المرآة الطويلة، تمسك بأطراف فستانها الكريمي الناعم، شعرها الطويل مربوط بإتقان للخلف، أما عيناها العسليتان، فامتزج فيهما إرهاق الأيام… مع شيء من السكينة."عشر سنوات، يا بيانكا…"تمتمت لنفسها، وهي تضبط زرًا ناعمًا عند كتفها.ثم أدارت رأسها ببطء نحو الطاولة الجانبية، حيث وُضعت صورتان:الأولى، لحظة حملها ليا ولورا للمرة الأولى، والثانية، ملوّنة… يوم ولدت ابنها الصغير، إليو.طرقات خفيفة على الباب قاطعت سكون اللحظة."ماما؟ هل أنتي جاهزة؟"جاء صوت لورا من الخارج، رقيقًا، لكنه يحمل صرامة لم تكن تخفى على بيانكا.أجابت بابتسامة، وهي تتجه نحو الباب:"دقيقة واحدة فقط، يا قلبي."فتحت الباب… وكانت ليا تقف هناك، فستانها الوردي يلمع تحت الضوء، شعرها الطويل الكستنائي مربوط بشريط ناعم، ووجهها… وجهها كان مرآة لبيانك
Last Updated: 2026-05-31
Chapter: 37
كانت الغرفة مضاءة بأنوار خافتة، وأنجيلا تتنقل بخفة بين الأمتعة الطبية والحقيبة التي أُعدّت مسبقًا، تحقق من كل شيء للمرة الرابعة أو الخامسة، بينما بيانكا مستلقية على الأريكة، رأسها يستند على وسادة مائلة، وبطنها المتكور يتحرك بخفة تحت قماش فستان النوم القطني.إنزو كان يجلس على الطاولة خلفها، ينقر بأصابعه على الهاتف المحمول، يبدو منشغلًا، لكنه في الواقع يراقب كل حركة تتنفس بها.قطعت بيانكا الصمت بصوت ناعم:"هل… هل اخترت لهما اسمين؟"توقفت أنجيلا عن الحركة، ورفعت عينيها إليه، مبتسمة خفية، بينما ظل إنزو على حاله لحظة، ثم نهض واقترب منها.جلس إلى جانبها، على الأريكة، يضع رأسه أمام بطنها."كنت أريدكِ أن تقولي أولًا... ما الذي تحبينه أنتِ، بيكولا ميا." قالت ببطء، وعيناها تغيم بهدوء:"أريد اسمًا ناعمًا… أنثويًا… لكنه قوي."ثم نظرت إليه، وهمست:"قوي مثلك…"ابتسم."كنت أفكر في ليا…""ليا؟" ردت، وجربت الاسم على لسانها."قصير… لكنه لطيف.""ومعناه النور… أو المضيئة."أومأت، وكأن اسمًا استقر في قلبها فجأة."وللأخرى؟""أريد اسمًا يحمل صلابة، شيء يشبهك حين تغضبين منّي."ضحكت بخفة، ثم سألته، تحدق في
Last Updated: 2026-05-31
Chapter: 36
بعد ساعات من بكاءٍ متقطع ورفض للطعام والماء والحديث، خلَت الشقة من صوتها، لكن لم يكن أحد يجرؤ على الهدوء… في غرفة النوم، كانت بيانكا ممدّدة على جانبها، وجهها مضغوطٌ على الوسادة، تحتضن بطانية صغيرة خفيفة، بينما الوسادة الأخرى ملقاة أرضاً.عيونها متورمة، ورغم تعبها، لم تستطع النوم. الجنين في رحمها كان نشطًا هذا اليوم، ركلات خفيفة هنا وهناك تشعرها بالحنان والخوف والضعف… وكل شيء في آنٍ واحد.طرقة خفيفة على الباب، ثم دلفت أنجيلا بهدوء، حاملةً صينية خشبية فوقها كوبان:واحد من مشروب الزنجبيل بالعسل، والآخر كوب ماء وقطعة بسكويت بالتمر.