FAZER LOGINانفتح باب السيارة المصفحة ذات الزجاج الداكن ببطء، وبدا جوفها الأسود وكأنه فم وحش يستعد لابتلاعي بالكامل. لم يمنحني كرم خياراً؛ قبضته المخملية الصلبة حول معصمي تحولت إلى قوة دافعة وجهتني نحو المقعد الخلفي الوثير. صعد خلفي مباشرة بحركة هادئة وواثقة، وأغلق الباب الثقيل بمجرد استقراره بجانبي.
في تلك اللحظة بالذات، انقطع الصوت تماماً. تكنولوجيا العزل داخل السيارة كانت مرعبة لدرجة أنني لم أعد أسمع سوى صوت دقات قلبي المتسارعة، والتي خلتُ أنها تدوي كالحطب المحترق في صدر الغرفة. تحركت السيارة بهدوء قاتل، وتسللت الظلال الخارجية لمرآب الشركات عبر النوافذ المعتمة، لتنعكس خطوطاً متناوبة من الضوء والعتمة على ملامح كرم الجانبية. كان يجلس بكامل هيبته، يضع ساقاً فوق الأخرى، وعيناه الرماديتان مثبتتان على الطريق أمامه ببرود جليدي، وكأنني لم أكن قبل دقائق معدودة جارية على ركبتي تحت مكتبه، مأسورة بين رعب الحقيقة وسحر نفوذه. "إلى أين نحن ذاهبون يا سيدي؟" ناديتُه بلقبه محاولةً تذكيره وتذكير نفسي بالفجوة الشاسعة بيننا، وبأنني مجرد موظفة لديه، لكن صوتي خرج مهزوزاً، يفتقر إلى كل أنواع الشجاعة. لم يلتفت إليّ. ترفع كبرياؤه حتى عن إعطائي إجابة مباشرة. بدلاً من ذلك، امتدت يده الطويلة ذات الأصابع القوية نحو علبة سجائر فضية موضوعة في تجويف المقعد. سحب سيجارة ببطء، وأشعلها بقدحة أحدثت صوتاً صغيراً، ليتوهج النور البرتقالي للحظة، عاكساً النظرة المتعطشة والمتملكة المخبأة في عينيه. استنشق الدخان بعمق، ثم أخرجه ببطء ليتصاعد في المساحة الضيقة بيننا، حاملاً معه تلك الرائحة الحادة والآسرة التي بدأت تفعل فعلها الغريب في خلايا دماغي. ساد الصمت مجدداً، صمت ثقيل، غامض، تشتعل في أحشائه حساسية جسدية لا يمكن تجاهلها. "لقد سألتكِ سؤالاً في المكتب ولم تجيبيني عليه، شام،" قالها فجأة، دون أن يلتفت، بنبرته الرخيمة المنخفضة التي تبدو أقرب إلى الفحيح الناعم. "ما الذي يدفعه الجسد الخائف للبحث في أدراج لم تُفتح منذ سنوات؟" ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وشعرت بجفاف شديد في حلقي. "لقد أقسمتُ لك.. الأوراق سقطت.. ولم أكن أعرف ما يحتويه ذلك الملف." هنا، التفت إليّ بكامل جسده ببطء مرعب. انخفضت المسافة بيننا في ثانية واحدة عندما مال بجذعه العريض نحوي، ضاغطاً إياي نحو زاوية المقعد الجلدي للسيارة. امتدت يده، التي لا تزال تحمل سيجاره المشتعل، ليمرر ظهر سبابته الحراري فوق وجنتي الساخنة. كانت أصابعه باردة كالثلج، بينما كان وجهي يغلي بفعل التوتر والخجل المكتوم. "أنتِ تكذبين،" قال بالقرب من شفتي، حتى تكاد أنفاسه المخلوطة بالتبغ تلتصق بأنفاسي المضطربة. "وعيناكِ الوجلتان تفضحان كل شيء. أنتِ جئتِ إلى شركتي بهدف محدد، ووقوع هذا الملف تحت يديكِ لم يكن مجرد حادثة عابرة." تحركت أصابعه نزولاً من وجنتي، لتلتف مجدداً حول عنقي بلطف مفرط ولكنه يحمل تهديداً بالخنق الحسي. بدأ إبهامه يتحرك ببطء دائري فوق الشريان النابض في رقبتي، وكأنه يعد دقات قلبي الهاربة ويستمتع بضعفي الشديد أمامه. شعرت بجسدي بأكمله ينتفض، قشعريرة