Share

4

last update publish date: 2026-04-24 02:06:38

تدريب على الصمت.

على الغضب البارد.

على ضبط النار داخل دمه، حتى لا تنفجر دون هدف.

والآن؟ هو هنا.

في قصره.

وأمام عينيه… تلك الغزالة التي أصبحت زوجته منذ سنوات،

دون أن تدري…ودون أن تختار.

تنهد ببطء.

عيناه لم تفارقها. كأنهما يتغذيان على رؤيتها، كأن فيها خلاصًا ما… أو لعنة.

ربما كلاهما.

همس لنفسه:

"أنتِ لي، بيكولا ميا… بقلبك، أو رغمًا عنه."

وغاص في صمته مجددًا… بينما ظل الليل يحتفظ بسرّ اللحظة، وسرّ الوحش الذي قرر أن لا يرحم مرةً أخرى.

فتحت الباب الخشبي الثقيل بصمت، وتسللت خطوات إليسا إلى داخل الجناح، كما تفعل حين تدخل عرين وحشٍ لا يجب إيقاظه… رغم أنه ابنها.

كانت تحمل بين يديها حزمة صغيرة من الثياب، مغلفة بعناية، تفوح منها رائحة اللافندر… رائحة جولييت، ابنتها.

فهي الوحيدة التي تقارب تلك الفتاة في الجسد.

ولأنها لم تجد أي حقيبة ترافق تلك المسكينة، فهمت الأمر دون أن يُقال.

رفعت عينيها، توقعت أن تجدها وحدها، لكن إنزو… كان هناك،

جالسًا، صامتًا، كتمثالٍ منحوت من الرخام والرماد.

لم يتحرك حين دخلت، عيناه فقط تحركتا نحوها، نظرة باردة مظلمة كغابة في منتصف الشتاء.

تنحنحت بخفوت وهي تقول:

"أحضرت لها بعض الملابس، من خزانة جولييت… لم أجد لها شيئًا يخصها."

لم يجب.

اقتربت منه ببطء، وضعت الحزمة على المقعد القريب، ثم نظرت إلى الفتاة النائمة… أو المغشي عليها.

"هل اختطفتها، إنزو؟"

كان سؤالها ناعماً… لكنه يحمل شوكة في عمقه.

"أتعلم… في المرة الأخيرة التي عدت بها للمنزل، كنت تنزف، وتحمل سكيناً. أما الآن… أنت تحمل امرأة."

ابتسم بسخرية، ابتسامة بالكاد تُرى، وقال بصوت منخفض كالعاصفة حين تهمس:

"أنا فقط أستعيد ما هو لي يا أمي… كما وعدتُ."

زفرت إليسا بصوتٍ خافت، وكأنها تحاول طرد قلقٍ قديم تسلل لعظامها:

"هل تعرف شيئاً عن هذه المسكينة؟ هل تحدثت إليها؟ هل شرحت لها؟"

أجابها بالصمت.

"هي ليست جاهزة لك، إنزو…أنت تعلم ذلك."

ردّ دون أن يلتفت إليها، صوته هادئ… لكن فيه شيء مرعب:

"ستكون."

صمتت الأم للحظة، ثم نظرت مرة أخيرة إلى الفتاة، عيناها مليئتان بالأسى، وكأنها ترى ظلها القديم في تلك الملامح الصغيرة. همست بهدوء:

"لا تخسرها، إنزو… أرجوك."

وغادرت… ببطء، كما دخلت، تركت وراءها وحشًا… وامرأة لا تعرف بعد أنها في قلب العاصفة.

*.              *.               *.               *.   

بدأ الضوء يتسلل إلى وعيها، كشعاع شمس خافت يحاول اختراق الضباب الكثيف.

تقلّصت رموشها بحركة لا إرادية، ثم تحركت جفنيها قليلًا… ثقلٌ غريب كان يسكن عينيها، كأنها عادت من مكان بعيد… بعيد جدًا.

فتحت عينيها ببطء، رؤية مشوشة… سقف غريب، نقوش خشبية داكنة، وثريات متدلية تُشع وهجًا ناعمًا.

لا تعرف هذا المكان… ليست غرفتها.

شعرت بشيء ناعم أسفل رأسها، وسرير دافئ… أوسع مما اعتادت.

ارتفعت أنفاسها تدريجيًا، ثم حدقت حولها، كل شيء فخم… مخملي… ثقيل وكأنه يحمل عبق زمن آخر.

أرادت النهوض، لكن رأسها كان يدور.

كأنها غاصت في دوامة وعادت الآن فقط إلى السطح.

تمتمت بخفوت:

"أين… أنا؟"

ولم يكن هناك رد. الغرفة فارغة.

لكنها لم تكن وحدها، ذلك الشعور… الذي يسكن تحت الجلد.

كأن هناك عينًا تراقب، أنفاسًا خفية في الجدران.

نهضت ببطء، وضعت قدميها الحافيتين على الأرضية الباردة،

وتلفتت حولها.

ملابسها تغيّرت… شعرها مُصفف بنعومة.

لم تكن بهذه الهيئة منذ الزفاف.

رفعت يديها بارتباك، تذكرت… القبلة… اليد التي أمسكت بعنقها…

العيون السوداء، والهمسة الخافتة…

"زوجتي الصغيرة…"

تسارعت أنفاسها للحظة.

"لا… لا… هذا مستحيل…"

تقدمت ببطء نحو النافذة، وسحبت الستار بخوف.

ما رأته خارجها لم يكن حفل الزفاف، ……ولا حدائق قصر آل دارسي… بل مشهد إيطالي… جبال… أشجار زيتون… ومدى لا تعرفه.

همست لنفسها:

"لقد أخذني…"

وفجأة… صدر صوت خافت خلفها.

باب الغرفة فُتح ببطء.

دُفع الباب بهدوء قاتل، وصدر صرير خافت قطع سكون الغرفة.

تجمدت بيانكا في مكانها أمام النافذة، صوت الخطوات الثقيلة الواثقة جعل الدم يفرّ من وجهها، كأنها تعرف هذا الإيقاع ... الوحش الذي لا يزأر… بل يتنفس ببطء، ويحطم في صمته.

استدارت بارتباك، كادت قدماها تتعثران بطرف الفستان الكبير، الذي كان واسعًا عليها وكأن جسدها غارق في قماشٍ لا ينتمي لها.

وضعت يدها على حافة الطاولة لتمنع سقوطها، بينما وقف هو عند العتبة.

إنزو موريارتي.

