Se connecterاستيقظت سلمى قبل موعد منبهها.جلست على حافة السرير.تنظر إلى ضوء الشمس الذي بدأ يتسلل عبر الستائر.كان قلبها يخفق بسرعة.ابتسمت لنفسها.ثم همست:"اليوم...""سيحدث أخيرًا."نهضت بهدوء.وتوجهت إلى المرآة.ظلت تنظر إلى انعكاسها لثوانٍ طويلة.لم تكن قلقة...بل كانت تشعر بشيء لم تعرفه منذ سنوات.الطمأنينة.في منزل باسم...كانت الحركة لا تتوقف.دخل طارق إلى غرفة الجلوس وهو يحمل صندوقًا أنيقًا.وسأله باسم:"هل أحضرت كل شيء؟"ابتسم طارق."الحلوى, القهوة والهدايا أيضًا."دخلت نورا وهي تحمل باقة كبيرة من الورود.وقالت ضاحكًة:"إذا رفضت بعد كل هذا فأنا سأطلب يدها بدلًا منك."ضحك الجميع.أما باسم فكان يحاول إخفاء توتره.لاحظ طارق ذلك.فاقترب منه ووضع يده على كتفه.وقال بابتسامة هادئة:"اهدأ اليوم ليس يوم امتحان."ابتسم باسم."أعرف لكنني أشعر وكأنني سأدخل أول مقابلة عمل في حياتي."ضحك طارق"اطمئن الوظيفة مضمونة."تعالت الضحكات داخل المنزل.وفي منزل نادر...كانت نوال تقف أمام سلمى.تعدل طرف ثوبها للمرة الثالثة.قالت سلمى مبتسمة:"أمي كل شيء بخير."تنهدت نوال."أعرف لكنني لا أصدق أن هذا اليوم جاء أخ
منذ ساعات الصباح الأولى...لم يكن محيط المحكمة يشبه أي يومٍ آخر.امتلأت الساحة الخارجية بعشرات سيارات البث المباشر.وتجمع الصحفيون خلف الحواجز الأمنية، ينتظرون الكلمة التي ستطوي سنواتٍ من الخوف والدموع.أما داخل المبنى...فكانت الإجراءات الأمنية أكثر تشددًا من أي وقت مضى.انتشر أفراد الأمن في كل زاوية.وأُغلقت المداخل.ولم يُسمح بالدخول إلا لمن يحمل تصريحًا رسميًا.في إحدى القاعات...جلس سامر إلى جانب يوسف واللواء مازن.لم يكن أحدهم يتحدث.لم تعد هناك كلمات تُقال.كل ما كان ينتظرونه هو العدالة.وفي الجهة الأخرى جلس الرجل النافذ داخل القفص الحديدي.للمرة الأولى منذ سنوات لم يكن محاطًا بالحراس الذين ينفذون أوامره...ولا بالمسؤولين الذين يخشون نفوذه.كان مجرد متهم ينتظر حكم القضاء.أما فيروز فكانت تجلس في المقعد المجاور.رأسها منخفض.وعيناها لا تفارقان الأرض.لم تعد تلك المرأة الواثقة التي كانت تتلاعب بالجميع.بل إنسانة أنهكها الندم وتنتظر مصيرها.دخلت هيئة المحكمة.وقف الجميع احترامًا.ثم جلس القاضي في مكانه.وضرب بمطرقته ضربة واحدة.وقال بصوت هادئ وحاسم:"باسم الشعب. تُستأنف جلسة النطق
داخل المنزل الآمن...ساد هدوء لم يعرفه المكان منذ سنوات.جلس سامر في غرفة الجلوس.وبجواره فؤاد وفادي.أما ناهد...فكانت تصب القهوة للجميع.رفع فؤاد فنجانه وقال مبتسمًا:"أول جلسة انتهت أفضل مما توقعنا."أومأ فادي."شهادتك قلبت الموازين."تنهد سامر وهو ينظر إلى النافذة."لم تكن شهادتي كانت الحقيقة."ساد الصمت للحظات.ثم قالت ناهد:"رأيت وجوه المتهمين لأول مرة كانوا خائفين."ابتسم سامر ابتسامة صغيرة."لأن الكذب يعيش سنوات, أما الحقيقة فتحتاج لحظة واحدة فقط."قال فؤاد:"القاضي أغلق باب المرافعة ولم يبق إلا النطق بالحكم."أخذ سامر نفسًا عميقًا.ثم ابتسم لأول مرة منذ سنوات.وقال بهدوء:"بعد صدور الحكم سنكون جميعًا أحرارًا."نظر إليه فادي."ماذا تقصد؟"ابتسم سامر."لن نعيش مختبئين لن نخاف من ظل أحد وسيكمل كل واحد منا حياته..."ثم نظر إلى الوجوه حوله."مع من يحب."ساد الصمت.كانت تلك الكلمات كافية لتجعل الجميع يبتسم.وفجأة...رن جرس الباب.نظر الجميع إلى بعضهم.قال فؤاد:"من يكون؟"نهض سامر.واتجه نحو الباب.فتح القفل.ثم أدار المقبض ببطء.وما إن فتح الباب...حتى تجمد في مكانه.وقفت نوال أما
