مشاركة

الفصل 4

مؤلف: مياه
ما إن سمعت نبرته الباردة، حتى انقبض قلب ندى بشدة.

احتضنت ابنها بقوة، وشاهدت كبير الخدم يحضر السوط ويفرده، ثم هوى به بقوة.

"لا!"

ارتجف جسدها كله، وانحنت لتحمي ابنها بجسدها وتستقبل الضربة.

تردد صوت السوط في أنحاء الفيلا، حتى تشنج جسد ندى من شدة الألم، لكنها لم تتراجع ولو خطوة.

تمزقت ثيابها إربًا، وغطت جسدها كدمات دامية.

عضّت على شفتيها بقوة، وامتلأ حلقها بطعم الدم، بينما خرجت منها أنات موجعة.

تساقط الدم قطرة بعد أخرى، وبدأ وعيها يضعف تدريجيًا.

ومع انتهاء الضربة الأخيرة، استنفدت كل قوتها وسقطت أرضًا.

وقبل أن تفقد وعيها تمامًا، كان آخر ما رأته هو ظهر سالم وهو يحمل حمزة ويغادر مع ليلى…

لا تعلم كم من الوقت مر، لكن عندما فتحت ندى عينيها، رأت سقف المستشفى الأبيض.

وبمجرد أن تذكرت ما حدث قبل إغمائها، استعادت وعيها تمامًا وأمسكت بيد الممرضة.

"أيتها الممرضة، أين ابني؟ أين هو؟ هل أصابه مكروه؟"

"ابنك بخير، لكنه مرهق خلال هذه الفترة، لذلك لا يزال نائمًا. أما أنتِ، فجروحك كثيرة، فمن الأفضل أن ترتاحي."

بعد سماع كلام الممرضة، تحملت الألم وذهبت إلى جانب ابنها، وعندما سمعته يناديها في نومه، امتلأ قلبها بالمرارة.

أمسكت بيده الصغيرة، وقالت بصوت يملؤه اللوم لنفسها:

"مازن، لأن أمك لم تستطع حمايتك، تعرضت لهذه الإصابات الخطيرة. أعدك أنني لن أسمح لأحد بإيذائك مرة أخرى، وسآخذك بعيدًا."

وقبل أن تنهي كلامها، فتح سالم الباب ودخل، ونظر إليها بوجه جامد.

"الرحيل؟ هل تنوين الطلاق مرة أخرى؟ مازن فقد بصره، وما زال صغيرًا، إن كنتِ تفكرين في مصلحته، فتوقفي عن إثارة المشاكل."

كانت نبرته الواثقة تثير غضب ندى.

نظرت إلى الجرح في جبين ابنها وإلى عينيه اللتين فقدتا البصر، وشعرت أن كل شيء عبثي.

أرادت أن تصرخ في وجهه وتسأله: من الذي أوصل مازن إلى هذه الحالة؟!

لكنها ابتلعت كلماتها في اللحظة الأخيرة.

لأنها كانت تعلم أنه إذا اكتشف أنها وابنها عرفا الحقيقة، فلن يسمح لهما بالمغادرة بسهولة.

وطالما بقيت ليلى هنا، فستظل هي وابنها تتعرضان للظلم، ولن تكون لهما فرصة للنجاة.

ولهذا، ومن أجل مستقبل ابنها، لم يكن أمامها سوى كبت غضبها.

"بالطبع أعرف ما يحتاجه مازن الآن، ولم أعد أنوي الطلاق."

أما الجملة الأخيرة: "بل أنوي أن أجعلك أرملًا وفاقدًا لابنك"، فلم تنطق بها.

ولم يفكر سالم أيضًا كثيرًا في كلامها، وعندما رأى الضمادات الملطخة بالدم على جسدها، هدأت نبرته قليلًا.

"من الجيد أنكِ تعلمين ذلك. بما أنني وعدت بالاعتناء بكما طوال حياتي، فلن أخلف وعدي."

كانت ندى تعلم أنه مهما شرحت، فسيقف دائمًا في صف ليلى وابنها.

لذلك تجاهلت كلامه تمامًا، ولم ترد عليه بكلمة.

أما سالم، فظن أنها اقتنعت، فوضع الدواء وغادر.

"هذه الأدوية تعالج الجروح الخارجية، احرصي على وضعها لمازن كل يوم حتى لا تترك ندوبًا."

وبعد أن شاهدته يغادر، ارتسمت على وجه ندى ابتسامة مليئة بالمرارة.