جسد ضخم، عضلات مشدودة تحت قميص أسود، أكمامه مطوية تكشف عن وشوم متشابكة، وذاك الندب الذي يقطع جانب فكه الأيسر… مثل توقيع من الجحيم.

عينيه… لم تكن تنظر إليها، بل تخترقها.

ارتعشت يدها، بينما انبعث من جسده سكون ثقيل… كأن الرعب له رائحة، وله ظل.

أرادت أن تتراجع… أن تهرب… لكن لا مكان تفر إليه.

شهقت بنبرة مرتعشة، تجمعت كلماتها في صدرها، ثم انفجرت بها.

"أنت مجنون! من تظن نفسك؟! اختطفتني من بلدي… من زفاف شقيقتي ! من حياتي! من—"

لكنها توقفت، عيناها تحولت إلى لهب، وصوتها ارتفع رغم رعشتها:

"من أعطاك الحق؟! بأي منطق تفعل هذا؟! من أنت بحق الجحيم؟!"

اقترب منها بخطوتين بطيئتين فقط. كافيتين ليشعر جسدها بامتداد ظله عليها.

قال بصوت منخفض… لكنّه نحت في الهواء كما ينحت السكين اللحم:

"أنا زوجكِ."

كلمات لم تكن عالية، لكنها صدمتها بقوة صفعة.

شهقت مجددًا، ارتدت للوراء خطوة… ليتعلق الفستان بقدمها، فتتعثر.

امتد ذراعه — بسرعة مفاجئة تناقض هدوءه — وأمسك بها قبل أن تسقط، أصابع قوية، لكنها لم تكن مؤذية… بعد.

سحبها إليه بهدوء مريب، وعيناه لا تزالان تحدقان في عينيها المذعورتين.

همس بخفوت وهو يُنزل نظراته إلى الفستان الفضفاض عليها:

"لا يناسبكِ… لا شيء هنا يناسبكِ، بعد."

لم تستطع بيانكا التراجع، قبضته كانت محكمة على مرفقها، ليست مؤذية، لكنها كافية لتُشعرها بأنها محاصرة… كأن الهواء نفسه صار ضيقًا.

نظرت إليه، عيناه سوداوين، هادئتان… بشكل يخيف أكثر من الصراخ.

كأن لا شيء يُفلت من نظراته… ولا شيء يُهمه… سواها.

بلعت ريقها بصعوبة، بينما صدرها يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة، وهمست بارتباك، كمن يحاول الفهم:

"هل… هل أنت مجنون؟"

رفع حاجبًا واحدًا، ببطء، ابتسامة صغيرة تشكلت على طرف شفتيه، لم تكن ابتسامة سخرية… بل كانت أشبه بشيء يخصّ الذئاب.

ردّ بصوته العميق الإيطالي الثقيل:

"لو كنتِ مكاني… وفُرض عليكِ الزواج من طفلة لا تعرف اسمكِ حتى… وبعد سنوات، كبرتِ دون أن تراكِ، دون أن تختاري… ثم وجدتها أخيرًا وأبيها كان يحاول أن يعقد صفقة زواجها من رجل آخر… هل كنتِ ستظلين عاقلة؟"

سرت قشعريرة على طول عمودها الفقري، ارتعشت شفتاها، لكنها قاومت، رفعت ذقنها بعناد خافت:

"لم أكن أعرف! أبي خدعني…"

خفض رأسه قليلاً، حتى صار أقرب… حتى شعرت بأنفاسه تلفح وجنتها.

ثم همس ببطء، كأن كل كلمة كانت تنهشها:

"وأنا؟ هل تعتقدين أنني كنت أملك خيارًا؟"

حدقت فيه، لثوانٍ طويلة… قبل أن تشيح بنظرها، ترتعش، لكنها لا تبكي.

ثم سحب يده أخيرًا، ببطء، وخطى للخلف خطوة واحدة فقط، وقال بصوت منخفض:

"أنتِ هنا الآن، يا بيانكا. وستبقين… رغبتِ أم لم ترغبي."

واستدار… لكنه توقف عند الباب، وهمس دون أن ينظر إليها:

"هناك ملابس أنظف على السرير. غيّريها، وتعالي لتتناولي شيئًا… سيكون لدينا الكثير لنتحدث عنه."

وخرج… وصوت الباب يُغلق، كأن عالمها ينغلق معه.

انخفضت أنفاس بيانكا تدريجيًا، كأنها تغرق في سائل ثقيل من الصدمة.

كانت واقفة وسط الغرفة، الثوب الكبير جدًا ينسدل عن كتفيها، كأنها طفلة تائهة في ثياب لا تخصها.

يداها ترتجفان، وصدرها يصعد ويهبط بوتيرة خافتة، لكن كل شيء بداخلها… كان يصرخ.

استدارت فجأة نحو المرآة.

رأت انعكاس وجهها… شاحب، مذهول، كأنها لم تعد تعرف من هي.

ثم… تقدمت خطوة.

يدها ارتفعت ببطء ولمست خدها، كأنها تتأكد أنها ما زالت هنا… ثم همست بصوت مكسور:

"هل حقًا… باعني أبي؟"

سؤال خرج من عمق قلبها… كأنها لم تجرؤ على التفكير فيه يومًا.

لكن الآن، الآن كل شيء يبدو واضحًا.

"لقد… كنت متزوجة؟ وأنا لم أعلم؟"

بدأت الدموع تتجمع، ثم انزلقت واحدة… فاثنتان… ثم تحوّل كل شيء إلى سيل صامت.

ركضت إلى السرير، جثت على ركبتيها، دفنت وجهها بين الوسائد، وأطلقت شهقة مكتومة… كأنها تخجل حتى من صوت انكسارها.

هل كان إنزو يقول الحقيقة؟ هل أراد والدها تزويجها فعلاً من رجل آخر رغم علمه بأنها زوجة لهذا… الوحش؟

هل كان كل شيء كذبة؟ كل الحفلة… كل الدموع… كل التوتر على وجه أمها… كل شيء؟

عضّت على شفتها حتى نزفت، ثم صرخت في الوسادة:

"أنا لست ملكًا لأحد! أنا لست صفقة! لست فتاة للبيع!"

لكن لا أحد سمع… سوى الجدران… وسرير لا تعرفه… وغرفة لا تعرفها… وزوج… لا تعرفه… لكنه يمتلك حقًا مرعبًا.

وببطء… كأن الدموع أنهكتها، أرخت جسدها على السرير…

وانسلت إلى الصمت… عيناها مفتوحتان تحدقان في لا شيء.