اقتربت منها بهدوء وجلست على الطرف البعيد من السرير."السيدة فالنتينا نائمة في الغرفة المجاورة… والسيد إنزو نزل للمكتب تحت، قال إنه سيصعد بعد قليل."بيانكا لم تجب، لكنها فتحت عينيها قليلاً."أعددت لكِ المشروب الذي تحبينه، من النوع الذي شربت الأسبوع الماضي وقلتِ إن رائحته تُشبه حضن أمك."هزّت بيانكا رأسها بخفة، ثم قالت بصوت مبحوح:"أنا لستُ مجنونة… أليس كذلك؟"أنجيلا ابتسمت ابتسامة حزينة:"أنتِ فقط… حامل بتوأم، في شهرٍ عصيب. والجميع من حولكِ يحبكِ، حتى إن بدا أنه
Last Updated: 2026-05-31
Chapter: 35
في قصر آل موريارتي، كانت الزيارة الأسبوعية تبدأ باعتياد… المعتاد هذا، يعني سيارات حراسة، عيون تراقب، وجولييت الصغيرة التي تُنقّب الأخبار، وإليسا التي تصنع الشاي بخمس نكهات مختلفة، لأنك لا تعرف أبدًا أي نكهة قد تقتل أو تُرضي بيانكا اليوم.لكن في هذا اليوم… جاءت السيارة متأخرة خمس دقائق، وفي داخلها، كان إنزو يجلس متجمّد الملامح، وبيانكا توبّخه بصوتٍ متصاعد:"خمس دقائق تأخير؟ خمس! هل تعرف ماذا يعني هذا لجسدي؟ كنت سأتبول على المقعد يا إنزو!"ردّ بهدوء:"كنا نحتاج للتوقف بسبب نقطة تفتيش، لا يمكنني اختراق حاجز شرطة فقط لأنكِ..."قطعت كلماته بحدّة:"لا تكمّل الجملة... لأنني حامل؟! لا، أكملها، تجرّأ!"في الخلف، كانت أنجيلا تحاول فتح نافذة صغيرة… للهرب… أو للانتحار.دلفوا إلى الداخل، وفي الصالة الكبرى، وقفت إليسا بابتسامة عريضة، جولييت خلفها، بينما لورينزو ولوكا وفينشنزو يجلسون كأنهم في جنازة.وما إن اقتربت بيانكا، حتى تقدمت إليسا بخطوة وقالت:"أعددت لكِ كيك الشوكولا كما تحبين، به مسحوق لوز خفيف—"رفعت بيانكا حاجبها:"اللوز؟ ألم أقل المرة الماضية أنه يجعلني أشعر أنني أختنق؟"جولييت تمتمت في ال
Last Updated: 2026-05-31
Chapter: 34
كان صمت السيارة ثقيلًا… كأن المقاعد نفسها تتنفس ببطء.جلست بيانكا بجانب إنزو، يده على فخذها، وعينيه ثابتتين إلى الأمام. لم يكن يتحدث، لكن أصابعه كانت تتحرك ببطء فوق قماش فستانها كأنها تطمئنها أو تُذكرها أنه موجود، أنه معها، أنه لن يسمح لأحد أن يلمسها… حتى بعينيه.من أمامهم، خمس سيارات مصفحة تتقدم الطريق نحو قصر آل فيرّيني، ومن خلفهم ثلاث أخرى. نوافذ معتمة، وأجهزة اتصال تردد أسماء المواقع، وأوامر مُشفرة لا يُفهم منها شيء… سوى أنها تعني شيئًا واحدًا: لا أحد يقترب من سيارة الزعيم وزوجته.أما بيانكا، فقد جلست شاردة إلى النافذة، تنظر إلى أضواء المدينة التي تمر كأطياف سريعة.كانت ترتدي فستانًا خُصص لها، خيطته خياطة إيطالية مشهورة أتت خصيصًا إلى البنتهاوس قبل أيام.قماشه من الشيفون الفرنسي الفاخر بلون الأزرق الملكي، بلا أكمام، فتحة رقبة ناعمة على شكل قلب، وخط خصر عالٍ يُبرز الجزء العلوي من جسدها برقة.أُرفق الفستان من الأسفل بطبقات ناعمة شفّافة تتحرك مع خطواتها كأمواجٍ رقيقة، لم يكن واسعًا يخفي بطنها، كما أرادت… ولم يكن ضيقًا يصرخ بالحقيقة كما أراده إنزو.بل كان بين ذلك وذاك.وبينما هي ساكنة
