تسجيل الدخولابتسم سالم فجأة، لكن تلك الابتسامة كانت مليئة بالمرارةارتجفت يداه وهو يفك أزرار سترته، ثم مزق قميصه فجأة.امتد جرح بشع يشبه أم أربعة وأربعين ضخمة عبر الجانب الأيسر من بطنه.ولم تكن غرز الجراحة قد أزيلت بالكامل بعد، وكانت حمراء بشكل مخيف."ندى، مالك، انظرا…" مد يده نحوهما بنظرة شاردة."لقد تبرعت بكليتي حقًا… لقد أدركت خطئي فعلًا، ألا يُعد هذا تعويضًا ولو قليلًا لكما؟""هل يمكن أن تمنحاني فرصة؟ هل يمكن أن تسامحاني؟"اختبأ مالك في حضن أمه من شدة الخوف.غطت سلمى عيني ابنها، ونظرت إلى ملامح سالم الشاردة، فشعرت بقشعريرة تسري في قلبها."الأسبوع القادم سيأتي دور العينين. لقد أخذت عيني مالك، والآن سأعيدهما إليكما." ترنّح سالم إلى الأمام، وقد بدا على وجهه شيء من الهوس والجنون."هل هذا يكفي؟ هل يكفي لتعودا إليّ؟""ندى، تكلمي! قولي شيئًا!"لم يعد كريم قادرًا على الاحتمال، فسدد إليه لكمة قوية أصابت وجهه مباشرة.أسقطته اللكمة أرضًا، فسقط بقوة في بركة من الماء، وتدفق الدم من أنفه على الفور.لكنه بدا وكأنه لا يشعر بالألم، فرفع رأسه وضحك بصوت عالٍ، واختلطت ضحكاته بصوت المطر في الشارع."لقد فهمت…" مسح
على الرغم من رفضها الهادئ والحازم لسالم ذلك اليوم، عاشت سلمى في خوف دائم طوال الأسبوعين التاليين.في كل مرة كانت توصل فيها مالك إلى الروضة، كانت تتأكد مرارًا من عدم وجود أي شخص مريب حولها، وفي طريق عودتها من العمل كانت تلتفت فجأة كلما سمعت صوت خطوات.بل إنها كانت تستيقظ في منتصف الليل مذعورة من الكوابيس، وتحلم بأن سالم جاء ليخطف الطفل.ما لم تكن تعلمه هو أن سالم كان يراقبها كل يوم من مكان غير بعيد.عندما كانت تخرج صباحًا، وعندما كانت توصل مالك إلى الروضة، وعندما كانت تعود ليلًا من العمل.كان سالم يصر على البقاء بالقرب منها، يحدق بها وبابنها في شرود.إلى أن جاء ذلك اليوم الذي هبت فيه عاصفة ثلجية، وعملت سلمى لساعات إضافية حتى وقت متأخر من الليل.توقفت الحافلات عن العمل، فلم تجد خيارًا سوى العودة إلى المنزل سيرًا وسط الرياح والثلوج.وفجأة، سمعت خلفها صوت خطوات مسرعة."لا تقترب!" استدارت سلمى بسرعة، ورفعت بخاخ الدفاع عن النفس بحذر.تجمد سالم في مكانه.كان معطفه الأسود مغطى بالثلج، وفي يده مظلة جديدة لم تُفتح بعد."أنا فقط… أردت أن أعطيك هذه المظلة." قال ذلك بابتسامة مصطنعة، وعندما رأى الاش
في الثالثة فجرًا، كانت الثلوج تتساقط بغزارة على البلدة الواقعة في شمال أوروبا.وقف سالم أمام ذلك المنزل الخشبي الأبيض الظاهر في الصورة، ولا يُعرف منذ متى وهو ينتظر بصمت، حتى إن معطفه الأسود غطته طبقة سميكة من الثلج.تكوّنت طبقة من الصقيع على رموشه، وتجمدت أصابعه حتى ازرقت، لكنه ظل يحدق دون أن يرمش في النافذة المضيئة بالطابق الثاني.وخلف النافذة، كانت سلمى تقرأ قصة ما قبل النوم لمالك."أمي، متى سيعود أبي كريم؟" سأل مالك وهو يفرك عينيه بنعاس."لقد سافر أبوك كريم في رحلة عمل مؤخرًا، وسيعود بعد يومين." قالت ذلك برفق وهي تقبل جبين ابنها.وبينما كانت تُطفئ النور، ألقت سلمى نظرة خاطفة من النافذة كعادتها.لكن تلك النظرة جعلت أنفاسها تكاد تتوقف في الحال.كانت تعرف ذلك الشخص الواقف وسط الثلوج حتى لو تحول إلى رماد.لقد كان سالم النجار.كيف يمكن أن يكون هنا؟ لقد غيروا أسماءهم وانتقلوا إلى مكان بعيد جدًا، فكيف عثر عليهما؟قبضت سلمى على يديها بقوة.بدت كل الذكريات المؤلمة التي عاشتها خلال السنوات الخمس وكأنها اندفعت إلى ذهنها دفعة واحدة، فارتجفت لا إراديًا."أمي؟" ناداها مالك بنعاس."نم، لا بأس." قا