لحظة انهيار… ولكن أيضًا لحظة بداية… لبطلة لن تبقى منكسرة طويلًا.

وبين شهقاتها المتقطعة، التي خفتت مع الوقت كما تخفت الأمواج بعد العاصفة، استسلم جسد بيانكا أخيرًا للإنهاك.

كانت لا تزال على طرف السرير، رأسها مدفون في الوسادة، وظهرها يرتجف بخفة تحت أنفاس متعبة، حتى تلك الدموع التي كانت تنهمر بغزارة… جفّت شيئًا فشيئًا، كأنها نضبت من فرط الألم.

ارتخت يدها فوق الغطاء، والثوب الواسع المتدلي عن كتفيها كان يعكس هشاشتها في هذا المكان الغريب.

الغرفة لا تُشبه غرفتها… لا جدرانها… لا رائحتها… ولا حتى ضوءها.

كل شيء كان غريبًا… وغريبًا أكثر أن تنام وهي لا تعرف ما ينتظرها حين تستيقظ.

ورغم كل ذلك، رغم القلق والمشاعر المتضاربة والغضب المكتوم… نامت.

نامت بصمتٍ مشوب بالدموع. كأن جسدها قال ما لم تستطع أن تقوله شفاهها:

"كفى".

غفت بيانكا ببطء، وآخر شيء لمحته عيناها المتعبتان… كان طيف الرجل الغريب، الرجل الذي قال إنه زوجها… الرجل الذي لا تعرفه… لكنها تشعر بأنه سيغير كل شيء.

هدأ كل شيء.

لا صوت في الغرفة… سوى أنفاس ناعسة لفتاة مكسورة… وزوجها المختفي… والليل الثقيل خارج النوافذ.

ودون صوت، دفع إنزو باب الغرفة الثقيلة بأنامله، ليشق خط من الضوء الذهبي عتمة الداخل، ويكشف المشهد أمامه.

كانت لا تزال كما تركها، أو هكذا ظن.

لكن عينيه وقعت فورًا على التفاصيل… تفاصيل صغيرة لا يمكن لرجل مثله تجاهلها.

خدّها الأيسر… مبللٌ بدموع جفّت دون أن تُمسَح، تاركة أثرًا باهتًا على وجنتها الفاتحة.

وشفتيها… شقٌّ ناعم من الدم عند طرف فمها، وكأنها قضمتها في لحظة قهر أو وجع… أو كتم صرخة.

توقف في مكانه، لم يتحرّك.

الوحش الدموي، القديس الملوّث، وقف هناك بصمتٍ مهيب، كأن صوت أنفاسها النائمة هو كل ما يريد سماعه الآن.

أنزل نظره ببطء نحو جسدها الملفوف بالثوب الكبير، يدها الصغيرة مستلقية على الوسادة، كأنها كانت تطلب الحماية… أو تدفع الألم بعيدًا.

اقترب خطوة. ثم أخرى.

الخطى على الأرضية لم تُحدث صوتًا، لكنها كانت ثقيلة بما فيه الكفاية لتملأ الغرفة رهبة.

اقترب منها حتى صار ظلّه فوقها، ثم انخفض ببطء حتى جثا بجانب السرير، وحدّق في ملامحها بصمت.

يداه، القادرتان على كسر عظام رجل بنظرة، ارتعشتا للحظة وهو يمدّ إحداهما نحو وجهها.

لكن لم يلمسها… توقف إصبعه قبل أن يمس دمعة جافة.

وكأن اللمس قد يدنّسها أكثر.

"Piccola mia…"

"صغيرتي.."

همس بها بخفوت، بصوته الإيطالي الخشن الذي لم يعرف الرقة يومًا، لكن هذه المرة، خرجت الكلمتان وكأنهما صلاة… أو اعتراف.

أخفض رأسه للحظة، عيناه انغلقتا وهو يأخذ نفسًا عميقًا،

ثم همس:

"كان عليكِ أن تعرفي منذ البداية… لكنهم جعلوكِ تجهلين."

نهض ببطء… غطّى جسدها بالغطاء القطني بهدوء، كأنه يحمي شيئًا هشًّا، شيئًا لا يليق به أن يُمسّ.

ثم وقف… تراجع… وأغلق الباب خلفه بصمت.

لكن عينيه حين أغلق الباب، لم تتركها.

وكأن عقله دمغ صورتها في كل زاوية.

*.             *.              *.              *.     

وفي مكانٍ آخر من القصر، في الطابق العلوي، حيث تمتد الممرات الطويلة المكسوة بالرخام الأبيض والرمادي، وتعلو الجدران لوحات قديمة تحمل وجوهًا جامدة لعائلة موريارتي عبر الأجيال… كان فينشنزو موريارتي، ابن عم إنزو… ويده اليمنى، يقف أمام مكتب واسع تحيطه الرفوف المليئة بالملفات، بينما ينحني بخفة فوق خريطة كبيرة تم فردها على الطاولة أمامه.

الساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل… والقصر هادئ حدّ التوتر، لكن عقل فينشنزو لم يعرف السكون.

ببطء، رفع رأسه حين سمع صوت الخطى خلفه.

لم يكن بحاجة لأن يستدير.

ذاك الوقع… ذلك الثقل… لا يصدر سوى عن رجلٍ واحد.

"أعدتها."

جاء صوت إنزو من خلفه، خافتًا… ثقيلاً.

استدار فينشنزو ببطء، وبعينين رماديتين حادتين، نظر إليه للحظة، قبل أن يهمس:

"إذن… أخيرًا عدت بزوجتك."

إنزو لم يُجب.

لحظة صمت طويلة… ثم ردّ إنزو بصوته العميق المائل للغلظة:

"نعم. أخبرتها بكل شيء."

توقف، ثم أضاف ببطء، وكأنه يعترف بشيء لم يعترف به من قبل:

"حتى لو لم تتقبل الأمر بعد."

استدار فينشنزو أخيرًا، تطلّع إليه بعينين مملوءتين بحذر قديم.

"هل تدرك ما فعلته؟"

اقترب إنزو، وقف أمام الطاولة، أنامله تنقر ببطء على حافتها.

"أعدت زوجتي، هذا ما فعلته."

هزّ فينشنزو رأسه بتثاقل، وهمس بنبرة تحمل القلق أكثر مما تحمل العتاب:

"عائلات لكوزا نوسترا كانت تجهّز شيئًا أكبر من مجرد عروض زواج... أنت تعلم أن هناك ثلاث بنات من ثلاث عائلات ينتظرن قرارك منذ عامين، واحدة منهن حفيدة دون لوكاتو نفسه. وكنت تعلم أنك تأجيلك المستمر... كان سببًا لصبرهم، لا لخداعهم."