عنيفة سرت من أسفل عمودي الفقري لتستقر في أطرافي. كنت خائفة منه، نعم، ولكن هناك جزءاً مظلماً بداخلي كان يتوق لهذا القرب الخانق، يشتهي سطوة تملكه التي تعيد تعريفي من جديد. حاولتُ رفع يدي لأبعد يده عن عنقي، لكن بمجرد أن لمست أصابعي معصمه الصلب، أطبق بيده الأخرى على كلتا يدي، وضغطهما معاً فوق صدري المرتجف، مثبّتاً إياي تحت وطأة جسده الفارع. "لا تحاولي المقاومة،" همس وصوته ينخفض لطبقة أكثر عمقاً، وعيناه تتأملان شفتي المفتوحتين جزئياً لاستجماع الهواء. "كلما قاومتِ، كلما زادت رغبتي في كسر هذا الكبرياء الشامي الذي تختبئين خلفه." انعطفت السيارة بقوة، مما جعل جسدي يرتد ويلتصق بصدره العريض بالكامل. شعرت بصلابة عضلاته، وبدقات قلبه القوية والمنتظمة التي تخالف جنون نبضاتي تماماً. تلاقت أعيننا في تلك اللحظة الحميمة والقسرية؛ كان هناك بريق غريب في عينيه الرماديتين، مزيج من الغضب الجارف، التملك، وشيء آخر يشبه الجوع العاطفي المكبوت وراء حصون بروده وصمته. استمرت السيارة في السير لقرابة الساعة، وأنا مستسلمة بين قبضتيه، عاجزة عن الحركة، وعاجزة عن منع حواسي من الاحتراق بسببه. بدأ نسيج المدينة يتلاشى من النوافذ، ليحل محله ظلام طريق صحراوي موحش، لا تضيئه سوى كشافات السيارة. فجأة، خففت السيارة من سرعتها، لتنعطف نحو بوابة حديدية ضخمة وعملاقة انفتحت بصمت مخيف. ظهر من خلفها قصر معزول، شاهق الارتفاع، تتوزع حوله إضاءات خافتة باللون الأصفر الدافئ، يحيطه صمت مطبق يشبه صمت المقابر. توقفت السيارة أمام المدخل الرئيسي الفخم. التفت إليّ كرم، وأفلت يدي ببطء، لكنه أبقى وجهه قريباً من وجهي لدرجة مرعبة، وابتسامة غامضة ومظلمة ترتسم على شفتيه. "لقد وصلنا إلى جحيمكِ الخاص يا شام،" قال بنبرة هادئة قطعت السكون. "هنا، لن يسمعكِ أحد إذا صرختِ، وهنا.. ستبدأين بدفع ثمن كل كلمة قرأتيها في ذلك الملف." انفتح باب السيارة من الخارج بواسطة الحارس، لكن كرم لم يتحرك، بل ظل يثبتني بنظراته، منتظراً ردة فعلي. وقبل أن أتحرك، لمحتُ عبر النافذة المفتوحة ظلاً لشخص مسلح يقف فوق شرفة القصر، يوجه نظراته نحو السيارة، ويحمل بيديه غلافاً جلدياً أسود يشبه الملف الذي رأيته تحت المكتب.جاء قبول الجامعة بعد أسبوعَين من تقديم الطلب. رسالة إلكترونية هادئة في صباح اعتيادي لا يختلف ظاهره عن أي صباح آخر في تلك الأيام. لا إعلانات ولا أضواء، مجرد كلمات على شاشة تقول إن الطلب قُبل وإن المقررات الأولى تبدأ بعد ثلاثة أسابيع. قرأتُ الرسالة مرتَين. أغلقتُ الجهاز. وجلستُ أمام القهوة التي بردت نصفها. ولم أُخبر أحداً في ذلك اليوم. ليس كتماناً ولا خوفاً من ردود الفعل. بل لأن بعض اللحظات تحتاج أن تجلس معك وحدها قبل أن تدخل إلى الكلام ويبدأ الآخرون في تسميتها ووضعها في صناديق من المعنى التي يختارونها هم. وهذه اللحظة كانت لي أنا أولاً. في الليل فقط، وبعد العشاء وحين جلسنا كرم وأنا في الشرفة الصغيرة، قلتُ له: "القبول جاء." نظر إليّ دون أن يُحرّك كثيراً. "متى؟" "في الصباح." "وانتظرتِ حتى الليل." "أردتُ أن أجلس معه وحدي أولاً." فهم. ولم يُضف كلمةً واحدة لا تستدعيها اللحظة. وكان هذا الفهم الهادئ الذي لا يحتاج إلى تفسير من المُخبِر ولا إلى إكمال من الطرف الآخر، أصبح في هذه الحياة الجديدة من أكثر الأشياء التي أُقدّرها. أن يعرف الشخص المجاور متى يتكلم ومتى يكتفي بالوجود. قال أخيراً بهدوء:
