تسجيل الدخولفي اليوم الرابع والأخير، جاءت حياة المنصوري إلى مكتب فراس قبل الجلسة بساعتين، ملتزمةً بوعدها بدقة لم أتوقعها منها. جلست أمام أبو وليد وفراس بهدوء من قرّر ولن يتراجع، تُعطي شهادتها كاملةً دون نقصان ودون زيادة، تاريخ التحويلات المالية ومصادرها وأسماء الوسطاء الذين استخدمهم زياد لإخفاء الصلة بين أمواله وبين فروع الشبكة في القاهرة. كنتُ جالسة في الزاوية أستمع، لم أتدخل في أي لحظة. شعرتُ أن حضوري الصامت هو الشيء الوحيد الذي طلبتُه من هذا اللقاء دون أن أطلبه صراحةً. في القاعة، حين وقف أبو وليد أمام القاضي لأخر مرة في هذه القضية، كان صوته أهدأ من أي وقت مضى، هدوء من لا يشك في ما سيقوله ولا فيما سيُنتج. قدّم شهادة حياة مرفقةً بالتحويلات الموثّقة، وضمّها إلى وثائق نجلاء وتقرير والدها الموثّق، وأمام القاضي الذي بدا أكثر صرامةً من جلسات سابقة، رسم خطاً واضحاً من نقطة البدء إلى النهاية: عقد وُقّع بالإكراه، واستُخدم ثلاثين عاماً كورقة ابتزاز، وها هو اليوم ينتهي أخيراً. لم يستطع محامي زياد في تلك الجلسة أن يرد بأكثر من اعتراضات إجرائية فارغة، وحين طلب القاضي من زياد نفسه إن أراد الإدلاء بأي تعلي
في اليوم الثالث من أيامنا الأربعة الأخيرة، جاءت نتائج التحقق التي طلبها كرم من فريقه عن صلة زياد بشبكة القاهرة. وصلت في ملف مشفّر أرسله مساعد قانوني يعمل في مكتب خارجي، جلسنا نقرأه مع فراس وأبو وليد في غرفة الاجتماعات، والصمت يثقل على الهواء كلما قلّبنا صفحة. لم تكن صلة زياد بالقاهرة مجرد تحويلات مالية كما قالت حياة. كانت أعمق من ذلك بكثير: مشاركة في هيكل شبكي ممتد، له فروع في القاهرة وعمّان وجزء صغير يصل إلى موسكو عبر وسيط مالي كان ناشطاً في التسعينيات وما زال يعمل تحت أسماء مختلفة. "موسكو؟" قلتُ بدهشة خفيفة، أنظر نحو كرم. لاحظتُ شيئاً في ملامحه حين قرأ الاسم الروسي الوارد في الملف، شيء صغير لكنني صرتُ أعرف وجهه جيداً بما يكفي لأراه. توقف عند تلك الصفحة أطول مما توقفت عند غيرها. "هل تعرف هذا الاسم؟" سألتُه بهدوء. "ربما." أجاب بنبرة محايدة تحاول الحياد. "هناك اسم مشابه في ملفات قديمة من عهد والدي، لكنني لم أتتبّعه يوماً. لم يكن يبدو ذا أهمية في وقتها." تدخّل فراس بحذر: "إن كانت الصلة بموسكو حقيقية، فهذا يعني أن زياد لا يمثّل فقط ثأر شخصي من عائلة والده، بل مصالح شبكة دولية
جاء التهديد في أبسط صوره الممكنة: رسالة نصية قصيرة على هاتفي الشخصي، من رقم مجهول لا أعرفه، في ساعة متأخرة من الليل قبل يوم الجلسة الحاسمة بساعات قليلة. "تراجعي عن الوثائق غداً، شام. ليس هذا ما تريده عائلتك." قرأتُها مرتين، تركتُها على الشاشة دون أن أُغلقها، وأيقظتُ كرم الذي كان ينام بجانبي بنوم متقطع لا يشبه النوم الحقيقي. قرأها بهدوء تام، أغلق الشاشة، ناولني الهاتف. "لا تجيبي." "لم أكن سأفعل." قلتُ. "هل تخافين؟" فكّرتُ للحظة بصدق تام. "لا. وهذا ما يُدهشني." وضعتُ الهاتف على الطاولة الجانبية، استلقيتُ من جديد، أحدّق في السقف. "قبل شهر كانت رسالة كهذه ستُشلّني. الليلة أشعر بشيء أقرب إلى الغضب من الخوف." "الغضب أفضل بكثير." قال كرم بهدوء. في الصباح أعلمنا فراس وأبو وليد بالرسالة. أصرّ أبو وليد على أن نُقدّمها للقاضي فور انعقاد الجلسة كمحاولة ترهيب موثّقة. "هذا ما يفعله رجل يشعر أن أرضه تنهار تحته،" قال بنبرة لا تخفي رضاه الهادئ. "لو كان واثقاً من موقفه القانوني ما احتاج أن يرسل رسائل ليلية." وصلنا إلى المحكمة مبكرين، وجدنا زياد يجلس في ردهة الانتظار برفقة محاميه، يتصفح هاتفه ب
