Masukفي صباح يوم اعتيادي من أواخر ذلك الشهر وبينما كنتُ في الجامعة بين محاضرتَين اتصل كرم. نبرة صوته حين أجبتُ أخبرتني قبل أن يقول كلمةً واحدة أن ما سيقوله مختلف. قال: "جاءني اتصال قبل ساعة. من رقم لم أعرفه. والرجل الذي تكلّم قدّم نفسه باسم لم أسمعه من قبل لكن أسلوبه في الكلام كان يشبه شيئاً عرفتُه." "شبيه بماذا؟" "بالرجل في المكتبة." توقفتُ عن قراءة ملاحظاتي. "وماذا قال؟" "قال شيئاً واحداً ثم أغلق الخط. قال: أُريد أن أُخبرك أن ما بنيتَما بدأ يُؤثّر في أناس لا تعرفهم. وهذا ليس خبراً تُريد مؤسستكما معرفته. هذا خبرٌ يستحق أن تعرفاه أنتما شخصياً." الرجل الذي لا يُرى، الذي التقينا به مرةً واحدة في مكتبة هادئة وكان طارق المصري وسيطنا إليه طوال الأشهر الماضية، اتصل بكرم مباشرةً. وقال شيئاً لا يشبه لغة المصالح ولا لغة التهديد. قال شيئاً شخصياً. أخبرتُ نور في المساء. استمعت بصمت كامل غير معتاد منها، ثم سألت سؤالاً واحداً: "ما الجملة الحرفية التي قالها؟" صمتت لثوانٍ. ثم قالت: "هذه الجملة لا تُطلب إجابةً. لا تفتح حواراً. وليست تهديداً. هي إخبارٌ صرف. ومن يُخبر دون أن يطلب شيئاً في المقابل يُخب
في يوم من أيام ذلك الشهر حدثتْ لحظة صغيرة في قاعة دراسية لم أكن أتوقع أن تُخبرني بشيء مهم عن نفسي. كان الأستاذ يشرح مفهوماً في مادة الاجتماع يتعلق بديناميكيات القوة في المنظمات. وطرح سؤالاً على الجميع: حين تواجه مؤسسةٌ تحدياً خارجياً يُهدّد وجودها، ما الاستجابة الأكثر فاعليةً؟ أجاب بعض الزملاء بالدفاع والحماية. وأجاب آخرون بالتكيّف والتغيير. وأجاب ثالث بالتوثيق والشفافية. رفعتُ يدي. وكان ذلك أول مرة أرفع يدي في محاضرة في تلك الجامعة. قلتُ: "أعتقد أن الاستجابة الأكثر فاعليةً هي أن تُوضّح المؤسسة ما الذي تُؤمن به وتجعل هذا الإيمان أكثر وضوحاً مما كان عليه قبل التحدي. لأن المؤسسات التي تُهدَّد ثم تتراجع أو تتغيّر هي التي لا تعرف ما الذي تكون. أما التي تعرف ما الذي تكون فتستجيب للتحدي بأن تكون ذلك أكثر لا بأن تكون شيئاً آخر." نظر إليّ الأستاذ بتقييم حقيقي. ثم قال: "هذا منطق التمييز القائم على الهوية. من أين جاء عندك؟" توقفتُ. الإجابة الحقيقية كانت أنه جاء من أشهر عشتُها بين وثائق امرأة صمتت ثلاثين عاماً ومفاوضات مع مجموعة لا تُرى وجلسات مع مستشارة تعلّمتني أن أعرف ما أُؤمن به قبل أي
نظّم كرم اللقاء الأول من برنامج الإرشاد الشبابي في أواخر ذلك الشهر. لم يُسمّه برنامجاً في البداية لأنه قال إن الأشياء التي تُسمَّى قبل أن تتشكّل تتحوّل إلى الاسم لا إلى ما يجب أن تكون عليه. قال ستة أشخاص في غرفة، ليس أكثر. وموضوعٌ واحد: ما الذي تعلّمته من أصعب قرار اتخذته في عملك؟ وليس هناك محاضِرٌ. كلٌّ يتكلم حين يُريد. جلستُ في تلك الجلسة كمراقِبة لا كمُشارِكة. وكانت رؤيته في تلك الغرفة تُخبرني بأشياء عنه لم تُخبرني بها المحادثات الخاصة: كيف يستمع حين يستمع الآخرون لبعضهم، حين لا يكون مُتحدِّثاً ولا مُقدِّماً للجلسة بل مجرد شخص في الغرفة يُصغي. تكلّم ستة أشخاص في تلك الساعتَين. وتكلّموا بصدق لافت لأن السؤال الذي طُرح عليهم لا يطلب قصة نجاح بل لحظة أخطأ فيها صاحبها أو تعلّم منها. وهذا النوع من الأسئلة يُزيل شيئاً كثيراً من الحواجز التي يُقيمها الناس عادةً في الغرف الرسمية. في النهاية سأل أحد الشباب كرم: "وأنت؟ ما أصعب قرار اتخذتَه؟" نظر كرم نحو السائل بهدوء. ثم قال: "أصعب قرار اتخذتُه لم يكن قراراً في العمل. كان قراراً في الحياة. قرّرتُ أن أترك طريقاً رُسم لي ببطء واحتياطٍ وأن أب
