LOGINفي صباح اليوم التالي، استيقظت ألما على صوت هاتفها الذي اهتز فوق الطاولة الصغيرة بجانب سريرها، فمدت يدها بتكاسل والتقطته، لتجد رسالة من قيس وصلت قبل دقائق، وكأن الرجل لم يستطع أن يبدأ يومه دون أن يطمئن عليها. ابتسمت وهي تقرأ كلماته، ثم جلست على حافة السرير تنظر من نافذتها الواسعة إلى الحديقة الهادئة أمام المنزل، حيث كانت قطرات الندى لا تزال عالقة فوق أوراق الأشجار.
كانت الرسالة قصيرة: "صباح الخير يا ألما، لا تنسي أنني سأراك قبل أن أذهب إلى الشركة." كتبت له: "صباح الخير، سأنتظرك." ثم نهضت واتجهت إلى الحمام لتغتسل وبعد أن خرجت اتجهت إلى خزانة ملابسها، واختارت إطلالة أنيقة وبسيطة؛ فستانًا بيج بلون هادئ ينسجم مع بشرتها، وتركت شعرها الأسود الطويل منسدلًا على ظهرها، قبل أن تضع عطرًا خفيفًا اعتاد قيس أن يمدحه كلما شعر برائحته. لم تكن تعرف لماذا اهتمت بمظهرها إلى هذا الحد في صباح عادي، لكنها كانت تفعل ذلك دائمًا عندما تعلم أنها ستراه. بعد أقل من ساعة، ظهرت سيارة قيس أمام منزلها، فتوجهت ألما إلى الخارج، وما إن رأته حتى ابتسمت دون تفكير. كان يرتدي بدلة داكنة أنيقة، وقميصًا أبيض وساعة فاخرة، وقد بدا مستعدًا ليوم طويل في الشركة، لكنه ما إن رأاها حتى خفتت ملامح رجل الأعمال الجاد، وظهرت مكانها ابتسامة يعرفها الجميع جيدًا عندما يكون أمام الشخص الذي يحبه. قال وهو يقترب منها: "صباح الخير." أجابته بابتسامة: "صباح النور." تأملها للحظة ثم قال: "كنت أعرف أنك ستبدين جميلة، لكن يبدو أنني كنت مخطئًا." ضحكت ألما: "كيف تكون مخطئًا؟" "لأنك أجمل مما توقعت." هزت رأسها وهي تقول: "أنت لن تتغير أبدًا." قيس : "أتمنى ذلك." فتح لها باب السيارة، ثم صعد إلى جانبها وانطلقا. كان الطريق إلى الشركة قصيرًا، لكن قيس بدا مستمتعًا بكل دقيقة معها، يسألها عن نومها وفطورها وما الذي تنوي فعله خلال اليوم. كانت أسئلته بسيطة، إلا أنها كانت بالنسبة إلى ألما دليلًا على اهتمامه. قالت له فجأة: "أريد أن أراك الليلة." نظر إليها للحظة ثم أعاد عينيه إلى الطريق. "سأحاول." رفعت حاجبها. "سأحاول؟" ابتسم: "لدي اجتماع مهم." قالت له : "إذن لن أراك." ابتسم وقال. "قلت سأحاول." صمتت قليلًا، ثم قالت: "أنت دائمًا تجعلني أنتظر." ضحك بهدوء: "وأنتِ دائمًا تنتظرين." نظرت إليه، ثم ابتسمت رغمًا عنها. عندما وصلا إلى مبنى الشركة، كان المكان يعج بالموظفين، والسيارات الفاخرة تتوقف أمام المدخل الرئيسي، بينما كان رجال الأعمال والموظفون يدخلون ويخرجون بسرعة. توقفت سيارة قيس، ونزل منها أولًا، ثم فتح لها الباب وأمسك يدها حتى وقفت بجانبه. نظر أحد الموظفين إليهما بابتسامة، فقد اعتاد الجميع على رؤية ألما برفقة قيس. قال قيس: "سأتصل بكِ عندما أنتهي." سألته : "وعد؟" نظر إليها مباشرة: "وعد." ثم انحنى قليلًا وقبّل جبينها، قبل أن يترك يدها ويدخل إلى المبنى. ظلت ألما تراقبه للحظات قبل أن تعود إلى سيارتها. لم تكن تعرف أن تلك الكلمة البسيطة، وعد، ستصبح فيما بعد واحدة من أكثر الكلمات التي ستؤلمها. --- في الظهيرة، كانت ألما تجلس في أحد المقاهي برفقة ندى وريان. كانت ندى تتحدث بحماس عن مناسبة ستقام في نهاية الأسبوع، بينما كانت ريان تستمع وهي تقلب