في اليوم الأول بعد العودة إلى دبي استيقظتُ في الساعة السادسة والنصف كعادتي قبل كل هذه الرحلة. وكان ذلك الاستيقاظ المبكر نفسه مختلفاً: لم يكن مدفوعاً بملف ينتظر أو اجتماع يُقلقني. استيقظتُ لأنني أريد الاستيقاظ. ولأن قهوة الصباح المبكر في ذلك الهدوء الخاص أصبحت شيئاً أُحبّه لذاته لا لما تُمهّد له. كتبتُ في الدفتر في الصباح الأول: اليوم أول يوم من الحياة التي أعرف الآن أنني أختارها. في الصباح ذاته قبل أن يستيقظ كرم فتحتُ موقع الجامعة على جهازي. سجّلتُ طلب الالتحاق في الساعة السابعة وعشرين دقيقة. وأغلقتُ الجهاز قبل أن يستيقظ كرم لأن بعض الأشياء تستحق أن تُفعَل بهدوء قبل أن تُعلَن. حين جاء كرم إلى الشرفة بفنجانه قلتُ له: "قدّمتُ طلب التسجيل في الجامعة." وضع فنجانه ببطء. "متى؟" "الساعة السابعة وعشرين دقيقة." "وكنتُ نائماً." "كنتَ نائماً." نظر إليّ. ثم قال: "جيد. بعض الأشياء تُفعَل وحدها أولاً." في اليوم الثالث بعد العودة اتصلتُ بنور. قالت حين سمعت صوتي: "الصوت مختلف." "مختلف كيف؟" "أقل حذراً." ضحكتُ. "ربما." قالت: "الحذر ضروري في وقته وثقيل حين يصبح عادةً بعد انتهاء وقته. كيف يمكنني أن
البحر في ذلك الصباح كان رمادياً وهادئاً، لا زرقاء التصوير ولا خضراء الوصف. كان بحراً حقيقياً في يوم اعتيادي قبل أن يُعلن الشمس كامل تألّقه. وقفتُ عند الحافة الرملية. الموج يأتي ويذهب بإيقاعه الذي لا يسأل أحداً عن إذن. والرمل تحت قدميّ بارد بعد ليلة طويلة. وقف كرم بجانبي. لم يقل شيئاً. ولم أقل أنا شيئاً. وكانت هذه هي المرة الأولى منذ بدأ كل شيء التي أقف فيها أمام شيء لا يحمل ذاكرةً مرتبطة بما مررنا به. البحر لا يحمل نجلاء ولا وثائق ولا طارق المصري ولا مجموعة القاهرة. البحر يحمل البحر فقط. قلتُ لكرم: "هذا أول مكان أقف فيه منذ أشهر لا يذكّرني بشيء." "وكيف يشعرك ذلك؟" "يشعرني بأنني أنا." قضينا ثلاثة أيام في ذلك المكان. ثلاثة أيام بلا جدول أعمال ولا رسائل مهمة ولا قرارات تنتظر. في اليوم الأول نمتُ حتى الساعة العاشرة لأول مرة منذ لا أذكر. وحين استيقظتُ وجدتُ كرم يقرأ كتاباً على الشرفة وفنجان القهوة بجانبه. جلستُ بجانبه ولم يرفع رأسه عن الكتاب. وكان في هذا الصمت المشترك الذي لا يحتاج كلاماً لكي يكون كافياً شيء أحببتُه أكثر من كثير من المحادثات الطويلة التي خضناها. في اليوم الثاني مشينا