Last Updated: 2026-05-31
Chapter: 33
انغلقت باب الشقة بهدوء خلف أنجيلا، وارتد صدى خطواتها في الردهة المؤدية للمصعد قبل أن يتلاشى تمامًا.في الداخل، خيم الصمت للحظات.وقفت بيانكا أمام الطاولة، تمسك بكوب الماء بين يديها، تشعر بدفء الكوب لا من حرارته… بل من أناملها المرتجفة قليلًا. لم تكن تعرف هل من التعب؟ من التغيّرات؟ أم من كونه لا يزال هناك، يرمقها بصمتٍ يجلدها ويعريها دون كلمة؟إنزو جلس على الأريكة، مائلًا بجسده للأمام، مرفقيه مستقرّين على ركبتيه، ويداه متشابكتان أمامه، وعيناه مثبتتان عليها.قالت أخيرًا، بصوت منخفض:"أتعلم… لم أتخيل أن أرى نفسي في هذا المكان يومًا."رفع حاجبه دون أن يرد، فتابعت:"مكان مرتفع جدًا… فخم جدًا… لكنه يخيفني قليلاً."صمت.فأكملت وهي تبتعد عن المائدة، تتجه ببطء نحوه، كل حركة منها حذرة، كما لو أنها تخطو فوق زجاجٍ مهشّم:"ليس لأنني لا أريده… بل لأنني أخاف من الارتباط بشيء… ثم أفقده."نظرت إلى الأريكة بجانبه، فتردد لحظة، ثم أشار برأسه إليها، وكأنه يقول تعالي… لا تتحدثي من بعيد.جلست بصمت، قربه، ليس تمامًا ملتصقة، لكنها أقرب مما اعتادت أن تكون حين تكون غاضبة منه.ثم همست:"إنزو… أحيانًا لا أفهم نفس
Last Updated: 2026-05-31
تحت جناح الجزار

تحت جناح الجزار

في عالمٍ تحكمه الدماء، والتحالفات تُكتب بالبندقية والخيانة، تجد إيزابيلا روستوف، الابنة الذكية والهادئة لزعيم المافيا الإسبانية، نفسها في قلب عاصفة لا تهدأ. بعد سنوات من العداء الدموي بين عائلتها و"البراتفا" الروسية، تفرض الحربُ نفسها على الأبواب... حتى يُبرم اتفاق سلام مشروط بزيجة لا تشبه أي زواج آخر. زوجها؟ ميخائيل مالكوف، الملقب بـ"جزار البراتفا"، رجل لا يرحم، تنحني أمامه أعمدة السلطة في روسيا... رجل لا يعرف الشفقة، ولا يسمح بالاقتراب. عقد زواج كُتب بالحبر... لكنه موقَّع بالدم. من قصور إسبانيا المغمورة بالشمس إلى قلاع موسكو الجليدية، تُساق إيزابيلا إلى عالم مظلم لا يرحب بالغرباء، تحيط به الأعداء من كل صوب، وتكمن فيه الأسرار خلف كل باب مغلق... حتى زوجها نفسه يخفي أكثر مما يُظهر. لكن... ما لا يعرفه "جزار البراتفا" أن إيزابيلا ليست مجرد دمية سلام... بل هي عاصفة ناعمة، تقاتل بعقلها وحدسها، وتنتظر لحظتها. بين الكراهية والصمت، تنبت مشاعر لم يكن لها أن توجد. بين الثلج والنار... يولد شيء آخر.
