Share

أنفاس مستعرة

Author: Alaa issa
last update publish date: 2026-06-28 10:54:36

انفتح باب السيارة المصفحة ذات الزجاج الداكن ببطء، وبدا جوفها الأسود وكأنه فم وحش يستعد لابتلاعي بالكامل. لم يمنحني كرم خياراً؛ قبضته المخملية الصلبة حول معصمي تحولت إلى قوة دافعة وجهتني نحو المقعد الخلفي الوثير. صعد خلفي مباشرة بحركة هادئة وواثقة، وأغلق الباب الثقيل بمجرد استقراره بجانبي.

في تلك اللحظة بالذات، انقطع الصوت تماماً. تكنولوجيا العزل داخل السيارة كانت مرعبة لدرجة أنني لم أعد أسمع سوى صوت دقات قلبي المتسارعة، والتي خلتُ أنها تدوي كالحطب المحترق في صدر الغرفة.

تحركت السيارة بهدوء قاتل، وتسللت الظلال الخارجية لمرآب الشركات عبر النوافذ المعتمة، لتنعكس خطوطاً متناوبة من الضوء والعتمة على ملامح كرم الجانبية. كان يجلس بكامل هيبته، يضع ساقاً فوق الأخرى، وعيناه الرماديتان مثبتتان على الطريق أمامه ببرود جليدي، وكأنني لم أكن قبل دقائق معدودة جارية على ركبتي تحت مكتبه، مأسورة بين رعب الحقيقة وسحر نفوذه.

"إلى أين نحن ذاهبون يا سيدي؟" ناديتُه بلقبه محاولةً تذكيره وتذكير نفسي بالفجوة الشاسعة بيننا، وبأنني مجرد موظفة لديه، لكن صوتي خرج مهزوزاً، يفتقر إلى كل أنواع الشجاعة.

لم يلتفت إليّ. ترفع كبرياؤه حتى عن إعطائي إجابة مباشرة. بدلاً من ذلك، امتدت يده الطويلة ذات الأصابع القوية نحو علبة سجائر فضية موضوعة في تجويف المقعد. سحب سيجارة ببطء، وأشعلها بقدحة أحدثت صوتاً صغيراً، ليتوهج النور البرتقالي للحظة، عاكساً النظرة المتعطشة والمتملكة المخبأة في عينيه.

استنشق الدخان بعمق، ثم أخرجه ببطء ليتصاعد في المساحة الضيقة بيننا، حاملاً معه تلك الرائحة الحادة والآسرة التي بدأت تفعل فعلها الغريب في خلايا دماغي. ساد الصمت مجدداً، صمت ثقيل، غامض، تشتعل في أحشائه حساسية جسدية لا يمكن تجاهلها.

"لقد سألتكِ سؤالاً في المكتب ولم تجيبيني عليه، شام،" قالها فجأة، دون أن يلتفت، بنبرته الرخيمة المنخفضة التي تبدو أقرب إلى الفحيح الناعم. "ما الذي يدفعه الجسد الخائف للبحث في أدراج لم تُفتح منذ سنوات؟"

ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وشعرت بجفاف شديد في حلقي. "لقد أقسمتُ لك.. الأوراق سقطت.. ولم أكن أعرف ما يحتويه ذلك الملف."

هنا، التفت إليّ بكامل جسده ببطء مرعب. انخفضت المسافة بيننا في ثانية واحدة عندما مال بجذعه العريض نحوي، ضاغطاً إياي نحو زاوية المقعد الجلدي للسيارة. امتدت يده، التي لا تزال تحمل سيجاره المشتعل، ليمرر ظهر سبابته الحراري فوق وجنتي الساخنة. كانت أصابعه باردة كالثلج، بينما كان وجهي يغلي بفعل التوتر والخجل المكتوم.

"أنتِ تكذبين،" قال بالقرب من شفتي، حتى تكاد أنفاسه المخلوطة بالتبغ تلتصق بأنفاسي المضطربة. "وعيناكِ الوجلتان تفضحان كل شيء. أنتِ جئتِ إلى شركتي بهدف محدد، ووقوع هذا الملف تحت يديكِ لم يكن مجرد حادثة عابرة."