جروح الجسد ستلتئم مع الوقت، لكن ماذا عن جروح القلب؟

وحياة مازن التي تغيرت بسبب فقدان بصره، كيف يمكن تعويضها؟

لم يكن لدى أحد إجابة عن هذه الأسئلة.

وخلال الأيام التالية، لم يأتِ سالم لزيارتهما مرة أخرى.

أما الممرضات اللاتي كن يأتين لتفقد المرضى، فكن يتحدثن أحيانًا عن أخبار المستشفى.

"سمعت أن من حجز جناح كبار الشخصيات بالكامل هو رئيس مجموعة النجار. ابنه وسيم، لكنه كثير الحركة، يلتصق بوالده طوال اليوم، يطلب منه أن يروي له القصص، وأن يلعب معه بسيارات السباق، وحتى أثناء الطعام يصر على أن يطعمه بنفسه، ووالده يوافق على كل شيء."

"وأمه جميلة ولطيفة أيضًا، لذلك لا عجب أنها جعلت السيد سالم متعلقًا بها إلى هذا الحد. لو رأيتم كيف كانت تطلب نوعًا من الحلوى أو عقدًا معينًا، لوجدتموه يمسك مفاتيح السيارة فورًا ويذهب ليشتريه لها. إنه يدللها كثيرًا."

استمعت ندى بصمت، ولم يتحرك شيء في قلبها.

غطت مازن النائم جيدًا، ثم خرجت بهدوء من الغرفة لتجلب الدواء.

وخوفًا من أن يحدث شيء، ركضت ذهابًا وإيابًا حتى كادت تلهث من شدة التعب.

لكن ما إن وصلت إلى الباب، حتى سمعت بكاء ابنها من داخل الغرفة.

هوى قلب ندى، فدفعت الباب بقوة، لترى حمزة يمسك بإبرة المحلول ويطعن بها يد مازن حتى غطتها الدماء.

اشتعل غضبها وفقدت السيطرة على نفسها، فأسرعت وصفعته بقوة، ثم دفعته بعيدًا.

ثم احتضنت مازن، وأخذت تمسح الدم المتدفق من يده، وقلبها يعتصر ألمًا وتأنيبًا.

دوى بكاء الطفل في الممر، وسرعان ما حضر سالم وليلى.

وما إن رآهما حمزة، حتى مسح دموعه وركض نحوهما يشتكي أولًا.

"عمي سالم، أمي، كنت ألعب مع الأخ مازن، لكن العمة ندى صفعتني دون أن تقول كلمة واحدة!"

ما إن سمع ذلك حتى اسود وجه سالم، وأصبحت نظرته إلى ندى شديدة البرودة.

ومن دون أن يسأل أو يفكر، استدعى الحراس، وقال بنبرة باردة كالصقيع:

"لقد حذرتكِ في المرة السابقة، وبما أنكِ لم تتعلمي، فسأجعلكِ لا تنسين هذا الدرس أبدًا! بما أنكِ تجرأتِ على ضرب طفل بهذه القسوة، فسأجعلكِ تدفعين الثمن عشرة أضعاف!"

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • خفتت النجوم، وتبددت الأحلام   الفصل 21

    ابتسم سالم فجأة، لكن تلك الابتسامة كانت مليئة بالمرارةارتجفت يداه وهو يفك أزرار سترته، ثم مزق قميصه فجأة.امتد جرح بشع يشبه أم أربعة وأربعين ضخمة عبر الجانب الأيسر من بطنه.ولم تكن غرز الجراحة قد أزيلت بالكامل بعد، وكانت حمراء بشكل مخيف."ندى، مالك، انظرا…" مد يده نحوهما بنظرة شاردة."لقد تبرعت بكليتي حقًا… لقد أدركت خطئي فعلًا، ألا يُعد هذا تعويضًا ولو قليلًا لكما؟""هل يمكن أن تمنحاني فرصة؟ هل يمكن أن تسامحاني؟"اختبأ مالك في حضن أمه من شدة الخوف.غطت سلمى عيني ابنها، ونظرت إلى ملامح سالم الشاردة، فشعرت بقشعريرة تسري في قلبها."الأسبوع القادم سيأتي دور العينين. لقد أخذت عيني مالك، والآن سأعيدهما إليكما." ترنّح سالم إلى الأمام، وقد بدا على وجهه شيء من الهوس والجنون."هل هذا يكفي؟ هل يكفي لتعودا إليّ؟""ندى، تكلمي! قولي شيئًا!"لم يعد كريم قادرًا على الاحتمال، فسدد إليه لكمة قوية أصابت وجهه مباشرة.أسقطته اللكمة أرضًا، فسقط بقوة في بركة من الماء، وتدفق الدم من أنفه على الفور.لكنه بدا وكأنه لا يشعر بالألم، فرفع رأسه وضحك بصوت عالٍ، واختلطت ضحكاته بصوت المطر في الشارع."لقد فهمت…" مسح