ملعقة القهوة بين أصابعها. قالت ندى: "يجب أن نذهب جميعًا، لن أقبل بأي عذر." ابتسمت ألما: "سأرى إذا كان قيس لديه وقت." رفعت ريان عينيها إليها وقالت: "أنتِ دائمًا تربطين خططك بوقت قيس." نظرت ألما إليها باستغراب. "ماذا تقصدين؟" أجابت ريان بهدوء: "لا أقصد شيئًا سيئًا، لكنني أحيانًا أشعر أنك نسيتِ أن لديك حياة خاصة بك." ضحكت ندى: "اتركيها، هي تعيش قصة حب." لكن ريان لم تضحك. كانت تنظر إلى ألما بطريقة جعلتها تصمت للحظة. قالت: "أنا فقط أريدك أن تتذكري نفسك يا ألما. الحب جميل، لكن لا تجعلي حياتك كلها معلقة بشخص آخر." ابتسمت ألما وقالت: "أنا أعرف ذلك، لكن قيس ليس شخصًا عابرًا في حياتي." اجابتها ريان : "أعرف." ألما : "وأنا أثق به." قالت ريان: "وأتمنى أن يبقى جديرًا بهذه الثقة." لم تعرف ألما لماذا بقيت كلمات ريان في ذهنها حتى بعد أن غادرن المقهى. كانت تثق بقيس فعلًا. بل كانت ترى أن مجرد الشك فيه أمر غير منطقي. --- في المساء، لم يتصل قيس. مرت الساعة تلو الأخرى، وألما كانت تنظر إلى هاتفها بين حينٍ وآخر، تحاول إقناع نفسها بأنه مشغول في العمل، وأن الاجتماع طال أكثر مما توقع. أرسلت له رسالة: "هل انتهيت؟" انتظرت. لم يصل الرد. وضعت الهاتف جانبًا، ثم حاولت الانشغال بشيء آخر. بعد ساعة، وصل الرد أخيرًا: "آسف، كان يومًا طويلًا جدًا. سأتصل بكِ غدًا." نظرت ألما إلى الشاشة طويلًا. كان الرد طبيعيًا. لا شيء فيه يستحق القلق. ومع ذلك شعرت بشيء غريب لم تستطع تفسيره. --- في صباح اليوم التالي، وصل قيس إلى الشركة مبكرًا، وكان يحمل ملفًا من الأوراق عندما خرج من المصعد، فاقتربت منه إحدى الموظفات لتخبره أن هناك اجتماعًا جديدًا قد أضيف إلى جدول أعماله. قالت: "السيد قيس، الاجتماع الساعة العاشرة." أجاب: "مع من؟" وقبل أن تكمل، سمع صوتًا من خلفه: "معي." التفت قيس. كانت ميار تقف أمامه. كانت ترتدي ملابس أنيقة، وتحمل ملفًا بين يديها، وعلى وجهها ابتسامة هادئة. قالت: "صباح الخير." نظر إليها قيس للحظة، ثم أجاب: "صباح الخير." لم يكن يعرفها جيدًا بعد. ولم يكن يعلم أن هذا اللقاء العادي، الذي لم يستغرق سوى دقائق، سيكون بداية سلسلة من الأحداث التي ستغيّر حياته وحياة ألما بالكامل. أما ميار، فاكتفت بابتسامة صغيرة قبل أن تبتعد. وبقي قيس واقفًا للحظات، يتابعها بعينيه دون أن ينتبه إلى نفسه. ثم نظر إلى هاتفه. كانت هناك رسالة جديدة من ألما: "اشتقتُ إليك." قرأها. ابتسم. لكن هذه المرة، لم تكن ابتسامته كما كانت بالأمس.كان أدهم لا يزال جالسًا على الطاولة، ممسكًا بهاتفه ويتصفح بعض الرسائل التي وصلته. بدا كل شيء طبيعيًا من حوله؛ الموسيقى الهادئة تنساب في أرجاء المطعم، وأحاديث الزبائن تتداخل بخفوت، فيما بقيت الأضواء الدافئة منعكسة على الطاولات الزجاجية.رفع أدهم عينيه نحو الدرج للحظة، ثم أعادهما إلى هاتفه.تأخرت ألما قليلًا، لكنه لم يجد في الأمر ما يدعو إلى القلق. ربما احتاجت إلى بعض الوقت، أو ربما توقفت لتغتسل وترتب مظهرها قبل العودة. وضع الهاتف على الطاولة، ومد يده إلى كأس الماء، وأخذ رشفة صغيرة.ثم سمع صوتًا غريبًا.كان صوت صرخة قصيرة قادمة من الأعلى، تبعتها أصوات مضطربة لم يستطع تمييزها جيدًا.توقف أدهم عن الحركة.رفع رأسه بسرعة، وأصغى للحظة، محاولًا التأكد مما سمعه. لم تمر سوى ثوانٍ حتى ارتفع صوت آخر، أكثر وضوحًا، تخللته صيحات دهشة من بعض الموجودين.نهض أدهم فجأة، حتى إن كرسيه تحرك إلى الخلف واصطدم بالأرض بصوت مسموع."ما الذي يحدث؟"قالها وهو يلتفت نحو الدرج، ثم اندفع باتجاهه دون أن ينتظر إجابة من أحد.صعد الدرجات بسرعة، وقلبه يخفق بعنف. لم يكن يعرف ما الذي حدث في الطابق العلوي، لكن شيئًا في داخله