تحركت أصابعه نزولاً من وجنتي، لتلتف مجدداً حول عنقي بلطف مفرط ولكنه يحمل تهديداً بالخنق الحسي. بدأ إبهامه يتحرك ببطء دائري فوق الشريان النابض في رقبتي، وكأنه يعد دقات قلبي الهاربة ويستمتع بضعفي الشديد أمامه. شعرت بجسدي بأكمله ينتفض، قشعريرة عنيفة سرت من أسفل عمودي الفقري لتستقر في أطرافي. كنت خائفة منه، نعم، ولكن هناك جزءاً مظلماً بداخلي كان يتوق لهذا القرب الخانق، يشتهي سطوة تملكه التي تعيد تعريفي من جديد.

حاولتُ رفع يدي لأبعد يده عن عنقي، لكن بمجرد أن لمست أصابعي معصمه الصلب، أطبق بيده الأخرى على كلتا يدي، وضغطهما معاً فوق صدري المرتجف، مثبّتاً إياي تحت وطأة جسده الفارع.

"لا تحاولي المقاومة،" همس وصوته ينخفض لطبقة أكثر عمقاً، وعيناه تتأملان شفتي المفتوحتين جزئياً لاستجماع الهواء. "كلما قاومتِ، كلما زادت رغبتي في كسر هذا الكبرياء الشامي الذي تختبئين خلفه."

انعطفت السيارة بقوة، مما جعل جسدي يرتد ويلتصق بصدره العريض بالكامل. شعرت بصلابة عضلاته، وبدقات قلبه القوية والمنتظمة التي تخالف جنون نبضاتي تماماً. تلاقت أعيننا في تلك اللحظة الحميمة والقسرية؛ كان هناك بريق غريب في عينيه الرماديتين، مزيج من الغضب الجارف، التملك، وشيء آخر يشبه الجوع العاطفي المكبوت وراء حصون بروده وصمته.

استمرت السيارة في السير لقرابة الساعة، وأنا مستسلمة بين قبضتيه، عاجزة عن الحركة، وعاجزة عن منع حواسي من الاحتراق بسببه. بدأ نسيج المدينة يتلاشى من النوافذ، ليحل محله ظلام طريق صحراوي موحش، لا تضيئه سوى كشافات السيارة.

فجأة، خففت السيارة من سرعتها، لتنعطف نحو بوابة حديدية ضخمة وعملاقة انفتحت بصمت مخيف. ظهر من خلفها قصر معزول، شاهق الارتفاع، تتوزع حوله إضاءات خافتة باللون الأصفر الدافئ، يحيطه صمت مطبق يشبه صمت المقابر.

توقفت السيارة أمام المدخل الرئيسي الفخم. التفت إليّ كرم، وأفلت يدي ببطء، لكنه أبقى وجهه قريباً من وجهي لدرجة مرعبة، وابتسامة غامضة ومظلمة ترتسم على شفتيه.

"لقد وصلنا إلى جحيمكِ الخاص يا شام،" قال بنبرة هادئة قطعت السكون. "هنا، لن يسمعكِ أحد إذا صرختِ، وهنا.. ستبدأين بدفع ثمن كل كلمة قرأتيها في ذلك الملف."

انفتح باب السيارة من الخارج بواسطة الحارس، لكن كرم لم يتحرك، بل ظل يثبتني بنظراته، منتظراً ردة فعلي. وقبل أن أتحرك، لمحتُ عبر النافذة المفتوحة ظلاً لشخص مسلح يقف فوق شرفة القصر، يوجه نظراته نحو السيارة، ويحمل بيديه غلافاً جلدياً أسود يشبه الملف الذي رأيته تحت المكتب.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خلف قناع الصمت   القوس المفتوح

    مع إشراقة الصباح الجديد، كانت الشمس تعتلي سماء دمشق بضياء بلوري صافٍ، يغمر تلال جبل قاسيون الممتدة ويتسلل ببريق ناصع إلى أزقة الشاغور العتيقة. لم تكن هذه الإشراقة تبدو كأيها صباح مرّ على بيت العتبة خلال السنين السابقة؛ إذ زال نهائياً ذلك الثقل المكتوم الذي كان يجثم على الصدور، وانقضت إلى غير رجعة خيالات الماضي وأشباح القضايا المالية والعقود المظلمة التي حاولت طوال عقود تكبيل المكان وأهله. ​كان الفناء الداخلي للدار الدمشقية ينضح بالحياة في أبهى صورها العفوية. مياه النافورة الرخامية تترقرق بانتظام يملأ الأرجاء بصوت خرير عذب، بينما كانت أوراق أشجار الليمون والكرمة تهتز بمرونة مع نسيم الصباح العليل الذي يحمل عَبق الياسمين البلدي ورائحة الزهر المعتق. ​جلستُ عند طرف المصطبة الحجرية العريضة، وأنا أتأمل الحركة المتدفقة في أرجاء البيت. لم يعد بيت العتبة مجرد مساحة سكنية معزولة نلوذ بها لنحمي أنفسنا من أخطار الخارجية؛ بل أصبح مركزاً ثنائياً ينبض بالروح والمؤسسية في آنٍ واحد. في الإيوان الكبير، كانت ريم تجلس برفقة المنسق الشاب أنس القادم من حي القابون، يراجعان كشوفات الطلبات الجديدة المقدمة لل