وصلنا إلى دمشق في الصباح الباكر، كرم وأنا في رحلتنا الأولى معاً بعد الزفاف. كانت دمشق في ذلك الصباح تحمل من الهواء شيئاً لا تحمله دبي، رطوبةً خفيفة تجعل التنفس أثقل بقليل وأعمق بكثير. وقفتُ في المطار لحظة وأخذتُ نفساً عميقاً. قال كرم: "مرحباً بك في مدينة نجلاء." قلتُ: "مرحباً بنا." ريم كانت تنتظرنا في بيت العتبة. وحين دخلنا الزقاق الضيق المُؤدّي إلى البيت وجدتُ أن شيئاً تغيّر في طريقة رؤيتي له. في المرة الأولى كنتُ أنظر إليه بعيون من يدخل مكاناً يحمل تاريخاً لا يعرفه كاملاً. هذه المرة نظرتُ إليه بعيون من تعرف. فتحت ريم الباب قبل أن نطرق. نظرتُ إليها ونظرت إليّ ولم نقل شيئاً لحظةً. ثم قالت: "أهلاً بك في بيتك." لم تقل في بيت نجلاء. قالت في بيتك. دخلنا. الفناء كما هو، النافورة الصغيرة، شجرة الياسمين في الزاوية، والجدران الحجرية التي تمتصّ الحرارة. جلسنا وجاءت ريم بالقهوة. قلتُ لريم: "كيف هي الحياة هنا؟" فكّرت لحظة. "أهدأ مما كانت في أيام المعارك القانونية. لكنها أعمق بطريقة لم أتوقعها. لأنه كل يوم تأتي إليّ امرأة وتجلس في هذا الفناء، وأنا أنظر إلى الفناء وأتذكر نجلاء وكيف أنها بنت ه
في الأيام الثلاثة التي تلت الزفاف لم يحدث شيء استثنائي. وكان هذا بحد ذاته استثنائياً. في صباح اليوم الأول استيقظتُ متأخرةً لأول مرة منذ أشهر. لم يكن هناك اجتماع مُبكّر ولا ملف ينتظر ولا نور تنتظر اتصالاً. كان هناك صوت كرم في المطبخ يُعدّ القهوة ورائحة الخبز المحمّص التي أدركتُ أنني لم أشمّها منذ وقت طويل. دخلتُ المطبخ. قال كرم دون أن يلتفت: "الخبز جاهز." جلستُ على كرسي المطبخ. أكلنا الخبز المحمّص مع قطعة من الجبن وشربنا القهوة. لم نتحدث في شيء مهم. ولم يكن هناك شيء مهم يحتاج أن يُقال في ذلك الصباح. وكان هذا كافياً تماماً. في اليوم الثالث بدأ كرم يُحدّثني عن أمه. قال: "أمي كانت تُحبّ الزهور البرية. ليس زهور البيوت التي تُزرع في أصص وتُعطى أسماء. كانت تُحبّ ما ينبت وحده. حين كنّا صغاراً كانت تأخذنا في نزهات خارج المدينة وتُريّنا الزهور التي نبتت في الشقوق بين الصخور. وتقول إن الزهرة التي تنبت في الشق لا تنتظر من يزرعها. تجد طريقها لأن هذا ما تعرف أن تفعله." "ولماذا تُخبرني بهذا الآن؟" "لأنني رأيتُ ريم حين كانت تضع ضمة الياسمين على الطاولة. وفكّرتُ في أمي وفي الزهور البرية. ونجلاء ك
وصلت ريم في الصباح الباكر قبل أن تتحرك الشرفة بأي نشاط. كانت تحمل حقيبة صغيرة وفي يدها شيء ملفوف بقماش أبيض بسيط. حين رأيتُها في الردهة بكينا معاً قبل أن نقول كلمة واحدة. ليس بكاء حزن ولا بكاء فرح بل بكاء الأشياء الكثيرة التي لا تستطيع تسميتها دفعةً واحدة. قالت حين هدأنا: "أحضرتُ شيئاً من بيت العتبة." فتحت الملفوف بهدوء. كانت ضمة صغيرة من زهور يابسة من حديقة البيت، مربوطة بخيط بني قديم. "نجلاء كانت تُحبّ الحديقة. وهذه من شجرة الياسمين التي كانت تجلس بجانبها." أمسكتُ الزهور اليابسة بيدي. كانت خفيفة جداً. وكان في هذه الخفة شيء لا يُوصَف. بدأ الضيوف يصلون في ساعة المساء. جاء أبو وليد أولاً، بثيابه الرسمية وعيون تحمل الرضا الهادئ لرجل أتمّ ما بدأه في حياته. ثم نور، التي دخلت بثياب بسيطة وابتسامة خفيفة ونظرت نحوي بطريقة لا تحتاج كلاماً. ثم أبو تركي مع زوجته، وبعضٌ من فريق الشركة والوقف ممن كانوا جزءاً من هذا الطريق. كانت الشرفة حين اكتمل الجمع تحمل شيئاً لا تستطيع الإضاءة أو الزهور أو أي تزيين آخر أن يُصنعه: حضور أناس يعرف كل منهم لماذا هو هنا. على الطاولة الصغيرة في الزاوية وُضع شيئا