Read
Chapter: 10
تناولا طعامهما بهدوء، ومع كل دقيقة تمر، بدا وكأن طبقات الجمود بينهما تتآكل ببطء، كما لو أن صمت الماضي وندوب الأرواح بدأت تفسح المجال لسكينة خجولة.كانت إيزابيلا ترفع عينيها نحوه بين الحين والآخر، تراقب تفاصيل وجهه وهو يأكل بصمت. قسماته كانت أقل قسوة الآن… أقل وحشية. ربما كانت أشعة الشمس تفعل ذلك، أو ربما هو حقًا… مختلف.قالت وهي تمسح زاوية فمها بمنديل من الكتان:ـ "لم أتخيلك يومًا تجلس على طاولة كهذه، وتتناول شوربة ساخنة في مطعم صغير."أجاب بهدوء دون أن يرفع نظره عنها:ـ "لم أتخيل نفسي يومًا أُجبر على الزواج… ثم أجد في ذلك إجبارًا راحة."نظرت إليه طويلاً. كلماته خرجت صادقة، خالية من التزييف.ـ "هل أنت نادم؟" همست بها، مترددة قليلاً.رفع عينيه ببطء، وحدق في عينيها دون أن يجيب فورًا، ثم قال:ـ "كنت غاضبًا في البداية… من الاتفاق، من الظروف، منكِ حتى. لكن الآن؟ لا. لا أعتقد أني نادم."انخفض صوتها أكثر:ـ "ولا حتى بعد ما حدث ليلة الزفاف؟"تغيرت ملامحه قليلًا، كأنه استدعى ذكرى مؤلمة. تنفس ببطء، ثم قال:ـ "تصرفت حينها كرجل بلا قلب… لكني لم أكن بلا عقل. رأيت كيف وقفتِ بثبات، كيف رددتِ عليها ب
Last Updated: 2026-06-10
Chapter: 9
بعد أن رحل ميخائيل بهدوء من الجناح، بقي عبق اللحظة في الهواء، يلامس أنفاسها كما لو أن حضوره لم يغادر بعد. كانت الشمس قد ارتفعت قليلًا، تبعثر خيوطها الذهبية على أرضية الغرفة الهادئة، بينما ظلت إيزابيلا جالسة على طرف الفراش، عيناها تائهتان في نقطة بعيدة على الجدار المقابل، لا تنظر إليه حقًا... بل تعود في ذاكرتها إلى الليلة الماضية.وضعت يدها على كتفها، حيث كان ذراعه يحوطها، شعرت بسخونة وهمية لا تزال عالقة، وخفق في صدرها لم تعرف له تفسيرًا. لم تكن معتادة على هذا النوع من الصمت المريح، الصدق الذي لا يحتاج إلى كلمات. ميخائيل لم يكن قاسيًا، لم يكن متسلطًا... بل كان حقيقيًا. لحظة واحدة جعلتها تتساءل: من هو الرجل الذي شاركها هذا السكون؟ وهل كانت تعرفه فعلًا؟نهضت بهدوء، وتقدّمت إلى النافذة. فتحتها قليلًا، فاندفعت نسمة ناعمة تحمل معها رائحة الصباح الندية، وهدأت شيئًا ما في صدرها. سحبت نفسًا عميقًا، ثم أغمضت عينيها للحظة.كان اليوم قد بدأ... لكنها لم تكن بعد مستعدة له.وقفت إيزابيلا أمام النافذة، شاردة، تتأمل الحديقة الهادئة التي بدأت تستفيق مع أولى خطوات الشمس. أوراق الأشجار تتحرك بخفة مع نسما
Last Updated: 2026-06-09
Chapter: 8
تقدّما بخطى ثابتة داخل القاعة الواسعة. كانت الإضاءة خافتة وأنيقة، تنعكس على الأرضية السوداء اللامعة، وتُضفي على الجو رهبة متعمدة. رائحة السيجار الراقي امتزجت بعطرٍ ثقيل قادم من المقاعد الأمامية، حيث كان يجلس عدد من الرجال ذوي الوجوه الجامدة والعيون المتفحصة.كان الجو داخل القاعة مختلفًا عمّا توقّعته. المكان لم يكن مجرد غرفة عشاء فاخرة—بل كان مشهدًا مرسومًا بعناية لعالم لا يرحم. رجال ونساء من طبقة السلطة المظلمة، وجوه مألوفة لبعضهم، وأخرى جديدة تراقب بتربص. بعضهم قادة عصابات، آخرون رجال أعمال بواجهات نظيفة وقلوب غارقة في الجريمة، وكلهم يرتدون تلك الأقنعة الاجتماعية التي تُخفي شيئًا أشد من الرصاصة وأكثر فتكًا.كانت يد ميخائيل ثابتة على ظهرها، يوجّهها نحو الطاولة المخصصة لهما، وكل من في المكان ينتبه إليهما. ليس فقط لأنه "الباخان"، بل لأنها هي، الإسبانية التي أخذت مكانًا لم يكن لها، والتي يتناقل عنها الحضور همسات مشككة.وفي تلك اللحظة، وقعت عينا إيزابيلا على وجه مألوف... شابة ذات شعر بني غامق وشفاه دقيقة ملتوية بسخرية مألوفة. ليديا، ابنة سيرجي نيكولايف. ذات الفتاة التي حاولت إهانتها يوم ا