إنزو رفع عينيه إليه، نظرة هادئة لكنها قاتلة.

"لم أخدع أحدًا، لم أعِد أحدًا. كانوا يأملون فقط... وأنا لم أعدهم بشيء."

فينشنزو اقترب خطوتين، وخفض صوته، وكأن الجدران تملك آذانًا.

"لكنهم سيعتبرون ما فعلته خيانة. ظهور بيانكا الآن… بعد ثمان سنوات من الصمت، سيشعل حربًا من نوع آخر. العائلات ستتشقق، وسيبدأ التنازع حول شرعية زواجك، حول ولائها، حول احتمالية وجود وريث لك لم يعلم به أحد. الجميع سيتساءل: لماذا أخفيتها؟ ولماذا الآن؟"

صمت… إنزو نظر نحو ألسنة اللهب، كأنها تعكس شيئًا داخله لم يُقال.

"لأنها لم تكن مستعدة. لأنني لم أكن مستعد. لأن والدها كان أحمق… وأنا كنت أكثر حماقة حين سمحت لها أن تبقى بعيدة."

فينشنزو تأمل ملامحه للحظات، ثم تمتم:

"هل تحبها؟"

ببطء، التفت إليه إنزو، نظرة مطوّلة… وفيها شيء غريب—كأنها طيف من ماضٍ مكسور عاد للحياة.

"لم أعد أفكر إن كنت أحبها... كل ما أعلمه أن لا أحد سواي سيملكها. ولن تبتعد عني مرة أخرى."

هزّ فينشنزو رأسه ببطء.

"إذن استعد يا ابن عمي. لأنهم لن يسكتوا. دون لوكاتو غاضب، وآل باتيستا بدأوا يستفسرون، وآل بورتيني سوف يعتبرونها إهانة مباشرة…"

اقترب إنزو من النافذة، فتحها قليلًا… والهواء الليلي البارد تسلل إلى الغرفة.

قال بهدوء، دون أن ينظر خلفه:

"ليغضبوا كما يشاؤون. لتشتعل الحرب. أنا لا أُساوم على ما هو لي، فينشنزو. وبيانكا… كانت لي منذ البداية."

سكن الصمت الغرفة للحظة… كأن الحوائط تنتظر سماع القرار.

تنفس فينشنزو بعمق، ثم قال بهدوء:

"الاجتماع في الصباح… تأخرنا يومًا كاملًا بسبب رحلتك لجلبها."

أشار بعينيه نحو جناح إنزو حيث تنام بيانكا الآن، ثم أضاف ببطء:

"الجميع في انتظارك… لكنهم لا يعلمون بعد عن زواجك. لا عن الزوجة، ولا عن عودتها."

إنزو لم يتحرك، صوته خرج ساكنًا، ثقيلًا:

"سيعلمون غدًا. أمام الجميع… سأعلنها."

رفع فينشنزو حاجبه ببطء:

"أمام كبار العائلات؟ أنت تدرك ما سيحدث، أليس كذلك؟ إعلان الزواج لن يُقابل بالتصفيق يا إنزو. بل ستراها في أعينهم… الخيانة، التهديد، وربما الرغبة في الانتقام."

تقدم إنزو خطوة، الظل يعانق ملامحه الجادة، همس ببطء:

"إخفائي لها طوال هذه السنوات لم يكن جبنًا… بل حماية. لكن الآن، بعد أن أصبح اسمي على رأس إمبراطورية كاملة، لا يمكنني أن أُخفي زوجتي أكثر."

صمت ثقيل، ثم تحرك إنزو ناحية الخزانة الحديدية الضخمة خلف مكتبه، أدخل رمزًا بخفة، وفتحها ببطء، ليُخرج منها ملفات كثيرة موضوعة بدقة.

"قبل أن أغادر، طلبت مراجعة كل الصفقات المتوقفة. كل التقارير المالية. كل من وقّع عني. كل شخص أدار شيئًا باسمي خلال هذه السنوات الثلاث."

مدّ أحد الملفات إلى فينشنزو.

"وجدت الكثير من الخسائر المتعمدة، صفقات تسرب منها المال… بعض الأسماء بدأت تتكرر."

فتح فينشنزو الملف، وقرأ أول صفحة… وجهه ازداد توترًا.

"كُنت متأكدًا أن هناك خونة، لكن الأسماء…"

إنزو قاطعه بصوت منخفض حاد:

"لا أريد تأكيدات فقط. أريد أدلة. أريد أن أبدأ بمعاقبة أول اسم علنيًا، في الاجتماع الصباحي."

ثم أضاف ببطء شديد:

"ليعلم الجميع… أن إنزو موريارتي لم يعد الغائب. بل عاد... ومعه جحيم جديد."

أغلق الخزانة ببطء، وسار نحو النافذة، نظر إلى الخارج، نفسه بطيء… عميق… كأن الليل أمامه يخبره بما سيأتي.

تمتم إنزو وكأنه يتحدث إلى ماضيه:

"غدًا… سيتغير كل شيء."

*.              *.            *.            *.    

مرّ الوقت داخل قاعة الاجتماعات الكبرى كما تمرّ الشفرات على جلد الزمن.

الضوء ينساب من النوافذ العالية كأنه يتسلل بخوف إلى الداخل… داخل القاعة، كان الحضور قد اجتمعوا.

كبار رجال لكوزا نوسترا، ممثلين عن خمس عائلات، كلّ منهم يجلس على كرسيه وكأنه مقصلة تنتظر لحظة السقوط.

ينساب الصمت داخل غرفة الاجتماعات كما ينساب الدخان فوق رماد معركة قديمة.

الصباح في الخارج يوشك أن يستيقظ، لكن داخل هذه القاعة، الليل لا يزال جاثمًا، كأن أنفاسًا لم تخرج بعد من صدور الرجال المنتظرين.

الستائر الثقيلة سُحبت، والنور دخل بخجل، انعكس على ملامح رجالات لكوزا نوسترا— رجالٌ لا يعرفون الرحمة، لكنّهم اليوم… ينتظرون بشيء من الحذر.

في مقدمة الطاولة الطويلة، جلس فيتوريو بورتيني،

يداه متشابكتان على صدره،

عينيه الرماديتين تتحركان فوق الوجوه دون أن ترف لهما جفن.

على اليسار جلس روبيرتو باتيستا، ذو الوجه السمين والابتسامة المتخشبة، وبين أصابعه سيجار لم يُشعل بعد، كأنه ينتظر إشارة دم.

