ログインالوطن – المنزل القديم – مساء يوم الجمعة – عيد ميلاد علي الخامس والستين كانت السماء صافية، والشمس قد بدأت تغرب خلف جبال المدينة، تاركة خلفها ألواناً برتقالية وحمراء تلونت بها السماء وانعكست على نوافذ المنزل القديم. كانت الحديقة الخلفية قد تحولت إلى مكان ساحر؛ أضواء صغيرة معلقة على أغصان الأشجار، وطاولات بيضاء مزينة بالورود، وكراسي مرتبة في صفوف، وموسيقى هادئة تنساب من مكبرات الصوت المخفية بين الزهور. كان علي يقف عند مدخل الحديقة، يرتدي بدلة زرقاء أنيقة، وربطة عنق فضية، وشعره الرمادي مصفف بعناية. كان يبتسم ابتسامة عريضة، وعيناه تلمعان بفرح لم يشعر به منذ سنوات. كان هذا هو عيد ميلاده الخامس والستون، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يحتفل فيها بعيد ميلاده مع عائلته منذ أكثر من عقدين. كانت حلى إلى جانبه، ترتدي فستاناً أسود أنيقاً، وشعرها الأسود الممزوج بالشيب منسدلاً على كتفيها، ويدها في يده، ووجهها يلمع بفخر وسعادة. كان الضيوف يتوافدون واحداً تلو الآخر. أول من وصل كان آدم ومريم. كانت مريم في الشهر السادس من حملها، وبطنها قد كبر بشكل ملحوظ، وكانت ترتدي فستاناً فضفاضاً باللون البيج، وابتسا
الوطن – المنزل القديم – بعد أسبوع من زيارة حلى وليلى لقبر والدتها كان الصباح مشمساً ودافئاً، والنسيم الخفيف يحمل رائحة الزهور من الحديقة الخلفية، وأشعة الشمس تتسلل من النوافذ لتلقي بظلالها الذهبية على الأرضيات الخشبية. كان علي جالساً في غرفة المعيشة، يقرأ جريدته الصباحية كعادته، ويحتسي فنجاناً من القهوة السادة. كانت الحياة هادئة، مستقرة، وكأن السنوات المضطربة لم تكن سوى كابوس بعيد. لكن ذلك الصباح كان مختلفاً. كان هناك طرق على الباب، ووقف علي ليفتحه، ليجد رجلاً يرتدي بدلة رسمية، ويحمل مظروفاً كبيراً مختوماً بختم رسمي. كان الرجل يحمل هوية موظف حكومي، ووجهه يعكس جدية المهمة. الموظف: «السيد علي الفهد؟» علي: «نعم. من أنت؟» الموظف: «أنا من ديوان رئاسة الجمهورية. لدي مراسلة رسمية موجهة إليك. يرجى التوقيع على استلامها.» شعر علي بقلبه يخفق بسرعة. لم يكن يتوقع أي مراسلات رسمية، خاصة من ديوان الرئاسة. وقع على ورقة الاستلام، وأخذ المظروف، وأغلق الباب. وقف في منتصف الردهة، ينظر إلى المظروف بين يديه، وكأنه يحمل شيئاً ثقيلاً. كان يعلم أن هذه المراسلة قد تغير كل شيء. فتح المظروف ببطء، وأخرج ال
الوطن – منطقة "الجبل الأخضر" – بعد ثلاثة أيام من عودة آدم من لندن كانت الشمس قد بدأت ترتفع فوق قمم الجبال، تاركة خلفها خيوطاً ذهبية تنساب بين أغصان الأشجار العتيقة. كان الجو بارداً، والنسيم يحمل رائحة التراب والزهور البرية، وأصوات العصافير تملأ المكان بهدوء. كانت حلى تجلس في المقعد الخلفي من السيارة، وعيناها مثبتتان على الطريق المتعرج الذي كان يقودها إلى مكان لم تزره منذ أكثر من ثلاثين عاماً: قرية "الجبل الأخضر"، مسقط رأس والدتها. إلى جانبها، كانت ليلى جالسة، تمسك يدها، وتشعر بتوترها وارتباكها. لم تكن تعرف الكثير عن تاريخ عائلتها من جهة والدتها، لأن حلى كانت نادراً ما تتحدث عن طفولتها. لكنها كانت تعلم أن هذه الرحلة مهمة، وأن والدتها كانت بحاجة إلى القيام بها. ليلى: «ماما، هل أنتِ بخير؟ تبدين متوترة.» حلى: «أنا بخير يا حبيبتي. فقط... لقد مضى وقت طويل منذ آخر مرة زرت فيها هذا المكان. كنت صغيرة عندما تركتُه. لا أتذكر الكثير، لكنني أتذكر والدتي. كانت جميلة، وكانت تحب الزهور. كانت تزرعها في حديقتنا الصغيرة، وتغني لنا بينما تعتني بها.» ليلى: «أريد أن أعرف عنها. لم تخبريني كثيراً عن جدت
الوطن – مطار العاصمة – صباح يوم الاثنين كان الجو بارداً، والسماء رمادية تتساقط منها قطرات مطر خفيفة، والرياح تعصف بممرات المطار الخارجية. كان آدم واقفاً أمام بوابة الصعود إلى الطائرة، يحمل حقيبة سفر صغيرة، ووجهه يعكس مزيجاً من الحماس والقلق. كان على وشك السفر إلى لندن لحضور مؤتمر دولي حول الطاقة المتجددة، وهو حدث كان ينتظره منذ شهور. كان سيلتقي هناك بكبار المستثمرين والخبراء في المجال، وسيقدم مشروعه أمام جمهور دولي لأول مرة. إلى جانبه، كانت مريم تقف، تمسك بيده وتنظر إليه بعينين دامعتين. كانت في الشهر الخامس من حملها، وبطنها بدأ يكبر، ووجهها يلمع بجمال الأمومة. كانت ترتدي معطفاً خفيفاً، ووشاحاً ملوناً يلف عنقها، وابتسامتها الدافئة كانت تخفي قلقها. مريم: «تأكد من أن تتصل بي كل يوم. لا تنسَ أن تأكل جيداً، وأن تنام مبكراً. لا ترهق نفسك بالعمل طوال الوقت.» آدم مبتسماً: «لا تقلقي يا حبيبتي. سأعتني بنفسي. سأتصل بكِ كل يوم، وسأرسل لكِ صوراً من المؤتمر. سأكون بخير.» مريم: «أعلم. لكنني سأفتقدك. هذه هي المرة الأولى التي نسافر فيها منفصلين منذ زواجنا.» آدم: «لن تطول المدة. خمسة أيام فقط. وب
الوطن – المنزل القديم – بعد أسبوع من إعلان مريم عن حملها كان الصباح بارداً، والسماء رمادية تمطر بغزارة، والرياح تعصف بأشجار الحديقة الخلفية. كان علي جالساً في غرفة المعيشة، يحتسي فنجاناً من القهوة السادة، ويقرأ جريدته الصباحية. كانت الحياة هادئة، والأخبار في الجريدة عادية، ولا توجد أي أحداث تستحق الاهتمام. كان يشعر بالراحة، بالاستقرار، وكأن السنوات المضطربة كانت مجرد حلم بعيد. فجأة، رن هاتفه. نظر إلى الشاشة، فإذا برقم دولي لا يعرفه. تردد للحظة، ثم رد. صوت من الطرف الآخر، بلكنة روسية ثقيلة: «علي؟ هل هذا أنت؟» علي: «نعم. من المتحدث؟» الصوت: «إنه أنا. سيرغي. لقد خرجت من السجن منذ ستة أشهر، وقررت أن أزورك. أنا في مطار العاصمة الآن. هل يمكنني القدوم إليك؟» شعر علي بصدمة سعيدة. لم يرَ سيرغي منذ أن خرج من السجن قبل سنوات، وكان يظن أنه عاد إلى روسيا إلى الأبد. لكنه كان هنا، في وطنه، يريد زيارته. علي: «سيرغي! يا للهول! بالطبع يمكنك القدوم. سأرسل لك العنوان. أنتظرك على الغداء.» سيرغي: «شكراً لك يا علي. سأكون هناك خلال ساعة.» أغلق علي الهاتف، ونهض من مكانه مسرعاً. كان يشعر بحماس طفولي.