Last Updated: 2026-06-08
Chapter: 7
الليل في القصر كان أكثر صمتًا من المعتاد. الثلج بدأ يتساقط بخفة، ناثرًا بياضه على النوافذ الزجاجية الواسعة. لكن جناح ميخائيل لم يكن ساكنًا كعادته… كان أشبه بعش دخان يعج بأفكار سوداء لا تهدأ.جلس على المقعد الجلدي الداكن في مكتبه، وحده، كأس نصف ممتلئ بوسكا بين يديه. لم يشربه. فقط راح يُديره بين أصابعه، وكأنه يعيد ترتيب توازنه عبر زجاج الكأس.وجهها لم يختفِ عن باله. ولا صوتها.نبرتها كانت صلبة… رغم أنها خافت.تلك اللحظة حين نظرت إليه وقالت:«كل ما تملكه مني، هو أنني سأحترم مكانتك كباخان، لا أكثر."جعلته يتوقف. هو، الذي لا يتوقف.كم امرأة رفعت صوتها عليه من قبل؟ لا واحدة. حتى حين كان يُصدر الحكم بالموت، كانوا يهمسون توسلاً، أو يصمتون... أو ينهارون.إلا هي.رفع بصره ببطء نحو صورة والد والده المعلقة في الجدار. زعيم البراتفا الأول، الرجل الذي لم يبتسم في حياته إلا حين أحرق خائناً حيًا أمام المجلس.همس لنفسه:«كانت ستجعل أمي تبدو كراهب في دير.»نهض واقفًا، وأخذ نفسًا طويلاً. لم يكن غاضبًا كما توقع. بل كان متوتراً… بشكل لم يفهمه. كأن شيئاً ما داخله يحاول أن يقرر: هل يبتلعها؟ أم يحميها؟هو لم
Last Updated: 2026-06-07
Chapter: 6
في الحديقة الخلفية للقصر، كان النسيم البارد يلامس وجنتيها بخفة، وعبق الأرض الروسية يختلط بعبير الزهور المزروعة بعناية على طول الممرات. جلست إيزابيلا على مقعد خشبي مطل على بركة ماء ساكنة، وقد وضعت دفتر رسم على ركبتيها، وأمسكت قلم الفحم بين أصابعها النحيلة.كانت صامتة، تحدق في صفحة بيضاء لم ترسم فيها بعد. لم تكن تعرف ما الذي ترغب في رسمه، لكنها كانت بحاجة إلى هذه العزلة، إلى هذه المساحة من الصمت داخل هذا العالم المليء بالعيون المراقبة والقلوب المشحونة.رفعت رأسها ببطء، عينيها تتفحصان أطراف الحديقة، الجدران العالية، والأشجار الصنوبرية التي تلامس السماء الرمادية. كل شيء بدا غريبًا عنها، كأنها ضيفة مؤقتة في مسرح صامت.صوت خطوات خفيفة جعلها تنتبه.استدارت ببطء، لتجد ديمتري واقفًا على بُعد خطوات منها، يضع يديه في جيبيه، وعيناه تراقبانها بفضول خافت. لم يكن عدائيًا، لكنه لم يكن ودودًا أيضًا.قال بالروسية وهو يميل برأسه قليلاً:«لم أكن أعلم أن زوجة الباخان ترسم.»أجابت دون أن تبتسم، وهي تغلق دفتر الرسم:«هناك أشياء كثيرة لا تعرفونها عني بعد.»اقترب قليلاً، ونظر إلى دفترها المغلق، ثم قال:«هل تخ
Last Updated: 2026-06-06
Chapter: 5