أما دون لوكاتو، صاحب النظرة الجليدية والشعر الفضي، فقد كان يراقب عقارب الساعة وهو يهمس لنفسه بلغة قديمة، كأنه يستحضر شبحًا أو يعدّ خسارة محتملة.

هؤلاء الثلاثة… عائلاتهم قدمت بناتهم كـ«عروض تحالف» للزعيم إنزو موريارتي.

القديس الدموي.

الذي لم يرد… ولم يرفض.

الآن… أنظارهم على الباب المغلق.

الخطوات تُسمع من بعيد…ليست كثيرة… لكنها ثقيلة.

كل خطوة تحمل في صداها أعوامًا من المجازر، من الولاء والخيانة، من الدم.

ثم، فتح الباب.

ظهر إنزو موريارتي.

الظلال تلتحف جسده، لكن وجهه صارخ بالوضوح:

وسيم… قاتل… وعيناه كهاويتين سوداوين، فيهما شهوة انتقام، وهدوء العاصفة التي لا ترحم.

وراءه، وقف فينشنزو موريارتي، ابن عمه، عينه تلتقط كل تفاصيل الوجوه، مستعدّ أن يُطلق النار قبل أن تُقال كلمة.

إنزو اقترب…لم يتكلم.

كل رجل في الغرفة شعر بعمود بارد يمتد في ظهره.

وقف أمام الكرسي المخصص له، ثم جلس، ببطء، كأنه يعلن بداية الفصل الجديد.

ألقى نظرة بطيئة على الثلاثة.

وقال بصوت لا يعلو… لكنه اخترق أرواحهم:

"تأخرت… أعرف."

صمت.

"ذهبتُ لأجلب ما هو لي."

فيتوريو بورتيني رفع حاجبه. باتيستا ابتلع ريقه ببطء.

لوكاتو ظل صامتًا… لكنه أمال رأسه، كأنه فهم قبلهم.

إنزو رفع يده، أشار لـ فينشنزو، الذي وضع ملفًا أسود أمامه.

فتح الملف ببطء… نظر للورقة الأولى، ثم أغلقه دون أن يقرأ المزيد.

قال:

"أريد أن أبدأ بإعلان… ليس مفاوضة، ولا مقترح."

رفع عينيه، ونظر مباشرة إلى بورتيني:

"في الواقع، أنا متزوج."

الهدوء… لم يكن هدوء ذهول، بل هدوء ما قبل الذبح.

باتيستا شهق، صوت السيجار سقط من يده. لوكاتو قال بخفوت:

"منذ متى؟"

إنزو ردّ وهو يضع يده على الطاولة، كأنه يثبت سلطته:

"منذ ثماني سنوات… زوجتي، عادت إليّ الليلة الماضية."

همهمات بدأت تدور في الغرفة.

الغضب، الذهول، والارتباك.

قال فيتوريو:

"وهل كنت تنوي إخبارنا بعد أن بدأنا نعدّ حفلات الزواج؟ بعد أن وُعدت بناتنا بلقب سنيورا موريارتي؟"

إنزو انحنى قليلًا للأمام، ابتسامة باردة علقت على زاوية فمه:

"أنا لا أعد أحدًا. أنا… أُعلن. وهذا إعلان."

صمت.

ثم أكمل بصوت خافت، مشبع بالقسوة:

"ثلاث سنوات غبت… ثلاث سنوات سرق بعضكم أموالي، عقد صفقات باسمي، وتحالف مع حثالة الغرب… والآن، تعودون لتطلبوا عروسة؟"

ضرب الطاولة براحة يده. الصوت ارتطم بجدران القاعة.

"لن تُكتب هذه العائلة باسم فتاة منكم. اسمي… سيبقى حيث ينتمي، وملكي… قد عدت به من بعيد."

ألقى نظرة أخيرة على الجميع، ثم أكمل:

"وغدًا… سنبدأ مراجعة كل الملفات، كل صفقة، كل خائن، وكل رجل تجرأ على التوقيع باسمي."

ثم نهض.

ونظر إلى لوكاتو، وقال:

"احذر… بعض التحالفات لا تُلغى، بل تُدفن."

ثم خرج.

وترك خلفه رجالًا… بقلوب متجمدة، وشفاههم لم تعد تعرف كيف تبتسم.

لحظة خروج إنزو موريارتي من القاعة، ترك خلفه صمتًا لم يكن صمت احترام… بل صمت صدمة.

كأن الكلمات التي نطق بها قد كشفت عن خنجر مغروس في خاصرتهم منذ سنوات… لكنهم الآن فقط شعروا بألمه.

تحرك دون لوكاتو أولًا… أخرج منديلاً حريريًا أبيض من جيب سترته، ومسح جبينه وكأنه ينظف أثر الخيانة من بشرته.

همس وهو ينهض:

"ثَمَّ شيء لا يُغتفر…أن تكذب أمامنا وتظن أننا سنسكت."

ثم رمق باتيستا بنظرة جانبية وهو يضيف:

"ثماني سنوات… وهو يُخفي زوجة؟!"

ضحك بخفوت… لكنها ضحكة رجل يتذوق الدم في حلقه.

روبيرتو باتيستا كان لا يزال جالسًا، عينيه ضاقتا ببطء كمن يرى نهاية خطة عمره تتهاوى. ثم زم شفتيه وقال:

"كنت سأزوجه ابنتي… اسمي كان سيصبح متصلاً باسم موريارتي إلى الأبد."

ضرب بيده على الطاولة، انكسر السيجار تحت قبضته.

"لكنه تلاعب بنا كالدمى… أمام رجالنا!"

أما فيتوريو بورتيني، فلم يتحرك.

عيناه ثابتا كصخر، لكن النار تحترق خلف هدوئه.

قال بصوت منخفض… لكن كل حرف منه كان أشبه برصاصة:

"هذا لا يُنسى. ولا يُغتفر. لقد أهان دماءنا."

ثم نهض ببطء، وسار نحو النافذة، وأدار ظهره لهما.

قال:

"زوجة غائبة منذ ثماني سنوات… هذا يعني شيئًا واحدًا."

استدار فجأة:

"أنه لم يكن ينوي أن يمنحنا شيئًا منذ البداية. كان يستخدمنا. ينتظر الوقت المناسب ليعود… ويُعلن انتصاره علينا."

صمت.

ثم أكمل ببطء، وكأنه يُقسم قسمًا مقدّسًا:

"سنجعله يندم. على اليوم الذي عاد فيه… وعلى اليوم الذي جعل فيه امرأة تقف بيننا وبين الحكم."