في منتصف ذلك الأسبوع الضاغط، وسط كل المذكرات القانونية والمذكرات الصحفية واجتماعات فراس المتتالية، وجدتُ لحظة هادئة واحدة لأزور يوسف وخالد في الجناح الذي خصّصه لهما كرم في الطابق السابع. كنتُ أحتاج رؤيتهما، ليس لأخبرهما بشيء جديد، بل لأتأكد من أن ما يجري خارج هذا الجناح لم يثقل عليهما بأكثر مما يتحمّلان. فتح يوسف الباب قبل أن أطرق، وكأنه سمع خطواتي في الممر. كان وجهه أقل توتراً مما رأيتُه عليه ليلة الاعتراف، شيء ما بدأ يرتخي بداخله ببطء، ببطء شديد ربما، لكنه يرتخي. "كيف حالكِ؟" سألني قبل أن أسأله. "أفضل مما كنتُ منذ أسبوع." أجبتُه بصدق. "وأنتَ؟" تنحّى ليسمح لي بالدخول. "خالد يحدّثني." وجدتُ خالداً جالساً على الكرسي الوثير بجانب النافذة، فنجان شاي أمامه يتصاعد منه البخار، وجهه يحمل تعب الشيخوخة الذي يختلف عن تعب الأزمات، أكثر هدوءاً وأقل قلقاً. رفع نظره حين دخلتُ، ابتسامة خفيفة. "جلسنا معاً الأمس طويلاً،" قال خالد بصوت هادئ. "يوسف يسألني عن سنوات لا أتذكرها كلها بالضبط، وأنا أحاول أن أُعطيه ما أستطيع." "ماذا تسأله؟" توجّهتُ ليوسف. جلس يوسف على الأريكة المقابلة، يداه بين ركبتيه.
في صباح اليوم الذي قدّمنا فيه المذكرة القانونية، وبينما كان فراس يوقّع آخر الأوراق برفقة أبو وليد في المحكمة، أرسلت إليّ إلينا رسالة على هاتفي الشخصي بدلاً من البريد المؤسسي المعتاد. قرأتُها في ردهة المحكمة وكرم بجانبي: "شام، أريدكِ أن تعرفي قبل أي أحد آخر: صحفيان مستقلان من منصة تحقيقية مستقلة اتصلا بمكتب كرم منذ أمس يطلبان مقابلة. قرأتُ اسميهما في قائمة المراسلين المعتمدين، ليسا مرتبطين بأي جهة تمويلية لها صلة بزياد أو بشبكة القاهرة. أعتقد أنهما يعملان على تحقيق مستقل عن الشبكة بشكل عام، لا عن الشركة تحديداً. أخبركِ قبل كرم لأن القرار يجب أن يكون قراركِ." أريتُ الرسالة لكرم فوراً. قرأها بهدوء، ثم رفع نظره نحوي. "إلينا تُخبركِ قبلي." "لاحظتُ ذلك." قلتُ بحذر، أختبر ردّ فعله. "ربما هي تحاول أن تُثبت شيئاً،" قال بهدوء. "أو ربما هي تعتقد حقاً أن القرار لكِ أولاً." لم يُضف شيئاً، تركني أقرر. "أريد أن نقابلهما." قلتُ بعد لحظة. "ليس كمصدر يُدلي بمعلومات، بل كطرف يضع حدوداً واضحة لما يقوله وما لا يقوله. التحقيق المستقل عن الشبكة قد يفيدنا أكثر مما يضرّنا إن كان صادقاً." "وإن لم يكن صاد
انتظرتُ سامر عند مدخل البرج الجانبي بعد أن غادرت حياة المقهى، وحدي هذه المرة، دون كرم الذي أخبرتُه مسبقاً بأنني أريد هذه الدقائق بيني وبين سامر وحدنا. لم يعترض، لكنه أبقى اثنين من رجاله على بعد خطوات لا تلفت الانتباه. جاء سامر بخطى هادئة وملابس بسيطة لا تشبه ذلك الرجل المتقن المظهر الذي عرفتُه في أيام التواصل السري قبل أسابيع. بدا أنحف قليلاً، وعيناه تحملان شيئاً لم أرهما يحملانه من قبل: تعباً صادقاً لا يختلف عن تعب من يحمل ثقلاً فوق طاقته منذ فترة طويلة. وقفنا بجانب بعضنا عند الجدار الجانبي للبرج، لا نجلس، كأن الوقوف يمنح هذا اللقاء ما يستحقه من جدية دون تصنّع. "كيف حالك؟" سألتُه أولاً، لا من باب المجاملة بل من حاجة حقيقية لأن أسمع جوابه قبل أي حديث آخر. نظر نحوي بدهشة خفيفة، كأنه لم يتوقع هذا السؤال في هذه اللحظة. "أفضل مما كنتُ قبل أسبوع. أسوأ مما كنتُ قبل شهر." توقف. "هل هذا جواب كافٍ؟" "جواب صادق على الأقل." ابتسمتُ ابتسامة باهتة. "ذهبتم إلى دمشق،" قال بنبرة تؤكد لا تسأل. "وعدتم بما احتجتم." "بما كانت نجلاء تنتظر أن يصل لأيدينا منذ ثلاثين عاماً." أجبتُ. ثم وقفتُ صامتة لحظة