  • خفتت النجوم، وتبددت الأحلام   الفصل 20

    على الرغم من رفضها الهادئ والحازم لسالم ذلك اليوم، عاشت سلمى في خوف دائم طوال الأسبوعين التاليين.في كل مرة كانت توصل فيها مالك إلى الروضة، كانت تتأكد مرارًا من عدم وجود أي شخص مريب حولها، وفي طريق عودتها من العمل كانت تلتفت فجأة كلما سمعت صوت خطوات.بل إنها كانت تستيقظ في منتصف الليل مذعورة من الكوابيس، وتحلم بأن سالم جاء ليخطف الطفل.ما لم تكن تعلمه هو أن سالم كان يراقبها كل يوم من مكان غير بعيد.عندما كانت تخرج صباحًا، وعندما كانت توصل مالك إلى الروضة، وعندما كانت تعود ليلًا من العمل.كان سالم يصر على البقاء بالقرب منها، يحدق بها وبابنها في شرود.إلى أن جاء ذلك اليوم الذي هبت فيه عاصفة ثلجية، وعملت سلمى لساعات إضافية حتى وقت متأخر من الليل.توقفت الحافلات عن العمل، فلم تجد خيارًا سوى العودة إلى المنزل سيرًا وسط الرياح والثلوج.وفجأة، سمعت خلفها صوت خطوات مسرعة."لا تقترب!" استدارت سلمى بسرعة، ورفعت بخاخ الدفاع عن النفس بحذر.تجمد سالم في مكانه.كان معطفه الأسود مغطى بالثلج، وفي يده مظلة جديدة لم تُفتح بعد."أنا فقط… أردت أن أعطيك هذه المظلة." قال ذلك بابتسامة مصطنعة، وعندما رأى الاش

  • خفتت النجوم، وتبددت الأحلام   الفصل 19

    في الثالثة فجرًا، كانت الثلوج تتساقط بغزارة على البلدة الواقعة في شمال أوروبا.وقف سالم أمام ذلك المنزل الخشبي الأبيض الظاهر في الصورة، ولا يُعرف منذ متى وهو ينتظر بصمت، حتى إن معطفه الأسود غطته طبقة سميكة من الثلج.تكوّنت طبقة من الصقيع على رموشه، وتجمدت أصابعه حتى ازرقت، لكنه ظل يحدق دون أن يرمش في النافذة المضيئة بالطابق الثاني.وخلف النافذة، كانت سلمى تقرأ قصة ما قبل النوم لمالك."أمي، متى سيعود أبي كريم؟" سأل مالك وهو يفرك عينيه بنعاس."لقد سافر أبوك كريم في رحلة عمل مؤخرًا، وسيعود بعد يومين." قالت ذلك برفق وهي تقبل جبين ابنها.وبينما كانت تُطفئ النور، ألقت سلمى نظرة خاطفة من النافذة كعادتها.لكن تلك النظرة جعلت أنفاسها تكاد تتوقف في الحال.كانت تعرف ذلك الشخص الواقف وسط الثلوج حتى لو تحول إلى رماد.لقد كان سالم النجار.كيف يمكن أن يكون هنا؟ لقد غيروا أسماءهم وانتقلوا إلى مكان بعيد جدًا، فكيف عثر عليهما؟قبضت سلمى على يديها بقوة.بدت كل الذكريات المؤلمة التي عاشتها خلال السنوات الخمس وكأنها اندفعت إلى ذهنها دفعة واحدة، فارتجفت لا إراديًا."أمي؟" ناداها مالك بنعاس."نم، لا بأس." قا