نظر إلى لوكاتو، ثم إلى باتيستا.

"لقد بدأ الحرب… فلننهها كما اعتدنا."

همس دون لوكاتو:

"بالدم؟"

ابتسم بورتيني، لكنها لم تكن ابتسامة… كانت وعدًا.

"بالدم، فقط."

*.               *.                *.                 *.

داخل الجناح المعتم، تسلل الضوء الذهبي من بين الستائر الحريرية الثقيلة، ليلامس ملامحها المنهكة.

بيانكا… كانت مستلقية على السرير، كأنها في هدنة مؤقتة من واقعٍ يُمزقها من الداخل.

تحرك جفنها أولًا.

ثم أنفاسها بدأت تتعمق، تتباطأ، تدريجيًا… عادت إلى الوعي.

فتحَت عينيها ببطء. العالم حولها بدا غريبًا، غير مألوف.

جدران داكنة، رائحة عطر رجولي كثيف عالق في الهواء، وبرودة فاخرة لا تشبه دفء غرفتها في قصر والدها.

ثوانٍ مرت، ثم تسارعت النبضات في صدرها… وجلست باندفاع خائف، نظراتها تتنقل في المكان.

أين أنا؟

تسللت يدها إلى عنقها، تتحسس الجلد حيث كانت قبضته القوية… لم تترك أثرًا واضحًا، لكن أثرها في الداخل كان كافياً ليرتجف قلبها من جديد.

همست، وهي تنهض عن السرير بصوت مهتز:

"هذا ليس حلمًا…"

قدماها العاريتان لامستا الأرضية الرخامية الباردة، واختل توازنها للحظة.

الثوب الفضفاض الذي ترتديه لا يشبه ثيابها… شعرت كأنها دُفنت في جسد لا يخصها.

تحركت ببطء نحو النافذة، سحبت الستار بهدوء.

الخارج… كان قصرًا يطل على حدائق مترامية وحدائق زيتون وسياج من أشجار السرو، مكان إيطالي الهوية… بدمه، برائحته، بهدوئه الذي يخفي عاصفة.

همست وهي تحدق في هذا العالم الجديد:

"أخذني فعلاً .... لم يكن حلمًا."

وفجأة… ارتجفت عيناها ببطء، والدمعة انزلقت من خدها دون أن تدرك.

أغلقت الستار مجددًا، واستدارت ببطء.

الهدوء الذي يسكن المكان لا يُطمئن… بل يُرعب.

هذا الصمت… هو صمت الوحش الذي يراقب.

تحركت نحو الباب، وفتحت بهدوء. لم يكن هناك أحد في الخارج.

لكن صدى أنفاسها المرتبكة ارتد في أرجاء الجناح.

فجأة، صوت منخفض من خلفها… نبرة مألوفة، غليظة، لكنها ناعمة بطريقة متوحشة:

"استيقظتِ أخيرًا… زوجتي الصغيرة."

تجمدت في مكانها.

استدارت بيانكا، وكل خلية في جسدها ترتجف.

كأن الهواء ذاته صار أثقل، وكأن الزمن توقف للحظة، يراقب ما سيحدث بينهما.

كان يقف هناك… إنزو موريارتي.

بذلته السوداء مفتوحة قليلاً، ربطة عنقه مفكوكة، وعيناه الداكنتان تلمعان بشيءٍ لا يمكنها فهمه… خليطٌ من امتلاك وغضب، وربما شيء آخر… أكثر عمقًا، وأكثر رعبًا.

تراجعت خطوة للخلف، ببطء شديد، لكن الجدار كان خلفها، كعادته، يحاصرها في كل مرة، حتى دون أن يلمسها.

همست بصوت مبحوح، بالكاد خرج من شفتيها:

"ماذا… ماذا تريد مني؟"

لم يتحرك.

بل رمقها بنظرة طويلة، وكأنها لوحة معلقة أمامه، يحاول حفظ كل ملامحها قبل أن يقترب منها.

"سؤال خاطئ،"

قالها بصوته العميق وهو يخطو إليها ببطء:

"الأصح أن تسألي… لماذا تأخرت كل هذه السنوات؟"

بيانكا لم تفهم. لم تكن مستعدة لتفهم.

كل ما تعرفه أنها نُزعت من عالمها، ووُضعت في حضن رجل يختنق بالظلال.

اقترب منها أكثر، حتى صار أمامها مباشرة.

عينيه لم تفارقا عينيها، نظراته تفتش بداخلها، كما لو كان يفتش عن شيء ضاع منه منذ زمن.

مد يده ببطء، رفع خصلة من شعرها ولفّها حول إصبعه.

كانت يده دافئة، لكنها جعلت جسدها يقشعر.

"أنتِ لي، بيكولا."

قالها وكأنها حقيقة كونية، لا تحتاج لإثبات.

شهقت… لكنها لم تجرؤ على التراجع.

عقلها يصرخ، يطالبها بالهرب، بينما جسدها واقف، عاجز… مستسلم للخوف، ولعينيه.

همست وهي تحاول الثبات:

"أنا… لست ملكًا لأحد."

ضحك. ضحكة خافتة… باردة… لكنها مشحونة.

"أخبري هذا للقانون، للسماء، لجهنم… لن يغير شيئًا. أنتِ زوجتي، برباطٍ كتبه والدك، ودمٍ أراقه اسمي."

ثم اقترب أكثر، همس بجانب أذنها، بصوت منخفض كفحيح:

"وستبقين لي… حتى آخر نفس في هذا الجسد."

بخطى محسوبة لا تصدر صوتًا، اقترب منها إنزو أكثر… الهواء بينهما مشبع بالتوتر، بالعواصف المكبوتة، كأن كل شيء في هذه اللحظة لا ينتمي إلى هذا العالم… فقط هي وهو.

توقف على بعد أنفاس منها، أنفاسه تلامس وجهها، وعيناه تلتهمان ملامحها كما لو أنه كان أعمى لأعوام، والآن فقط، أبصر النور من جديد.

مد يده… ببطء شديد… كأن لمسة منها قد تكسره، كأن الاقتراب منها يتطلب طقوسًا مقدسة.

لمست أنامله خدّها المرتجف… فأغمضت عينيها بقوة، اختلط الخوف بالارتباك، بالدهشة التي لا يمكنها الهرب منها.

همست، بنبرة مرتجفة:

"أرجوك… لا تلمسني."