منذ ذلك اليوم، ظل سالم يشاهد تسجيلات المراقبة القديمة في منزل عائلة النجار.كان يعلم أنه أساء فهمهما في أمور كثيرة، لكن عندما عرف الحقيقة أخيرًا وأراد أن يعوضهما، لم يعد لديه حتى فرصة للتكفير عن أخطائه.صرف جميع الخدم من المنزل، وحبس نفسه وحده في منزل عائلة النجار، يقضي كل يوم يتأمل المكان الذي عاش فيه الثلاثة معًا، وآثار ندى التي لم يبقَ منها إلا القليل.حينها فقط أدرك سالم مدى إهماله للأم وطفلها.فهو لم يثق بهما يومًا، ولم يمنحهما أي اهتمام من قبل.وعندما رأى في التسجيلات ظهر ندى النحيل والمنهك، ووجهه هو البارد عديم المشاعر، شعر وكأن السكاكين تمزق قلبه.ولم يجد وسيلة لتمضية أيامه سوى تخدير نفسه بالكحول، ليتمكن بصعوبة من كبت اليأس الذي يملأ قلبه ويُكمل يومه.إلى أن جاء يوم فتح فيه كبير الخدم الباب وهو يرتجف.كان سالم في حالة يُرثى لها، لم يعتنِ بنفسه منذ أيام، وكانت رائحة الخمر تملأ الغرفة."من سمح لك بالدخول؟ اخرج!"قال ذلك ببرود."سيدي… يبدو أننا وجدنا أثر الآنسة ندى!"اعتدل سالم فجأة، وحدق فيه دون أن يرمش، وصوته يملؤه عدم التصديق."كيف يمكن ذلك؟ لقد رأيت جثتي الأم وابنها بعيني في ذ
وفي داخل المدينة في الوطن، كانت ليلى تُجرّب الحقائب في أحد متاجر السلع الفاخرة.كانت الحقيبة الجديدة المصنوعة من جلد التمساح تحمل سعرًا من خمسة أرقام، لكنها لم ترمش حتى، وطلبت من البائعة تغليفها مباشرة.كان حمزة يشد كمّها بجانبها ويواصل الإلحاح بصوت مرتفع."أمي! أريد ذلك الروبوت! لقد وعدتِني أمس بشرائه!""سنشتريه، سنشتري كل شيء." قالت ذلك بعبوس وهي تمرر بطاقتها بلا اكتراث.حدقت في البطاقة الإضافية التي منحها لها سالم، وأخذت تفكر كيف ستقنعه مساءً بأن يشتري لها سيارة جديدة.وفجأة، رن هاتفها.ما إن رأت اسم "سالم" على الشاشة حتى ارتسمت ابتسامة على وجهها."مرحبًا، سالم." أجابت بصوت رقيق."أنا وحمزة في…"لكن الصوت الذي جاء من الطرف الآخر كان خاليًا من دفئه وحنانه المعهودين."عودي حالًا." كان صوت سالم باردًا كالجليد."مهما كانت الطريقة، أريدك أمامي خلال نصف ساعة. سأنتظرك في منزل عائلة النجار."انقبض قلب ليلى.لماذا يعاملها سالم هكذا؟هل اكتشف شيئًا؟مستحيل.لقد استعانت بأشخاص لحذف تسجيلات المراقبة على السفينة منذ زمن، كما تم التأكد من انتشال جثتي ندى وابنها.كان كل شيء محكمًا بلا ثغرة، وما قا
في اليوم الذي خرج فيه مالك من المستشفى، جاء كريم بنفسه بالسيارة ليقلهما إلى المنزل.وقف عند باب الغرفة، وقد استبدل معطفه الطبي الأبيض بمعطف رمادي داكن، وكان يحمل حقيبة ظهر صغيرة على شكل زهرة عباد الشمس."عمي كريم!" اندفع مالك نحوه بسعادة وعانق ساقه.انحنى كريم لينظر إليه مباشرةً وسأله بلطف: "هل ما زالت عيناك تؤلمانك؟"هز مالك رأسه مطيعًا، رافعًا طرف الضمادة عن عينه ليكشف عن احمرار طفيف.ربت كريم برفق على خده الصغير."من الآن فصاعدًا، ما رأيك أن يصطحبك عمك إلى المستشفى كل يوم أربعاء لإجراء الفحص؟"كانت سلمى تقف إلى جانبهما حاملة حقيبة الأمتعة، وقالت بتردد عندما سمعت ذلك:"ألن يسبب لك ذلك الكثير من الإزعاج؟""وكيف يكون هذا إزعاجًا؟" أخذ كريم الحقيبة من يدها بلطف وقال بصوت هادئ:"طريقي يصادف طريقكما."كانت سلمى تعلم أن ذلك ليس صحيحًا.كانت المستشفى في الجانب الشرقي من المدينة، بينما كانوا يسكنون في الجانب الغربي. كيف يمكن أن يكون ذلك في طريقهما؟ومع ذلك، لم ترفض مرة أخرى، واكتفت بمشاهدته وهو يحمل مالك إلى المقعد الخلفي، ويربط له حزام الأمان بعناية.انطلقت السيارة في الشوارع الواسعة الخالي