واصلت ألما صعود الدرج بخطوات هادئة، رافعة طرف حقيبتها الصغيرة بيدها، بينما كانت يدها الأخرى تستند بخفة إلى الدرابزين. كان صوت الموسيقى القادمة من الطابق السفلي يصل إليها مكتومًا، وكلما ارتقت درجة، خفتت الأصوات من حولها حتى أصبح المكان في الأعلى غارقًا في هدوء غريب.لم تكن تفكر في شيء محدد. أرادت فقط الوصول إلى دورة المياه ثم العودة إلى أدهم، فقد كان المساء لطيفًا، ولم تكن ترغب في إفساد هذه النزهة التي انتظرتها منذ أيام.لكن عندما وصلت إلى أعلى الدرج، توقفت فجأة.كان هناك شخص يقف على مسافة قصيرة منها.تجمدت ألما في مكانها، وشعرت بأن خطواتها التي كانت تتحرك قبل لحظات قد فقدت قدرتها على التقدم. رفعت عينيها نحو المرأة الواقفة أمامها، وتأكدت من هويتها، ثم انعقد حاجباها قليلًا.ميار!لم تكن تتوقع رؤيتها هنا، وخصوصًا في هذا الفندق، وفي هذا المساء تحديدًا.كانت ميار ترتدي ثوبًا أنيقًا، وشعرها مرتب بعناية، وملامحها تحمل ذلك الهدوء المتكلف الذي لم تستطع ألما يومًا أن تثق به. وما إن وقعت عينا ميار عليها حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة بطيئة، لم تحمل أي ترحيب حقيقي.بقيت ألما تنظر إليها لثوانٍ، ثم
عند الساعة الرابعة مساءً تقريبًا، كانت ألما قد بدأت تستعد للخروج.وقفت أمام خزانة ملابسها لبعض الوقت، تنظر إلى الملابس المعلقة أمامها، قبل أن تستقر عيناها على بدلة جميلة باللون الأبيض الناصع.أخرجتها بهدوء، ثم وضعتها على السرير.لم تكن تريد شيئًا مبالغًا فيه، فقط إطلالة بسيطة وأنيقة تناسب مساءً هادئًا تقضيه خارج المنزل.بعد أن ارتدت البدلة، وقفت أمام المرآة من جديد.وضعت أقراطًا من اللؤلؤ الأبيض، ثم رفعت شعرها الأسود الطويل بعناية، تاركة إياه مرفوعًا بطريقة عشوائية أنيقة جعلت بعض الخصلات تنسدل بخفة حول وجهها.تأملت نفسها للحظات.ثم ارتدت حذاءها ذا الكعب الأبيض.بقيت واقفة أمام المرآة دون أن تتحرك، تنظر إلى انعكاسها وكأنها تحاول أن تتأكد من أنها جاهزة بالفعل.رفعت يدها ولمست إحدى خصلات شعرها، ثم عدلتها قليلًا."حسنًا..."قالتها لنفسها بابتسامة خفيفة.التفتت بعدها نحو الطاولة، أخذت حقيبتها وهاتفها، ثم خرجت من الغرفة.لم يمض وقت طويل حتى أصبحت الساعة تقترب من الخامسة.نزلت ألما إلى الطابق السفلي، ودعت والدتها قبل أن تخرج من المنزل.وحين فتحت الباب، توقفت فجأة.كانت سيارة أدهم متوقفة أمام