لكن صوته جاء منخفضًا، خشنًا… مكسورًا ببعض الحنين:

"لم ألمسك لثمان سنوات، يا بيانكا. ثمان سنوات… كنتِ فيها اسمي على الورق، ووجعي في الليل، وذنبي الذي لا يغفر."

فتحت عينيها… نظرت إليه، وكأنها تراه للمرة الأولى، لا الغريب الذي اختطفها.

في عينيه شيء لم تفهمه…اشتياق؟ ربما تملك… وربما أكثر.

اقتربت يداه منها أكثر، واحدة على وجهها، والأخرى خلف رأسها، تسحبها إليه ببطء، بحذر، كمن يحاول ضم حلمٍ يخاف أن يهرب منه.

لكن قلبها كان في فوضى، عقلها يصرخ، خوفها منها يتحدث بصوت أعلى من أي عاطفة قد تكون كامنة.

قالت بصوت مرتجف، عيناها تدمع:

"لماذا الآن؟ لماذا أنا؟"

أجاب دون تردد، بصوت خافت لكنه حاد:

"لأنكِ كنتِ لي منذ البداية… ولأن الوقت قد حان لأستعيد زوجتي… لا كخدعة، بل كقدر."

لم يقبّلها، لم يُجبرها، لكنه بقي هناك، قريبًا… ينتظر أن تفهم، أن تهاجمه أو تقبله، أن تنهار أو تتماسك… وأما هي… فبقيت بين يديه، مشوشة، خائفة، لكن شيئًا صغيرًا في قلبها… نبض نبضة لم تفهم معناها.

دون أن يتحرك أحدهما، بقي الزمن متجمّدًا بين نظراتٍ لا تشبه أي نظرات… نظراته التي تتحدث بصوتٍ أعلى من أي كلمات، ونظراتها التي تختبئ خلف جدار الخوف والخذلان.

أنفاس بيانكا كانت سريعة، متقطّعة، كأن قلبها يركض وهي لا تملك ساقين تهرب بهما.

وهو… إنزو… الزعيم، الوحش، الملعون بألف لقب، كان يقف هناك كجبل صامت، كل ملامحه القاسية تذوب ببطء أمام ارتباكها.

رفع يده مجددًا… مسح دمعة كانت عالقة عند طرف عينها، بأنامل خفيفة، كأنه يعتذر دون أن ينطق بذلك.

همس:

"كنتَ شابًا حين طلبت يدك… واليوم… عدت رجلًا يعلم ما يملكه."

شهقت بصوت مكتوم، بينما ابتعدت خطوة صغيرة، يدها تمسك طرف الثوب الفضفاض الذي لا يناسبها، كأنها تتمسك بستر هشّ يغطي كل توترها.

همست بشحوب:

"أنت لم تخبرني… لم تخترني…أنا لا أفهم ما يحدث… لا أفهم لماذا أنا هنا…"

اقترب خطوة… عينيه تزدادان سوادًا وحدة.

"لأن اسمكِ أصبح ملكي، قبل أن تعرفي معنى أن تكوني زوجة. لأن والدك باعك لي… وأنا… أنا من الآن فصاعدًا لن أسمح لكِ بالهرب من قدرك."

تراجعت خطوة، لكن ظهرها اصطدم بجدار خلفها… لا طريق للهرب.

لم يكن يصرخ، لم يكن عنيفًا، لكن صوته كان يحمل شيئًا أعمق… قرارًا نهائيًا، لا رجعة فيه.

صمتت.

هو لم يتقدم أكثر… ولم يتراجع.

بل قال بهدوء، وعيناه تحرقانها:

"لن أفرض نفسي عليكِ، لكنني لن أترككِ ترحلين أيضًا. إما أن تتقبليني… أو تبقي زوجتي الغاضبة… لكن ستبقين زوجتي."

لم ترد.

كانت الكلمات تسقط كالمطر على صدرها المرتجف… كل قطرة منها توقظ شيئًا بداخلها.

وببطء… انهارت على الأريكة خلفها.

دفنت وجهها بين راحتيها… وصمتت.

أما هو…فبقي واقفًا أمامها، ينظر لها كما لو أن كل ماضيه يتجسد في دموعها، وكل مستقبله… معلق بقرارها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خطيئته المقدسة    5

    تشق خطواته أروقة القصر المظلمة كما لو كانت صدى لتاريخ طويل من الدم والخراب… إنزو موريارتي، القديس الدموي، يسير نحو غرفة الاجتماعات، لا كزعيم… بل كقاضٍ يستعد للحكم، وكمقصلة تمشي على قدمين.الأبواب الثقيلة فُتحت من قبل رجاله الصامتين، كأنهم حُرّاس جحيم، وداخل القاعة… جلس الثلاثة والعشرون رجلًا من رجال لكوزا نوسترا، يمثلون العائلات الكبرى، وجوههم جامدة، لكن أعينهم تحترق توترًا… فمنذ لحظة عودته، لم ينطق إنزو بكلمة واحدة بشأن ما خسر… ولا بشأن ما عرف.جلس على رأس الطاولة الطويلة، فأطبق الصمت على كل من في الغرفة، حتى أنفاسهم خفتت.مرت ثوانٍ، طويلة كأنها دهر، ثم تحدث بصوتٍ عميق، منخفض… مخيف:"حين كنتُ غائبًا…نُهِبَت أموالي، سُرقت صفقاتي، وخسر رجالي أرواحهم دون ثمن."أعين الرجال تحركت ببطء نحو بعضهم… قلوبهم تعرف أنه لا يتحدث جزافًا. كان يعلم كل شيء."أعطيتكم ثقتي، وتركتموني مكشوفًا."ثم ارتفع صوته بحدة فجائية، اخترقت سكون الغرفة:"والآن… سنعرف من يستحق البقاء… ومن سيموت الليلة!"صرخة خفية خرجت من أحد الزوايا، ورجلٌ ضخمُ الجسد، من عائلة "أل باتيستا"، حاول الوقوف لكن أحد رجال إنزو ضغط على كتفه ب

