Masukلم تكن مِيلَا تنوي النزول إلى الطابق الأرضي، لكن البقاء في الغرفة بدأ يخنقها. فمنذ استيقاظها في الصباح، وهي تحاول تجاهل ذكرى الليلة الماضية؛ رأسها الذي استقر على صدر إيڤان، وذراعه التي بقيت ملتفة حول خصرها حتى بعد أن غلبهما النوم، والطريقة التي شدّ بها البطانية حول كتفيها قبل أن يستسلم هو الآخر للتعب. كانت تلك التفاصيل الصغيرة كافية لإيقاظ أمل حاولت دفنه طوال الأسابيع الماضية، وهذا تحديدًا ما أخافها. لم تكن تريد أن تعود إلى نقطة البداية، إلى انتظار كلمة حنونة منه ثم قضاء يوم كامل تحاول فيه فهم سبب بروده المفاجئ. إن كان لا يزال يريدها في حياته، فعليه أن يتوقف عن جعلها تشعر بأنها ترتكب خطأ كلما اقتربت منه. ارتدت معطفها ونزلت إلى الصالة، حيث وجدت صاحب النُزل يتحدث مع أحد العاملين قرب المدخل. لم يكن إيڤان موجودًا، ولم تهتم بالسؤال عنه. اتجهت إلى النافذة المطلة على الطريق الجبلي، وراحت تراقب الثلج المتراكم على جانبي الممر، حين سمعت صاحب النُزل يقول بقلق: — “لا، لا يمكننا الانتظار حتى المساء. إذا لم نتمكن من فتح الطريق، فسيتعين علينا إيجاد طريقة أخرى.” استدارت نحوه. — “هل حدث شيء؟” ا
مع بقاء الطرق الجبلية مغلقة، لم يكن أمام إيڤان ومِيلَا سوى الاستقرار في النُزل الريفي حتى تسمح الأحوال الجوية باستكمال رحلتهما. كان الدفء الذي غمر الغرفة مختلفًا تمامًا عن البرد الذي حاصرهما طوال الليل، ومع ذلك، لم يستطع إيڤان التخلص من الشعور بالإرهاق الذي استقر في جسده. فقد أمضى ساعات طويلة في السيارة، متنبهًا لكل حركة تصدر عن مِيلَا، حتى عندما كان التعب يثقل جفنيه ويطالبه بالاستسلام للنوم. لم يكن مستعدًا للاعتراف بذلك، حتى لنفسه. وحين لاحظت مِيلَا ارتجاف أصابعه وهو يخلع معطفه، اكتفى بإبعاد يده عن مجال نظرها، كأن الحركة وحدها كافية لإخفاء ما رأته. — “أصبت بالبرد طوال الليل وأنت تحرسني، أليس كذلك؟” رفع عينيه إليها، ثم ألقى المعطف على طرف الكرسي وأجاب ببرود: — “أنا بخير. اهتمي بنفسكِ فحسب، ولا تراقبيني.” تأملته مِيلَا لحظة. كان من السهل عليها أن تتركه وشأنه، كما فعلت في مرات كثيرة خلال الأسابيع الماضية، لكنها لم تستطع تجاهل حقيقة أنه منحها معطفه وبقي مستيقظًا معظم الليل حتى يطمئن إلى أنها دافئة. لم تكن تلك التصرفات كافية لمحو ما حدث بينهما، لكنها جعلت تجاهله أمرًا أصعب مما أ
بعد مغادرتهما المقهى، اختار **إيڤان** طريقاً جبلياً متعرجاً ومختصراً بهدف الوصول إلى وجهتهما قبل حلول المساء. لكن الطقس بدأ يتغير بسرعة غير متوقعة؛ إذ تحول هطول المطر إلى ثلوج كثيفة حاجبة للرؤية، مما جعل المسار مزلقاً وخطيراً. وفجأة، دوى صوت انهيار صخري مدوٍّ في الأفق القريب! ضغط إيڤان على المكابح بكل قوته وفي اللحظة المناسبة تماماً، لتتوقف السيارة على بعد مسافة قصيرة من حطام الصخور والأشجار والمجارف الثلجية. وفي لحظة الانزلاق الغريزية، امتدت ذراعه العريضة بسرعة أمام صدر **مِيلَا** لتمنع اندفاع جسدها إلى الأمام، وسندها بإحكام حتى استقرت السيارة كلياً. ترجل إيڤان لتفقد الطريق وسط العاصفة، ليتأكد من أن الصخور الثلجية تسد المسار بالكامل، بينما أصبحت العودة إلى الخلف شبه مستحيلة بسبب طبقة الجليد الصقيل التي تشكلت خلفهما. عاد إلى داخل السيارة وهو ينفض الثلج عن كتفيه، وأخرج هاتفه ليتواصل مع فرق المساعدة والإنقاذ، لكن الرد جاء حاسماً: لن تتمكن الآليات من الوصول إليهما قبل حلول الصباح بسبب سوء الأحوال الجوية وانسداد الطريق الجبلي. التفت إليها وقال بجمود ولهجة عملية: — "سنضطر إلى قضاء الل
