تسجيل الدخولفيينا – فندق إمبريال – الساعة الثامنة مساءً كان سنان جالساً في جناحه الفاخر في الطابق الرابع من فندق إمبريال. لم يأتِ لإتمام صفقة وهمية، ولم يأتِ للقاء جان لوك. جاء لشيء واحد فقط: أن يثبت لأعدائه أنه لا يخاف. لقد ألغى رحلته السابقة بعد تحذير رفيق، لكنه هذه المرة قرر أن يأتي رغم علمه بالخطر. كان يعلم أن هانز يتربص به، وكان يعلم أن جان لوك يخطط لقتله. لكنه كان مصمماً على ألا يبدو جباناً. كان يرتدي بدلة بيضاء أنيقة، وربطة عنق حمراء، وساعته الذهبية تلمع تحت ضوء الثريات الكريستالية. كان وجهه شاحباً، ويداه ترتجفان، لكن عينيه كانتا لا تزالان حادتين. إلى جانبه، كان علي جالساً بظهر مستقيم، وعيناه ترمقان الباب بترقب. كان علي قد حاول إقناع سنان بعدم المجيء، لكنه فشل. سنان كان عنيداً، وكان مصمماً على إنهاء هذه الحرب بطريقته الخاصة. سنان: «لا تخف يا علي. لن يحدث شيء. الحراس في أماكنهم، والشرطة على بعد دقائق. إذا حاول جان لوك أي شيء، فسندمره.» علي: «هذا ليس مكاناً آمناً. فندق مكتظ، والجو بارد، والحراس لا يعرفون طرق الهروب. يجب أن نغادر.» سنان: «لن أغادر. جئت لأرسل رسالة. سألتقي بجان لوك وجهاً
بيرو – ليما – ضاحية "سان إيسيدرو" – بعد أسبوعين من وصولها كانت الشمس مشرقة فوق العاصمة البيروفية، تلقى بظلالها الذهبية على المنزل الصغير الواقع في حي "سان إيسيدرو" الهادئ. لم يكن المنزل كبيراً، لكنه كان نظيفاً، وجدرانه البيضاء تعكس الضوء، وحديقته الخلفية تطل على جبل بعيد. كان المنزل يقع في نهاية طريق ضيق، لا يمر به إلا السكان المحليون، ولا تعرفه سيارات الأجرة ولا خرائط الإنترنت. كانت حلى واقفة أمام الباب الخشبي، تمسك بمفاتيحه الجديدة بيد ترتجف. إلى جانبها، كانت ليلى الصغيرة تحضن دُميتها وتنظر إلى المنزل بعيون فضولية. أما آدم، فكان يقف خلفهما، وعيناه تتحركان بقلق، يتأمل الجيران والشارع. كانت ليلى (زوجة علي السابقة) قد أوفت بوعدها. أرسلت محامياً محلياً لشراء المنزل باسم مستعار، وفتحت حساباً مصرفياً في بنك محلي تحت نفس الاسم، وحولت مبلغاً كافياً لتغطية نفقات سنة كاملة. لم تضع حلى أي أثر لها أو لعلي في أي من الأوراق. كان المنزل يبدو وكأنه ملك لسيدة بيروفية أرملة تعيش وحدها. آدم بصوته الذي بدأ يخشن قليلاً مع تقدمه في السن: «ماما، هذا المنزل أصغر بكثير من منزلنا في لندن.» حلى: «لكنه أك
إسطنبول – قصر سنان – بعد ثلاثة أيام من اجتماع التصويت كانت الغرفة في الطابق السفلي من قصر سنان معزولة تماماً عن باقي أرجاء المبنى. جدرانها مكسوة بألواح معدنية عازلة للإشارات، ولا نوافذ لها سوى فتحة تهوية صغيرة في السقف. في وسط الغرفة، كان سنان جالساً على كرسيه الدوار، ويداه مشبوكتان فوق بطنه. أمامه، كانت شاشة كبيرة تعرض خريطة للبحر المتوسط، وعليها علامات حمراء تشير إلى مواقع سفن الشحن التابعة له. كان علي واقفاً إلى جانبه، يرتدي بدلة رمادية داكنة، ووجهه شاحب من قلة النوم. منذ أسبوع وهو يفكر في حلى وأطفاله، في مكانهم الجديد في بيرو، وفيما إذا كان سيراهم مرة أخرى. لكنه كان يعلم أنه لا يستطيع البحث عنهم الآن. كان عليه أن ينتهي من هذه اللعبة أولاً. سنان وهو يشير إلى الخريطة: «هذه هي خريطة الصفقة الوهمية. سنخبر جان لوك أن لدينا شحنة أسلحة ضخمة متجهة إلى ليبيا، قيمتها تزيد عن مئتي مليون دولار. سنطلب منه أن يكون الوسيط بيننا وبين المشتري. وعندما يوافق، سننصب له فخاً.» علي: «وكيف نضمن أنه سيصدق؟ بعد كل ما حدث، جان لوك لن يثق بنا بسهولة.» سنان: «لن يصدق، صحيح. لكنه سيأتي لأنه جشع. مئتا ملي