في ذلك الأسبوع قرّرتُ البدء. ليس لسببٍ خاص أكثر من غيره. كانت هناك فقط فنجانٌ من القهوة في صباح السبت والبرج هادئٌ وكرم يقرأ في الغرفة المجاورة ودفترٌ جديد لم أفتحه بعد. واتخذتُ القرار. أحضرتُ الدفتر الجديد وقلماً واحداً وجلستُ في الشرفة الصغيرة. فتحتُ الصفحة الأولى. وكتبتُ العنوان: نجلاء. ثم جلستُ أمام هذا الاسم لعشر دقائق لم أكتب فيها كلمةً إضافية واحدة. ليس لأنني لا أعرف ماذا أكتب بل لأنني أعرف الكثير جداً ولا أعرف بعد من أين يبدأ ما أعرفه. حاولتُ أن أبدأ بوصف نجلاء: امرأةٌ من دمشق عاشت بعيداً عن دمشق وتركت وراءها وثائق وبيتاً ووقفاً. لكن هذه الجملة كانت تصف ما فعلت لا من كانت. وأنا لا أُريد أن أكتب عمّا فعلت لأن ما فعلت موثّقٌ في ملفاتها. أُريد أن أكتب عمّن كانت في اللحظات التي لا توثّقها الملفات. وفي المحاولة الثالثة كتبتُ شيئاً لم أُخطّط له: "نجلاء كانت تُعدّ قهوتها كل صباح وحدها. في مدينة لا تعرف معظم أسماء أحيائها وبين أناس لا يعرفون اسمها الحقيقي. وكانت تشرب قهوتها وتنظر من نافذتها إلى شارع أجنبي وتحتفظ بداخلها بأشياء لم تستطع قولها لأحد." توقفتُ. قرأتُ ما كتبتُ. ثم قرأ
في نهاية شهري دراسة جاء كرم في مساء هادئ وجلس في المقعد المقابل لي في مكتبي بطريقة تُخبر أن لديه شيئاً يُريد قوله لكنه يأخذ وقتاً في تنظيمه قبل النطق به. انتظرتُه. قال أخيراً: "أُريد أن أبدأ شيئاً. شيئاً ليس له علاقة بالشركة ولا بالوقف مباشرةً. شيئاً خاصاً بي." "تحدّث." "أُريد أن أُنشئ برنامجاً صغيراً. مجموعة من الشباب الذين يعملون في التجارة والأعمال ولا يملكون التوجيه الذي يحتاجون. ليس برنامج تدريب مهني بالمعنى التقليدي. بل لقاءات دورية يتحدث فيها ناس بنوا شيئاً حقيقياً عن ما تعلّموه لا عن ما نجحوا فيه." "وما الفرق؟" "الفرق كبير. معظم برامج التوجيه تُقدّم قصص نجاح. وقصص النجاح مُلهِمة لكنها مُضلِّلة في بعض الأحيان لأنها تبدو سهلةً في رواية النهاية. ما أُريده أن يروي الناس ما تعلّموه في الأخطاء والقرارات الصعبة والأيام التي لم يكونوا متأكدين فيها من أي شيء." "وهذا يأتي من أين في رأيك؟" فكّر لحظة حقيقية قبل الإجابة. "يأتي من أن والدي لم يُعلّمني شيئاً عن الأخطاء التي ارتكبها. علّمني فقط مظهر ما بنى. ولم أعرف كيف وصل إليه. وحين ارتكبتُ أخطائي الخاصة لم أجد نموذجاً يُخبرني أن هذ
في الأسبوع الثالث من الدراسة وصل خبر من ريم في ساعة كنتُ فيها بين محاضرتَين في الجامعة. قرأتُ الرسالة وأنا في ممر الكلية حاملةً حقيبتي ومعي كوب القهوة. كتبت ريم: "سارة، المرأة من لبنان، ستزور دمشق الأسبوع القادم. ستعمل معنا أربعة أيام على ثلاثة ملفات مشتركة. هذه أول شراكة رسمية للوقف خارج سوريا." وقفتُ في ذلك الممر الجامعي وحولي طلاب يمضون إلى قاعاتهم وأساتذة يحملون ملفاتهم وحياة جامعية تسير بإيقاعها الذي لا يتوقف. وأنا في وسط كل هذا أُمسك هاتفي وأقرأ رسالةً تقول إن ما حلمت به نجلاء ببطء وبناءٍ هادئ بدأ يتجاوز الحدود التي وضعها الزمن لها. أرسلتُ لريم كلمةً واحدة: "مبارك." جاء ردّها: "المبارك لنجلاء." في المساء أخبرتُ كرم. قال: "والوجود الخارجي يختلف عن الداخلي. الداخلي يقول إنك موجود في مكان. الخارجي يقول إن ما تبنيه يمشي بقدميه." "وما بنيناه بدأ يمشي بقدميه." نظر نحوي. "وهذا مختلف عن أي نجاح آخر حقّقناه. لأن النجاحات التي نقودها نحن كانت موجودةً لأننا موجودون. لكن حين يمشي ما بنيناه بدوننا، هذا هو النجاح الحقيقي." في الأسبوع التالي أخذتُ يوماً بعيداً عن الجامعة للسفر إلى دمشق مع







