LOGINفي ذروة الجفاء بيني وبين غسان المالكي، نشر على فيسبوك منشورا قال فيه: "أوّل مئة شخص يضغطون زر الإعجاب، لهم مكافأة الانفصال" وما هي إلا لحظات حتى بلغ عدد الإعجابات والمشاركات تسعةً وتسعين. كنت أعلم أنه ينتظر استسلامي، ينتظر أن أعود كما في المرات العشر السابقة، أترجاه أن يحذف منشوره. غير أن هذه المرّة كانت مختلفة، شاركت المنشور وكتبت تحته: "وأنا منهم". ثم حظرت كل جهات اتصاله. وبعد ثلاثة أيام، وصلتني رسالة من شقيقته تقول: "ترك لكِ أخي تذكرة لحفل تخرجه، وقال إنه سيصفح عنكِ إن حضرتِ" ألقيت نظرة عابرة إلى تذكرة السفر المستقرّة فوق مكتبي، ثم أجبت: "لا وقت لديّ" ولم يكن ذلك اعتذارًا أتذرع به، بل حقيقة خالصة، فقد نلت قبولًا في الدراسات العليا بجامعة العاصمة، وكانت طائرتي ستقلع تلك الليلة إيذانًا ببداية حياة جديدة. ومنذ ذلك الحين، افترقت بنا المسافات، ولم يجمعنا لقاء بعده أبدًا.
View Moreانقبض قلبي قليلًا، واجتاحتني موجة من الضيق.لماذا لا يزال يصر على إظهار نفسه بهذا المظهر المزرِي؟عزمتُ على تغيير طريقي فورًا لأتحاشاه، لكنه بدا كمن استشعر وقع خطواتي، فالتفت نحوي بغتة.كانت حبات المطر قد بللت شعره وكتفيه، وبدا هذه المرة أكثر شحوبًا وانكسارًا من ذي قبل.كانت وجنتاه غائرتين، وعيناه محتقنتين بالدماء، بينما نمت لحيته بشكل أشعث وفوضوي، وكان جسده بأكمله ينضح برائحة الخمر والخراب التام.ولم تشرق تلك العينان الميتتان ببريق مباغت إلا في اللحظة التي وقع فيها بصره عليّ.تمتم بصوت متحشرج كاد ينشطر من شدة الجفاف:"رورو"ثم وقف يترنح في مشيته، حتى كاد يسقط أرضًا.توقفتُ في مكاني.تحرك طرف شفتيه محاولًا اصطناع ابتسامة، لكنها بدت أقسى وأقبح من البكاء.سألني:"أأنهيتِ تجاربكِ للتو؟ الوقت متأخر، أأنتِ متعبة؟".أجبتُه:"لا بأس".ثم جالت نظراتي بين علب الجعة الفارغة المتناثرة عند قدميه، وأردفتُ:"أأصبحتَ مدمنًا على الخمر؟".هز رأسه في سخونة مبطنة بالتهكم على الذات، وقال:"لا... لقد استقلتُ من العمل الذي رتبته لي عائلتي، وغضب أبي لدرجة أنه هددني بقطع صلتنا تمامًا".صمت لبرهة، وراحت عيناه تتأ
تلاشت الدماء من وجهه تمامًا، وتحركت شفتاه مرارًا دون أن يقوى على إخراج صوت مسموع.تمتم بضعف:"رزان"ثم تقدم نصف خطوة أخرى إلى الأمام، ومَدّ يده كأنه يرجو لمسي، لكنها تسمّرت في الهواء وعجزت عن المضي.وتابع قائلًا:"لقد أدركتُ حقًا... كم كنتُ وغدًا. لكنني أقسم أنني لم أقترف معها أي ذنب، ولم يمر عليّ يوم دون أن يمزقني الندم لأنني لم أطلعكِ على الحقيقة وتسببتُ في إغضابكِ. ذلك الحفل، ذلك اليوم كان ذكرى ارتباطنا الثالثة، وقد أعددتُ لكِ...""غسان"قاطعتُه للمرة الثانية، لكن نبرتي حملت هذه المرة أمرًا حازمًا قاطعًا لا يقبل الجدال بضرورة رحيله."