جنيف – مقهى صغير في حي "ليز أكاسيا" – بعد يومين من قرار هانز كان المقهى صغيراً، بعيداً عن الأنظار، يقع في زقاق ضيق في حي "ليز أكاسيا" الشعبي. لم يكن من الأماكن التي يرتادها الأغنياء أو رجال الأعمال، بل كان ملاذاً للعمال والمتقاعدين الذين يبحثون عن فنجان قهوة رخيص وصحيفة قديمة. اختار فلاديمير هذا المكان بعناية؛ فهو بعيد عن كاميرات المراقبة، ولا يوجد فيه خادم إنترنت، ولا يمكن لأحد أن يربطه بعلي أو بسنان. كان علي قد وصل قبل الموعد بنصف ساعة. جلس على طاولة في الزاوية البعيدة، يطل على الباب الخشبي القديم. كان يرتدي ملابس بسيطة: جينز أزرق، وقميص رمادي، ونظارة شمسية رغم أن الطقس كان غائماً. لم يرد أن يلفت الانتباه. كان يعلم أن هذه المكالمة قد تكون الأخطر في حياته. طلب فنجاناً من القهوة السادة، وجلس ينتظر. كان يشعر بقلقه يزداد مع كل دقيقة تمر. فلاديمير لم يتأخر أبداً في لقاءاتهم السابقة. كان دقيقاً كالساعة السويسرية. لكن التأخير هذه المرة كان يقلقه. في الدقيقة العاشرة بعد الموعد، فُتح الباب الخشبي القديم، ودخل رجل طويل القامة، يرتدي معطفاً رمادياً طويلاً وقبعة من الصوف تخفي نصف وجهه.
جنيف – مقر الإنتربول الإقليمي – صباح اليوم التالي كان هانز جالساً في مكتبه، أمامه ثلاثة ملفات مفتوحة: ملف سنان، ملف جان لوك، وملف علي. كان يقلب صفحاتها ببطء، وعيناه الزرقاوان تتحركان كمن يبحث عن شيء محدد، شيء قد فاته في القراءات السابقة. منذ أسبوع، وهو يتابع تداعيات الحرب بين سنان وجان لوك. تفجير مستودع مرسيليا، وخطف فؤاد وقتله، ثم هجوم سفينة "أميد"، ثم تفجير المستودع الآخر في مرسيليا. كانت الحرب تتصاعد، والدماء تتدفق، والأبرياء يموتون. وكان هانز يعلم أن هذه الحرب قد تخرج عن السيطرة، وقد تودي بحياة أبرياء كثيرين. وإذا حدث ذلك، فإن ملفاتهم جميعاً ستصل إلى رؤسائه، وعندها سيخسر كل شيء: وظيفته، حريته، وربما حياته. كان أمامه خياران: إما أن يبقى محايداً، يراقب من بعيد، ويتدخل فقط عندما تصبح الأمور خارج السيطرة. وإما أن يختار طرفاً، ويتعاون معه ضد الآخر، على أمل أن يحصل على معلومات تقوده إلى القبض على الجميع في النهاية. في الأسبوع الماضي، اختار الخيار الثاني. اتصل بجان لوك وعرض عليه التعاون. لكن جان لوك لم يرد بعد. كان يختبره، أو ربما كان يخطط لخيانته كما يخطط لخيانة الجميع. هانز ل
مرسيليا – جنوب فرنسا – بعد ثلاثة أيام من هجوم سفينة "أميد" كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة مساءً، والحي الصناعي في مرسيليا هادئ كالعادة في هذا الوقت من الليل. المصانع مغلقة، والمستودعات موصدة، والحراس يتناوبون أمام بوابات الحديد الصدئة. في مستودع رقم 9، وهو مستودع صغير نسبياً مقارنة بالمستودعات المجاورة، كانت تقبع شحنة أسلحة تابعة لجان لوك، في طريقها إلى جماعة مسلحة في مالي. لم تكن الشحنة ضخمة، لكن قيمتها تجاوزت العشرين مليون دولار. لم يكن أحد من رجال جان لوك يعلم أن رجال سنان كانوا يترصدون هذا المستودع منذ أسبوع. كانوا يعرفون مواعيد دخول الحراس وخروجهم، وعددهم، وأسلحتهم، ونقاط ضعفهم. كانوا يعرفون أن المستودع لا يحتوي على كاميرات مراقبة داخلية، وأن الباب الخلفي يمكن فتحه بمفتاح عادي. في الحادية عشرة وخمس دقائق، تحرك ستة رجال ملثمين يرتدون ملابس سوداء نحو الباب الخلفي للمستودع. كانوا يحملون مسدسات كاتمة للصوت، ومعدات قطع حديد. لم يصدر أي صوت سوى خطوات أقدامهم الخفيفة على الأسفلت البارد. قائد الفريق، رجل في الأربعين من عمره يدعى "زياد"، كان من أقدم رجال سنان، وأكثرهم خبرة في العمل