كانت أبواب المطار الخاصة قد فُتحت على مصراعيها تحت وقع خطوات ميخائيل الثقيلة، وخلفه إيزابيلا تسير بهدوء، رأسها مرفوع ولكن عينيها تراقبان كل شيء.الهواء الروسي كان قاسيًا، جافًا وباردًا. لفحتها أولى نسماته كصفعة، ومع ذلك لم تهتز. معطفها الثقيل بالكاد تصدى للبرد، لكنها وقفت بثبات.كان في انتظارهم صفٌ من الرجال... رجال البراتفا. جميعهم يرتدون الأسود، معاطف طويلة، وجوه صارمة ونظرات لا ترحم. كل رجل فيهم كان يحمل في ملامحه شيئًا من العنف المكبوت والانضباط العسكري.وحين اقترب ميخائيل، انقسم الصف إلى نصفين في حركة مدروسة، واصطفوا على الجانبين بانضباط جندي. ثم، وبحركة موحدة، انحنوا له انحناءة خفيفة.قال أحدهم بصوت جهوري:— "Добро пожаловать домой, Pakhan."— أهلاً بعودتك إلى المنزل، باخان.إيزابيلا لم تجهل الكلمة. باخان… تعني الزعيم.نقل الرجال أنظارهم نحوها، بفضول وحيطة، وبعض التوتر غير المعلن. كانت هي، "العروس الإسبانية"، "الهدنة المجسدة"، "التهديد المحتمل"، لكنهم جميعًا التزموا الصمت... فقط نظراتهم تحدثت.ثم تقدم رجل بدا أكبرهم سنًا بخطوات محسوبة، اقترب من ميخائيل، وانحنى قليلاً باحترام:—
Last Updated: 2026-06-05
 بين أنياب البراتفا

بين أنياب البراتفا

لا أحد يقترب مني دون أن يُخدَش. ولا أحد ينجو إن قرر الوقوف في وجهي. أنا لا أُهدد... أنا أنفذ. ولطالما كان الصمت لغتي، والدم عنواني. اعتدت أن أكون الظلّ الذي يُخيف، الذئب الذي لا يرفع صوته... لكنه يهاجم حين يُستفَز. ذراعي اليمنى كانت لسحق من يتجرأ، ويدي اليسرى لحماية من يخصّني. لكنها... كانت استثناءً لم أضعه في حساباتي. كاترينا آل رومانوف. الطفلة التي كانت تلهث خلف حضني ذات زمن. وعادت امرأة... تحمل نفس العيون، لكن بنظرة لا أنساها. لم أعد أراها كما كانت. ولم تعد تراني كما كنت. أنا... ديمتري مالكوف. وهي الشيء الوحيد الذي جعلني أتساءل إن كنت لا أزال أتحكم في كل شيء... أم أن شيئًا ما بدأ ينفلت من بين يدي. *. *. *. *. لم أطلب شيئًا منهم. لا لقبًا، ولا حماية، ولا زواجًا من ابن عمٍ لا أعرفه. كل ما أردته هو الهرب... من الأسماء، من القيود، من الماضي الذي لم يكن لي، لكنه حُفر في جلدي. عدت... لا لأخضع، بل لأصنع مكاني بنفسي. باسمي، بعقلي، لا باسم العائلة ولا دمها. لكن... ثمّة شيء لم أستطع الهرب منه. ديمتري آل مالكوف. الرجل الذي سحبني من طفولتي إلى صمته، ثم تخلّى عني كأنني لم أكن. والآن... عاد. بعينيه اللتين لا تشفقان. وبكلمة واحدة فقط، أعاد كل ما دفنته. أنا لا أصدق بالقدر. لكن هناك لحظات... تجعلك تتساءل
Read
Chapter: 12
لم تكن كاترينا تعرف كيف مضى الوقت داخل السيارة، لكنها كانت تدرك تمامًا أنها لم تُغمض عينيها للحظة.جلست بصمت إلى جواره، في المقعد الخلفي للسيارة السوداء الثقيلة، بينما كان ديمتري يجلس بجانبها، ساكنًا كصخر الجبال الروسية… متجهّم الملامح، يُحدّق في الطريق المظلم أمامهم كأنه يسير نحو ساحة معركة، لا منزل.كان الليل الروسي قد انغمس في برودته القارسة، والضباب يزحف على أطراف الزجاج، يُرسم عليه أنفاسها الخافتة كلما زفرت بلا وعي.الثلج بدأ يهبط من السماء كأن الشتاء قرر الاحتفال بزفافها أيضًا… أو ربما عزاءه.أطراف أصابعها متجمدة داخل قفازها، رغم أن التدفئة تعمل. لكن البرد لم يكن يأتي من الخارج فقط.بردٌ آخر كان يحتل صدرها… برد الرهبة واللا يقين.ألقت نظرة جانبية نحوه.لم يتحرك منذ لحظة خروجهم.وجهه مشدود، حاجباه منعقدان، ونظراته لا تغادر الطريق، كما لو أنه يُعد نفسه لشيء قادم… أو يُخفي شيئًا لا تودّ أن تعرفه."هل أنتِ بخير؟"قالها بصوته العميق، فجأة، دون أن يلتفت.ترددت. لم تكن تتوقع السؤال، ولا تملك له إجابة حقيقية.لكنها تمتمت بصوت منخفض:"أشعر بالبرد قليلاً."كان ذلك كذبًا جزئيًا. كانت تشعر
