FAZER LOGINخرجت للتو من المستشفى بعد أن أجهضت طفلي، فأرسلت رسالة إلى زوجي. 【لقد أجهضت الطفل.】 عمر العطار:(١) حدقت في ذلك الرقم، وفجأة شعرت أنه مضحك. طوال تلك السنوات، كنت أبلغه قبل كل مهمة شديدة الخطورة، ولا يصلني منه سوى (١). وحتى عندما كنت أذكره بأن يتصل بي إذا انقطع الاتصال بي لأربع وعشرين ساعة، كان رده (١) أيضا. وحين تعرضت لانهيار أرضي ودُفنت تحته، وانقطع الاتصال بي اثنتين وسبعين ساعة كاملة. أرسلت إلى عمر ثلاثمئة وتسع رسائل استغاثة في الرعب الشديد. ورد علي بثلاثمئة وتسعة (١). عندها أدركت أن كل ما كنت أتلقاه لم يكن سوى ردود تلقائية. عمر لم يقرأ رسائلي أصلا. ولذلك من الطبيعي أنه لم يعلم أنني أخبرته بأنني سأقبل مهمة الإيفاد إلى الخارج قبل نصف شهر. وأنني سأجهض طفلنا اليوم. فكل اهتمامه وشغفه كانا لتلك المرأة التي تملأ منشوراته دائما. 【اليوم يوافق الذكرى الألف، وهو يوم ميلاد ليلى المنصور.】 وكانت الصورة المرفقة عبارة عن سجل محادثاته مع ليلى.
Ver maisعاد عمر إلى مدينة الشمال، ولم يغادر منزله طوال الشهر.كان يقضي كل يوم في المنزل الذي عاش مع نور فيه، والستائر مغلقة بإحكام، ينام وسط زجاجات الخمر، وما إن يستيقظ حتى يشرب، فإذا ثمل عاد إلى النوم.لم يكن قادرا على تقبل هذه النهاية، فلم يجد سوى الكحول ليخدر نفسه.فعلى الأقل، كان بإمكانه أن يراها في أحلامه.ويتوهم أن نور ما زالت تحبه.لكن مع مرور الوقت، اكتشف عمر برعب أن نور ربما أصبحت تكرهه إلى درجة أنها لم تعد تزوره حتى في أحلامه.حتى لم تعد تمنحه أملا زائفا.وانهار عمر تماما.حبس نفسه داخل ذكريات الماضي، ولم يعد يفعل شيئا سوى الشرب، ثم يحتضن ألبوم الصور ويقلب صفحاته صورة بعد أخرى.وكان يستعيد الماضي بلا توقف، وكأنه يعذب نفسه.وكلما كانت الذكرى أجمل، ازداد ألمه في الحاضر.امتلأت الغرفة برائحة الكحول النفاذة، ونهض عمر مترنحا، واتجه إلى المطبخ، ثم فتح الثلاجة، فوجد فيها بعض الفطائر التي أعدتها له نور.من الواضح أنها لقد تعفنت.لكنه لم يكن يريد تناولها، كان يخرج واحدة منها عندما اشتد شوقه إلى نور فقط، وكان يتذوقها ببطء شديد.ثم انحنى فوق المرحاض وتقيأ بعنف.وكان حمض المعدة يتدفق من فمه مع ا
بذل عمر كل ما في وسعه ليرضيني.ولم أتخيل يوما أن شخصا متعاليا مثله سيفعل كل هذا.بات يقيم في ممر المبنى.على أمل أن يحالفه الحظ ويراني عندما أعود إلى شقتي.وكان يركض إلى الفندق ليستأجر غرفة ويستحم فيها، خوفا من أن يفوته لقائي، ولذلك سقط مرات عديدة في الطريق، ولم تلتئم جراح ركبتيه أبدا."لا داعي."تجنبت الفطور الذي قدمه لي مرة أخرى.كان عمر مرهقا إلى درجة أنه لم يعد قادرا حتى على الكلام، وقد هزل جسده بوضوح، وصارت ملابسه فضفاضة عليه.أما معصماه الظاهران، فلم يبق فيهما سوى الجلد والعظم، وكانت عروقه بارزة بوضوح."نور… اقبليها، أرجوك…""اعتبري أنك لا تريدين إهدار الطعام فقط، وكليها، حسنا؟""