  • خفتت النجوم، وتبددت الأحلام   الفصل 18

    منذ ذلك اليوم، ظل سالم يشاهد تسجيلات المراقبة القديمة في منزل عائلة النجار.كان يعلم أنه أساء فهمهما في أمور كثيرة، لكن عندما عرف الحقيقة أخيرًا وأراد أن يعوضهما، لم يعد لديه حتى فرصة للتكفير عن أخطائه.صرف جميع الخدم من المنزل، وحبس نفسه وحده في منزل عائلة النجار، يقضي كل يوم يتأمل المكان الذي عاش فيه الثلاثة معًا، وآثار ندى التي لم يبقَ منها إلا القليل.حينها فقط أدرك سالم مدى إهماله للأم وطفلها.فهو لم يثق بهما يومًا، ولم يمنحهما أي اهتمام من قبل.وعندما رأى في التسجيلات ظهر ندى النحيل والمنهك، ووجهه هو البارد عديم المشاعر، شعر وكأن السكاكين تمزق قلبه.ولم يجد وسيلة لتمضية أيامه سوى تخدير نفسه بالكحول، ليتمكن بصعوبة من كبت اليأس الذي يملأ قلبه ويُكمل يومه.إلى أن جاء يوم فتح فيه كبير الخدم الباب وهو يرتجف.كان سالم في حالة يُرثى لها، لم يعتنِ بنفسه منذ أيام، وكانت رائحة الخمر تملأ الغرفة."من سمح لك بالدخول؟ اخرج!"قال ذلك ببرود."سيدي… يبدو أننا وجدنا أثر الآنسة ندى!"اعتدل سالم فجأة، وحدق فيه دون أن يرمش، وصوته يملؤه عدم التصديق."كيف يمكن ذلك؟ لقد رأيت جثتي الأم وابنها بعيني في ذ

  • خفتت النجوم، وتبددت الأحلام   الفصل 17

    وفي داخل المدينة في الوطن، كانت ليلى تُجرّب الحقائب في أحد متاجر السلع الفاخرة.كانت الحقيبة الجديدة المصنوعة من جلد التمساح تحمل سعرًا من خمسة أرقام، لكنها لم ترمش حتى، وطلبت من البائعة تغليفها مباشرة.كان حمزة يشد كمّها بجانبها ويواصل الإلحاح بصوت مرتفع."أمي! أريد ذلك الروبوت! لقد وعدتِني أمس بشرائه!""سنشتريه، سنشتري كل شيء." قالت ذلك بعبوس وهي تمرر بطاقتها بلا اكتراث.حدقت في البطاقة الإضافية التي منحها لها سالم، وأخذت تفكر كيف ستقنعه مساءً بأن يشتري لها سيارة جديدة.وفجأة، رن هاتفها.ما إن رأت اسم "سالم" على الشاشة حتى ارتسمت ابتسامة على وجهها."مرحبًا، سالم." أجابت بصوت رقيق."أنا وحمزة في…"لكن الصوت الذي جاء من الطرف الآخر كان خاليًا من دفئه وحنانه المعهودين."عودي حالًا." كان صوت سالم باردًا كالجليد."مهما كانت الطريقة، أريدك أمامي خلال نصف ساعة. سأنتظرك في منزل عائلة النجار."انقبض قلب ليلى.لماذا يعاملها سالم هكذا؟هل اكتشف شيئًا؟مستحيل.لقد استعانت بأشخاص لحذف تسجيلات المراقبة على السفينة منذ زمن، كما تم التأكد من انتشال جثتي ندى وابنها.كان كل شيء محكمًا بلا ثغرة، وما قا

  • خفتت النجوم، وتبددت الأحلام   الفصل 16

    في اليوم الذي خرج فيه مالك من المستشفى، جاء كريم بنفسه بالسيارة ليقلهما إلى المنزل.وقف عند باب الغرفة، وقد استبدل معطفه الطبي الأبيض بمعطف رمادي داكن، وكان يحمل حقيبة ظهر صغيرة على شكل زهرة عباد الشمس."عمي كريم!" اندفع مالك نحوه بسعادة وعانق ساقه.انحنى كريم لينظر إليه مباشرةً وسأله بلطف: "هل ما زالت عيناك تؤلمانك؟"هز مالك رأسه مطيعًا، رافعًا طرف الضمادة عن عينه ليكشف عن احمرار طفيف.ربت كريم برفق على خده الصغير."من الآن فصاعدًا، ما رأيك أن يصطحبك عمك إلى المستشفى كل يوم أربعاء لإجراء الفحص؟"كانت سلمى تقف إلى جانبهما حاملة حقيبة الأمتعة، وقالت بتردد عندما سمعت ذلك:"ألن يسبب لك ذلك الكثير من الإزعاج؟""وكيف يكون هذا إزعاجًا؟" أخذ كريم الحقيبة من يدها بلطف وقال بصوت هادئ:"طريقي يصادف طريقكما."كانت سلمى تعلم أن ذلك ليس صحيحًا.كانت المستشفى في الجانب الشرقي من المدينة، بينما كانوا يسكنون في الجانب الغربي. كيف يمكن أن يكون ذلك في طريقهما؟ومع ذلك، لم ترفض مرة أخرى، واكتفت بمشاهدته وهو يحمل مالك إلى المقعد الخلفي، ويربط له حزام الأمان بعناية.انطلقت السيارة في الشوارع الواسعة الخالي

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status