الوطن – منزل آدم ومريم الجديد – حي هادئ على مشارف المدينة – مساء يوم الجمعة كان المنزل صغيراً لكنه دافئ، يقع في نهاية شارع هادئ تحيط به الأشجار القديمة والحدائق الصغيرة. كان آدم ومريم قد انتقلا إليه منذ شهر، بعد أن قررا الاستقرار في الوطن بدلاً من العودة إلى لندن. كان آدم يدير مشروعه عن بُعد، ويسافر بين الحين والآخر لحضور الاجتماعات المهمة، بينما كانت مريم تعمل على إنهاء دراستها عبر الإنترنت. كانت حياتهما هادئة، مستقرة، ومليئة بالحب. في ذلك المساء، كان آدم جالساً على الأريكة في غرفة المعيشة، يقرأ بعض التقارير المالية على حاسوبه المحمول. كان متعباً بعد يوم طويل من الاجتماعات عبر الفيديو مع شركائه في لندن، لكنه كان سعيداً. كان مشروعه ينمو بسرعة، وكانت العقود تتوالى، وكان المستقبل يبدو مشرقاً. كانت مريم في المطبخ تعد العشاء، وكانت رائحة البهارات والزيتون تملأ المكان. آدم: «مريم، هل تحتاجين إلى مساعدة؟» مريم من المطبخ: «لا، شكراً. أنا على وشك الانتهاء. فقط اجلس واسترخِ. سأحضر العشاء خلال دقائق.» ابتسم آدم، وعاد إلى قراءة التقارير. كان يشعر بالارتياح لأول مرة منذ سنوات. لم يعد هناك خو
استيقظت حلى على صوت رنين هاتفها. نظرت إلى الشاشة، فإذا برسالة من علي: "اللقاء مع هانز انتهى. كل شيء على ما يرام. سأعود خلال يومين. أحبكِ." قرأت الرسالة ثلاث مرات. كانت كلمات علي قصيرة، لكنها حملت إليها شيئاً من الطمأنينة. سألت نفسها: هل هو صادق هذه المرة؟ أم أن الخطر لا يزال يحدق به من كل جانب؟ ت
استيقظ علي في السابعة صباحاً، قبل أن يرن المنبه. كانت عادته منذ سنوات؛ لا يحتاج إلى منبه، فجسده كان يتكيف مع ضغوط العمل لدرجة أنه كان يستيقظ في الوقت نفسه كل يوم تقريباً. نهض من السرير، واتجه إلى الحمام. وقف تحت رذاذ الماء البارد لدقائق، يحاول أن يغسل عنه تعب الأمس وقلقه. خرج، ولف منشفة بيضاء حول
كانت الشمس قد أشرقت منذ ساعتين على بحيرة ليمان، لكن مكتب هانز كان لا يزال غارقاً في ظلام صناعي بفعل الستائر المعتمة التي نادراً ما كان يفتحها. كان الجو بارداً، والمكيف يصدر همهمة خافتة مزعجة. على مكتبه، كانت ثلاثة أكواب من القهوة الفارغة تتحدث عن ليلة بيضاء قضاها في متابعة الملفات. جلس هانز على كر
كانت الغرفة في الطابق السفلي من قصر سنان معزولة تماماً عن باقي أرجاء المبنى. جدرانها مكسوة بألواح معدنية عازلة للإشارات، ولا نوافذ لها سوى فتحة تهوية صغيرة في السقف. في وسط الغرفة، كان أربعة رجال يجلسون أمام شاشات حاسوب كبيرة، وأيديهم تتحرك بسرعة على لوحات المفاتيح. كانوا يرتدون سماعات رأس، ويتحدثو