  • خلف قناع الصمت   سكينة الشاغور

    مع غسق المساء الذي ألقى بظلاله الأرجوانية الناعمة فوق أسطح الشاغور، هبط على بيت العتبة هدوءٌ ساحرٌ وخاص، كأنما كانت حجارة الصوان العتيقة تتنفس الصعداء بعد انقضاء النهار الحافل بمراسم التسليم. غادر المتطوعون والكوادر الشبابية الفناء الداخلي باتجاه مقراتهم ومنازلهم، محملين بالخطط التنظيمية والمهام الميدانية الجديدة، ليبقى البيت في عهدة ساكنيه الأساسيين الذين شهدوا كل فصل من فصول معركته الطويلة. ​أُضيئت المصابيح الجدارية ذات الزجاج الملون المنتشرة على جدران الفناء، لتعكس أضواءً دافئة تتراقص على صفحة مياه النافورة الرخامية. كانت رائحة الشاي الخادر بالنعناع والياسمين الدمشقي تتصاعد من الخدر القريب، مشيعةً في الأرجاء إحساساً عميقاً بالأمان والسكينة الشاملة التي غابت عن هذا المكان لسنوات طويلة. ​جلستُ مع كرم وأمي ويوسف في الفناء الداخلي، نتأمل السقف الخشبي المزخرف للإيوان ونسترجع شريط السنوات الأربع القاسية التي عبرناها معاً. لم تكن في الأذهان حسابات خطة قادمة، ولا هواجس إخطار قضائي طارئ، ولا ترقب لاتصال محمول يحمل أنباءً متوترة من دبي أو عمّان أو بيروت؛ بل كان حاضراً ذلك الصفا النقي الذي

  • خلف قناع الصمت   تسليم الملاذ للجيل الجديد

    مع بزوغ أولى ساعات الصباح التالي للّقاء الجامع، كانت حارة الشاغور تنفض عنها أثواب السكون لتستقبل يوماً يختلف في جوهره عن كل ما مضى. لم يكن الهواء الصباحي المحمل بأريج الياسمين وندى الصوان يحمل في نسيماته تلميحاً من توتر قديم أو ترقباً لإخطار قضائي؛ بل كان يفيض بنسائم الاستقرار المكتمل والسكينة الشاملة. ​في الساحة الداخلية لبيت العتبة، كان المشهد يكتسي طابعاً مؤسسياً رفيعاً يتجاوز بساطة اللقاءات الودية. رُصّت الطاولات الخشبية العريضة في إيوان الدار، وضُعت فوقها المجلدات المذهبة لـ "ميثاق الاستقلالية"، وسجلات الأصول الموقوفة، إلى جانب أجهزة اللوح الرقمي الموصولة بجميع الشبكات التنفيذية للمقرات الأربعة في الشاغور والقابون وجبل عمّان وبيروت. ​اليوم لم يكن مجرد استمرار للاحتفاء؛ بل كان موعد الجلسة التنفيذية الرسمية الأخيرة التي يخوضها كرم وشام بصفتهما المشرفين المباشرين، لتسليم كافة مقاليد القيادة الميدانية والإدارية والمالية للجيل الجديد من الكوادر الشبابية المتطوعة التي أُعدت ودُرّبت على مدار الأشهر الماضية. ​جلستُ بجانب كرم في صدر الإيوان، بينما جلست أمي على مقعدها الخشبي المريح بالق