في منزل نادر...لم تستطع نوال أن ترفع عينيها عن شاشة التلفاز.كانت صورة سامر لا تزال تتكرر في جميع نشرات الأخبار."الشاهد الرئيسي يصل إلى المحكمة...""ظهور سامر للمرة الأولى بعد سنوات...""جلسة تاريخية..."لكن نوال لم تكن تسمع كلمات المذيع.كانت ترى وجهًا اعتقدت لسنوات أنه لن تراه مجددًا.جلست على الأريكة وهي تبكي بصمت.ويداها ترتجفان.أما نادر فكان يقف إلى جانبها، ينظر إليها بحزن.رفعت رأسها نحوه فجأة.تأملته لثوانٍ.ثم عبست.وقالت بصوت متقطع:"لحظة أنت لست متفاجئًا."ساد الصمت.أخفض نادر رأسه.فعادت تقول وهي تقترب منه:"منذ أن ظهر الخبر وأنت هادئ. كأنك..."توقفت فجأة.واتسعت عيناها."لا...""لا تقل لي..."نظر إليها نادر بهدوء.ثم جلس أمامها.وقال بصوت منخفض:"نعم كنت أعرف."شعرت وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها.حدقت فيه غير مصدقة."ماذا...؟ كيف تعرف؟"تنهد نادر طويلًا.ثم قال:"قبل فترة حضر سامر إليّ لآخذه الى يوسف."اتسعت عيناها أكثر."التقيت به؟"أومأ برأسه."نعم جلسنا معًا لساعات وتحدثنا عن كل شيء."وقفت نوال فجأة.وقالت بانفعال:"وأخفيت الأمر عني؟! كيف استطعت؟! كيف؟!"اقترب منها ناد
امتلأت قاعة المحكمة قبل موعد الجلسة بدقائق.جلس الصحفيون في المقاعد المخصصة لهم.وامتلأت مقاعد الحضور بالمحامين وأهالي الضحايا وعدد من الشخصيات الرسمية.أما في القفص...فجلس الرجل النافذ وإلى جانبه بقية المتهمين.كان يحاول أن يبدو ثابتًا.لكن أصابعه كانت تتحرك بعصبية فوق المقعد.بعد لحظات...جلس القاضي في مكانه.ثم نظر إلى الحضور.وقال بصوت هادئ وحازم:"باسم الشعب نفتتح أولى جلسات النظر في هذه القضية."ساد الصمت.بدأ كاتب المحكمة بتلاوة أسماء المتهمين.ثم قرأ لائحة الاتهام كاملة.تأسيس شبكة إجرامية.القتل.الشروع بالقتل.غسل الأموال.تزوير الوثائق الرسمية.الرشوة.استغلال النفوذ.وعدد كبير من الجرائم الأخرى.رفع القاضي نظره نحو الرجل النافذ.وسأله:"هل فهمت التهم المسندة إليك؟"أجاب الرجل النافذ بصوت منخفض:"نعم وما ردك عليها؟"نظر إلى محاميه للحظة.ثم قال:"غير مذنب."تكرر السؤال مع بقية المتهمين.وجاءت الإجابة نفسها."غير مذنب."أشار القاضي إلى ممثل النيابة."لتبدأ النيابة بتقديم بيناتها."نهض وكيل النيابة.وقال بثقة:"تطلب النيابة أولًا سماع شهادة الشاهد سامر."فتح باب جانبي.ودخل
في سجن العاصمة...كان الرجل النافذ يجلس على سريره الحديدي، شارد الذهن.لم ينم إلا ساعات قليلة.وكان يدرك أن هذا اليوم...لن يشبه أي يوم مر عليه.صدر صوت مفاتيح تقترب من الزنزانة.ثم توقف الحارس أمام الباب.فتح المزلاج الحديدي.وقال بلهجة رسمية:"استعد ستنقل إلى المحكمة الآن."رفع الرجل النافذ رأسه ببطء.نهض من مكانه.نظر إلى الجدران التي احتضنته منذ اعتقاله.ثم أخذ نفسًا عميقًا.كانت تلك الزنزانة الضيقة...أصبحت خلال الأيام الماضية عالمه الوحيد.أما اليوم فكان عليه أن يخرج منها ليقف أمام القضاء.اقترب منه شرطيان.قيد أحدهما يديه بالأصفاد الحديدية.بينما وقف الآخر إلى جانبه.قال الشرطي:"هيا."لم ينطق الرجل النافذ بكلمة.خرج بخطوات بطيئة.وكان صدى وقع قدميه يتردد في الممر الطويل.فتحت البوابات الحديدية واحدة تلو الأخرى.وفي كل بوابة كان يسمع صوت الإغلاق خلفه.صوت يشبه إغلاق صفحة كاملة من حياته.وصل إلى ساحة السجن.كانت هناك عدة سيارات مدرعة تقف في انتظار نقل المتهمين.ورجال من القوات الخاصة ينتشرون في كل مكان.أُخرج بقية أفراد الشبكة واحدًا تلو الآخر.كل منهم مكبل اليدين.لا أحد يتحدث.