Last Updated: 2026-06-09
Chapter: 11
كانت الشمس قد ارتفعت، لكنها بدت بعيدة... باهتة... كأنها تنظر للبيت من بعيد، ولا تجرؤ على الاقتراب.داخل جناحها، جلست كاترينا على طرف الأريكة المخملية، بملابس النوم البيضاء التي اختارتها لها والدتها خصيصًا لهذه المناسبة.شعرها المربوط بخفة كان ما زال ناعمًا من تأثير الحمام الدافئ،ورأسها... مليء بالضجيج.خائفة؟ نعم.متوترة؟ نعم.لكنها لم تكن جبانة. لم تكن لتتراجع الآن.منذ الفجر وهي مستيقظة... تنظر إلى السقف، تحاول التنفس.تُقنع نفسها أن الأمر مجرد حفل... مجرد مراسم.لكن عقلها لا يتوقف عن تكرار الحقيقة الوحيدة:"اليوم... ستصبحين زوجته."لم تكن تعرف ما إذا كان ذلك مطمئنًا أم مفزعًا.طرقات خفيفة على الباب قطعت أفكارها، ثم دخلت والدتها، بابتسامة متوترة."صباح الخير، حبيبتي... هل نمتِ قليلًا؟""لم أستطع."أجابت كاترينا بصوت خافت، وهي تشيح بعينيها.اقتربت الأم، جلست بجانبها، أخذت يدها بين يديها الدافئتين."أعرف أن قلبكِ ليس مطمئنًا... لكن كل شيء سيكون بخير. ديمتري... رجل صعب، نعم، لكن لا أحد يستطيع حمايتكِ مثله."لم تجب. لم تستطع.دخلت زويا بعدها مباشرة، بابتسامة متحمّسة، وهي تحمل صندوقًا ك
Last Updated: 2026-06-06
Chapter: 10
استفاقت على شعور ثقيل، كأن رأسها محشوّ بالرصاص.أجفانها ترفض الانفتاح بالكامل، وجسدها مُلقى على السرير كما لو أنه أُسقط عليه دون إرادتها.ضغطت أناملها على جانب جبينها… ألم. ألم نابض خلف عينيها مباشرة. ذلك النوع من الألم الذي لا يُخففه ضوء… بل يزيده."ما الذي…؟"تمتمت بصوت خافت بالكاد خرج منها.حاولت تذكر كيف وصلت إلى هنا… منزل صوفي؟ النبيذ؟ ضحكات متقطعة؟ وبعد ذلك .... صوت.صوت ثقيل، مألوف… نظرة حادة، يد قوية… ديمتري؟شهقت بصمت. نعم… لقد جاء.جلست ببطء على السرير، تغطّي نفسها بالبطانية البيضاء، والواقع يتسلّل إليها كالماء البارد.لقد نامت على أريكة بيت صوفي، مخمورة بالكاد تعرف اسمها،واستيقظت هنا… في سريرها. في قصر آل رومانوف."لقد أخذني…!"همست بالكلمات وكأنها اعتراف، أو فضيحة.لقد حملها ديمتري إلى هنا.دفنت وجهها بين راحتيها، الشعور بالحرج والخوف والارتباك اجتاحها دفعة واحدة.كأن كل شيء خرج عن السيطرة…بل هو خرج فعلًا.أزاحت البطانية عن جسدها ببطء، وقفت أمام المرآة الكبيرة.وجهها شاحب، عيناها متورمتان قليلًا من قلة النوم، وشعرها فوضوي.لكن الأسوأ من كل ذلك… هو ذلك الشعور العالق في صدر
Last Updated: 2026-05-22
Chapter: 9
ظلّت واقفة، لم تتحرّك.الهواء حولها كان كثيفًا… كأنّ الأوكسجين ذاته صار عبئًا على رئتيها. عيناها عالقتان على الباب الذي خرج منه… وكأنهما تتوسّلان إليه أن يعود… أو لعلّهما تتوسّلان ألا يفعل أبدًا.الزفاف… بعد أسبوعين.كرّرت الكلمة داخل عقلها، صوت ديمتري لا يزال يرنّ في أذنيها كصفعةٍ لم تتعافَ منها بعد.أسبوعان.أسبوعان فقط، وتُصبح… زوجته."زوجة ديمتري آل مالكوف…؟"همست بها كأنها تتذوّق السمّ بلسانها.مشاعرها ممزّقة، قلبها يدقّ بقوة، ببطء، ثم بسرعة.