ما إن غادرا المنزل الريفي وابتعدا عن حدود القرية الصغيرة، حتى بدأ الطقس ينقلب بوادر عاصفة شتوية خفيفة؛ تحولت الغيوم الرمادية إلى ستارة كثيفة من المطر الذي بدأ ينهمر بغزارة على زجاج السيارة. ضاق إيڤان بعينيه وهو يحاول التركيز في الطريق الملتوي الذي غطته المياه، قبل أن يقرر الانعطاف نحو جانب الطريق حيث يقع مقهى قديم وصغير يبدو مهجوراً تقريباً. أوقف المحرك والتفت إليها بملامحه العابسة المعتادة: — "سنتوقف هنا قليلاً حتى يخف المطر." نظرت مِيلَا عبر النافذة إلى واجهة المقهى الحجرية البسيطة واللافتة المتهالكة، فعقدت حاجبيها بابتسامة خفيفة تحمل شيئاً من السخرية: — "لا أصدق.. من بين كل الأماكن، تختار مقهى يبدو كأنه مُستوحى من فيلم رعب قديم؟ لم أكن أعلم أن لديك هذا الذوق في اختيار الملاجئ." التفت إليها إيڤان بطرف عينه، واردف ببرود جاف: — "لم أكن أعلم أنكِ أصبحتِ خبيرة في تقييم المقاهي والطرقات يا مِيلَا.. وإلا لكنتُ استشرتكِ قبل أن أنعطف في هذا البرد." — "على الأقل لكان اختيارنا أفضل من هذا المكان المنسي." ردت بخفة وهي تفتح باب السيارة مسبقة إياه. — "انزلي بهدوء ولا تكثري التذمر." قالها
بعد انتهاء الغداء، بدأت **جورجينا** تجمع الأطباق من فوق المائدة، بينما نهض **فيليب** ببطء من مقعده، ووضع يده على ركبته التي آلمته منذ محاولته تغيير إطار السيارة في الطريق. لاحظت **مِيلَا** حركته، فنهضت من مكانها بهدوء. — "هل تسمحين لي بمساعدتكِ يا خالتي؟" التفتت جورجينا إليها بابتسامة دافئة. — "لا يا ابنتي، أنتِ ضيفتنا. ليس عليكِ أن تفعلي شيئًا." — "أعلم يا خالتي، لكنني أريد مساعدتكِ. لقد أحسنتِ استقبالنا، وأعددتِ لنا غداءً لذيذًا، وأقل ما يمكنني فعله هو مساعدتكِ في ترتيب المائدة." ابتسمت جورجينا، ثم ناولتها بعض الأطباق قائلة: — "أنتِ فتاة لطيفة يا مِيلَا." — "هذا لطف منكِ." حملت مِيلَا الأطباق إلى المطبخ، بينما نهض **إيڤان** وجمع بقية الأطباق ليلحق بهما. في المطبخ، وضعت جورجينا الأواني قرب الحوض، ثم التفتت إلى إيڤان بابتسامة مرحة: — "يبدو أنك معتاد على أن تعتني زوجتك بكل شيء بنفسها." رفعت مِيلَا رأسها، ثم أجابت بهدوء: — "لا يا خالتي، إيڤان يساعدني أيضًا. لا أريدكِ أن تظني أنه يتركني أقوم بكل شيء وحدي." توقفت يد إيڤان للحظة. لم يكن يتوقع منها أن تدافع عنه، خاصة بعد كل ما
بينما كانت السيدة المسنة منشغلة في المطبخ بترتيب الأطباق، اغتنم إيڤان فرصة انفراده بمِيلَا للحظات قصيرة. اقترب منها بخطوات واسعة، ثم أمسك بمعصمها وسحبها قليلًا نحو الرواق، بعيدًا عن مرأى المضيفين. انحنى نحوها، وخفض صوته حتى لا يسمعه أحد، لكن نبرته الحادة فضحت غضبه المكتوم. — أهذا ما ترينه مضحكًا يا مِيلَا؟ أن تجعلي مني مادة للسخرية أمام أشخاص لا نعرف عنهم شيئًا؟ رفعت مِيلَا عينيها إليه دون أن تحاول تحرير معصمها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة. — ولماذا غضبت إلى هذا الحد؟ ألم أقل الحقيقة؟ أم كنت تفضل أن أخبرهما أنك رجل لطيف، تبتسم طوال الوقت، ولا يصدر الأوامر إلا عندما يطلب منه أحدهم ذلك؟ اشتد فكه، لكنه لم يقاطعها. تابعت بنبرة أكثر هدوءًا، وكأنها تتعمد أن تجعل كلماتها أشد وقعًا: — أم تفضل أن أخبرهما أنك لا تعرف كيف تتحدث إليّ إلا حين تريد السيطرة عليّ؟ اشتعلت عيناه غضبًا، وانقبضت أصابعه حول معصمها للحظة قبل أن ينتبه إلى ضغطته فيخففها. — احذري الطريقة التي تتحدثين بها معي. — وإلا ماذا ستفعل؟ ستعاقبني لأنني لم أعد أبتسم كلما قررت أن تعاملني كما تشاء؟ توقف إيڤان عن الكلام. كا