دعي قلبي يرتاح قليلا، أرجوك يا نور، أنا حقا… حقا… أكاد أفقد عقلي…"ألقيت الفطور على قدميه مباشرة.ابتل سرواله بحليب الصويا، وتناثرت الفطائر على الأرض وغطاها الغبار."ألم تقل إنه لا ينبغي إهدار الطعام؟ التقطها وكلها إذن."رفع عمر عينيه إلي وقال: "إذا أكلتها، فهل ستتحدثين معي قليلا؟"لم أجب.وفجأة جلس القرفصاء، والتقط الفطائر المتسخة من الأرض، ثم وضعها في فمه مباشرة.حتى امتلأ فمه بها.انتفخت وجنتاه، وكان
لم أر عمر لعدة أيام متتالية.لا بد أن مكوثه في مستشفى ببلد غريب من دون من يعتني به لم يكن سهلا.بل كنت آمل أن يدرك مدى صعوبة الأمر ويتراجع.لكن بعد فترة قصيرة، عاد عمر يظهر أمامي من جديد، من أسفل مبنى الشركة، إلى جانب الطريق، حتى وجد منزلي في النهاية.كان يحمل سمكة طازجة بين ذراعيه، وقال إنه يريد أن يطهو لي وجبة. عدت لتوي من مناسبة عمل، وما زال الكحول يؤثر في، فلم أستطع منعه، فاستغل الفرصة ودخل إلى منزلي.وكان رأسي ثقيلا، فقررت ألا أجادله.وبدأت أصدر الأوامر له بلا شعور بالذنب."حضر لي حساء يزيل أثر الكحول.""وحضر لي ماء لغسل قدمي، وساعدني في غسلهما."أما عمر، فبدا سعيدا، وحمل قدمي بين يديه، ثم جففهما بمنشفة بعناية.في الحقيقة أن عمر كان شخصا كثير الاهتمام دائما.خلال الأيام الأولى منذ زواجنا، كنت أعود من العمل، فأجد الطعام الساخن والحساء في انتظاري.وكلما شعرت بالإرهاق، كان يضع على معصمي منشفة دافئة، ويجهز لي قناعا بخاريا يريح عيني.لكن الشخص الذي كان يمنحه كل هذا الاهتمام تبدل فيما بعد.ولو، وأقول لو فقط، لو لم يبتعد عمر عني، فربما كنت سأقضي حياتي كلها معه.لقد أحببته بعد كل شيء.وأ
في صباح عادي.ذهبت إلى الشركة كعادتي، وما إن وصلت إلى أسفل مبنى المكاتب حتى رأيت عمر.كان يجلس القرفصاء تحت شجرة الدلب على جانب الطريق.كان يرتدي معطفا أسود بسيطا، وشعره أشعث، ولحيته غير حليقة، وعيناه مغمضتان، وتحيط بهما هالات سوداء واضحة.مررت بجانبه.داست قدمي على ورقة يابسة، فاستفاق عمر فجأة.لم يختف النعاس في عينيه بعد، وما إن رآني حتى حاول الوقوف مترنحا.لكنه تعثر وسقط عدة مرات، حتى تمزق معطفه بسبب أغصان الشجرة."نور…""انتظري… انتظريني…"ثم استعاد وعيه أخيرا، وأسرع خلفي، وكان صوته مبحوحا بشدة.لم أكن أرغب في إضاعة وقتي معه.وما إن هممت بالمغادرة حتى جذبني عمر إلى حضنه بقوة.ملأت أنفي تلك الرائحة الخشبية المألوفة، الرائحة التي كانت تمنحني الأمان، لم تشعرني إلا الغثيان الآن.حاولت الإفلات منه بكل قوتي.لكن عمر تشبث بي بكل قوته، وكانت ذراعاه كالقيد الحديدي، وكأنه يريد أن يسحقني بين عظامه."اشتقت إليك… اشتقت إليك كثيرا…""بحثت عنك لمدة عامين… كنت على وشك الجنون… نور، سامحيني…""لقد أخطأت… أخطأت حقا… أقسم أنني لن أعاملك بذلك الشكل مرة أخرى… امنحيني فرصة واحدة فقط، أرجوك…""حقا لا أستط