ضياع. ارتباك. خوف. وغضب خام.لقد قرر عنها. أعلن الأمر. ولم يترك لها مساحة للرفض، ولا حتى للاختيار. أعلنها أمامها، كأنها مُلكٌ له… كأنها صفقة حُسمت."أناني... وقاسٍ... ومخيف."همست وهي تغمض عينيها.لكنها حين فتحتها، كانت الدموع قد تراكمت… على حدود لا يجب أن تتجاوزها.لم تسمح لها بالسقوط. ليس الآن. ليس بسببه.كيف يمكن لرجل أن يُشعل حريقًا في قلبها، ويتركها تحترق وحدها؟ كيف تكرهه الآن… بينما قلبها لا يزال ينبض به؟ كيف تخاف منه… بينما جزء منها لا يريد لأحدٍ سواه أن يلمسها؟جلست على الأريكة خلفها، يداها في حجرها، وصدرها يعلو ويهبط.هل كان هذا حبً
Last Updated: 2026-05-19
Chapter: 9
استيقظت قبل أن يوقظها أحد.أو لعلها لم تنم حقًا.مجرد ساعتين من نوم متقطع… كانت كافية لتشعر أن جسدها لم يغادر عبء اليوم السابق، بل حمله معه إلى هذا الصباح.جلست على طرف سريرها، أقدامها الحافيتان لامستا الأرضية الباردة، ويداها تغطّيان وجهها للحظة… ثم سحبتهما بتنهيدة ثقيلة.كأن الهواء داخل الغرفة ثقيل، خانق، مشبّع بشيء لا يُرى… لكنه يُشعر.مشطت شعرها بأصابعها ببطء، دون أن تنظر إلى المرآة.لم تكن تملك الطاقة الكافية لتواجه حتى انعكاسها.نهضت ببطء. خطواتها إلى الحمام كسولة، مترددة، كأنها تخشى أن يختبئ خلف كل زاوية… خبر سيء.غسلت وجهها بماء بارد، أكثر برودة مما توقعت، أرادت أن توقظ شيئًا في داخلها… شجاعة ربما، أو حدة تركيز فقدتها.بينما كانت تجفف وجهها بالمنشفة القطنية البيضاء، حدقت في المرآة أخيرًا.عيناها زرقاوان… لكن لم يكن فيهما أي بريق.تلك لم تكن عينا فتاة نامت على يقين، بل عينا امرأة تنتظر مصيرًا لا تدري من أي باب سيقتحمها.ارتدت رداءً منزليًا حريريًا، وشدت خصره بشريطه الساتر.ثم وقفت للحظة أمام نافذتها، تراقب الحديقة التي كانت مغطاة بندى الصباح. كل شيء بدا طبيعيًا… كاذبًا.حتى الطي
Last Updated: 2026-05-17
Chapter: 8
الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا.الجدران سميكة، النوافذ مغلقة، والحرس خارج القاعة أكثر من المعتاد.المائدة الطويلة كانت ممتدة في المنتصف، من خشب داكن يشبه الظلال التي تسكن المكان.على يمين الطاولة جلس ميخائيل مالكوف، الزعيم، وذراعه اليمنى ديمتري إلى جواره.هادئ، صامت، لكن نظرته تُذيب الحديد.على الجهة المقابلة، جلس فياتشيسلاف وابنه إلياس، الجمر المتقد في أعينهما يكشف عن غضب لا يهدأ.وفي مقدمة الطاولة، جلس أندريه رومانوف... رأس العائلة، وعيناه ثابتتان على الجميع، بينما جلس ابنه أدريان إلى جواره، كتفاه مشدودتان، كأن انفجارًا سيقع.الصمت ساد للحظات.حتى قال أندريه بصوت خافت، لكنه قاطع:"فلنبدأ."تنحنح أحد رجال البراتفا، رجل نحيل يرتدي الأسود:"الهجوم الذي نُفّذ على رجال البراتفا أمس، وعلى شحناتهم، لم يكن خفيفًا. كان واضحًا ومقصودًا. والفاعل معروف."رمق ديمتري إلياس بنظرة واحدة فقط.لا تهديد، لا غضب، فقط... نظرة.إلياس ضغط على كفيه، ثم قال:"لقد تصرّف قبل أن تُحسم الأمور. قبل أن أُمنح أي احترام كخطيب رسمي. ما فعله كان إعلان حرب، أنا فقط رددت عليه."أدريان رفع حاجبه:"رددت؟ أنت هاجمت شحنات
Last Updated: 2026-05-15
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status