  • خلف قناع الصمت   اللقاء الجامع في بيت العتبة

    أشرقت شمس الصباح فوق الشاغور بصفاء استثنائي كسر حلكة الفجر الأخيرة، وكسى جدران الأبنية الأبلقية في "بيت العتبة" بشرائط متلألئة من الضوء الدافئ. لم تكن حركة الرياح الخفيفة التي تحرك أغصان شجرة الليمون العتيقة سوى عزف متناغم يرافق تدفق المياه النقية في حوض النافورة الرخامية، والتي عادت تترقرق بانتظام يُشعر كل من يدخل الفناء بالسكينة التامة. ​في هذا الصباح، لم تكن الدار الدمشقية مجرد مقر لإدارة المعاملات الأهلية، بل تحولت إلى ساحة احتفالية جامعة احتضنت كافة أركان الحكاية، وجمعت بين أطراف شبكة الأمل التي امتدت عبر السنوات بين دمشق، وبيروت، وعمّان، ودبي. ​وصل وفد عمّان مبكراً؛ الأستاذ طارق العبادي برفقته رغد، يحملان النسخ التوثيقية المسجلة لبرامج التمكين الميداني في قصر الجمعية بجبل عمّان. ومن بيروت، وصلت سارة برفقة اثنتين من المنسقات الميدانيات اللاتي أشرفن على إدارة المساحات الآمنة هناك. وفي قلب الفناء، كانت ريم وأبو وليد والمهندس أنس من القابون يتنقلون بين الضيوف بزرع الدفء والترحاب، بينما جلس كرم وشام وأمي ويوسف يستقبلون القادمين بابتسامات تنضح باليقين المكتمل والرضا الصافي. ​التأمت

  • خلف قناع الصمت   العودة الشاملة وأرض الشاغور

    ​مع طلائع الفجر الأول لمطلع الخريف، كانت سماء دمشق تكتسي بخلعة من الصفاء الأرجواني الشفاف، بينما بدت قمم جبل قاسيون الممتدة خلف الأفق وكأنها تحرس أحياء المدينة القديمة بوقار متوارث. كان الهواء الصباحي ينساب عليلًا عبر أزقة حي الشاغور الملتوية، يحمل في ثناياه عبق الياسمين البلدي ورائحة حجر الصوان المعتق المبلل بندى الصباح. ​توقفت الشاحنة الكبيرة الحافلة بالأمتعة والملفات عند مشارف الممر المؤدي إلى الباب الخارجي لـ "بيت العتبة"، وتلتها سيارة رحبة قلّتنا جميعاً من مطار دمشق الدولي. كانت هذه العودة مختلفة تماماً عن كل المرات السابقة؛ لم نعد نصل بكتمان أو خوف، ولا نحمل حذراً مستتراً من ملاحقات قضائية أو تجاذبات سريّة في أروقة المحافظة أو ديوان المالية دبي. كنا نعود عودة جامعة، نهائية ومكتملة، لنستقر في بيتنا الذي طُهّر بالكامل من أوهام الابتزاز وركام الماضي. ​نزلنا جميعاً عند عتبة الباب الخشبي الكبير. وقفت أمي ترتدي عباءتها الدمشقية الوقورة، وتتكي بصلابة دافئة على ذراع يوسف الذي كان يحمل حقيبته الأكاديمية وشهادة الماجستير المجلدة بالذهب. وإلى جوارهما وقف كرم، بملامحه الرصينة التي زادتها

  • خلف قناع الصمت   العهد والميزان

    أشرقت شمس الصباح الدمشقي فوق الفناء الداخلي لبيت العتبة في الشاغور، تكسو حجارة الصوان الأبلق ببريق ذهبي دافئ، بينما كانت مياه النافورة الرخامية تترقرق بصوت خرير عذب يبعث في الأرجاء طمأنينة وسكينة استثنائية. لم يكن هذا الصباح يشبه غيره؛ إذ تحول الفناء العتيق الذي شهد أولى انقباضات الخوف وصمود نجلاء في غرفتها الشرقية إلى الملتقى الأخير والمباشر لمجلس الإدارة الأعلى لشركة "فجر القابضة" ولجنة الأمناء المستقلة للوقف. ​جلس كرم في منتصف المصطبة الحجرية العريضة، وأنا إلى جواره، وبجانبنا أمي ويوسف وأبو وليد وريم. بينما انضم عبر مكالمة الفيديو المباشرة الشركاء الجدد وأعضاء مجلس الإدارة التنفيذي لفجر من دبي، إلى جانب الأستاذ طارق العبادي ورغد من عمّان، وسارة من بيروت. ​كان جدول الأعمال يخلو تماماً من أي تسويات قضائية أو معارك عقارية طارئة؛ فقد تحولت كل الاستحقاقات إلى أرقام صافية ومواثيق ملزمة. كان الهدف الأساسي من الجلسة هو "التثبيت الدائم والتنفيذي للنموذج الأخلاقي" لشركة فجر، وإدراج ميثاق الاستقلالية في عقد التأسيس التجاري المعتمد للشركة في دبي ودمشق، بحيث يصبح التزاماً قانونياً وهيكلياً عا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status