مرت عدة أيام منذ ذلك المساء. كانت الأيام هادئة نسبيًا.لم يحدث فيها شيء كبير، لكن ذلك الهدوء لم يكن يعني أن الأشياء توقفت عن التغير.كانت ألما تقضي وقتها بين القراءة، والجلوس مع والدتها روان، وأحيانًا الخروج مع ندى وريان. في صباح أحد الأيام، كانت ألما غارقة في نوم هادئ، عندما اهتز هاتفها الموضوع على الطاولة بجانب السرير.صدر صوت إشعار قصير.تحركت ألما قليلًا تحت الغطاء، ثم فتحت عينيها ببطء.ظلت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تستوعب أنها استيقظت، قبل أن يصلها صوت الإشعار مرة أخرى في ذاكرتها.مدت يدها نحو الطاولة، وأخذت هاتفها.عندما فتحت الشاشة، ظهر اسم أدهم.فتحت الرسالة."صباح الخير ألما، اليوم سأأتي الساعة الخامسة مساءً لنخرج."بقيت تقرأها مرة أخرى، ثم ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهها.لم تكن تتوقع أن يحدد أدهم موعدًا جديدًا بهذه السرعة، خصوصًا بعد أن اضطر إلى إلغاء خروجهما السابق بسبب الاجتماع الطارئ.شعرت بشيء من الفرح البسيط.جلست على السرير، وأسندت ظهرها إلى الوسادة، ثم بدأت تكتب له."صباح الخير، حسنًا، أنا بانتظارك."أرسلتها، وبقيت تحدق في الشاشه لعدة ثوانٍ، قبل أن تغلقه.وضع
بعد أن أنهت ألما مكالمتها مع أدهم، بقيت للحظات واقفة في مكانها، والهاتف ما زال بين يديها.كانت تنظر إلى الشاشة التي انطفأت منذ ثوانٍ. تنفست ببطء، ثم وضعت الهاتف على الطاولة القريبة منها.لم تكن تشعر بالحزن، لكنها لم تستطع أيضًا أن تنكر ذلك الشعور الصغير الذي تسلل إلى داخلها عندما أخبرها أدهم أنه لن يستطيع الخروج معها.كانت قد بدأت بالفعل تستعد.اختارت ملابسها، رتبت شعرها، وكانت قد بدأت تتخيل ببساطة كيف سيمضي المساء. لم يكن في الأمر شيء كبير، مجرد نزهة قصيرة وحديث هادئ كما حدث في حديقة لورين، لكن ربما لأنها كانت بحاجة إلى تلك الساعات القليلة بعيدًا عن كل ما يدور في رأسها، شعرت بخيبة أمل صغيرة عندما أُلغي الموعد.اقتربت ألما من النافذة وفتحت باب الشرفة.دخلت نسمة هواء لطيفة إلى الغرفة، حملت معها برودة خفيفة جعلتها تتنفس بعمق.كان الليل قد بدأ يحل على المدينة، والسماء تحولت تدريجيًا إلى لون داكن هادئ، بينما بدأت أضواء المنازل والمباني تضيء في كل مكان.خرجت ألما إلى الشرفة.كانت أجواء المدينة مختلفة هذه الأيام.الصيف بدأ يقترب، والهواء أصبح أكثر دفئًا من الأسابيع الماضية، لكن نسمة المساء
بعد أن أنهت ألما المكالمة مع قيس، بقي الهاتف في يدها لثوانٍ.كانت تنظر إلى الشاشة دون أن تفعل شيئًا، وكأنها تحاول أن تفهم ما شعرت به خلال تلك المكالمة.لم تكن المكالمة طويلة.ولم يحدث فيها شيء كبير.ومع ذلك، كان لصوت قيس تأثير غريب عليها.كانت قد حاولت أن تضع حدودًا واضحة بينهما، وأن تجعله يفهم أنها لا تريد أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه بهذه السرعة.وهو، بطريقة لم تتوقعها، لم يجادلها.لم يضغط عليها.لم يطلب منها أن تسامحه.اكتفى بأن قال إنه سيفهم.تنهدت ألما، ثم وضعت الهاتف على الطاولة.نظرت إلى الساعة.كانت السابعة مساءً.اتسعت عيناها قليلًا."الوقت تأخر."تذكرت موعدها مع أدهم.كانت قد اتفقت معه أن يأتي في الثامنة ليأخذها.نهضت من مكانها، واتجهت نحو الحمام.كانت بحاجة إلى الاستحمام والاستعداد بهدوء، خصوصًا أنها لم تكن قد خرجت منذ فترة طويلة لمجرد قضاء وقت لطيف بعيدًا عن كل المشاكل.دخلت الحمام وأغلقت الباب خلفها.وبعد وقت، خرجت وهي تشعر ببعض الانتعاش.جففت شعرها، ثم تركته منسدلًا على كتفيها، واتجهت نحو خزانة ملابسها.فتحت الباب، وبدأت تنظر بين الملابس.مدت يدها نحو إحدى القطع، ثم