أمر الماضي، بخيره وشره، لم أعد راغبة في استدعائه ثانيةً، ولم تعد تعنيني حقيقته أو زيفه في شيء. ما كان بيننا قد انتهى تمامًا وللأبد. أرجوك ألا تأتي للبحث عني بعد الآن، فهذا الأمر بات يسبب لي ضيقًا وإزعاجًا"وما إن أنهيتُ كلماتي، حتى شحتُّ ببصري عن وجهه الذي استحال كقرطاس أبيض وجسده الذي بدا آيلًا للسقوط، واحتضنتُ مراجعي واستدرتُ مغادرة.كانت أشعة الشمس لا تزال تملأ الأرجاء دفئًا، وأوراق الشجرة الذهبية تصدر حفيفًا تحت قدمي.وكنتُ أشعر بنظراته المسمّرة خلفي
حلَّ خريف العاصمة باجتياحٍ خاطف وعاصف.ومنذ أن وطئت قدماي جامعة العاصمة، تبدلت حياتي تمامًا كما تبدلت الفصول؛ فصارت أكثر وضوحًا ونقاءً.كانت حياة طالبة ماجستير في سنتها الأولى أكثر صخبًا وانشغالًا مما تخيلت.فالأستاذة المشرفة سهير كانت صارمة للغاية كما قيل عنها، لكن صرامتها كانت تنصب على العمل لا الأشخاص. وطالما كانت نتائج التجارب دقيقة ومنطق العرض رصينًا، لم تكن تبخل بالثناء والتقدير قط.لذا، قضيتُ جلَّ وقتي غارقة بين جدران المختبر وأروقة المكتبة.وبدأتُ أمتلك دائرة اجتماعية جديدة.فبالرغم من أن الزملاء والزميلات في المختبر كان لكل منهم غرابته الخاصة، إلا أن أغلبهم كانوا في غاية النقاء والصراحة.كانت هناك زميلة تدعى فرح، ذات شخصية مرحة ومنطلقة، وحين رأتني ألزم الوحدة دائمًا، أصرت على جذبي معها أكثر من مرة لتجربة الأطباق الجديدة في المقصف الجامعي، مبررةً ذلك برغبتها في تحسين التغذية لطفلة معزولة.وفي عطلات نهاية الأسبوع، كنتُ أرافق فرح أحيانًا لزيارة المتاحف، أو نكتفي بالتنزه عند ضفة البحيرة.كنا نتبادل الحديث عن تطور التجارب، وخطط المستقبل، وعن أفضل المطاعم في العاصمة؛ لكننا لم نتطرق
شحب وجه داليا في الحال؛ لم تكن تتوقع قط أن غسان يتذكر تلك التفاصيل بهذا الوضوح، ولم يخطر ببالها أبدًا أنه سيمزق قناعها بمثل هذه المباشرة القاسية."أخي غسان، لم أكن أقصد هذا أبدًا، كل ما في الأمر أنني خشيتُ أن تخدعك..."."تخدعني؟"اعتدل غسان في جلسته أخيرًا، وسحق سيجارته في المنفضة بحركة عنيفة حملت غيظًا دفينًا، ثم قال:"داليا، كم سنة مرت على معرفتنا؟ لقد كنتُ أعتبركِ دائمًا بمثابة شقيقتي الصغرى، وظننتُ أنكِ مجرد فتاة نزقة مدللة لا أكثر. لقد تشاجرتْ معي رزان إحدى عشرة مرة، وكانت عشر منها بسببكِ أنتِ، كنتُ أرى في السابق أنها تبالغ في الأمور وتفتعل الأزمات، وظننتُكِ نقيّة لا تحملين ضغينة أو مكرًا".ثبّت نظراته في عينيها اللتين بدأت ملامح الذعر تهاجمهما، وتابع يلقي كلماته بنبرة واضحة بالغة البرودة:"لكنني الآن، حين ألتفت إلى الوراء وأتأمل ما مضى، أدرك كم كنتُ أعمى البصيرة. في كل مرة كان يقع بيني وبينها أدنى جفاء، كنتِ تظهرين فجأة في الموعد تمامًا؛ إما باكية تنشدين مواساتي، أو ناطقة بكلمات تدفعها إلى إساءة الفهم. وفي تلك المرة بالفندق، هل حقًا جئتُ لمواساتكِ لأن مزاجكِ كان سيئًا؟ أم أنكِ حس