  • خطيئته المقدسة    4

    تدريب على الصمت.على الغضب البارد.على ضبط النار داخل دمه، حتى لا تنفجر دون هدف.والآن؟ هو هنا.في قصره. وأمام عينيه… تلك الغزالة التي أصبحت زوجته منذ سنوات،دون أن تدري…ودون أن تختار.تنهد ببطء.عيناه لم تفارقها. كأنهما يتغذيان على رؤيتها، كأن فيها خلاصًا ما… أو لعنة.ربما كلاهما.همس لنفسه:"أنتِ لي، بيكولا ميا… بقلبك، أو رغمًا عنه."وغاص في صمته مجددًا… بينما ظل الليل يحتفظ بسرّ اللحظة، وسرّ الوحش الذي قرر أن لا يرحم مرةً أخرى.فتحت الباب الخشبي الثقيل بصمت، وتسللت خطوات إليسا إلى داخل الجناح، كما تفعل حين تدخل عرين وحشٍ لا يجب إيقاظه… رغم أنه ابنها.كانت تحمل بين يديها حزمة صغيرة من الثياب، مغلفة بعناية، تفوح منها رائحة اللافندر… رائحة جولييت، ابنتها.فهي الوحيدة التي تقارب تلك الفتاة في الجسد.ولأنها لم تجد أي حقيبة ترافق تلك المسكينة، فهمت الأمر دون أن يُقال.رفعت عينيها، توقعت أن تجدها وحدها، لكن إنزو… كان هناك،جالسًا، صامتًا، كتمثالٍ منحوت من الرخام والرماد.لم يتحرك حين دخلت، عيناه فقط تحركتا نحوها، نظرة باردة مظلمة كغابة في منتصف الشتاء.تنحنحت بخفوت وهي تقول:"أحضرت لها ب

  • خطيئته المقدسة    3

    تسللت أنوار المدينة من النوافذ الداكنة للسيارة، وارتدت على ملامحه القاسية كشظايا ضوء مكسور، الليل يفرش ظله الطويل على الطريق، والصمت يلف المركبة الفاخرة بثقلٍ مقدّس، كما لو أن العالم بأسره يمسك أنفاسه.إنزو جلس هناك… جسده الضخم يحتل مساحة المقعد الجلدي، وهي… مستلقية كأنها قطعة زجاج في حضنه، مغمضة العينين، بلا صوت، بلا مقاومة.ذراعه ملتفة حول خصرها بإحكام، والأخرى تمسد خصلات شعرها السوداء بنعومة تناقض ما اقترفته يداه قبل قليل، تناقض الوحش الذي أعلن امتلاكها عنوة… ولكنه الآن، يبدو وكأنه يهدّئ عاصفة اشتعلت داخله.السيارة تنطلق بصمت، بهدوءٍ لا يليق بالدماء التي تُركت وراءهم.كان يحدّق من النافذة للحظات، ثم يعود بعينيه نحو وجهها.الهدوء الذي يكسو ملامحها… الشفاه المنفرجة قليلًا، الرموش الثقيلة التي تسدّ الطريق إلى صدمة لا بد أنها ستنفجر حين تستيقظ.مرت دقائق طويلة… ثم همس، بصوت منخفض بالكاد يُسمع، وكأنه لا يريد لأحد أن يسمعه… ولا حتى نفسه:"بيانكا… لو أنهم لم يكذبوا… لو أنك كنتِ تعرفين منذ البداية… لكنتِ جئتِ إليّ بنفسك."كلمات لم يخطط لقولها.كلمات خرجت من مكان عميق… مكسور… قديم.أسند ظهر

  • خطيئته المقدسة    2

    استدارت بيانكا برأسها قليلًا، حاجباها مرفوعان بخفوت، عيناها تائهتان وسط الزحام، تحاول تفسير تلك الرجفة التي زحفت على جلدها بلا مقدمات.لم تفهم لماذا شعرت فجأة بأن شيئًا تغيّر، وكأن الهواء من حولها أصبح أثقل... أكثف... وكأن الزمن تباطأ، ليُجبرها على التحديق في شيء لم تدركه بعد.لم تكن ترى سوى ظهور المعازيم، أكتاف رجال ببدلات داكنة، وظهور سيدات بفساتين فاخرة ولمعان مجوهراتهن، تتراقص تحت الأضواء.جلست بجانب لورينا، لكن أصابعها شُدّت على طرف الفستان دون أن تدرك.لورينا التفتت لها، وعقدت حاجبيها بشيء من العبث:" هل أنتِ بخير؟ شحب وجهك قليلاً."هزّت بيانكا رأسها ببطء، أجفانها تثقلها أفكار لم تتكوّن بعد:" لا أعرف... شعرت فجأة... كأن أحدهم... ينظر إلي."ضحكت لورينا بسخرية خافتة، ومالت نحوها تهمس:" هذا طبيعي في حفل زفاف عائلة آل دارسي... الجميع ينظر، ويُقيّم، ويخطط."لكن بيانكا لم تضحك، بقيت نظراتها متشبثة بشيء خفي، لا تراه... لكنه هناك.ثقيل كأنفاس باردة خلف عنقها.أخذت نفسًا عميقًا، نفضت الفكرة من عقلها، ونهضت ببطء:" سأذهب لأستنشق شيئًا من الهواء."أومأت لورينا دون سؤال، وراقبتها وهي تسير

  • خطيئته المقدسة    1

    السجن المركزي - نابولي، إيطالياالساعة الخامسة وخمسٌ وأربعون دقيقة صباحًاالسماء كانت بلون الرماد... رمادية باهتة، ساكنة، كأنها خائفة مما على وشك الحدوث.هدوء ثقيل يُطبق على المكان، كما لو أن الهواء نفسه توقف عن الحركة.على بُعد خطواتٍ من البوابة الفولاذية الضخمة، وقف رجلان ببدلات سوداء، رؤوسهم مُنحنية، عيونهم لا تجرؤ على النظر إلى الأمام.كأن شيئًا أكبر من الحياة... وأقرب إلى الموت، على وشك أن يخرج.ثم، تحرك شيء.صوت الآلية الباردة للبوابة، الصرير الثقيل، تقطيع الصمت كأنّه شفرة تُمرّر ببطء على عنق الزمن.الباب فًُتح.ببطء... بثقل... كأن الجحيم نفسه يُفرج عن وحشٍ ظل محبوسًا فيه لثلاث سنوات، ليس لأنه خُدع... بل لأنه كان ينتظر.وخرج.خطوة أولى، عارية، راسخة، يُرافقها صوت احتكاك نعل جلدي بالأرض الإسمنتية.خطوة ثانية، كأن الأرض تُرجّ قليلًا تحت وطأتها.إنزو موريارتي.37 عامًا.وحش لم يُولد من رحم امرأة، بل من عمق الدم والخراب.جسدٌ ضخم، أطول من معظم الرجال، أوسع من أي بابٍ بشري. كتفاه عريضان كجدران قلعة قديمة.عضلات منحوتة بصلابةٍ لا تأتي من التمارين، بل من المعارك.جلده ليس جلد رجل... بل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status